الفتاوى

  • قضاء الدين وأداء الزكاة

    شخص عليه ديون، وستحل مواعيد زكاة أمواله في رمضان بمشيئة الله وهو ينوي أن يتصدق بمبالغ مالية خلال شهر رمضان. السؤال: ماهو الترتيب الأفضل فيما يخص سداد الدين وأداء الزكاة والتصدق؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد

    فكلا الأمرين واجب؛ أعني إخراج الزكاة وسداد الدين، فالزكاة حق الله تعالى، وأداء الدين من حقوق الناس، ودين الله أحقُّ أن يُقضى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، اللهم إلا إذا كان الدين حالّا وقد وجب أداؤه، وكان ذلك مستغرقاً للمال كله بحيث لا يبقى منه ما يبلغ نصاباً فعندئذ تقدم قضاء الدين على أداء الزكاة، والله تعالى أعلم

  • حلفت بالطلاق وانا غضبان

    حلفت بالطلاق نسأل الله المغفرة والرحمة .. قبل سنتين في حالة انفعال شديد وغضب على أن لا تدخل زوجتي بيت خالي نسبة لما لاقت من مكروه ومشاكل من زوجة خالي .. والآن خوفا من قطيعة الرحم قررت أن تدخل.. مع العلم بأنني لم أقاطع خالي .. فماذا أفعل .. أفدني أفادك الله.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد

    فإن كانت نيتك من تلك اليمين منع زوجتك من الذهاب إلى بيت خالك فعليك كفارة يمين بعد ذهابها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم “من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه” وإن كانت نيتك طلاقاً فالظاهر أنه لا يقع لكونك – كما ورد في سؤالك – كنت في حال من الغضب والانفعال الشديد، لكن الذي أنصحك به – أخي – أن تنزه لسانك عن اللفظ بالطلاق؛ لأن شأن الزوجية عند الله عظيم، والله الموفق والمستعان.

  • وقَف منزله

    شخص يملك منزلاً، ويريد أن يكون هذا المنزل وقفاً لله تعالى، وليس لديه أبناء، وقد توفي والداه، وليس له زوجة، ولديه إخوان وأخوات؛ فهل يجوز له أن يوقف هذا المنزل لله تعالى في حياته قبل مماته؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالوقف في اصطلاح أهل العلم: هو حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح موجود. انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 44/108 والأصل في مشروعيته حديث ابن عمر في الصحيحين أن عمر رضي الله عنه أصاب أرضاً بخيبر؛ فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ قال {إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها} قال: فتصدق بها عمر أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول، وفي لفظ: غير متأثل مالا.

    وروى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: {إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له} وقال جابر رضي الله عنه {ما أعلم أحداً كان له مال من المهاجرين والأنصار إلا حبس مالاً من صدقة مؤبدة لا تشترى أبداً ولا توهب ولا تورث} قال ابن قدامة رحمه الله تعالى في المغنى 5/599: وهذا إجماع من الصحابة رضوان الله عليهم فإن الذي قدر منهم على الوقف وقف واشتهر ذلك فلم ينكره أحد فكان إجماعا.

    وعليه فلا حرج على هذا الشخص في فعله الذي نواه ما دام قد قصد بذلك القربة والطاعة ورجا ما عند الله من أجر وثواب، ولم تكن متجهة إلى حرمان الورثة من ذلك المنزل، والله تعالى أعلم.

  • أوصى بعدم العفو عن قاتل ابنه

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فإن الله تعالى قد جعل لأولياء الدم الحق في أن يقتصوا أو يعفوا فقال جل من قائل {كتب عليكم القصاص في القتلى} إلى قوله سبحانه {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسـلم أنه قال: «ومن قتل له قتيل فهو بخير النّظرين، إمّا أن يعفو وإمّا أن يقتل» رواه أصحاب السنن إلا ابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

    وقد رغبت الشريعة أولياء الدم في العفو فقال سبحانه {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} ورغَّب في ذلك ربنا جل جلالـه بقوله {فمن تصدق به فهو كفارة له} قال ابن جزي رحمه الله تعالى: فيه تأويلان: أحدهما: من تصدق من أصحاب الحق بالقصاص وعفا عنه، فذلك كفارة له يكفر الله ذنوبه لعفوه وإسقاطه حقه، والثاني: من تصدق وعفا فهو كفارة للقاتل والجارح بعفو الله عنه في ذلك لأن صاحب الحق قد عفا عنه، فالضمير في له على التأويل الأول يعود على التي هي كفاية عن المقتول أو المجروح، أو الولي، وعلى الثاني يعود على القاتل أو الجارح وإن لم يجر له ذكر، ولكن سياق الكلام يقتضيه، والأول أرجح لعود الضمير على مذكور، وهو {من} ومعناها واحد على التأويلين، إلا أن التأويل الأول بيان لأجر من عفا، وترغيب في العفو، والتأويل: بيان لسقوط الإثم عن القاتل أو الجارح إذا عُفي عنه.ا.هــــ

    وقال ابن عاشور رحمه الله تعالى: وَقَوْلُهُ: فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ هُوَ مِنْ بَقِيَّةِ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَالْمُرَاد ب فَمَنْ تَصَدَّقَ مَنْ تَصَدَّقَ مِنْهُمْ، وَضَمِيرُ بِهِ عَائِدٌ إِلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ بَاءُ الْعِوَضِ فِي قَوْلِهِ بِالنَّفْسِ إِلَخْ، أَيْ مَنْ تَصَدَّقَ بِالْحَقِّ الَّذِي لَهُ، أَيْ تَنَازَلَ عَنِ الْعِوَضِ. وَضَمِيرُ لَهُ عَائِد إِلَى فَمَنْ تَصَدَّقَ. وَالْمُرَادُ مِنَ التَّصَدُّقِ الْعَفْوُ، لِأَنَّ الْعَفْوَ لَمَّا كَانَ عَنْ حَقٍّ ثَابِتٍ بِيَدِ مُسْتَحِقِّ الْأَخْذِ بِالْقِصَاصِ جُعِلَ إِسْقَاطُهُ كَالْعَطِيَّةِ لِيُشِيرَ إِلَى فَرْطِ ثَوَابِهِ، وَبِذَلِكَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَعْنَى كَفَّارَةٌ لَهُ أَنَّهُ يُكَفِّرُ عَنْهُ ذُنُوبًا عَظِيمَةً، لِأَجْلِ مَا فِي هَذَا الْعَفْوِ مِنْ جَلْبِ الْقُلُوبِ وَإِزَالَةِ الْإِحَنِ وَاسْتِبْقَاءِ نُفُوسِ وَأَعْضَاءِ الْأُمَّةِ.ا.هـــــ

