الفتاوى

  • الإضراب عن الطعام

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد

    فقد سأل بعض الإخوة عما شرع فيه إخواننا المعتقلون – ظلماً – من امتناعهم عن تناول الطعام – طوعا – بعد أن مضى على حبسهم سنتان أو تزيد، دون أن يلتفت إلى مظلوميتهم الحاكمون أو المتشدقون بحقوق الإنسان من منظمات وافراد؛ فأرادوا بذلك لفت الأنظار إلى ما هم فيه من ظلم بيِّن وحيف ظاهر؛ وكان مدار السؤال عن حكم هذا الإضراب في شريعة الإسلام؟

    والجواب: أن هذه من النوازل الحادثة التي لم تكن مطروحة بهذا الشكل في فقه الأولين، ولكن العلماء المعاصرين تناولوها ما بين مجيز ومانع وقائل بالتفصيل.

    والذي ينبغي السؤال عنه في هذا الأمر: ما هي الغاية التي يرمي إليها المضربون عن الطعام؟ وهل يصل بهم هذا الإضراب إلى حد الهلاك والإشراف على الموت؟ وهل ثمة وسيلة أخرى للتأثير على هؤلاء الظالمين بما يفضي إلى رفعهم الظلم عن هؤلاء؟

    أما الغاية التي يريدونها من وراء الإضراب فهي لفت الأنظار إلى مقدار ما وقع عليهم من ظلم وحيف، خاصة وقد حصل التدخل من السلطة التنفيذية في عمل القضاء، وأعيد اعتقالهم بعد أن صدر قرار قضائي بإطلاق سراحهم، ومهما يكن من أمر فالذي أفتي به هو جواز هذا الإضراب بشرط أن يغلب على الظن تحقق المنفعة المرجوة منه، وألا يصل بصاحبه إلى حافة الهلاك، وذلك استدلالا بقصة عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه حين امتنع من الطعام بعد أسر الروم إياه وعرضهم النصرانية عليه، وعملاً بالمقرر في القواعد الفقهية أن للوسائل حكم المقاصد، وأنه يجوز في حال الضيق والاضطرار ما لا يجوز في حال السعة والاختيار، مع استصحاب الخذلان الذي حصل لهؤلاء المعتقلين من أكثر الناس ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    وأسأل الله تعالى أن يعجل فرجهم، وينفس كربهم، وينتقم لهم ممن ظلمهم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،،،

  • هل انتشر الإسلام بحد السيف؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد

    فقائل هذا إما جاهل بالإسلام، وإما مغرض يدري أنه يكذب ويتحرى الكذب، وبيان ذلك في نقاط واضحة:

    1- تاريخ الجهاد: ليس فرضه خاصاً بهذه الشريعة؛ بل قد فرض على أنبياء الله من لدن نوح، حيث بذل جهده في الدعوة إلى الله تعالى، حيث مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، ولم يأت نبي قط بعده إلا فرض عليه الجهاد، إما بالهجرة وإما بالقتال المباشر

    2- بعث الله محمداً صلى الله عليه وسـلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأمره بأن يدعو الناس كافة إلى دين الله؛ {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} ونهاه جل جـلاله عن إكراه أحد على الدخول في دينه {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} فمكث صلى الله عليه وسـلم في مكة ثلاثة عشر عاماً ما سلَّ سيفاً ولا حمل سلاحاً ولا رد الأذى بمثله

    3- تشريع الجهاد في الإسلام إنما كان في المدينة المنورة رداً لأذى المشركين {إذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير. الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله} {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} {ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيرا} وقد كان لحكم سامية منها: تأمين الدعوة إلى الإسلام، والانتصاف للمستضعفين، ونشر السلام في الأرض وحماية كل ذي دين، ولأن الإسلام هو الدين الحقيق بأن يسود الأرض كلها

    4- وفي السنة النبوية القولية والعملية نجد هذه الأحاديث الصحاح التي تنهى عن تمني لقاء العدو “لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف” وتنهى عن قتل النساء “ما كانت هذه لتقاتل” وتنهى عن الغلول والتمثيل بالقتلى “اغزوا باسم الله، قاتلوا من كفر الله، لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا” ويخبر صلى الله عليه وسـلم أن الجهاد قدر هذه الأمة متى ما أرادت العز والسؤدد “جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم” وتوجه إلى الغاية التي من أجلها شرع الجهاد “من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله”

