الفتاوى

  • سينتحر لو طلقني

    أنا متزوجة ولدي بنات، زوجي يصرف علينا بسخاء ولا يجعلنا نحتاج لشيء، لكنه يمن عليَّ بذلك، ويكذب لدرجة أني بت لا أثق بكل كلامه، لأنه تعود أن يكذب بسبب وبدون سبب، حتى أنه يوقعني في الحرج كثيرا، وكل من حولنا يعرف بكذبه، ونحن على النقيض في كثير من الأشياء، أهله يسيئون إلي بكلامهم، ويتعاملون بالسحر، ووجدت الكثير من الأوراق والحجابات وما إلى ذلك، وأنا أتغاضى عن إساءاتهم، وعند زياراتهم لنا يسببون لي المشاكل، ويتعمدون مضايقتي، وإحدى أخواته تنقل كلاما خاطئا عني إلى جاراتي، وأنا إنسانة في حالي وأتغاضى عن تصرفاتهم، ولكني طلبت من زوجي أن يجنبني تلك المواقف، ويمنع زيارتهم لنا حيث أنّا نقيم في مدينة أخرى، أنا أعرف صعوبة ذلك عليه ولكني لم ألجأ إليه إلا بعد أن نفذ صبري، وأنا لا أمنعه عن برهم بل هو يكرههم لسوء تصرفاتهم معه، وأنا أطلب إليه أن يحسن إليهم ويساعدهم ماديا وألح عليه في ذلك، وهو ينقل كلامهم إلي ويخبرني بأنهم يسيئون القول عني في غيابي حتى بت أكرههم وأكره زوجي لنقله الكلام، وأخبرته مرارا ألا يفعل ذلك لكنه لا يهتم، وعندما نتشاجر لأي سبب يتعمد أن يغيظني ويطلب إلى أهله أن يأتوا لزيارتنا، كرهت زوجي وطلبت إليه الزواج بأخرى لأتفرغ أنا لتربية بناتنا لكنه رفض، طلبت الطلاق ورفض أيضاً، يعدني مراراً وتكراراً بالتغير، ولا يفعل، إضافة للكثير من السلوكيات التي تصدر عنه ويطول شرحها، لكنها كلها جعلتني أنفر منه، في آخر مرة تشاجرنا وعدني بالتغيير؛ طلبت منه أن يحلف على طلاقي؛ لو أنه لم يلتزم بوعده أكون أنا طالقا منه، فهل أنا مخطئة في ذلك؟ وإن أصررت على طلاقي منه هل يشملني الوعيد الوارد في الحديث (أيما امرأة طلبت من زوجها الطلاق في غير ما بأس…الخ)؟ وهناك سؤال آخر: يهددني بأنه سينتحر لو تطلّقت منه، فهل أنا آثمة لو نفذ وعيده؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    ففي المسألة جملة من القضايا يحسن بك أن تفصلي بينها، ولا تسلكيها في منظومة واحدة؛ حيث أوردت مشكلات تتعلق بعلاقتك بزوجك، وأخرى تتعلق بعلاقتك مع أهله، والفصل بينهما مطلوب؛ لأن مشاكل الزوجة مع أهل زوجها لا يكاد يسلم منها بيت ولا تنجو منها امرأة؛ إذ العلاقة بين الزوجة وأحمائها غالباً ما يشوبها التوتر وتعتريها ندوب وعثرات؛ لكن إذا كانت علاقة المرأة بزوجها جيدة فإنها تستطيع التغلب على هذا كله؛ وإذا فسدت علاقتها بزوجها وزالت الثقة بينهما فلا يغني عنها حسن علاقتها بأحمائها؛ وأقول جواباً على هذا السؤال:

    أولاً: ذكرت عن زوجك أنه يكذب وأنه يخضع لإملاءات أهله.. الخ وأقول: إن من المفيد في تلك الحال أن تتذكري محاسنه، وقد ألمحت إلى واحدة منها وهي كرمه الفياض وعطاؤه الممتد، لكن لو أنصفت لرأيت له محاسن سوى ذلك؛ وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال {لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر} فكذلك الحال مع الزوج إن كرهت منه خلقاً فارضي منه آخر؛ ومن ذا الذي ما ساء قط، ومن له الحسنى فقط؟!!!