    وقال ابن عطية رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: {فمن تصدق به فهو كفارة له} يحتمل ثلاثة معان، أحدها أن تكون {فمن} للمجروح أو ولي القتيل. ويعود الضمير في قوله: {له} عليه أيضاً ، ويكون المعنى أن من تصدق بجرحه أو دم وليه فعفا عن حقه في ذلك فإن ذلك العفو كفارة له عن ذنوبه ويعظم الله أجره بذلك ويكفر عنه، وقال بهذا التأويل عبد الله بن عمر وجابر بن زيد وأبو الدرداء وذكر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيهبه إلا رفعه الله بذلك درجة وحط عنه خطيئة) وذكر مكي حديثاً من طريق الشعبي أنه يحط من ذنوبه بقدر ما عفا من الدية والله أعلم. وقال به أيضاً قتادة والحسن ، والمعنى الثاني أن تكون {فمن} للجروح أو ولي القتيل، والضمير في {له} يعود على الجارح أو القاتل إذا تصدق المجروح أو على الجارح بجرحه وصح عنه: فذلك العفو كفارة للجارح عن ذلك الذنب، فكما أن القصاص كفارة فكذلك العفو كفارة، وأما أجر العافي فعلى الله تعالى، وعاد الضمير على من لم يتقدم له ذكر لأن المعنى يقتضيه، قال بهذا التأويل ابن عباس وأبو إسحاق السبيعي ومجاهد وإبراهيم وعامر الشعبي وزيد بن أسلم، والمعنى الثالث أن تكون للجارح أو القاتل والضمير في {له} يعود عليه أيضاً، والمعنى إذا جنى جان فجهل وخفي أمره فتصدق هو بأن عرف بذلك ومكن الحق من نفسه فذلك الفعل كفارة لذنبه، وذهب القائلون بهذا التأويل إلى الاحتجاج بأن مجاهداً قال إذا أصاب رجل رجلاً ولم يعلم المصاب من أصابه فاعترف له المصيب فهو كفارة للمصيب، وروي أن عروة بن الزبير أصاب عين إنسان عند الركن وهم يستلمون فلم يدر المصاب من أصابه فقال له عروة أنا أصبتك وأنا عروة بن الزبير. فإن كان بعينك بأس فإنها بها.

    قال القاضي أبو محمد: وانظر أن {تصدق} على هذا التأويل يحتمل أن يكون من الصدقة ومن الصدق، وذكر مكي بن أبي طالب وغيره أن قوماً تأولوا الآية أن المعنى {والجروح قصاص} فمن أعطى دية الجرح وتصدق بذلك فهو كفارة له إذا رضيت منه وقبلت. قال القاضي أبو محمد: وهذا تأويل قلق.ا.هــــــ

    والنصوص الحاثة على العفو كثيرة كقوله تعالى {فمن عفا وأصلح فأجره على الله} وقوله تعالى {وليعفوا وليصفحوا} وقوله سبحانه وتعالى {وأن تعفوا أقرب للتقوى} وقوله جل جلالـه {وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وقوله تعالى {وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}

    وقد ثبتت الأحاديث الكثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسـلم مرغِّبةً في العفو حاثة عليه؛ كقوله عليه الصلاة والسلام (ما ظلم عبد مظلمة فعفا إلا زاده الله بها عزا) وقوله صلى الله عليه وسـلم (من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور العين شاء) وفي الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه أنّ الرّبيّع- وهي ابنة النّضر- كسرت ثنيّة جارية فطلبوا الأرش، وطلبوا العفو فأبوا، فأتوا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأمرهم بالقصاص. فقال أنس بن النّضر: أتكسر ثنيّة الرّبيّع يا رسول الله؟ لا والّذي بعثك بالحقّ لا تكسر ثنيّتها!! فقال: «يا أنس، كتاب الله القصاص» فرضي القوم وعفوا، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرّه»

    وعليه فإن هذه الوصية من الوالد ليست بملزمة لأوليائه بعد موته؛ بل هم بخير النظرين إن شاءوا اقتصوا وإن شاءوا عفوا؛ لأن قضاء الله أسبق وشرط الله أوثق، ورضا الله جل جلاله قبل رضا الوالد، والله تعالى أعلم

  • وصول ثواب القرآن للميت

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    ففي وصول ثواب قراءة القرآن إلى الميت خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى؛ حيث ذهب بعضهم ـ وهم أحمد بن حنبل وكثير من أصحاب مالك والشافعي ـ إلى وصولها، ونسب ذلك السيوطي للأئمة الثلاثة ـ أبي حنيفة ومالك وأحمد ـ حيث قال: الأئمة الثلاثة على وصول ثواب القراءة للميت، ومذهبنا خلافه لقوله تعالى )وأن ليس للإنسان إلا ما سعى( انظر: الإتقان 1/132، وقد استدلوا على ما ذهبوا إليه بأدلة منها:

    أولاً: قياساً على ما ثبت نصاً كالحج والعمرة والدعاء، حيث وردت الأحاديث الصحيحة بجواز إهداء ثواب بعض الأعمال كالحج، والصدقة والصوم إلى الميت، ولم تذكر هذه الأحاديث كل الأعمال، فألحقوا ما لم يُذكر بما ذُكر وهذا من باب إلحاق النظير بنظيره لوضوح علته، وهو أن من ملك شيئاً جاز له إهداؤه، فقالوا: يجوز أن يهدي القارئ ثواب قراءته رجاء قبولها للميت المسلم، وهذا نوع من الاستنباط الذي جرى عليه العلماء، منهم العلامة ابن القيم في كتاب الروح.