    5 – مروجو هذه الأكاذيب عليهم النظر في الجواب في إنجيل متى الإصحاح العاشر فقرة 35 وما بعدها على لسان المسيح؛ حيث نسبوا إليه أنه قال: لا تظنوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض، ما جئت لألقي سلاماً، بل سيفاً؛ وإني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه، والابنة ضد أمها، والكنة ضد حماتها، وأعداء الإنسان أهل بيته. من أحب أباً أو أماً أكثر مني فلا يستحقني، ومن أحب ابناً أو ابنة أكثر مني فلا يستحقني، ومن لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني، من وجد حياته يضيعها، ومن أضاع حياته من أجلي يجدها.

    وعليهم النظر في تاريخ الأمم الصليبية المخضبة بالدماء باسم المسيح عليه السلام والتي كان يقود حملاتها القسيسون والرهبان، ثم عليهم النظر في الحروب الصليبية الحديثة وما قاله اللورد اللينبي ممثل الحلفاء والقائد الفرنسي غورو ـ وما فعله بوش الصغير ومعه حلفاؤه في أفغانستان والعراق.

  • ترك الجمعة بسبب الورديات

    أعمل بنظام الورديات في مصنع كبير لا يوجد به مسجد، ويحظر عليَّ الابتعاد عن المصنع أثناء الوردية لحساسية العمل الذي أقوم به، فإذا صادفت وردية الصباح يوم الجمعة ضاعت عليَّ صلاة الجمعة، أفيدوني أسأل الله لي ولكم الصحة والعافية.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فمن كان في عمل يحتاج لوجوده ولا يستطيع الخروج عنه لكونه عملاً مهماً يحتاج إلى متابعة – وذلك كطبيب يلازم مريضاً ويخشى عليه إن تركه، أو حارس مرابط على ثغر من ثغور المسلمين أو منشأة من منشآتهم المهمة؛ فإنه معذور في تركه صلاة الجمعة، ويأتي ببدلها الذي هو صلاة الظهر، ولا تتناوله النصوص المحذِّرة من ترك الجمعة؛ لأنه ما تركها تهاوناً بل اضطرارا أو لحاجة، ولكونه يباشر عملاً تعود مصلحته على غيره من المسلمين، والله تعالى أعلم.

  • تضييع الجمعة بسبب العمل

    أنا هاجرت إلى كندا مرافق لزوجتي للدراسات العليا، وحائر في موضوع العمل هنا، وذلك لأني لو اشتغلت ستضيع منى صلاة الجمعة. بالنسبة للحاجة تقدر تقول حاجتي للعمل متوسطة يعنى لست في ضنك من العيش، ولكن لا أريد سؤال الأهل لمساعدتي إن احتجت.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فبداية لا بد من التنبيه على خطورة التهاون بصلاة الجمعة؛ لأنها فرض الله بإجماع المسلمين؛ قال سبحانه {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} وقال النبي صلى الله عليه وسلم «من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه» رواه أبو داود والنسائي والترمذي عن أبي الجعد الضمري رضي الله عنه. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على أعواد منبره: «لينتهينَّ أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمنَّ الله على قلوبهم ثم ليكوننَّ من الغافلين».

    والواجب على من وقع في شيء من ذلك أن يتوب إلى الله تعالى توبة نصوحاً، وعليه أن يتعرض لنفحات ربنا في ذلك اليوم العظيم الذي هو خير يوم طلعت عليه الشمس، وفيه من الأجر ما لا يعلمه إلا الله؛ قال عليه الصلاة والسلام «من غسل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام فأنصت كان له بكل خطوة يخطوها أجر صيام سنة وقيامها وذلك على الله يسير» رواه الإمام أحمد من حديث أوس بن أوس رضي الله عنه.

    ومن لم يدرك الجمعة سواء أكان عامداً أم لعذر فإنه يصليها ظهراً؛ لأنه بدل عن الجمعة، وقد نقل الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى الإجماع على ذلك، ولا حرج عليهم أن يصلوها جماعة؛ لما ثبت من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خطب الناس في حجة الوداع بعرفات – وكان وقوفه يوم جمعة – أذّن المؤذن ثم أقام فصلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر بأصحابه، ثم أقام المؤذن فصلى النبي، صلى الله عليه وسلم، بهم العصر ولم يصل بينهما شيئاً.