    ثانياً: الكذب شين في الرجل عيب مؤثر في علاقته بزوجته، وقد ذكرت أن صاحبك مبتلى بهذه الخصلة الذميمة؛ فانظري هل من علاج لها؟ لأنها مفسدة وأي مفسدة!! لا بد من مصارحته بأن هذه الخصلة مدمرة للعلاقة الزوجية، موجبة لحصول الشك والريبة، وأنك لن تكوني معه على حال طيبة ما دام متصفاً بها، وساعديه – أحسن الله إليك – على التخلص منها. وكذلك أبلغيه أن نقل الكلام السيئ الذي يصدر من أهله ليس من شيم الرجال، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال {لا يدخل الجنة نمام} وأن هذه الخصلة تتنافى مع العقل السليم والشرع القويم

    ثالثاً: ما يصدر من أهله احتسبي الأجر فيه عند الله، وأكثري من ذكر الله والتحصينات الشرعية ليصرف الله عنك كيدهم ومكرهم، واحرصي – بارك الله فيك – على ألا توغري صدر زوجك وأولادك عليهم، والتمسي في ذلك الأجر من الله، وتذكري قول النبي صلى الله عليه وسلم {ما ظلم عبد مظلمة فعفا إلا زاده الله بها عزا} وأعرضي عن إساءاتهم طلباً للأجر من الله الذي قال ((خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)) وقال ((ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)).

    رابعاً: ما ينبغي لك أن تستحلفيه بالطلاق؛ فهذا مخالف للشريعة التي قال صاحبها {من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت} فلو اضطررت فاستحلفيه بالله الذي لا يحلف بأعظم منه جل جلاله، ثم إذا استبان لك استحالة العيش معه فلا حرج عليك في طلب الطلاق لأن البأس حاصل، ولا يضرك تهديده إياك بأنه سينتحر، بل المعول على قول ربنا سبحانه وتعالى ((وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته وكان الله واسعاً حكيما)) والله ولي التوفيق.

  • الوعد بالطلاق

    السلام عليكم، طلبت الطلاق من زوجي وكنا نقيم في بيت والدي فأخذ أشياءه وغادر المنزل ووعد أن يرسل لي ورقة الطلاق دون أن يلفظ لفظ الطلاق. ثم خاطبنا هو مرة أخرى وأكد موافقته، وكذلك فعلت والدته وأنها سترسل الورقة بعد أن طلبت مهلة قصيرة لعمل بعض الترتيبات، فهل يعتبر الطلاق قد وقع؟ وجزاكم الله خيرًا.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فالطلاق لا يقع إلا إذا تلفظ به الزوج أو كتبه طائعاً مختارا، وهذا الذي كان منه إنما هو وعد بالطلاق وليس طلاقاً، وكذلك الذي كان من أمه إنما هو وعد مع كونها لا تملك الطلاق وإنما يملكه الزوج؛ لقول النبي صلى الله علـيه وسلم (إنما الطلاق لمن أخذ بالساق) والله تعالى أعلم.

  • الحلف بالطلاق

    سافرنا لعزاء نسابتنا وعندما كنا راجعين تزاحمت مع أحد نسابتنا على دفع التذاكر فنحن سبعة أشخاص فحلفت حرام لأثنيه عن الدفع لأن المبلغ كبير، فحلف بالله ودفع هو فتصارعنا أمام الناس  ..فهل وقع الطلاق علي زوجتي؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالواجب عليك تنزيه لسانك عن الحلف بالطلاق؛ لقول النبي صلى الله عليه وسـلم “من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت” ولأن الحلف بالطلاق يمين الفساق أعاذنا الله من ذلك، ثم إن الحكم موقوف على نيتك فإن كنت نويت طلاقاً فإنه يقع، وإن لم تك نويت طلاقاً فيلزمك كفارة يمين بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، والعلم عند الله تعالى.