    ثانياً: بما ورد في حديث عائشة رضي الله عنها قالت {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوّذ نفسه بالمعوذات؛ فلما ثقل به المرض كنت أنا أُعوذه بهما وأضَع يده على جسده رجاء بركتها} قال السيوطي رحمه الله تعالى: فهل قراءة المعوذتين إلا نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان يفعله بنفسه؟ فإذا صحت النيابة في التعوذ والتبرك بالقرآن فلماذا لا تصح في ثواب القراءة؟

    ثالثاً: أن الأمر لا يعدو كونه دعاء، وذلك أن القارئ يقرأ ثم يدعو الله بأن يجعل ثواب ما قرأ لفلان من الناس. قَالَ ابن الحاج المالكي رحمه الله تعالى فِي الْمَدْخَلِ: مَنْ أَرَادَ وُصُولَ ثَوَابِ الْقِرَاءَةِ بِلَا نِزَاعٍ فَلْيَجْعَلْ ذَلِكَ دُعَاءً بِأَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ صِلْ ثَوَابَ ذَلِكَ. انظر: شرح مختصر خليل للخرشي (ج 5/ص468) قال النفراوي رحمه الله تعالى: وَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ لِلْمَيِّتِ ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ وَلِلْقَارِئِ ثَوَابُ الدُّعَاءِ. انظر: الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني  (ج 3/ ص283)

    رابعاً: قياساً على انتفاع الحي بالقرآن، قال السبكي رحمه الله تعالى: الذي دلَّ عليه الخبر بالاستنباط أن بعض القرآن إذا قصد به نفع الميت وتخفيف ما هو فيه، نفعه، إذ ثبت أن الفاتحة لما قصد بها القارئ نفع الملدوغ نفعته، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: وما يدريك أنها رقية؟ وإذا نفعت الحي بالقصد كان نفع الميت بها أولى ا.هــ. انظر: إعانة الطالبين (ج 3/ ص258) ورُدَّ عليه بأن الكلام ليس في مطلق النفع، بل في حصول ثوابها له، وهذا لا يدل عليه حديث الملدوغ.

    خامساً: الاستدلال بعمل المسلمين في سائر الأمصار من غير نكير. ففي المغني لابن قدامة المقدسي: قال أحمد بن حنبل: الميت يصل إليه كل شيء من الخير، للنصوص الواردة فيه، و لأن المسلمين يجتمعون في كل مصر، و يقرؤون، و يُهدون لموتاهم من غير نكير، فكان إجماعاً. ا.هـ .

    سادساً: أن من عمل عملاً ملك ثوابه ومن ملك شيئا فله أن يهبه ما لم يقم بالموهوب له مانع من الانتفاع بالثواب ولا يمنع منه إلا الكفر والموت ليس بمانع بدليل وصول الدعاء

    وهذا هو مذهب الحنفية والحنابلة وبعض متأخري المالكية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما، وهو اختيار المحب الطبري وابن الصلاح والنووي من الشافعية، وقد أفتى به من المتأخرين العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمهم الله جميعاً

    وها هنا لا بد من التنبيه إلى أن الرواية عن مالك رحمه الله تعالى في هذه المسألة مختلفة؛ قال العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى: وحكى ابن الفرس عن مذهب مالك أن من قرأ ووهب ثواب قراءته لميت جاز ذلك ووصل للميت أجرُه ونفعُه. فما ينسب إلى مالك من عدم جواز إهداء ثواب القراءة في كتب المخالفين غير محرر. انظر: التحرير والتنوير 14/199

    وذهب آخرون ـ وعلى رأسهم الإمام الشافعي ـ إلى عدم وصول ثوابها، واستدلوا على ذلك بما يلي:

    أولاً: قوله تعالى )وأن ليس للإنسان إلا ما سعى( حيث إن دلالة الآية ظاهرة في أن الإنسان لا ينتفع إلا بسعي نفسه ما تسبب به في حياته.

    ورد عليه بأن ظاهر الآية لا يدل على أن الميت لا ينتفع بالثواب؛ فإن الله تعالى قال )ليس للإنسان إلا ما سعى( وهذا حق، فإنه إنما يستحق سعيه، فهو الذي يملكه، كما أنه لا يملك من المكاسب إلا ما اكتسبه هو، وأما سعي غيره فهو حق وملك لذلك الغير لا له، ولهذا الغير أن يهدي سعيه لمن شاء. فإنه ليس كل ما ينتفع به الحي أو الميت من سعيه، بل قد يكون من سعيه فيستحقه لأنه من كسبه، وقد يكون من سعي غيره فينتفع به بإذن صاحبه، كالدين الذي يوفيه الإنسان عن غيره فتبرأ ذمته. قال الشيخ تقى الدين أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع، وذلك باطل من وجوه كثيرة:

    أحدها: أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره، وهو انتفاع بعمل الغير. ثانيها: أن النبي e يشفع لأهل الموقف في الحساب؛ ثم لأهل الجنة في دخولها. ثالثها: أنه e يشفع لأهل الكبائر في الخروج من النار، وهذا انتفاع بسعي الغير. رابعها: أن الملائكة يستغفرون ويدعون لمن في الأرض، وذلك منفعة بعمل الغير. خامسها: أن الله تعالى يخرج من النار من لم يعمل خيراً قط – أي من المؤمنين – بمحض رحمته، وهذا انتفاع بغير عملهم. سادسها: أن أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم، وذلك انتفاع بمحض عمل الغير. سابعها: قال الله تعالى في قصة الغلامين اليتيمين )وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً( فانتفعا بصلاح أبيهما، وليس من سعيهما. ثامنها: أن الميت ينتفع بالصدقة عنه، وبالعتق، بنص السنة والإجماع، وهو من عمل الغير. تاسعها: أن الحج المفروض يسقط عن الميت، بحج وليه بنص السنة، وهو انتفاع بعمل الغير. حادي عشر: المدين قد امتنع e من الصلاة عليه حتى قضى دينه أبو قتادة،  وقضى دين الآخر على بن أبى طالب، وانتفع بصلاة النبي e وهو من عمل الغير. ثاني عشر: أن النبي e قال لمن صلى وحده {ألا رجل يتصدق على هذا فيصلى معه} فقد حصل له فضل الجماعة بفعل  الغير. ثالث عشر: أن الإنسان تبرأ ذمته من ديون الغير، إذا قضاها عنه قاض، وذلك انتفاع بعمل الغير. رابع عشر: أن من عليه تبعات ومظالم، إذا حلل منها سقطت عنه، وهذا انتفاع بعمل الغير. خامس عشر: أن الجار الصالح ينفع في المحيا وفى الممات – كما جاء في الأثر – وهذا انتفاع بعمل الغير. سادس عشر: أن جليس أهل الذكر يُرحم بهم، وهو لم يكن معهم، ولم يجلس لذلك بل لحاجة عرضت له، والأعمال بالنيات، فقد انتفع بعمل غيره. سابع عشر: الصلاة على الميت، والدعاء له في الصلاة، انتفاع للميت بصلاة الحي عليه وهو عمل غيره. ثامن عشر: أن الجمعة تحصل باجتماع العدد، وكذا الجماعة بكثرة العدد وهو انتفاع للبعض بالبعض. تاسع عشر: أن الله تعالى قال لنبيه )وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ( وقال تعالى )وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ..( فقد رفع الله تعالى العذاب عن بعض الناس بسبب بعض، وذلك انتفاع بعمل الغير. تمام العشرين: أن صدقة الفطر تجب على الصغير وغيره ممن يمونه الرجل، فإنه ينتفع بذلك من يُخرِج عنه، ولا سعى له فيها.

    ثم قال رحمه الله: ومن تأمل العلم وجد انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى، فكيف يجوز أن تتأول الآية الكريمة، على خلاف صريح الكتاب والسنة، وإجماع الأمة.ا.هـ

    ثانياً: أن ذلك لم ينقل من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولا من فعل خلفائه الراشدين ولا أصحابه الطيبين رضوان الله عليهم والخير كل الخير في اتباعهم. قال الإمام ابن كثير – رحمه الله – في “تفسيره” (4/401) معللاً سبب المنع من وصول ثواب القراءة “إنه ليس من عملهم، ولا كسبهم، ولهذا لم يندُب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته، ولا حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم ولو كان خيراً؛ لسبقونا إليه. وباب القربات يُقتصر فيه على النصوص، ولا يُتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء”

    وقد أطال الإمام ابن القيم رحمه الله النفس في الرد على هذا فقال: فإن قيل فرسول الله صلى الله عليه وسلم أرشدهم إلى الصوم والصدقة والحج دون القراءة!! قيل: هو لم يبتدئهم بذلك، بل خرج ذلك منه مخرج الجواب لهم، فهذا سأله عن الحج عن ميته فإذن له، وهذا سأله عن الصيام عنه فإذن له، وهذا سأله عن الصدقة فإذن له ولم يمنعهم مما سوى ذلك، وأي فرق بين وصول ثواب الصوم الذي هو مجرد نية وإمساك بين وصول ثواب القراءة والذكر؟ فإن قيل: فهذا لم يكن معروفاً في السلف ولا يمكن نقله عن واحد منهم مع شدة حرصهم على الخير ولا أرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم وقد أرشدهم إلى الدعاء والاستغفار والصدقة والحج والصيام فلو كان ثواب القراءة يصل لأرشدهم إليه ولكانوا يفعلونه!!

     فالجواب أن مُورد هذا السؤال إن كان معترفاً بوصول ثواب الحج والصيام والدعاء والاستغفار، قيل له: ما هذه الخاصية التي منعت وصول ثواب القرآن واقتضت وصول ثواب هذه الأعمال؟ وهل هذا إلا تفريق بين المتماثلات؟ وإن لم يعترف بوصول تلك الأشياء إلى الميت فهو محجوج بالكتاب والسنة والإجماع وقواعد الشرع… ثم قال:  وأما السبب الذي لأجله لم يظهر ذلك في السلف فهو أنهم لم يكن لهم أوقاف على من يقرأ ويهدي إلى الموتى، ولا كانوا يعرفون ذلك البتة، ولا كانوا يقصدون القبر للقراءة عنده كما يفعله الناس اليوم، ولا كان أحدهم يُشهد من حضره من الناس على أن ثواب هذه القراءة لفلان الميت، ثم يقال لهذا القائل: لو كُلِّفت أن تنقل عن واحد من السلف أنه قال: اللهم اجعل ثواب هذا الصوم لفلان، لعجزت فإن القوم كانوا أحرص شيء على كتمان أعمال البر فلم يكونوا ليشهدوا على الله بإيصال ثوابها إلى أمواتهم. انظر: الروح/143 وقال في موضع آخر: والقائل إن أحداً من السلف لم يفعل ذلك قائل مالا علم له به؛ فإن هذه شهادة على نفي ما لم يعلمه؛ فما يدريه أن السلف كانوا يفعلون ذلك ولا يُشهدون من حضرهم عليه؛ بل يكفي اطلاع علام الغيوب على نياتهم ومقاصدهم لا سيما والتلفظ بنية الإهداء لا يشترط كما تقدم.ا.هــ

    ثالثاً: قوله صلى الله عليه وسلم {إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له}

    ورُدَّ عليه بأن ذكر الولد ودعائه له خاصان، لأن الولد من كسبه كما قال تعالى )ما أغنى عنه ما له وما كسب( فقد فسر الكسب هنا بالولد، ويؤيد هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم {إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه} رواه أصحاب السنن. فلما كان الأب هو الساعي في وجود الولد كان عمل الولد من كسب أبيه، بخلاف الأخ والعم والأب ونحوهم فإنه ينتفع بدعائهم بل بدعاء الأجانب، لكن ليس ذلك من عمله. والنبي صلى الله عليه وسلم قال {انقطع عمله إلا من ثلاث..} ولم يقل أنه لا ينتفع بعمل غيره، فإذا دعا له ولده كان هذا من عمله الذي لم ينقطع وإن دعا له غيره لم يكن من عمل الوالد ولكنه ينتفع به

    ومن هنا يعلم أن في المسألة خلافاً قوياً بين أهل العلم، وأن الذي عليه جمهورهم هو القول بوصول ثواب القراءة للميت؛ وعليه فما ينبغي النكير على من فعله ولا على من أفتى به؛ بل لعل هذا هو الراجح والله أعلم.