    هذا والذي يظهر من حالك أنه لا ضرورة تلجئك إلى ترك صلاة الجمعة، كما أن القوانين المعمول بها في تلك البلاد تعطي المسلم الحق في أن يصلي يوم الجمعة، ويمكنك سؤال أهل الخبرة ومراجعة إخوانك المسلمين هناك ليبينوا لك السبيل إلى نيل هذا الحق، والله تعالى أعلم.

  • سب الدين للجمادات

    فضيلة الشيخ: نحن نعمل في أحد المرافق الصحية فطلب أحد الزملاء من أحد العمال شيئاً من المعدات الطبية مثل منظار مثلا؛ فعندما تأخر ذلك المنظار قام هذا الزميل بسب الدين للمنظار!! فما كان من العامل إﻻ أن رفع شكوى ﻹدارتنا بأن فلاناً سب الدين وهو بعبارته خارج من دين محمد صلى الله عليه وسـلم؛ فقام المدير الطبي للمرفق الصحي بوقف زميلنا ذلك في الحال غيرة على الدين وخوفاً من تفشي هذا الخلق بين أفراد المؤسسة..

    قام الرئيس المباشر لزميلنا بالاحتجاج علي التوقيف بقوله: إنه سب الدين لجماد وليس للعامل.. وقام هو بنفسه بسب الدين للموبايل الذي بيده والطبلة التي بالباب مستدﻻً على أن هذا أمر طبيعي وليس فيه تجاوز على الفرد أو الدين لأن الجمادات ليس عندها دين.. وأردف قائلا: (حتى لو سب الدين عدييل إنتو الدين حقكم إنتو مالكم ومال الدين لو سب واحد فيكم بعد داك ازعلو)..

    فضيلة الشيخ: ما حكم ما فعله زميلنا؟ وما حكم ما احتج به رئيسه المباشر في دفاعه؟ أفتونا مأجورين.. والله المستعان.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالمسلم حقاً عَفُّ اللسان؛ ليس بطعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذيء، والمسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده؛ وهذا الذي يسب الدين إنما ينادي على نفسه بنقص الإيمان وقلة الخوف من الله، وليس صحيحاً ما قاله رئيسه المباشرُ المكابرُ المتعاونُ مع مرؤوسه على الإثم والعدوان من أن الجمادات لا دين لها، بل إنه – بهذا القول – ينادي على نفسه بالجهل؛ لأن الله تعالى ذكر عن هذه الجمادات أنها مسبِّحة بحمده فقال جل جلالـه {تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم} وقال سبحانه {ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس} وقال سبحانه {والنجم والشجر يسجدان} وقال سبحانه {وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يهبط من خشية الله} وقال {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله} فما بال صاحبكم يقول ما لا يعلم ويهرف بما لا يعرف، ويبرر لذلك الأثيم ما وقع فيه من الشر العظيم؟

    إن واجباً على الرجلين كليهما أن يتوبا إلى الله تعالى مما قالا، وظني أن الثاني أعظم إثماً من الأول؛ لأنه مناصر لصاحبه بالباطل؛ وقد أخذته العزة بالإثم؛ ثم إن قوله: الدين حقكم!! دليل مرض قلب والعياذ بالله، كأنه يقول: إذا سب شخص أباك وأمك جازت لك الشكوى؛ أما إذا سب دين الله فالدين ليس ملكاً لأحد، وبذلك يفتح باباً للطعن في الدين وسبه بالليل والنهار، نعوذ الله من الهوى، ونسأله السلامة والعافية

  • النافلة في السيارة

    بارك الله فيكم، هل يجوز أن أصلي النافلة جالسًا وأنا في سيارة إلى غير اتجاه القبلة بعد أن صلينا المغرب في جماعة لأننا كنا في عجلة من أمرنا علما بأن مسيرنا لم يكن سفرًا؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فلا حرج على المسافر أن يتنفل في السيارة أو الطيارة أو الدابة التي يركبها إلى غير اتجاه القبلة؛ لما ثبت في الصحيحين من حديث عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ» زاد البخاري “يوميء برأسه” أي في ركوعه وسجوده، والْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ النَّافِلَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَإِنْ فَاتَهُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى مَحْمَلٍ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ السَّفَرُ طَوِيلًا أَوْ قَصِيرًا إلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ رَزِينٍ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ زِيَادَةَ: “فِي سَفَرِ الْقَصْرِ” وَذَهَبَ إلَى شَرْطِيَّةِ هَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ، بَلْ يَجُوزُ فِي الْحَضَرِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَنَسٍ مِنْ قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ.