  • يهينني أمام أهله

    أنا متزوجة منذ أربع سنوات، وزوجي يعاملني معاملة قاسية جدا،ً وقد حاولت معه كثيراً بكل الطرق الطيبة لتغيير أسلوبه معي ولكن دون فائدة؛ ويرى نفسه دائماً صح في كل الأمور ويقول ده رأيي لو عجبك! والله ما قصرت معاه في أي شي يرضي الله، بمشي رأيه حتى لو غلط المهم هو الصح، وأنا الحمد لله بطبعي لا أعرف أكره الناس مهما حصل منهم.

    العيشة بقت صعبة جدا معه ومع أهله برضو وأنا الآن في بيت أهلي وطلبت منه نقعد ونحل المشاكل من غير أي شخص يدخل ولو بخير أو نفترق رفض وقال: أنا كده لو عجبك ولو ما عجبك أمشي بيت أبوك وقال: أضرب لإخوانك يجوا ودائما يهينني أمام أهله ويهينني أهله كذلك. هل أنا لو مت مذنبة. وبماذا تنصحني؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالذي أنصحك به – أحسن الله إليك – هو قوله تعالى {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} مع قوله صلى الله عليه وسلم «ما ظلم عبد مظلمة فعفا إلا زاده الله بها عزا» وأنت مأجورة إن شاء الله على سلامة قلبك وحملك المحبة للناس جميعاً، وعلى الزوج أن يتقي الله تعالى في زوجته، وما ينبغي أن يحمله بره لأهله على ظلمه لزوجته؛ بل يعطي كل ذي حق حقه، وينزل كل واحد منزلته؛ إذ لا تعارض بين الحقوق؛ ويمكنكم أن تعملوا بالهدي القرآني {فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما} والله المستعان.

  • كيفية الغسل

    أريد شرحاً تفصيلياً لأنواع الغسل وكيفيتها، وبالأخص غسل الجنابة.

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فالغسل من الطهارة الظاهرة التي يحب الله عز وجل أهلها كما قال سبحانه {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} وهو على نوعين غسل واجب وغسل مستحب، أما الغسل الواجب فيشمل غسل الجنابة وغسل المرأة عند انقطاع حيضتها أو نفاسها وغسل الكافر إذا أسلم وغسل المسلم إذا مات، وأما الغسل المستحب فكغسل الجمعة والعيدين وغسل من غسل ميتاً والغسل بين الجماعين وغسل من غسَّل ميتاً، والغسل المجزئ هو الذي تحقق ركناه من النية وتعميم البدن بالماء، وأما صفة الغسل المسنون فقد وردت في حديث أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها قالت: أدنيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم غسله من الجنابة، فغسل كفيه مرتين أو ثلاثاً، ثم أدخل يده في الإناء ثم أفرغ على فرجه، وغسله بشماله ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكاً شديداً، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات، كل حفنة ملء كفه، ثم غسل سائر جسده، ثم تنحى عن مقامه ذلك فغسل رجليه، ثم أتيته بالمنديل فردَّه} رواه البخاري ومسلم.

    فمن اقتصر على الصفة المجزئة فقد صح غسله، ومن أتى بالصفة المسنونة فله أجر الطهارة وأجر اتباع السنة، والعلم عند الله تعالى.

  • المعاشرة أثناء الحيض

    لقد عاشرت زوجتي أثناء الحيض أكثر من مرة وفي حيضتين متتاليتين، مع العلم بأني متزوج حديثاً (قبل ثلاثة أشهر) أرجو توضيح كفارة ذلك.

