الفتاوى

  • الركعتان الأخيرتان هل يقرأ فيهما بغير الفاتحة؟

    هل صحيح أن في الركعتين الأخيرتين نقرأ الفاتحة وماذا لو قرأت الفاتحة ومعاها سورة في كل الركعات؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد

    صح عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال (صلوا كما رأيتموني أصلي) وقد ثبت عنه أنه كان يقتصر في الركعتين الأخيرتين على فاتحة الكتاب؛ يدل على ذلك ما رواه مسلم من حديث أبي قتادة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا، فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بـ(فاتحة الكتاب) وسورةٍ، ويُسمعنا الآية أحيانًا، ويقرأ في الركعتين الأخريين بـ(فاتحة الكتاب).

    ولو زاد المصلي أحياناً قراءة على الفاتحة في الأخيرتين فلا حرج؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك أحياناً؛ فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية، أو قال: نصف ذلك، وفي العصر في الركعتين، في كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة آية، وفي الأخريين قدر نصف ذلك.

  • كيفية عقد التسبيح بالأنامل

    كيفية عقد التسبيح بالأنامل؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد

    روى أبو داود والترمذي عن يُسيرة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهنَّ أن يراعين بالتكبير والتقديس والتهليل، وأن يعقدن بالأنامل، فإنهنَّ مسؤولات مستنطقات. وهو حديث صحيح. والمقصود الإتيان بهذه الباقيات الصالحات عقيب الصلوات المفروضات، سواء أكان ذلك عن طريق إحصائها بالأنامل أو باستخدام مسبحة أو غيرها؛ وأما كيفية استعمال الأصابع في عدِّ التسبيح، فالأمر فيها واسع، ولا نعلم حديثاً نقل فيه هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يعقد بكل أصبع تسبيحة واحدة أو ثلاث تسبيحات بكل مفصل تسبيحة، وأي الكيفيتين فعل الإنسان أجزأه. قال ابن علان : (يحتمل أن المراد العقد بنفس الأنامل، أو بجملة الأصابع. والعقد بالمفاصل أن يضع إبهامه في كل ذِكر على مفصل، والعقد بالأصابع أن يعقدها ثم يفتحها). وفي شرح المشكاة: (العقد هنا بما يتعارفه الناس). والطريقة المذكورة في هذا العرض هي التي رجحها الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى في فتح الباري

  • إيجار السيارة المنتهي بالتمليك

    ما حكم إيجار السيارة المنتهي بالتمليك؟ علماً بأن الشركة تؤمِّنها تأميناً شاملاً، وإذا كان غير جائز كيف يتصرف من قام بذلك مسبقاً؟ وجزاكم الله خيراً

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالإيجار المنتهي بالتمليك ـ سواء أكان لسيارة أو غيرها ـ له صور عدة، منها الجائز، ومنها المحرم، وقد صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي مفصِّلاً تلك الأنواع تفصيلاً، وذلك في دورته الثانية عشرة بالرياض من 25 جمادى الآخرة 1421هـ إلى غرة رجب 1421هـ (23-28 سبتمبر 2000م). وإني أورد في جواب سؤالك نص قرار المجمع لأنه كاف شاف إن شاء الله:

    قرار رقم: 110(4/12) بشأن موضوع الإيجار المنتهي بالتمليك.

    إن مجلس الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الثانية عشرة بالرياض في المملكة العربية السعودية من 25 جمادى الآخرة 1421هـ إلى غرة رجب 1421هـ (23-28 سبتمبر 2000).

    بعد اطلاعه على الأبحاث المقدمة إلى المجمع بخصوص موضوع (الإيجار المنتهي بالتمليك). وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حول الموضوع بمشاركة أعضاء المجمع وخبرائه وعدد من الفقهاء.

    قرر ما يلي:

    الإيجار المنتهي بالتمليك:

    أولاً: ضابط الصور الجائزة والممنوعة ما يلي:

    1- ضابط المنع: أن يرد عقدان مختلفان في وقت واحد على عين واحدة في زمن واحد.