    ولعل القول بجواز النافلة على الدابة في الحضر يظهر رجحانه بما علم من أدلة الشرع أن النفل أوسع من الفرض؛ حيث تجوز النافلة من جلوس وإن كان قادراً على القيام؛ والمقصود أن في النافلة تسامحاً وتساهلاً ليس في الفريضة، وعليه فلا حرج في التنفل في السيارة وإن في الحضر، خاصة أن بعض المشاوير قد يطول البقاء بها في السيارة، والله تعالى أعلم.

  • الإستعانة بالجن للعلاج

    هل يجوز استخراج الجن بالجن؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فلا يجوز الاستعانة بالجن لاستخراج جن؛ لأن هذا باب للفساد عظيم؛ لأن الجن عالم غيبي لا يدرك بالحواس، ولا ندري مؤمنهم من كافرهم، ولا برهم من فاجرهم، وقد تفضي الاستعانة بهم إلى الوقوع في أبواب من الشرك، وألوان من المعاصي، وكم من إنسان سلك هذا المسلك فأفضى في آخر أمره إلى ادعاء علم الغيب، أو الوقوع في أنواع من الفساد الأخلاقي، ومعلوم أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وسد الذرائع المفضية إلى الشرك والمعاصي أصل مرعي في سائر الأحكام، والله تعالى أعلم.

  • التدخين والدعاء

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل السجائر من موانع استجابة الدعاء؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فتناول السجائر أو التبغ عموماً معصية لله عز وجل؛ لما يترتب عليها من إتلاف الصحة وإهلاك النفس وتبذير المال وإنفاقه في غير وجهه الذي أمر الله بإنفاقه فيه؛ لكن المعاصي عموماً ليست من موانع إجابة الدعاء، سوى ما جاء التنصيص عليه كأكل الحرام والدعاء بالإثم وقطيعة الرحم، والله تعالى أعلم.

  • صيغة التشهد

    أرجو إفتائي في أمر بداية التشهد هذا، هل هو صحيح أم خطأ؟ التحيات لله والزاكيات لله والطيبات والصلوات لله… أم هذا: التحيات لله والصلوات والطيبات… أو أرجو إعطائي التشهد الصحيح، وإن كانت الصيغ السابقة خطأت فماذا يحدث لصلواتي السابقة؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فصيغ التشهد ثابتة من رواية عبد الله بن مسعود وعمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم ففي رواية  ابن مسعود قال: كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم قلنا: السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان وفلان؛ فالتفت إلينا رسول  الله صلى الله عليه وسلم فقال {إن الله هو السلام؛ فإذا صلى أحدكم فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله} رواه البخاري ومسلم، قال الترمذي رحمه الله: حديث ابن مسعود روي عنه من غير وجه، وهو أصح حديث روي في التشهد والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم. وقال البزار لما سئل عن أصح حديث في التشهد قال: هو عندي حديث ابن مسعود.

    وفي رواية عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يعلِّم الناس التشهد يقول: قولوا {التحيات لله الزاكيات لله الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله} رواه مالك في الموطأ، وفي رواية عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول إذا تشهدت: التحيات الطيبات الصلوات الزاكيات لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين} رواه مالك في الموطأ، قال الباجي رحمه الله تعالى: وهذا تشهد عمر رضي الله عنه الذي اختاره مالك رحمه الله تعالى؛ لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه علَّمه للناس على  المنبر بحضرة جماعة الصحابة وأئمة المسلمين ولم ينكره عليه أحد ولا خالفه فيه ولا قال له إن غيره من التشهد يجري مجراه فثبت بذلك إقرارهم عليه وموافقتهم إياه على تعيينه، وقال الداودي: إن ذلك من مالك رحمه الله على وجه الاستحسان وكيفما تشهد المصلي عنده جائز وليس في تعليم عمر الناس هذا التشهد منع من غيره.ا.هـ وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: هذا الاختلاف إنما هو في الأفضل ونقل جماعة من العلماء الاتفاق على جواز التشهد بكل ما ثبت.ا.هـ