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فقد أتيت إثماً مبيناً؛ حيث خالفت نهيك ربك سبحانه وتعالى  في قوله ((فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن)( ونهي نبيك صلى الله عليه وسلم  حين قال (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) والمطلوب منك التوبة إلى الله تعالى بشروطها، وهي الإقلاع عن المعصية، والندم على ما فرط منك في جنب الله، والعزم على عدم العود، وعلى الزوجة كذلك أن تتوب إلى الله؛ إذا كانت قد مكنتك من نفسها طائعة مختارة، والعلم عند الله تعالى.

  • وساوس الرياء

    أنا جامعي وموظف ومتزوج، ولي ثلاثة أطفال أصوم قبل رمضان والحمد لله الاثنين والخميس منذ فترة طويلة والحمد لله، وفي رمضان الآن أنفق وأصلي ولكنني لديَّ مشكلة انتابتني هذه الأيام وساوس سوء الخاتمة، وأنا أستصحب أن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة ولا يصبح بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار أعوذ بالله من النار وما قرب إليها من عمل؛ كما أنني أصبحت أخاف من أي صدقة أو المداومة على قيام الليل، وأرى في نفسي كأنني أرائي أو أنافق حتى إنه أصبح ثابتاً في دعائي: اللهم إنا نعوذ بك من الرياء والنفاق وسوء الخاتمة، اليوم صليت التراويح في المسجد وفي خلالها انتابتني وساوس إنني أنافق وذلك لغياب الطمأنينة والخشوع من نفسي، وأنا أعلم يقيناً أن الاستماع إلى القرآن في التراويح يبعث على الطمأنينة هل هذا من الشيطان أم ماذا؟؟؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    أولاً: أنت على خير بما تأتي من أعمال صالحة من صلاة وصيام وقيام، وأحسن الظن بالله، ولعلك إن شاء الله ممن قال الله فيهم {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ~ أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون}

    ثانياً: الواجب على المسلم أن يحرص على تحقيق الإخلاص، وأن يحذر من الرياء الذي خاف منه الصالحون، ولا حرج عليك في أن تكثر من الدعاء بأن يجنبك الله إياه.

    ثالثاً: الوسوسة التي تنتابك في صلاتك بأنك مراء إنما هي من الشيطان ليصرفك عن طاعة ربك؛ فواظب على العمل وأكثر من الدعاء وجاهد نفسك، وأسأل الله أن يتقبل منا أجمعين.

  • شهادة خبرة من شركة لم أعمل بها

    خطيبي شاب ملتزم جداً وبعد تخرجه تقدم إلى جهات كثيرة للعمل ولكنهم يرفضون عمله بسبب إطلاق اللحية، فهل يجوز استخراج شهادة خبرة من شركة لم يسبق له العمل بها للسفر للخارج؛ علماً بأنه سوف يسافر إلى دولة عربية وليست أجنبية؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فإنه {من يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه} وإنه (لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها) والواجب على هذا الأخ أن يسعى في طلب الرزق الحلال من مظانه وأن يستعين بالله عز وجل في ذلك كله وأن يكثر من دعائه واللجوء إليه سبحانه وتعالى حتى يحقق له ما أراد من رزق واسع وخير كثير.

    ولا يجوز له استخراج شهادة خبرة من شركة لم يعمل بها؛ لأن ذلك تزوير، والله تعالى قد نهانا عنه فقال {والذين لا يشهدون الزور} وعدَّ النبي صلى الله عليه وسلم شهادة الزور وقول الزور من كبائر الذنوب، فلا تعجل أيها المسلم وكن بما في يد الله أوثق مما في يدك، والله الهادي إلى سواء السبيل.

