الفتاوى

  • الألعاب الأولمبية في نهار رمضان

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فصوم رمضان واجب بإجماع المسلمين لدلالة القرآن والسنة، ولا يحل الإفطار فيه إلا لمن عذرهم الله من مريض أو مسافر أو شيخ كبير أو حامل أو مرضع يشق عليهما الصيام، وبعض هؤلاء يجب عليه القضاء، وبعضهم يلزمه الإطعام، وليس من مبيحات الفطر المشاركة في مسابقة رياضية، وعليه فلا يجوز لمسلم الفطر في رمضان من أجل ذلك.

    وأما سفر المرأة بلا محرم فلا يجوز، وقد سبق للمجمع أن أصدر فتوى بهذا الخصوص مدعمة بالأدلة والنقولات عن أهل العلم.

    وأما مشاركة المرأة في مسابقة السباحة أو الجري، وذلك بمحضر من الرجال الأجانب فلا يجوز أيضاً؛ لقوله تعالى {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن…الآية} وقول النبي صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما “يَا أَسْمَاءُ إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتِ الْمَحِيضَ لَمْ تَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلاَّ هَذَا وَهَذَا». وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ. رواه أبو داود والبيهقي؛ خاصة وأن الثياب التي ترتديها للسباحة تظهر ما أمر الله بستره. وجري المرأة أمام الرجال يكون سبباً لإبداء مفاتنها وإظهار محاسنها؛ وهذا كله سبب لزوال الحياء عنها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم “والحياء شعبة من الإيمان” والله تعالى أعلم.

  • هل يدفن تارك الصلاة في مقابر المسلمين؟

    الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

              فتارك الصلاة على خطر عظيم؛ لأنه واقع في كبيرة من كبائر الذنوب التي توعد الله تعالى فاعلها بالعذاب الأليم؛ قال تعالى {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا} وقال سبحانه {فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون} وقال النبي صلى الله عليه وسـلم “العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر” وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه “أما إنه لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة” وما كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسـلم يرون شيئاً تركه كفر إلا الصلاة. وقد أخبر ربنا جل جلاله أن من سمات أهل النفاق التهاون بالصلاة والتكاسل عن أدائها فقال سبحانه {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا}

              وفي المسألة فرعان أحدهما متفق عليه والآخر مختلف فيه: أما الأول فقد أجمع المسلمون على أن من ترك الصلاة جاحداً وجوبها منكراً فرضيتها فإنه يكفر بذلك كفراً أكبر مخرجاً من الملة، وإن مات فإنه لا يُغَسَّل ولا يُكفَّن ولا يُصلَّى عليه ولا يُدفَن في مقابر المسلمين ولا يُستغفَر له ولا يُترحَّم عليه وتنقطع الولاية بينه وبين المؤمنين؛ عياذا بالله من ذلك كله.

              وأما إن كان تاركاً لها كسلاً وتهاوناً فهو على خطر عظيم كذلك؛ إذ عرَّض نفسه لسخط الله ومقته، ويخشى عليه من سوء الخاتمة، لكنه عند جمهور العلماء – وهم الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في رواية – مسلم ناقص الإيمان عاص لربه؛ وإذا مات فإنه تجرى عليه أحكام موتى المسلمين فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابرهم ويستغفر له ويترحم عليه؛ وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له؛ لعموم قوله تعالى {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} مع قوله صلى الله عليه وسـلم “خمس صلوات كتبهن الله عز و جل على العباد فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة” رواه مالك في الموطأ وأحمد في المسند، وقال الشيخ الأرناؤوط: حديث صحيح، والله تعالى أعلم.

  • المسح على الجوربين

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فلا حرج في المسح على النعلين إذا كانا ملبوسين على جوربين؛ ولا حرج في خلع النعلين والمسح على الجوربين وحدهما؛ لما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ في المسند والسنن ـ أنه توضأ فمسح على الجوربين والنعلين، قال أبو عيسى الترمذي رحمه الله تعالى: هذا حديث حسن صحيح وهو قول غير واحد من أهل العلم.ا.هــــــ قال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي رحمه الله في شرح الترمذي: الْجَوْرَبُ غِشَاءٌ لِلْقَدَمِ مِنْ صُوفٍ يُتَّخَذُ لِلدِّفْءِ وَهُوَ التِّسْخَانُ.ا.هـــــ