    2- ضابط الجواز:

    • وجود عقدين منفصلين يستقل كل منهما عن الآخر زماناً، بحيث يكون إبرام عقد البيع بعد عقد الإجارة، أو وجود وعد بالتمليك في نهاية مدة الإجارة، والخيار يوازي الوعد في الأحكام.
    • أن تكون الإجارة فعلية وليست ساترة للبيع.

    3ـ أن يكون ضمان العين المؤجرة على المالك لا على المستأجر، وبذلك يتحمل المؤجر ما يلحق العين من غير ناشئ من تعد المستأجر، أو تفريطه، ولا يلزم المستأجر بشيء إذا فاتت المنفعة.

    4ـ إذا اشتمل العقد على تأمين العين المؤجرة فيجب أن يكون التأمين تعاونيا إسلامياً لا تجارياً، ويتحمله المالك المؤجر وليس المستأجر.

    5ـ يجب أن تطبق على عقد الإجارة المنتهية بالتمليك أحكام الإجارة طوال مدة الإجارة، وأحكام البيع عند تملك العين.

    6ـ تكون نفقات الصيانة غير التشغيلية على المؤجر لا على المستأجر طوال مدة الإجارة.

    ثانياً: من صور العقد الممنوعة:

    1- عقد إجارة ينتهي بتملك العين المؤجرة مقابل ما دفعه المستأجر من أجرة خلال المدة المحددة، دون إبرام عقد جديد، بحيث تنقلب الإجارة في نهاية المدة بيعاً تلقائياً.

    2- إجارة عين لشخص بأجرة معلومة ولمدة معلومة مع عقد بيع له معلق على سداد جميع الأجرة المتفق عليها خلال المدة المعلومة، أو مضاف إلى وقت في المستقبل.

    3- عقد إجارة حقيقي، واقترن به بيع بخيار الشرط لصالح المؤجر، ويكون مؤجلاً إلى أجل محدد (هو آخر مدة عقد الإيجار). وهذا ما تضمنته الفتاوى والقرارات الصادرة من هيئات علمية ومنها: هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية.

    ثالثاً: من صور العقد الجائزة:

    1- عقد إجارة يمكن المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة مقابل أجرة معلومة في مدة معلومة، واقترن به عقد هبة العين للمستأجر معلقا على سداد كامل الأجرة، وذلك بعقد مستقل، أو وعد بالهبة بعد سداد كامل الأجرة (وذلك وفق ما جاء في قرار المجمع بالنسبة للهبة رقم (13/1/3) في دورته الثالثة.

    2- عقد إجارة مع إعطاء المالك الخيار للمستأجر بعد الانتهاء من وفاء جميع الأقساط الإيجارية المستحقة خلال المدة في شراء العين المأجورة بسعر السوق عند انتهاء مدة الإجارة (وذلك وفق قرار المجمع رقم 44(6/5) في دورته الخامسة.

    3- عقد إجارة يمكن المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة مقابل أجرة معلومة، في مدة معلومة واقترن به وعد ببيع العين المؤجرة للمستأجر بعد سداد كامل الأجرة بثمن يتفق عليه الطرفان.

    4- عقد إجارة يمكن المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة مقابل أجرة معلومة، في مدة معلومة، ويعطي المؤجر للمستأجر حق الخيار في تملك العين المؤجرة في أي وقت يشاء على أن يتم البيع في وقته بعقد جديد بسعر السوق (وذلك وفق قرار المجمع السابق رقم 44/6(5)) أو حسب الاتفاق في وقته.

    رابعاً: هناك صور من عقود التأجير المنتهي بالتمليك محل خلاف، وتحتاج إلى دراسة تعرض في دورة قادمة إن شاء الله تعالى.