  • الإسبال والمسبحة

    ما حكم التسبيح بالمسبحة؟

    ما حكم من لم يقصر جلبابه؟

    إذا تعارض العقل والنقل أيهما نقدم؟

    هنالك أسئلة كثيرة تدور في رأسي عن الخالق عز وجل، ولا تقل لي يا شيخ إنها من الإيمان! أريد إجابة مقنعة تزيد إيماني، ولا تقل لي يجب أن لا نفكر في الذات الإلهية لأن هذا يعتبر نقص في دين الإسلام! إن أردت أن تعرف هذه الأسئلة أعطني إيميل خاص لا أحد يطلع عليه غيرك، أنا محتار أريد حلا؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد اتفق أهل العلم على أن التسبيح بالأصابع أفضل؛ لما رواه أحمد والترمذي وأبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح بيده. ولقوله صلى الله عليه وسلم {يا معشر النساء اعقدن بالأنامل فإنهن مسئولات مستنطقات}، ولا يعني ذلك أن التسبيح بواسطة المسبحة ممنوع أو مكروه بدليل حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة وبين يديها نوى أو حصى تسبح به، فقال صلى الله عليه وسلم أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل؟ سبحان الله عدد ما خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك} رواه أبو داود والترمذي، وحديث صفية رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح بها. فقال: لقد سبحت بهذا، ألا أعلمك بأكثر مما سبحت به؟ فقالت: علمني. فقال: قولي: {سبحان الله عدد خلقه} رواه الترمذي. قال الشوكاني رحمه الله: هذان الحديثان يدلان على جواز عد التسبيح بالنوى والحصى وكذا بالسبحة لعدم الفارق لتقريره صلى الله عليه وسلم للمرأتين على ذلك وعدم إنكاره، والإرشاد على ما هو أفضل لا ينافي الجواز.أ.هـ

    وقد أورد السيوطي رحمه الله في فتواه المطبوعة ضمن كتاب (الحاوي في الفتاوي) آثاراً تؤيد ذلك عن سعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وأبي الدرداء وأبي صفية مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفاطمة بنت الحسين بن علي رضي الله عنهم أجمعين، إلى أن قال رحمه الله: ولم ينقل عن أحد من السلف ولا من الخلف المنع من جواز عدِّ الذكر بالسبحة، بل كان أكثرهم يعدونه بها ولا يرون ذلك مكروهاً.أ.هـ

    وعليه نقول: إذا كان الذكر مما يسهل عدُّه بالأصابع كالباقيات الصالحات دبر الصلوات المكتوبات فلا شك أن إحصاءها بالسبحة يُعدُّ تفريطاً في السنة وإيثاراً للمفضول على الفاضل، وإن كان الذكر مما يعسر عدُّه بالأصابع لتنوع أفراده وصعوبة إحصائه فلا حرج في استعمال السبحة، ولك فيمن ذُكر من السلف أسوة.

    وأما تقصير الجلباب؛ فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن الإسبال؛ كما في حديث عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {من جرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة. فقال أبو بكر: إن أحد شقي ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لست تصنع ذلك خيلاء. رواه البخاري. قال الحافظ رحمه الله: وفي الحديث اعتبار أحوال الأشخاص في الأحكام باختلافها، وهو أصل مطَّرد غالبا.أ.هـ وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. قال: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات: المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) وفي رواية (المنان الذي لا يعطي شيئاً إلا مَنَّه، والمسبل إزاره) وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار)

    والنهي شامل للإزار والقميص والجلابية والبنطلون، قال الطبري رحمه الله: إنما ورد الخبر بلفظ الإزار لأن أكثر الناس في عهده كانوا يلبسون الإزار والأردية، فلما لبس الناس القميص والدراريع كان حكمها حكم الإزار في النهي.

    والمشروع للمسلم أن يكون ثوبه إلى كعبيه، فما نزل عن الكعبين فهو ممنوع، فإن كان للخيلاء فهو ممنوع منع تحريم وإلا فمنع تنزيه، وأما الأحاديث المطلقة بأن ما تحت الكعبين في النار فالمراد بها ما كان للخيلاء؛ لأنه مطلق فوجب حمله على المقيد. قاله النووي رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم.