    وأما عمل الختمة بما جرت عليه عادة الناس اليوم من اجتماعهم في بيت الميت، وإمساك كل واحد بجزء من القرآن يقرأ سراً، ويعتبرون ذلك ختمة للميت مع ما يتبع ذلك من صناعة الطعام؛ فإنه بدعة محدثة اشتملت على عدة محاذير منها:

    1. أنه لم يكن من فعل السلف رحمهم الله أنهم يجتمعون في بيت الميت على هذه الصفة، ولو كان لنقل
    2. أن الاجتماع في بيت الميت معدود في النياحة المنهي عنها؛ كما في حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه {كنا نعد الاجتماع في بيت الميت وصناعة الطعام من النياحة} رواه أحمد وابن ماجه
    3. أن هذا العمل لا يخلو من رياء ومجاملة، ومعلوم أن شرط القربة ـ لتقع من الله بموقع القبول ـ أن يبتغى بها وجه الله
    4. ما يقع من التكلف من قبل أهل الميت في صناعة الطعام وإثقال كاهلهم بتلك المصاريف الباهظة واعتقاد ذلك كله سُنَّةً

    وأما قراءة سورة الإخلاص بعدد معين بصوت جماعي ـ كالذي يحصل من بعض الناس في المقابر ـ فلم يكن عليه هدي سلفنا، ولم يثبت في ذلك حديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم، وعمدتهم حديث {من مر بالمقابر فقرأ {قل هو الله أحد} إحدى عشرة مرة ، ثم وهب أجره للأموات، أعطي من الأجر بعدد الأموات} قال الألباني رحمه الله في السلسلة الضعيفة 3/292: موضوع، أخرجه أبو محمد الخلال في “فضائل الإخلاص” (ق 201/2) والديلمي في “مسند الفردوس ” عن عبد الله بن أحمد بن عامر : حدثنا أبي : حدثنا علي بن موسى عن أبي موسى بن جعفر بن محمد عن أبيه عن أبيه محمد بن علي عن أبيه عن أبيه الحسين عن أبيه علي مرفوعا. إلى أن قال: وهو موضوع بشهادة الحافظين السيوطي والسخاوي؛ ذكره السيوطي في “ذيل الأحاديث الموضوعة” وكذلك الحافظ السخاوي في “الفتاوى الحديثية”

  • وجوب تعظيم شعائر الله

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد دلت النصوص الشرعية على وجوب تعظيم شعائر الله عز وجل باختلاف أنواعها؛ فقال سبحانه {ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه} وقال جل جلالـه {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسـلم في ذلك مبلغاً عظيماً لكونه أتقى الناس وأخشاهم لله تعالى؛ فكان يكره أن يذكر اسم الله تعالى إلا على طهارة؛ حيث روى أبو داود من حديث المهاجر بن قنفذ رضي الله عنه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسـلم وهو يبول؛ فسلم عليه فلم يرد عليه حتى توضأ ثم اعتذر إليه فقال “إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر” وكذلك الصحابة رضي الله عنهم فقد روى البيهقي أن عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه كان يضع المصحف على عينه ويقول: كلام ربي.. وعليه فإن الواجب على المسلمين الحرص على تعظيم شعائر الله عز وجل ومن نماذج ذلك:

    بتعظيم حرمة كتاب الله تعالى فلا يمس على غير طهارة، ولا يحمل باليد اليسرى، ولا تقلب صفحاته باستعمال الريق لكونه مستقذرا، ولا يوضع فوقه شيء، ولا يوضع على الأرض وإن كانت طاهرة، وما اهترأ من صفحاته فإنه يحرق، ولا يجوز إلقاؤها في المزابل أو مجتمعات القمامة

    بتعظيم أسماء الله الحسنى وأسماء الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين

    بتعظيم بيوت الله عز وجل فلا يدخلها جنب ولا حائض، ولا يجلس الداخل إليها إلا بعد صلاة ركعتين، وصونها عن الروائح الكريهة، وعن البيع والشراء ونشدان الضالة، ومنع ما يشوش على المصلين والذاكرين

    بتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسـلم وسائر المرسلين، بالاقتداء بهديهم والتعرف على سيرهم، ولا يذكرون إلا بما يفيد تعظيمهم وتوقيرهم

    وعليه فإنه لا يجوز للمسلم إلقاء الأوراق والصحف والمجلات التي تحتوي على آيات قرآنية أو أحاديث نبوية أو على أسماء الله تعالى أو أسماء المرسلين، ولا يجوز استعمالها كسفرة طعام أو لتغليف المأكولات أو غيرها، ومن باب أولى امتهانها بأن تتخذ لمسح الأحذية أو الأثاثات أو غيرها؛ ومن فعل ذلك متعمداً عالماً فقد عمل عملاً من أعمال الكفر، ومن رآها في مكان قذر ولم يرفعها منه أو يضعها في مكان نظيف فإنه يأثم إن كان قادراً لأن الدوام كالابتداء، وإذا علم أن فيها آية من القرآن أو حديثاً من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وتركها في مكان القذر فقد نص بعض العلماء على كفره