     ولما ثبت في سنن أبي داود عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه قَالَ:  بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- سَرِيَّةً فَأَصَابَهُمُ الْبَرْدُ؛  فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ وَالتَّسَاخِينِ.قال  البغوي رحمه الله تعالى في شرح السنة: أصل التساخين: كل ما يسخن القدم من خف وجورب ونحوه.ا.هــــــــ  ولأن الجورب في معنى الخف؛ ولأن المشقة تحصل بخلعه، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الإنسان في ببته  أو خارجه؛ لأن الرخصة ثابتة للجميع. قَالَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ فِي بَابِ الْمَسْحِ عَلَى النَّعْلَيْنِ:  مَسَحَ عَلَى نَعْلَيْنِ تَحْتَهُمَا جَوْرَبَانِ، وَكَانَ قَاصِدًا بِمَسْحِهِ ذَلِكَ إِلَى جَوْرَبَيْهِ لَا نَعْلَيْهِ وَجَوْرَبَاهُ لَوْ كَانَا عَلَيْهِ بِلَا نَعْلَيْنِ جَازَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا، فَكَانَ مَسْحُهُ ذَلِكَ مَسْحًا أَرَادَ بِهِ الْجَوْرَبَيْنِ فَأَتَى ذَلِكَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ فَكَانَ مَسْحُهُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ هُوَ الَّذِي تَطْهُرُ بِهِ وَمَسْحُهُ عَلَى النَّعْلَيْنِ فَضْلٌ.ا.هـــــــــــــــــــ وَقَالَ الْحَافِظُ اِبْنُ الْقَيِّمِ فِي تَهْذِيبِ السُّنَنِ: قَالَ اِبْنُ الْمُنْذِرِ يُرْوَى الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عَنْ تِسْعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيٍّ وَعَمَّارٍ وَأَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ وَأَنَسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَالْبَرَاءِ وَبِلَالٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ وَأَبُو أُمَامَةَ وَعَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ وَعَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا اِنْتَهَى كَلَامُ اِبْنِ الْقَيِّمِ .ا.هـــــــــــــــ

    وقال الإمام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى في فتاواه: يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ إِذَا كَانَ يَمْشِي فِيهِمَا سَوَاءٌ كَانَتْ مُجَلَّدَةً أَوْ لَمْ تَكُنْ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ، فَفِي السُّنَنِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْهِ وَنَعْلَيْهِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ إِذَا لَمْ يَثْبُتْ فَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ إِنَّمَا هُوَ كَوْنُ هَذَا مِنْ صُوفٍ وَهَذَا مِنْ جُلُودٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْفَرْقِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي الشَّرِيعَةِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ جُلُودًا أَوْ قُطْنًا أَوْ كَتَّانًا أَوْ صُوفًا كَمَا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ سَوَادِ اللِّبَاسِ فِي الْإِحْرَامِ وَبَيَاضِهِ، وَغَايَتُهُ أَنَّ الْجِلْدَ أَبْقَى مِنْ الصُّوفِ وَهَذَا لَا تَأْثِيرَ لَهُ كَمَا لَا تَأْثِيرَ لِكَوْنِ الْجِلْدِ قَوِيًّا، بَلْ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى مَا يَبْقَى وَمَا لَا يَبْقَى، وَأَيْضًا فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى الْمَسْحِ عَلَى هَذَا كَالْحَاجَةِ إِلَى الْمَسْحِ عَلَى هَذَا سَوَاءٌ، وَمَعَ التَّسَاوِي فِي الْحِكْمَةِ وَالْحَاجَةِ يَكُونُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا تَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَهَذَا خِلَافُ الْعَدْلِ وَالِاعْتِبَارِ الصَّحِيحِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِ كُتُبَهُ وَأَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ .ا.هــــــــــــــــــ

    ولا بد أن تعلم أن المسح عليهما مقيد بشروط بعضها في الماسح وبعضها في الممسوح؛ فالماسح لا بد أن يكون قد لبسهما على طهارة كاملة، أي بعد أن يتوضأ، وأن يكون الحدث الموجب للوضوء حدثاً أصغر – كبول ونوم وغائط – ولا بد أن يتقيد بمدة المسح التي هي يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليهن للمسافر؛ لحديث صفوان بن عسال رضي الله عنه قال: كنت في الجيش الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرنا أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلاثاً إذا سافرنا، ويوماً وليلة إذا أقمنا، ولا نخلعهما إلا من جنابة. رواه أحمد وأصحاب السنن.وأما الممسوح إذا كان خفاً أو نعلاً غير ملبوس على جوربين فلا بد أن يكون ساتراً لمحل الفرض الذي هو القدم كله إلى الكعبين. صفيقاً لا يبدو لون البشرة من تحته، وكان سليماً لا يبدو منه ثلث القدم فأكثر.