    والتحيات معناها السلام، وقيل: البقاء، وقيل: العظمة، وقيل: السلامة من الآفات والنقص، وقيل: المعنى أنواع التعظيم لله، والصلوات: قيل: المراد الخمس، أو ما هو أعم من ذلك من الفرائض والنوافل في كل شريعة، وقيل: المراد العبادات كلها، وقيل: الدعوات، وقيل: المراد الرحمة، وقيل: التحيات العبادات القولية والصلوات العبادات الفعلية، والطيبات: الصدقات، وقيل: الطيبات: أي ما طاب من الكلام وحسن أن يثنى به على الله دون ما لا يليق بصفاته مما كان الملوك يحيون به، وقيل: الطيبات ذكر الله، وقيل: الأقوال الصالحة كالدعاء والثناء، وقيل: الأعمال الصالحة، وقال القرطبي رحمه الله: قوله: لله، فيه تنبيه على الإخلاص في العبادة؛ أي أن ذلك لا يفعل إلا لله، وقوله: السلام عليك أيها النبي، قال البيضاوي: علَّمهم أن يفردوه صلى الله عليه وسلم بالذكر لشرفه ومزيد حقه عليهم. والله تعالى أعلم.

  • مسافة المرور بين يدي المصلي

    ما المسافة التي تفصل أمام الصلاة من المكان لغير المصلي (المكان أمام الصلاة)؟ وحكم وضع الأداة التي تفصل ذلك.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد وردت الأحاديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم بمنع المرور بين يدي المصلي؛ ففي الصحيحين {لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه} وقد فسر (الأربعين) بأنها: أربعين سنة

    وعلى المصلي – إن كان منفرداً أو مأموما – أن يتخذ سترة تمنع المرور بين يديه؛ كأن يصلي إلى عمود أو مقعد أو حائط أو يطرح عصا ونحو ذلك؛ ؛وإن كان في أرض ولم يجد سترة خط خطًّا لقوله صلى الله عليه وسلم {إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها} أخرجه أبو داود عن أبي سعيد رضي الله عنه بإسناد صحيح، وقوله عليه الصلاة والسلام {إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن فليخط خطا ثم لا يضره من مر بين يديه} أخرجه أحمد وابن ماجه وابن حبان، وقال ابن حجر في بلوغ المرام: ولم يصب من زعم أنه مضطرب، بل هو حسن.ا.هـــــ

    أما المأموم فسترة الإمام سترة له؛ قال البخاري رحمه الله: باب سترة الإمام سترة لمن خلفه. وعن ابن عباس قال : أقبلت راكبا على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، وأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي. أخرجه البخاري ومسلم.

    وقد حدد العلماء ارتفاع السترة بنحو ذراع؛ وهو ما يعادل 261 سم، وذلك على سبيل التقريب تفسيراً لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث طلحة رضي الله عنه {إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل ولا يبالي من مر وراء ذلك} أخرجه مسلم.

    وآخرة الرحل تختلف في الطول والقصر، فتارة تكون ذراعا، وتارة تكون أقل منه، ويجوز أن تكون السترة دقيقة كالسهم والحربة، وغليظة كالحائط، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستتر بالعنزة، والعنزة عصا أقصر من الرمح لها سنان.

    وإذا لم يتخذ المصلي سترة فليس له إلا موضع سجوده، أي لا يجوز المرور في المسافة التي بين رجليه وموضع سجوده؛ ويجوز لمن أراد أن يجتاز أن يمر فيما يلي موضع سجوده، وذلك لأن النهي الوارد في الحديث إنما هو في المرور بين يدي المصلي، وما يلي موضع سجوده ليس بين يديه، ولأنه لا يستحق أكثر مما يحتاج إليه في صلاته؛ فليس له الحق أن يمنع الناس مما لا يحتاجه كما قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في الشرح الممتع. والله تعالى أعلم.

زر الذهاب إلى الأعلى