    ولا بد في هذا المقام من تقرير قاعدة مهمة وهي أن الكفر لا يحصل إلا بتعمد الفعل المكفر، قال الإمام أبو زكريا النووي رحمه الله تعالى في روضة الطالبين حين بيان أحكام الردة وما يتصل بها: هي قطع الإسلام، ويحصل ذلك تارةً بالقول الذي هو كفرٌ، وتارةً بالفعل، والأفعال الموجبة للكفر هي التي تصدر عن تعمُّد واستهزاءٍ بالدِّين صريح، كالسُّجود للصَّنم, أو للشمس، وإلقاء المصحف في القاذورات.ا.هـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال أحمد الدردير رحمه الله تعالى في شرحه على مختصر خليل في بيان أمور الردة: (كإلقاء مصحف بقذر) ولو طاهراً، كبصاق، أو تلطيخه به، والمراد بالمصحف: ما فيه قرآن ولو كلمة، ومثل ذلك تركه به، أي عدم رفعه إن وجده به، لأن الدوام كالابتداء.. ومثل القرآن أسماء الله وأسماء الأنبياء، وكذا الحديث، كما هو ظاهر. ا.هــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    إذا تقرر هذا فالجواب على الأسئلة الواردة يكون ببيان جملة من الأمور:
    أولها: أن الواجب على المسلمين تعظيم كل ما فيه شيء من القرآن أو أسماء الله تعالى أو أسماء أنبيائه ورسله وملائكته صلوات الله وسلامه عليهم، وعلى ولاة الأمر من العلماء والمحافظين ورؤساء البلديات والمحليات التعاون في ذلك مع جهات الاختصاص الأخرى وذلك بنشر الوعي وبث الثقافة الشرعية، وعقوبة من يتهاون بهذا الأمر عقوبة بليغة تكون رادعة له وزاجرة لغيره.
    ثانيها: على من وجد شيئاً من تلك الأوراق أن يرفعها ويصونها أو يتخلص منها بإحراقها أو دفنها أو فرمها بحيث لا يبقى فيها شيء من تلك النصوص أو الأسماء، كما فعل عثمان رضي الله عنه حين أمر بحرق المصاحف بعد نسخها، وروي الحرق كذلك عن بعض السلف كطاوس وعروة بن الزبير رحمهم الله جميعاً، وذلك كله مقيد بالاستطاعة؛ لقوله تعالى {فاتقوا الله ما استطعتم} وقول النبي صلى الله عليه وسـلم “ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم” ومن لم يفعل ذلك جاهلاً أو عاجزاً فإنه لا يحكم عليه بكفر ولا ردة؛ وقد علمنا ربنا سبحانه أن ندعوه قائلين {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسـلم أن الله تعالى قال: قد فعلت.
    ثالثها: لا يجب على السائر في الطريق تتبع الأوراق وجمعها للتأكد من عدم وجود تلك النصوص أو الأسماء فيها؛ لما في ذلك من الحرج والمشقة المنفية عن الشريعة، وقد قال سبحانه {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} وقال {وما جعل عليكم في الدين من حرج}   وقال النبي صلى الله عليه وسـلم “إن أحب الدين إلى الله أيسره” وقال “إن هذا الدين يسر” وقال “يسروا ولا تعسروا”
    رابعها: أسماء الأشخاص المجردة كمن تسمى محمداً أو مالكاً أو صالحاً لا يسري عليها هذا الحكم؛ بل المراد ما دلت القرائن على أن المقصود به هو الله رب العالمين أو واحداً من المرسلين أو الملائكة المقربين؛ ففي حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: ويكره الاستنجاء بيد فيها خاتم فيه اسم الله، أو اسم نبي، قال: وقوله: اسم نبي، اي مقرون بما يعينه كالصلاة والسلام، لا مجرد الاشتراك.ا.هـــــــــــــــــــــــــــــــ وقال ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى في فتاواه: فإن القرآن وكل اسم معظم، كاسم الله, أو اسم نبي له، يجب احترامه وتوقيره وتعظيمه, والمقصود بأسماء الأنبياء: ما يفهم منه أنه لنبي، بحيث يقرن به من العبارات ما يفهم أنه لنبي، كمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو عيسى عليه الصلاة والسلام، أو موسى كليم الله, ونحو ذلك، أما مجرد اسم محمد, أو عيسى, أو موسى، فلا يأخذ هذا الحكم. ا.هـــــــــــــــــــــــــ

    خامسها: ليس في الشرع دليل على ما ذكر من أنه إذا تعرض أي اسم من أسماء الله تعالى للإهانة في الأرض فإن الله يرفع معناه، مثلاً اسم السلام عندما يهان أو يدنس فإن الله يرفع معناه فتكون الحرب وعدم الأمن وهكذا‼ فمثل هذا القول ما ينبغي إطلاقه إلا بدليل يمكن الركون إليه؛ والأصل أن الله تعالى يعامل عباده بفضله ورحمته لا بمجرد عدله وقد قال سبحانه {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة} وقال {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة}

    سادسها: قوله صلى الله عليه وسـلم لعبد الله بن عباس “احفظ الله يحفظك” قد قال أهل العلم في بيان معناه: كن مطيعاً لربك مؤتمراً بأوامره منتهياً عن نواهيه؛ يعني: احفظ حدودَه، وحقوقَه، وأوامرَه، ونواهيَه، وحفظُ ذلك هو الوقوفُ عندَ أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتنابِ، وعندَ حدوده، فلا يتجاوزُ ما أمر به، وأذن فيه إلى ما نهى عنه، فمن فعل ذلك، فهو مِنَ الحافظين لحدود الله الذين مدحهمُ الله في كتابه، وقال عز وجل {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَانَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} وفسر الحفيظ هاهنا بالحافظ لأوامرِ الله، وبالحافظ لذنوبه ليتوب منها.ا.هـــــــ ولا شك أن من حفظ حقوق الله تعالى وحقوقه حفظ أسمائه الحسنى وآياته العظمى من الإهانة والتدنيس.

    سابعها: الكلام في الحمام حال قضاء الحاجة أقل أحواله الكراهة، وقد نهي عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسـلم؛ ففي سنن أبي داود من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ «لاَ يَخْرُجُ الرَّجُلاَنِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ كَاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِمَا يَتَحَدَّثَانِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ» فيكره الكلام عند قضاء الحاجة إلا لأمر مهم، كطلب مزيل للأذى أو التحدث مع الزوج، وقد مثل بعضهم لذلك فقال:
    من المهم طلب المزيل          كذا كلامك مع الحليل
    قال في تبيين المسالك: أما إذا كان الكلام لإنقاذ أعمى من نار أو نحو ذلك فإنه يجب.ا.هــــ وعليه فمن اضطر لمناداة شخص فلا حرج عليه ولو كان اسمه عبد الله أو عبد الرحمن ونحوهما، والعلم عند الله تعالى.
  • الإستفادة من الخمر