    وصفة المسح هي أن يكتفي بالمسح على ظهر الخفين أو الجوربين أو النعلين مسحاً خفيفاً، ولا يمسح على باطنهما مما يلي الأرض. لما روى أبو داود وغيره أن علياً رضي الله عنه قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه. وله  أن يمسح ظاهر قدمه اليمنى بيده اليمنى، وظاهر قدمه اليسرى بيده اليسرى مرة واحدة. والعلم عند الله تعالى.

  • الكذب على السلطات الأوروبية في الزواج والطلاق

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فهذا الصنيع من أولئك المنتسبين إلى الإسلام متضمن جملة من المحرمات القطعية في شريعة رب البرية:

    أولها: أن الكذب حرام؛ وقد قال الله عز وجل {إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون} وقال النبي صلى الله عليه وسلم “يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب” وقال “وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا” وهذا الفعل كما لا يخفى قائم في أوله وآخره على ادعاء كاذب والإخبار بأمر مخالف للواقع

    ثانيها: أن الغش حرام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم “من غش فليس منا” وهذا النص يحرم الغش سواء مورس مع مسلم أو غير مسلم، وفي هذا الفعل غش لتلك السلطات

    ثالثها: أن فيه أكلاً لأموال الناس بالباطل؛ حيث يستحل الكذاب بذلك الخبر مالاً لا حق له فيه، وقد قال الله تعالى {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون} وقال النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يقول: يا رب يا رب!! “ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام؛ فأنى يستجاب له”

    رابعها: أن فيه إشانة لسمعة المسلمين وإظهاراً لهم بمظهر المخادعين المخاتلين الذين يستحلون أموال الناس بأدنى الحيل، وفي ذلك إضرار بمجموعهم وتعسير لمعاشهم في تلك البلاد، وتنفير للناس منهم، وهذه كلها مفاسد يجب على كل مسلم اجتنابها

    وعليه فإن هذا الفعل حرام، ومن وقع فيه لزمته التوبة إلى الله عز وجل والإقلاع عن الانتفاع بذلك المال، وإن أمكنه ردُّه إلى أهله فليفعل، أما إن خاف على نفسه ضررا – لو أخبر بحقيقة أمره – فيمكنه أن يتصدق به خروجاً من عهدته وإبراء لذمته، والله الموفق والمستعان.

  • صلاة الخوف

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد تواترت النصوص الآمرة بالمحافظة على الصلاة في أوقاتها التي شرعها الله عز وجل وعدم الاشتغال بشيء عنها؛ فقال سبحانه )فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا( وقال سبحانه )وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين( وقال سبحانه )أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا(

    وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال {أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها} رواه الترمذي والحاكم وصححاه، وأصله في الصحيحين. قال الصنعاني رحمه الله تعالى في سبل السلام: 1/389: الحديث أخرجه البخاري عن ابن مسعود بلفظ {سألت النبي r أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة لوقتها} وليس فيه لفظ: أول. قال رحمه الله: فالحديث دل على أفضلية الصلاة في أول وقتها على كل عمل من الأعمال، كما هو ظاهر التعريف للأعمال باللام، وقد عورض بحديث {أفضل الأعمال إيمان بالله} ولا يخفى أنه معلوم أن المراد من الأعمال في حديث ابن مسعود ما عدا الإيمان، فإنه إنما سأل عن أفضل أعمال أهل الإيمان، فمراده غير الإيمان. قال ابن دقيق العيد: الأعمال هنا: أي في حديث ابن مسعود محمولة على البدنية، فلا تتناول أعمال القلوب، فلا تعارض حديث أبي هريرة رضي الله عنه {أفضل الأعمال الإيمان بالله جل جلاله} ولكنها قد وردت أحاديث أخر في أنواع من أعمال البر بأنها أفضل الأعمال، فهي التي تعارض حديث الباب ظاهرا. وقد أجيب : بأنه صلى الله عليه وسلم أخبر كل مخاطب بما هو أليق به، وهو به أقوم، وإليه أرغب، ونفعه فيه أكثر، فالشجاع أفضل الأعمال في حقه الجهاد، فإنه أفضل من تخليه للعبادة، والغني أفضل الأعمال في حقه الصدقة وغير ذلك: أو أن كلمة “من” مقدرة؛ والمراد من أفضل الأعمال، أو كلمة أفضل لم يرد بها الزيادة، بل الفضل المطلق