    وقال الحافظ رحمه الله في الفتح: في هذه الأحاديث أن إسبال الإزار للخيلاء كبيرة، وأما الإسبال لغير الخيلاء فظاهر الأحاديث تحريمه أيضا، لكن استدل بالتقييد في هذه الأحاديث بالخيلاء على أن الإطلاق في الزجر الوارد في ذم الإسبال محمول على المقيد هنا فلا يحرم الجر والإسبال إذا سلم من الخيلاء. قال ابن عبد البر: مفهومه أن الجر لغير الخيلاء لا يلحقه الوعيد إلا أن جر القميص وغيره من الثياب مذموم على كل حال.

    وأما سؤالك الأخير فما ينبغي لك أن تقول لمن تستفتيه: لا تقل كذا، وقل كذا، بل الواجب عليك طرح السؤال على نية الاستفادة من الإجابة والعمل بها؛ ولا مانع من مناقشة الأمر مع من يفتيك أو يجيبك وفق الآداب الشرعية التي تلزم المفتي والمستفتي، وأسأل الله أن يهديني وإياك سواء السبيل.

  • الجنسية الأمريكية

    أنا شابة أعيش مع زوجي في أمريكا منذ أكثر من خمس سنوات، ورزقنا الله بطفلة والحمد لله، وزوجي يعمل كمهندس بشركة كبيرة، كل يوم يمر علي في هذه البلاد أحسب نفسي موالية لهم وأشعر بأن إيماني يضعف في كل يوم، فقررت أن أفر بديني إلى بلد غالب أهله مسلمون، فوافقني زوجي إلا أنه قال لي: ننتظر قليلاً حتى نكمل إجراءات الحصول على الجنسية الأمريكية، وقال: إنها وسيلة ستسهل علينا بإذن الله الكثير. فأصبحت في حيرة من أمري.

    أفتوني: هل يجوز لنا أن نحمل الجنسية الأمريكية رغم أنهم لا يجبروننا على التخلي عن جنسياتنا الأصلية؟ وهل تعتبر هذه موالاة؟ وهل بقاؤنا في الأصل جائز؟ وهل يجوز لي أن أسافر دون محرم وأترك زوجي فارة بديني؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    أولاً: لا يجوز لمسلم الإقامة ـ اختياراً ـ في دار الكفر كأمريكا وأوروبا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم {أنا برئ من كل مسلم يقيم بين المشركين} وقوله صلى الله عليه وسلم {من أقام بين المشركين فقد برأت منه الذمة} خاصة وأن القوم صاروا في كل يوم يضيِّقون الخناق على المسلمين، وما أمريكا بالدار التي يأمن فيها المسلم على دينه وعرضه، وما تشعرين به من ضعف الإيمان يوماً بعد يوم هو نتاج طبيعي لبقائك بتلك الدار الظالم أهلها، حيث تألفين رؤية المنكرات دون أن تستطيعي الإنكار على فاعليها، والخطر الأعظم إنما هو على بنيِّتك التي هي أمانة الله سائلك عنها، وما توصلت إليه من وجوب الفرار بدينك من تلك البلاد هو قرار صائب أسأل الله أن يعينك وزوجك على إنفاذه.

    ثانياً: سفرك دون محرم لو تعذر سفر زوجك معك مفسدته أدنى من مفسدة بقائك معه في دار الكفر، وعليه فلا حرج من سفرك دون محرم إن شاء الله درءً لأعلى المفسدتين بارتكاب أدناهما.

    ثالثاً: لا يجوز للمسلم الذي لم تلحقه ضرورة التجنس بالجنسية الأمريكية لأن ذلك مؤد إلى موالاتهم والدخول في أحكامهم، والمصالح التي تترتب على الحصول على الجنسية تقابلها مفاسد أكبر وأعظم، ثم إن ميزان المسلم لا يتعلق بقدر ما يحصل له من مصلحة دنيوية بل الميزان يتعلق بموافقة محابِّ الله جل جلاله ومراضيه ولو كانت على خلاف ما يبدو له من مصالح عاجلة؛ كما قال سبحانه )وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون( والله الموفق والمستعان.

زر الذهاب إلى الأعلى