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالعلماء رحمهم الله تعالى مختلفون في نجاسة الخمر ابتداء أهي نجاسة حسية – كنجاسة البول والدم – أو هي نجاسة معنوية – كنجاسة المشرك – فذهب أكثر أهل العلم – ومنهم الأئمة الأربعة – إلى أن نجاستها حسية؛ بل حكى بعضهم الإجماع على ذلك؛ وممن حكى الإجماع الغزالي كما نقل ذلك النووي عنه في المجموع؛ استدلالاً بقوله تعالى في وصفها {رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} والرجس في كلام العرب هو النجس. وقوله تعالى عن شراب أهل الجنة {وسقاهم ربهم شراباً طهورا} قالوا: فلو كانت الخمر طاهرة لفات الامتنان على أهل الجنة بطهارة شرابهم، وبما رواه أبو ثعلبة الخشني رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنا نجاور أهل كتاب وهم يطبخون في قدورهم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمر؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم “إن وجدتم غيرها فكلوا فيها واشربوا، وإن لم تجدوا غيرها فارحضوها – أي اغسلوها – بالماء، وكلوا واشربوا. وقد ناقش الإمام النووي رحمه الله في شرح المهذب الاستدلال على نجاسة الخمر بهذا النوع من الاستدلال، ثم قال رحمه الله: وأقرب ما يقال ما ذكره الغزالي أنه يحكم بنجاستها تغليظاً وزجراً عنها قياساً على الكلب وما ولغ فيه.ا.هـــــ

    وذهب بعضهم – ومنهم ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ الإمام مالك والليث بن سعد وداود بن علي الظاهري والمزني من الشافعية – ومن المعاصرين العلامة الطاهر بن عاشور والعلامة محمد بن عثيمين – إلى أنها نجاسة معنوية؛ استدلالاً بأن الخمر لما حرمت أراقها الصحابة حتى سالت في طرقات المدينة، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بغسل الطرقات منها، أو التحرز من أن تصيب ثيابهم؛ وبدلالة الاقتران؛ حيث جاءت في الآية معطوفاً عليها الميسر والأنصاب والأزلام، وهي ليست نجسة اتفاقاً، والقران في اللفظ يدل على القران في الحكم

    وقد نص أهل العلم من الشافعية والحنابلة والمالكية في رواية على إباحة الخل المتخذ من الخمر إذا حصل تخلله بنفسه دون تدخل بشري؛ لحديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الخمر تتخذ خلا؟ فقال “لا” وذلك في معرض جوابه عن تخليله لليتامى مع حاجتهم للمال عن طريق بيعه؛ فلو كان مباحاً لأذن فيه لليتامى؛ فدل على حرمة تخليل الخمر

    وذهب الحنفية والمالكية في رواية إلى جواز تخليل الخمر وأنه يطهر بذلك، ويمكن في زماننا الأخذ بهذا القول خاصة مع ما حصل من تطور الأجهزة المعينة على ذلك بما يحقق الاستحالة التي نص عليها الفقهاء؛ قال النووي رحمه الله في المجموع: الاستحالة انقلاب الشيء من صفة إلى صفة أخرى.ا.هـــــــــــــ وقال في مواهب الجليل: هي تحول المادة عن صفاتها وخروجها عن اسمها الذي كانت به إلى صفات واسم يختص بها.ا.هــــــ

    وعليه فإذا تحققت الاستحالة بالمعنى الذي ذكره الفقهاء جاز استعمالها في العادات والعبادات، والعلم عند الله تعالى.

  • مسح الرأس بعد الإغتسال

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فمن أصابته جنابة وجب عليه تعميم جسده بالماء، ذكراً كان أو أنثى، لعموم قوله تعالى {وإن كنتم جنباً فاطهروا} ويجب عليه صب الماء على رأسه وعركه بيده حتى يصل الماء إلى أصول الشعر، وبشرة الرأس، ولا يكتفى ببلِّ اليد ثم مسحها على الرأس؛ بدعوى أنها عروس وأنها تخاف على زينة شعرها؛ فعن عائشة رضي الله عنها «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه؛ ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يأخذ الماء ويدخل أصابعه في أصول الشعر؛ حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حثيات؛ ثم أفاض على سائر جسده ثم غسل رجليه» أخرجاه وفي رواية لهما: «ثم يخلل بيديه شعره حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات» وعن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول «من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها الماء فعل الله به كذا وكذا من النار» قال علي: «فمن ثم عاديت شعري» رواه أحمد وأبو داود وزاد: وكان يجز شعره رضي الله عنه؛ وعن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة قال «لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين» رواه الجماعة إلا البخاري. والله تعالى أعلم.

  • مصحف صدقة جارية

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فهبة المصحف للمسجد صدقة جارية لمن حصلت الهبة باسمه؛ يدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ: “إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: عِلْمًا نَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لاِبْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ، تَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ” قال الشيخ الألباني رحمه الله: إسناده حسن. قال السيوطي رحمه الله في الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج: ولابن عساكر في تاريخه من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا “من علَّم آية من كتاب الله أو باباً من علم أنمى الله أجره إلى يوم القيامة” وقد تحصل من هذه الأحاديث أحد عشر أمرا وقد نظمتها وقلت:

    إذا مات بن آدم ليس يجري عليه من فعال غير عشر

    علوم بثها ودعاء نجل وغرس النخل والصدقات تجري

    وراثة مصحف ورباط ثغر وحـــــــــــــــــــــفر البئر أو إجراء نهر

    وبيت للغريب بناه يأوي إليه أو بناء محل ذكــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر

    وتعليم لقرآن كريـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم فخذها من أحاديث بحصر

    وقوله صلى الله عليه وسلم “أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته” لا يفهم منه أن ما أخرج عنه بعد موته لا يلحقه؛ قال السندي رحمه الله تعالى في حاشيته على ابن ماجه: أي أَخْرَجَهَا فِي زَمَان كَمَالِ حَاله وَوُفُور اِفْتِقَاره إِلَى مَاله وَتَمَكُّنه مِنْ الِانْتِفَاع بِهِ، وَفِيهِ تَرْغِيب إِلَى ذَلِكَ لِيَكُونَ أَفْضَل صَدَقَة كَمَا يَدُلّ عَلَيْهِ جَوَابه صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ قَالَ: أَيُّ الصَّدَقَة أَعْظَم أَجْرًا؟ فَقَالَ: “أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيح شَحِيح..” الْحَدِيث، وَإِلَّا فَكَوْن الصَّدَقَة جَارِيَة لَا يَتَوَقَّف عَلَى ذَلِكَ.ا.هـــــــــــــــــــــــ والله تعالى أعلم.