    وأوقات الصلوات قد وردت مفصلة فيما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه جبريل عليه السلام فقال له: قم فصله، فصلى الظهر حين زالت الشمس، ثم جاءه العصر فقال: قم فصله، فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم جاءه المغرب فقال قم فصله فصلى المغرب حين وجبت الشمس، ثم جاءه العشاء فقال: قم فصله، فصلى العشاء حين غاب الشفق، ثم جاءه الفجر فقال: قم فصله، فصلى الفجر حين برق الفجر، أو قال: سطع الفجر، ثم جاءه من الغد للظهر فقال: قم فصله، فصلى الظهر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم جاءه العصر فقال: قم فصله، فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، ثم جاءه المغرب وقتا واحدا لم يزل عنه، ثم جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل، أو قال: ثلث الليل فصلى العشاء، ثم جاءه حين أسفر جدا، فقال: قم فصله، فصلى الفجر، ثم قال: ما بين هذين الوقتين وقت} رواه أحمد والنسائي والترمذي بنحوه. وقال البخاري: هو أصح شيء في المواقيت

    وبلغت عناية الشريعة بأداء الصلاة في أوقاتها أن شرعت للمسلمين ـ حال القتال واحتدام المعركة صلاة تسمى صلاة الخوف؛ فقال سبحانه )وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدواً مبينا + وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معكم وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معكم وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذاباً مهينا(

    وفي صفة صلاة الخوف روايات ثابتة؛ فعن صالح بن خوات رضي الله عنهعمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف أن طائفة من أصحابه صلى الله عليه وسلم صفت معه وطائفة وجاه العدو؛ فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائما، وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالسا، وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم} متفق عليه، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال {غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد، فوازينا العدو فصاففناهم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بنا، فقامت طائفة معه، وأقبلت طائفة على العدو، وركع بمن معه، وسجد سجدتين، ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل، فجاءوا فركع بهم ركعة، وسجد سجدتين، ثم سلَّم فقام كل واحد منهم، فركع ركعة، وسجد سجدتين} متفق عليه واللفظ للبخاري

    فإذا كانت الشريعة المطهرة لم تبح للمقاتلين تأخير الصلاة عن وقتها فكيف بغيرهم؟ لا شك أن ذلك لا يجوز في دين الله تعالى، بل الواجب على من بسط الله يده من قائد أو مسئول أن يحث جنوده ومن ولاه الله أمرهم على الإتيان بالصلاة في أوقاتها التي شرعها الله عز وجل، وليكن قدوة لهم في ذلك؛ وقد قال عليه الصلاة والسلام {ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته}

  • القنوت في صلاة الصبح

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالقنوت: بالتاء هو الدعاء والطاعة، وهو السكوت، وهو أيضا طول القيام في الصلاة. وقنت الرجل: أي دعا على عدوه، وقنت: أطال القيام في صلاته.

    والقنوت في صلاة الصبح قد اختلف الأئمة رحمهم الله في مشروعيته؛ فذهب أحمد وأبو حنيفة رحمهما الله إلى أنه لا يسن القنوت في صلاة الصبح ولا في غيرها من الصلوات سوى الوتر؛ لما روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهراً يدعو على حي من أحياء العرب ثم تركه. وعن أبي مالك رضي الله عنه قال : قلت لأبي: إنك صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ههنا بالكوفة نحواً من خمس سنين أكانوا يقنتون في الصبح؟ قال: أي بني محدث. رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح والعمل عليه عند أكثر أهل العلم.