  • الإستعانة بالجن

    انتشر في الفترة الأخيرة مسألة التساهل في التفسيق والتبديع والتكفير بسبب الاختلاف في مسائل يسوغ فيها الاجتهاد مما سبب الفرقة بين المسلمين والتناحر والتباغض، ومن هذه المسائل ـ حفظكم الله تعالى ـ مسألة حكم الاستعانة بالجن في الأمور المباحة! وسؤالي ليس في حكم الاستعانة بالجن وهل هو حرام أو حلال؟ ولكن سؤالي هل هذه المسألة مما يسوغ فيها الاجتهاد؟ وهل يفسّق ويكفّر من رأى الاستعانة بالجن بضوابط شرعية كما ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية وفهمها عنه الشيخ ابن عثيمين وغيره؟ لاسيما إذا كان الشخص على قدر من العلم الشرعي وعلى تقوى وصلاح؟ أفتونا

    فقد نهت الشريعة عن إطلاق اللسان بتكفير المسلم ـ أياً كان ـ لما ثبت في الصحيحين عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال {إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر؛ فقد باء بها أحدهما} وفي الحديث الآخر في الصحيحين كذلك {ومن دعا رجلاً بالكفر أو قال: عدو الله، وليس كذلك إلا حار عليه} أي رجع عليه ما قاله. قال الحافظ رحمه الله في الفتح: والتحقيق أن الحديث سيق لزجر المسلم عن أن يقول ذلك لأخيه المسلم، وقيل: الراجع هو التكفير لا الكفر.ا.هــ والواجب على المسلم أن يتورع عن إطلاق هذا اللفظ الخطير على أخيه المسلم؛ فضلاً عن التكفير بالجملة لأن ذلك من ورطات الأمور التي لا مخرج منها، قال الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله، ولا بخطأ أخطأ فيه كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة.ا.ه

    وأما قضية الاستعانة بالجن فهي من المسائل الظنية التي اختلفت فيها أقوال أهل العلم؛ والاجتهاد فيها سائغ، وما ينبغي لمن يتقي الله عز وجل أن يجعل منها باباً لتكفير المسلمين ورميهم بالضلال أو الفسوق أو البدعة؛ فإن كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه، وقد قال الله تعالى ((ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون)) أسأل الله الهداية للجميع، والله المستعان

  • أجامع زوجتي وهي واقفة

    هل يجوز أن أجامع زوجتي وهي واقفة؟ أرجو الرد وشكراً، وهل يجوز النظر إلى كل جسمها وتقبيلها من كل مكان؟

    نعم يجوز لك ذلك كله؛ لعموم قوله تعالى )نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم( قال القرطبي رحمه الله تعالى بعدما ساق الروايات عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم: هذه الأحاديث نص في إباحة الحال والهيئات كلها إذا كان الوطء في موضع الحرث، أي كيف شئتم من خلف ومن قُدَّام وباركة ومستلقية ومضطجعة، فأما الإتيان في غير المأتى فما كان مباحاً، ولا يباح، وذكر الحرث يدل على أن الإتيان في غير المأتى محرم، والله تعالى أعلم

  • شروط الجمع في المطر

    ما هي شروط الجمع في المطر؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد

    الجمع بين العشائين حال نزول المطر سائغ، وهو أولى من الصلاة منفرداً في البيت، وشروط هذا الجمع هي: أولا: أن يكون العذر الذي يبيح الجمع – وهو المطر – حاصلاً عند الشروع في الصلاة الأولى، بمعنى أن يكون المطر واقعاً لا متوقعاً.. ثانياً: أن يكون المطر مما يبل الثياب؛ أما إذا كان شيئاً خفيفاً – كرذاذ أو رشاش – فإنه لا يبيح الجمع.. ثالثاً: أن ينوي الإمام الجمع قبل الشروع في الصلاة الأولى.. وليس شرطاً أن يستمر المطر إلى حين الشروع في الصلاة الثانية؛ قال الخرشي في شرحه لمختصر خليل المالكي: (كأن انقطع المطر بعد الشروع) أي: أن الجماعة إذا شرعوا في صلاة المغرب لوجود سبب الجمع وهو المطر فلما صلوها أو بعضها ارتفع السبب، فإنه يجوز لهم التمادي على الجمع إذ لا تؤمن عودته، وظاهره ولو ظهر عدم عودته. أما لو انقطع قبل الشروع فلا جمْعَ إلا بسبب غيره. فالمراد الشروع في الأولى. انتهى

  • إنكار الجن والسحر والسنة

    فضيلة الشيخ الدكتور عبد الحي يوسف

    السلام عليكم ورحمة الله تعالي وبركاته؛ أما بعد: نرجو من فضيلتكم التكرم بالرد على هذه الأسئلة نسبة لأهمية الموضوع، لديَّ أحد الأصدقاء من المعجبين بشخصية أحد الدعاة ويدافع عن آرائه بشدة وبعد المناقشة معه ذكر لي هذه الأسئلة:

    (1) حديث الرضاعة، حدثنا ‏ ‏عمرو الناقد ‏ ‏وابن أبي عمر ‏ ‏قالا حدثنا ‏ ‏سفيان بن عيينة ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الرحمن بن القاسم ‏ ‏عن ‏ ‏أبيه ‏ ‏عن ‏ ‏عائشة ‏ ‏قالت:‏ “جاءت ‏ ‏سهلة بنت سهيل ‏ ‏إلى النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فقالت: يا رسول الله إني أرى في وجه ‏ ‏أبي حذيفة ‏ ‏من دخول ‏ ‏سالم ‏ ‏وهو حليفه؟ فقال النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏«‏أرضعيه» قالت: وكيف أرضعه وهو رجل كبير؟ فتبسم رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏وقال «قد علمت أنه رجل كبير» ‏زاد ‏ ‏عمرو ‏ ‏في حديثه وكان قد شهد بدرا ‏ ‏وفي رواية ‏ ‏ابن أبي عمر ‏ ‏فضحك رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم”

    السؤال: نرجو من فضيلتكم شرح تفصيلي لهذا الحديث؟ مع العلم بأن صديقي يقوم بذكر هذا الحديث كدليل على عدم صحة الكتب الستة الصحاح ويقول أن هذا تعارض مع العقل وأيضا يعارض نصوص الأحاديث الأخرى في الرضاعة.

    (2) هل صحيح أن العين غير موجودة؟ ويريد دليل مادي علي صحة وجود العين؟

    (3) هل صحيح أن السحر غير موجود؟ وما مدى صحة القول بأن الإنسان إذا سكب ماء ساخن في الحمام أو في الأماكن القذرة يصاب بالجن؟ وقال أنه علي استعداد بالقيام بالتجربة أمامنا ومتأكد من عدم إصابته بالجن؟

    ملحوظة: نرجو من فضيلتكم الرد وذلك لأني وعدته بالرد على هذه الأسئلة ووعدته بإلقاء الأسئلة على فضيلتكم والرد عليه بحضور عدد من الأصدقاء.

    وفي الختام: نسأل الله التوفيق وأن يرينا الحق حقاً ويلزمنا إتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويجنبنا اتباعه. وبحمد الله وتوفيقه تخرجت من كلية الهندسة قسم الهندسة الطبية الحيوية وسوف نلتحق بالدروس والمحاضرات عقب الوصول إلى السودان إن شاء الله.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته؛ وأسأل الله تعالى أن يجعلني وإياك هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، سلماً لأوليائه، حرباً لأعدائه، نحب بحبه من أطاعه من خلقه، ونعادي بعداوته من خالفه، وأن يفقهنا في ديننا ويعلِّمَنا سنة نبينا، أما بعد.

    فإن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم تختلف فيها آراء العلماء ومآخذ الفقهاء – إن في ثبوتها أو دلالتها – وما منهم إلا رادٌّ ومردودٌ عليه، في أمور يسوغ فيها الاختلاف وتتعدد وجهات النظر؛ لكن ثمة فرقاً بين مسلك هؤلاء الأجلة الذين حفظ الله بهم السنة ونشر عن طريقهم العلم؛ وبين مسلك قوم أهل أهواء يريدون هدم الدين بالتشكيك في السنة جملة، وبإثارة الشبهات حولها وتزهيد الناس فيها، تارة بدعوى أنه لا  سبيل إلى التأكد من ثبوتها، وتارة بالطعن في حملتها من الصحابة الكرام بدعوى أن لهم مصلحة في الأحاديث التي نقلوها، وتارة بالدندنة حول عدم أهلية علماء الحديث الذين ميَّزوا الصحيح من السقيم، وأفنوا أعمارهم في خدمة هذا العلم الشريف، وليتهم حين يفعلون ذلك يصدرون عن علم أو هدى، اللهم لا هذا ولا ذاك سوى تقليد أساتيذهم من المستشرقين أو اجترار ما كتبه الرافضة وسوَّدوا به الصحائف من الطعن على الدين جملة؛ ولذا لا يقتصر كلامهم على حديث بعينه، بل بعضهم ينكر السنة جملة، وبعضهم يقول: أنا أتبع السنة الفعلية دون القولية، وبعضهم يقول: أنا لا أؤمن إلا بالمتواتر أما خبر الآحاد فلا حاجة لي فيه، ولذلك تجد هذا الصنف ينكر أشراط الساعة وأخبار الفتن والملاحم، ويقدم الرأي على المنقول، ويفسر أحداث التاريخ وفق ما يهوى، ولا يشعر بتعظيم للصحابة الكرام في نفسه، بل ربما حفظ عن بعضهم – عياذاً بالله – الاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم في مجالسه الخاصة، وهؤلاء هم أهل الأهواء الذين تتابعت النصوص في التحذير منهم والتنفير من مسلكهم {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} وأما الجواب على ما طرحت من أسئلة فأقول:

    قصة إرضاع سالم مولى أبي حذيفة أوردها مسلم في صحيحه من حديث أمنا عائشة رضي الله عنها أن سهلة بنت سهيل سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن سالماً قد بلغ ما يبلغ الرجال، وعقل ما عقلوا، وإنه يدخل علينا، وإني أظن أن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئاً، فقال: «أرضعيه تحرمي عليه ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة» فرجعت فقالت: إني قد أرضعته، فذهب الذي في نفس أبي حذيفة. ذكره مسلم.

    فأخذت طائفة من السلف بهذه الفتوى منهم عائشة، ولم يأخذ بها أكثر أهل العلم، وقدموا عليها أحاديث توقيت الرضاع المحرم بما قبل الفطام وبالصغر وبالحولين لوجوه:

    أحدها: كثرتها وانفراد حديث سالم.

    الثاني: أن جميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خلا عائشة رضي الله عنهن في شق المنع.

    الثالث: أنه أحوط.

    الرابع: أن رضاع الكبير لا ينبت لحماً ولا ينشر عظماً، فلا تحصل به البعضية التي هي سبب التحربم.

    الخامس: أنه يحتمل أن هذا كان مختصاً بسالم وحده، ولهذا لم يجئ ذلك إلا في قصته.

    السادس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على عائشة وعندها رجل قاعد، فاشتد ذلك عليه وغضب، فقالت: إنه أخي من الرضاعة، فقال: انظرن من إخوانكن من الرضاعة، فإنما الرضاعة من المجاعة. متفق عليه واللفظ لمسلم.

    وفي قصة سالم مسلك آخر، وهو أن هذا كان موضع حاجة، فإن سالماً كان قد تبناه أبو حذيفة ورباه، ولم يكن له منه ومن الدخول على أهله بد، فإذا دعت الحاجة إلى مثل ذلك فالقول به مما يسوغ فيه الاجتهاد، ولعل هذا المسلك أقوى المسالك، وإليه كان شيخنا يجنح، والله أعلم.