  • هل خُلق الأنبياء من نور؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    أولاً: فإنني أنصح السائل الكريم ومن معه بأن يشتغلوا بما ينفعهم من مهمات الدين دون إغراق في قضايا كلامية جدلية لا يترتب عليها عمل؛ لأن هذا من المراء الذي نهينا عنه.

    ثانياً: نبينا صلى الله عليه وسـلم بنص القرآن بشر كسائر البشر إلا أنه أكملهم خَلقاً وخُلقاً، وقد قال الله تعالى {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد} وقال {قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً} وكذلك سائر الأنبياء قبله كما قال سبحانه حاكياً عن قوم فرعون مقالتهم عن موسى وهارون {أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون} وقال قوم نوح عن نوح {ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم} وقال آخرون عن نبيهم {ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون} فنبينا عليه الصلاة والسلام بشر لكنه خير الناس نسباً وأجملهم خلقة وأزكاهم خُلقا.

    ثالثاً: مما يدل على هذا المعنى حديث أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لَيْلَةً مِنَ الْفِرَاشِ فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِى عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِى الْمَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ يَقُولُ «اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لاَ أُحْصِى ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ». رواه مسلم في صحيحه ومالك في الموطأ. فلو كان نوراً حسياً كما يظن بعض الناس لما احتاجت عائشة رضي الله عنها لالتماسه في الظلام.

    رابعاً: قد يستدل بعض الناس بقوله تعالى {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين} قال أهل التفسير: قيل: النور في هذه الآية هو الإسلام وقيل: هو محمد صلى الله عليه وسـلم، والمعنى أنه صلى الله عليه وسـلم نور باعتبار ما يدعو إليه من هدى وأنه يخرج الناس من الظلمات إلى النور. قال العلامة ابن عاشور رحمه الله تعالى: وجملة {قد جاءكم من الله نور} بدل من جملة {قد جاءكم رسولنا} بدل اشتمال، لأنّ مجيء الرسول اشتمَل على مجيء الهُدى والقرآن.ا.هـ وكذلك المعنى في قوله تعالى {إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا} قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره: أي: وأمرُك ظاهر فيما جئت به من الحق، كالشمس في إشراقها وإضاءتها، لا يجحدها إلا معاند.ا.هـ وقال الألوسي رحمه الله تعالى في روح المعاني: يستضيء به الضالون في ظلمات الجهل والغواية، ويقتبس من نوره أنوار المهتدين إلى مناهج الرشد والهداية.ا.هـ وقال ابن الجوزي في زاد المسير: أي كالسِّراج المضيء في الظلمة يُهتدى به.ا.هـ وقال البيضاوي رحمه الله في تفسيره: يستضاء به عن ظلمات الجهالات ويقتبس من نوره أنوار البصائر.ا.هـ وقال الزمخشري في كشافه: جلى به الله ظلمات الشرك واهتدى به الضالون، كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير ويهتدى به، أو أمدّ الله بنور نبوّته نور البصائر، كما يمدّ بنور السراج نور الأبصار.ا.هـ وقال النسفي رحمه الله في تفسيره: جلا به الله ظلمات الشرك، واهتدى به الضالون؛ كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير ويهتدى به، والجمهور على أنه القرآن فيكون التقدير وذا سراج منير أو وتالياً سراجاً منيراً.ا.هـ وقال أبو السعود: يُستضاءُ به في ظلماتِ الجهلِ والغَوايةِ ويُهتدى بأنوارِه إلى مناهجِ الرُّشدِ والهدايةِ.ا.هـ وقال ابن عاشور رحمه الله تعالى: تشبيه بليغ بطريق الحالية وهو طريق جميل، أي أرسلناك كالسراج المنير في الهداية الواضحة التي لا لبس فيها، والتي لا تترك للباطل شبهة إلا فضحتها، وأوقفت الناس على دخائلها، كما يضيء السراج الوقّاد ظلمة المكان. وهذا الوصف يشمل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسـلم من البيان وإيضاح الاستدلال  وانقشاع ما كان قبله في الأديان من مسالك للتبديل والتحريف فشمل ما في الشريعة من أصول الاستنباط والتفقه في الدين والعلم، فإن العلم يشبَّه بالنور فناسبه السراج المنير.ا.هـ

    خامساً: القول ببشرية الرسول صلى الله عليه وسـلم لا يعني أنه بشر كسائر الناس، بل هو عليه الصلاة والسلام أجمل الناس خَلْقاً، وأحسنهم خُلُقاً، وأزكاهم نفساً، وأكملهم عقلاً، وأوفرهم حلماً، كما قال النبي صلى الله عليه وسـلم   أنس رضي الله عنه “ما بعث الله نبياً إلا حسن الوجه؛ حسن الصوت، وكان نبيكم أحسنهم وجهاً وأحسنهم صوتاً” رواه الترمذي من حديث أنس رضي الله عنه وقد وصف النبي صلى الله عليه وسـلم عدد من أصحابه كعلي بن أبي طالب وهند بن أبي هالة والبراء بن عازب والربيع بنت معوذ وغيرهم مما هو وارد في الصحاح والسنن والمسانيد؛ وخلاصة ما وصفوه به أنه كان أجمل الناس صورة وصوتاً ومعنى؛ وكما قال حسان رضي الله عنه  في مدحه صلى الله عليه وسـلم:

    وأحسن منك لم تر قط عيني           وأجمل منك لم تلد النســاء

    خلقت مبرأ من كل عيـب           كأنك قد خلقت كما تشـاء

    وأما آدم وعيسى عليهما سلام الله فالنص القرآني ظاهر في كونهما مخلوقين من تراب وذلك في قوله سبحانه {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون. الحق من ربك فلا تكن من الممترين} والله الموفق والمستعان.

زر الذهاب إلى الأعلى