    وذهب مالك والشافعي إلى أن القنوت في صلاة الصبح سنة في جميع الزمان، لأن أنساً رضي الله عنه قال: {ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا} رواه أحمد وعبد الرزاق والدارقطني والحاكم والبيهقي وصححاه ، وكان عمر رضي الله عنه يقنت في الصبح بمحضر من الصحابة وغيرهم. روى عبد الرزاق في مصنفه والبيهقي في شعب الإيمان عن عمر رضي الله عنه أنه قنت في صلاة الصبح فقال: {بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك، ونستهديك، ونستغفرك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكافرين ملحق. اللهم عذِّب الكفَّار أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك}

    والمستحب عند المالكية أن يكون قبل الركوع؛ لما فيه من تطويل القيام ليتسنى للمسبوق إدراك الركعة،وهو المروي عن عمر وعلي وابن مسعود وخلق من الصحابة رضي الله عنهم، وهو مذهب إسحاق ومالك. ويستحب عند هم – أي المالكية -الإسرار بالدعاء في القنوت

    وأما عند الشافعية فهو عندهم بعد الركوع جهراً؛ وكلا الأمرين سائغ مشروع؛ لما روى حميد قال: سئل أنس عن القنوت في صلاة الصبح فقال {كنا نقنت قبل الركوع وبعده} أخرجه ابن ماجه. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في (المجموع): مذهبنا أنه يستحب القنوت فيها – يعني صلاة الصبح – سواء نزلت نازلة أو لم تنزل، وبهذا قال أكثر السلف ومن بعدهم أو كثير منهم، وممن قال به أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي وابن عباس والبراء بن عازب رضي الله عنهم. رواه البيهقي بأسانيد صحيحة. وقال به من التابعين فمن بعدهم خلائق، وهو مذهب ابن أبي ليلي والحسن بن صالح ومالك وداود، وقال عبد الله ابن مسعود وأصحابه وأبو حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري وأحمد: لا قنوت في الصبح.ا.هـــــــــــــ

    وهذه المسألة – كما هو ظاهر – قد تعددت فيها مذاهب العلماء، والخلاف فيها معتبر؛ والناس على مذهب إمامهم الذي يصلي بهم فإن قنت قنتوا معه وإلا فلا؛ حتى لا تصبح مادة للخلاف بين المسلمين في المسجد الواحد، واعلم بارك الله فيك أن العلماء متفقون على صحة صلاة من قنت ومن ترك.

    وما أجمل مقولة ابن القيم رحمه الله في (زاد المعاد) حيث حقَّق المسألة ثم قال: والإنصاف الذي يرتضيه العالم المنصف أنه صلى الله عليه وسلم جهر وأسرَّ وقنت وترك.. ثم قال: وصح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: والله لأنا أقربكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم .. فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح….، ثم قال: ولا ريب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعل ذلك ثم تركه، فأراد أبو هريرة أن يعلمهم أن مثل هذا القنوت سنة، وهذا رد على أهل الكوفة الذين يكرهون القنوت في الفجر مطلقاً…. ويقولون: هو منسوخ وفعله بدعة… وأهل الحديث متوسطون بين هؤلاء وبين من استحبه عند النوازل وغيرها، ويقولون: فعله سنة وتركه سنة، فلا ينكرون على من داوم عليه، ولا يكرهون فعله، ولا يرونه بدعة، ولا فاعله مخالفاً للسنة.ا.هـــــــ والله أعلم.

  • ما يترتب على القتل الخطأ

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالظاهر من السؤال أن هذا القتل وقع خطأ، حيث عرَّف الفقهاء القتل الخطأ بأنه ما صدر من الإنسان بفعل لم يقصده أصلا، أو قصد دون قصد الشخص المقتول. والقتل الخطأ يجب فيه حقان؛ حق لأولياء الدم ببذل الدية لهم على ما يحكم به القضاء؛ وحق لله تعالى بعتق رقبة؛ فمن لم يجد صام شهرين متتابعين؛ يقول تعالى {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} وكون القاتل قد هرب من مكان الحادث ولم يسعف المتوفى يرتِّب عليه مسئولية جنائية وشرعية، وقد كان عليه أن يتذكر قوله تعالى {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} وعليه فإن الجواب عن الأسئلة الواردة يكون:

    أولاً: لا حق لكم في المطالبة بالقصاص لأن القتل خطأ وليس عمداً، والقصاص حق لأولياء الدم في القتل العمد العدوان

    ثانياً: من حقكم المطالبة بعقوبة القاتل على هروبه وتركه إسعاف المتوفى، وإهماله مراعاة شعور أهله