    فإن جماهير العلماء من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم على أن إرضاع الكبير لا يُحَرِّم، وقد مضى بيان هذا في الفتوى رقم: 3901. وأما ما روي من فعل ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان حالة خاصة تعالج أمراً من أمور الجاهلية، وهو التبني. وعلى هذا حمله الجمهور، وقال بعضهم بأن ذلك منسوخ بالأخبار الكثيرة الواردة في عدم التحريم بإرضاع الكبير، ولو أننا قلنا بما قالته أمنا عائشة رضي الله عنها، وأخذت به ومن وافقها من العلماء كابن حزم مثلاً، في أن رضاع الكبير جائز ويُحرم، لما كان ذلك بعيداً لأنه لا يُباح إلا عند الحاجة، بدليل حديث سالم المذكور في الجواب الذي أشرنا إليه. وقد دلت أحكام الشريعة على اعتبار حاجات الناس وضرورياتهم ودعت إلى مراعاتها، ولو أدى ذلك إلى الوقوع في أمر غير مشروع، ما دامت الحاجة أو الضرورة متحققة، ومن ذلك إباحة أكل الميتة للمضطر، وشرب الخمر لمن به غصة يخشى منها الضرر أو الموت. قال شيخ الإسلام: فيجوز إن احتيج جعله ذا محرم، وقد يجوز للحاجة ما لا يجوز لغيرها، وهذا قول متوجه. انتهى. ومع هذا فإننا نقول: لا يشترط لإرضاع الكبير أن يمس ثدي من يريد أن يرضع منها لتحرم عليه، بل يمكن أن يوضع له حليب المرأة في إناء ويشربه، وهذا هو الأليق، ولذلك قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه لحديث سالم مولى حذيفة: قوله صلى الله عليه وسلم “أرضعيه” قال القاضي: لعلها حلبته ثم شربه من غير أن يمس ثديها، ولا التقت بشرتاهما، وهذا الذي قاله القاضي حسنٌ، ويُحتمل أنه عفي عن مسه للحاجة كما خص بالرضاعة مع الكبر. انتهى. أما عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فلم تكن ترضع أحداً، بل كانت إذا أرادت أن يدخل عليها أحد أو يراها أمرت بنات أخواتها وبنات إخوانها أن يرضعنه، وأبت ذلك بقية زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، لأنهن رأين الأمر خاصاً بسالم مولى حذيفة، رواه أحمد وغيره، وصححه الألباني رحمه الله. ولا مجال للطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فهي العفيفة المبرأة من فوق سبع سموات، فلا يتطرق إليها شك أو ريبة، وهي أم المؤمنين كما قال الله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} والطعن فيها رضي الله عنها طعن في زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل طعن في الله عز وجل الذي اختارها زوجة لنبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم، ولهذا كان من فقه عمار بن ياسر رضي الله عنهما قوله قبل موقعة الجمل: إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم لتتبعوه أو إياها. يعني في الخلاف الذي حصل بينها وبين علي رضي الله عنه. رواه البخاري. فهي زوجة نبينا صلى الله عليه وسلم في الجنة، توفي عنها وهو راضٍ عنها، بل ما قبضت روحه صلى الله عليه وسلم إلا ورأسه الشريف بين حاقنتها وذاقنتها، وكانت أحب نسائه إليه، فهل يتصور مسلم أن يختار الله لنبيه من لا تحفظه في نفسها وعرضها؟! سبحانك هذا بهتان عظيم. ومما ينبغي التنبه له أنه لم ينقل عن صحابي واحد إنكاره على أم المؤمنين ما ذهبت إليه في مسألة الرضاع من جهة الشك أو الريبة أو الاتهام، وإنما خالفها بقية أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اجتهاداً منهن في أن رضاع سالم كان خاصاً به، ورأت هي رضي الله عنها عدم الخصوصية عند الحاجة لذلك. والواجب على المسلم أن ينزه قلبه وسمعه عن أي خاطرة أو كلمة تشين أم المؤمنين الطاهرة الطيبة، التي هي زوج أطيب وأطهر إنسان صلى الله عليه وسلم، كما قال الله تعالى: وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}، وهذه الآية قد نزلت في عائشة رضي الله عنها. والله أعلم.

  • خيالات جنسية

    السلام عليكم شيوخي الكرام هنالك موضوع طالما حيرني، وهو أنني قبل أن أنام أفكر فيما يحدث بين الزوجين وأتخيل نفسي مكانهم مما يؤدي إلى خروج سائل -على حد علمي المذي- وخروج هذا السائل يؤلمني لكنني أستمتع بهذه الخيالات، وهي تأتيني أيام الحيض مع العلم أني لا أشاهد الأفلام ولا المسلسلات ولا أكلم الأولاد في الجامعة وأنا محجبة كثيراً أقول إن هذا الفعل حرام وأتركه، وعندما تأتيني عادتي الشهرية أرجع وأفكر مرة ثانية من ثم أشعر بتأنيب الضمير، ولا أظن أنني سوف أتزوج قريباً لصغر سني مما يدفعني إلى هذه الخيالات متأسفة على الإطالة واستخدام بعض الألفاظ التي لا تليق، أرجوكم أفتوني.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فالواجب عليك أمة الله أن تنتهي عن مثل هذه الخيالات التي قد تفضي بك إلى ما لا يحمد عقباه، ولا تسترسلي معها؛ فإن النفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم، والذي أراه لك جملة أمور لا بد من الأخذ بها:

    أولها: ألا تأوي إلى فراشك إلا وقد غلبك النوم؛ لئلا تدعي فرصة للشيطان ليبعث في نفسك تلك الوساوس والخيالات؛ فعليك أن تشغلي نفسك بالنافع المفيد من الأعمال حتى يغلبك النوم

    ثانيها: أن تبتعدي عن كل ما يثير الشهوة ويبعث عليها من قراءة القصص أو مشاهدة الأفلام أو المسلسلات أو معاشرة أقوام لا حديث لهم إلا في تلك الأمور

    ثالثها: احرصي – بارك الله فيك – على تقوية إيمانك بالإكثار من تلاوة القرآن ونوافل الصلاة والصيام والقراءة في تراجم الصالحين وأخبار أولياء الله المقربين؛ لعلك تجدين في سيرتهم قدوة وأسوة

    رابعها: أكثري من الدعاء بأن يصرف الله عنك همزات الشياطين وأن يغنيك بالحلال عن الحرام، وأكثري من ذكر الله والاستغفار

    خامسها: لا تهملي العبادة في فترة الحيض؛ فأنت ممنوعة من الصلاة والصيام فقط؛ لكنك لست ممنوعة من ذكر الله وتلاوة القرآن والدعاء والاستغفار وغير ذلك من الطاعات، والله الموفق والمستعان.

  • انحراف يسير عن القبلة

    ما مدى صحة الصلاة في مسجد به انحراف يسير في قبلته جهة اليمين؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فاستقبال القبلة شرط في صحة الصلاة بإجماع أهل العلم، لقول ربنا سبحانه {فول وجهك شطر المسجد الحرام} ولقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا قمت إلى الصلاة فاستقبل القبلة وكبِّر) ومن كان داخل المسجد الحرام ففرضه استقبال عين الكعبة، ومن كان في مكة ـ شرفها الله ـ ففرضه استقبال الحرم، وأما من كان خارج مكة ففرضه استقبال جهة الكعبة؛ للحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ما بين المشرق والمغرب قبلة) يعني بذلك أهل المدينة والشام، وأما من كان في جهة المشرق ـ كحالنا في السودان ـ ففرضنا استقبال ما بين الشمال والجنوب، وقد قال أهل العلم: إن الانحراف اليسير عن القبلة لا يضر ما دام المصلي مستقبلاً جهتها، وأما إذا كان الانحراف فاحشاً بحيث يبلغ خمساً وأربعين درجة فأكثر فالصلاة لا تصح على تلك الحال، والعلم عند الله تعالى.

  • لم أكن أؤدي الصلوات المكتوبات

    لم أكن أؤدي الصلوات المفروضة بعد سن التكليف، ولكني الآن أواظب على صلواتي بانتظام، وأود أن أعرف كيف أقضي ما فَوَّتُّ من صلوات؟ خصوصاً أنني الآن أحرص على الصلاة في جماعة؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالواجب عليك التوبة إلى الله تعالى مما حصل من تفريط فيما مضى؛ خاصة إذا علمت أن الصلوات المكتوبات هي آكد فرائض الإسلام بعد الشهادتين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (ما مِنْ عبدٍ يُصلِّي الصلواتِ الخمس، ويصومُ رمضان، ويُخرجُ الزَّكاة، ويجتنبُ الكبائر السَّبعَ، إلاَّ فُتِحَتْ له أبوابُ الجنة، يدخُلُ من أيِّها شاء) ثم تلا {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} خرَّجه النَّسائي وابنُ حبان والحاكم من حديث أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهم، ولعل حرصك على الصلاة مع الجماعة علامة خير وصدق توبة إن شاء الله، وعليك أن تشتغل بقضاء ما فاتك وذلك بأن تصلي مع كل فرض فرضاً أو فرضين حتى يغلب على ظنك أنك قد أتيت بما عليك، ولا تشغل نفسك بالنوافل حتى تقضي الفرائض؛ فإن الله تعالى لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة، والله تعالى أعلم.

زر الذهاب إلى الأعلى