    ثالثاً: إذا حصل العفو عن الدية منكم فليس لكم أن تتراجعوا عنه وتطالبوا بها؛ بناء على القاعدة الفقهية (الساقط لا يعود) إلا إذا كان في المستحقين للدية من لا تمضي تصرفاته لصغر أو سفه فإن حقه يبقى ولا يسقط

    رابعاً: عليكم – أحسن الله إليكم – إمضاء عفوكم رجاء ما عند الله من أجر وثواب؛ قال تعالى {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} أي كفارة للعافي بصدقته على الجاني، وإن كانت الآية في القتل العمد؛ فهي في حال الخطأ من باب أولى؛ وقدوتكم في ذلك حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما؛ فإن أباه قتل يوم أحد بأيدي المسلمين خطأ؛ فوداه النبي صلى الله عليه وسلم؛ فتصدق حذيفة بديته على المسلمين. رواه الحاكم في المستدرك. خاصة إذا استصحبتم حال القاتل فلربما أصابته لوعة أو فجعته المصيبة فلم يحسن التصرف، وهذه أسباب داعية إلى التخفيف عنه والرأفة به، كما نوصيكم بالصبر على مصابكم، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي «ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احستبه إلا الجنة» رواه البخاري، والله الموفق والمستعان.

  • العمل في ديوان الضرائب

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالأصل أنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه، وما ينبغي أخذ المال قهراً إلا بحق؛ كأخذ الزكاة قهراً ممن منعها طوعاً؛ كما في الحديث «من أعطاها مؤتجرا فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا لا يحل لمحمد ولا لآل محمد منها شيء»

    ومعلوم أن مصارف الزكاة محددة بنص القرآن في آية التوبة {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم» وهناك خدمات يعود نفعها لجمهور المسلمين ولا يمكن الإنفاق عليها من الزكاة، من ذلك: تعبيد الطرق وشق القنوات وتنظيم الشوارع وبناء الجسور وحماية الثغور وغير ذلك من المصالح التي ينتفع بها عامة الناس؛ وليست قاصرة على فئة دون أخرى، ومن هنا أباح جمهور العلماء للدولة أن تفرض على الرعية مالاً سوى الزكاةوذلك بشروط:

    أولها: أن تكون بالدولة حاجة حقيقية إلى هذه الأموال، وليس في مواردها ما يكافئ تلك النفقات

    ثانيها: مراعاة العدالة في فرضها، فتفرض على من كان في ماله فضل، ولا تفرض على من دون ذلك ممن لا يكاد يجد قوت يومه

    ثالثها: تقوى الله في إنفاقها؛ فلا تنفق في سفاسف الأمور، ولا يستمتع بها طبقة دون سائر الناس.

    وعليه فإن العمل في الضرائب سائغ إذا كان العامل يتقي الله في أمة الإسلام، ويعمل على منع الظلم عنهم ودفع الآذى، ولا يكلف الناس ما لا يطيقون ولا يتلذذ بظلمهم والتعدي على كرائم أموالهم، ولا يجعل من وظيفته باباً لتلقي الرِّشا وأكل أموال الناس بالباطل؛  وهو إن تحلى بالعدل والإنصاف وإعطاء كل ذي حق حقه مأجور مشكور؛ شأنه في ذلك شأن من يعمل في الجهاز الشرطي أو الجمارك أو غيرها من المرافق التي هي مظنة إيقاع الظلم بالناس، ومن عمل في تلك المرافق ولم يتق الله في المسلمين فهو متوعد بقول النبي صلى الله عليه وسلم «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه»

    ولذلك نقول: لا بد أن يلج الطيبون الصالحون مثل هذه الأبواب؛ تخفيفاً على الناس وإحساناً إليهم، ولو قال كل امرئ صالح: لا أعمل في الضرائب؛ فإن ذلك سيفضي إلى شر عظيم. والله الموفق والمستعان.

  • حكم العمل في الجمارك

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالجمارك يراد بها الأموال التي تؤخذ ممن جلب بضاعة من بلد إلى بلد آخر، وتسمى كذلك ضريبة العشور، وهي ـ في الجملة ـ من المحرمات؛ لقول الله تعالى )ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون( وقول النبي صلى الله عليه وسـلم {لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه} رواه أحمد، بل هي من المكوس التي توعدت الشريعة آخذيها وآكليها؛ قال النبي صلى الله عليه وسـلم  {إن صاحب المَكس في النار} رواه أحمد عن رويفع بن ثابت رضي الله عنه وقال صلى الله عليه وسـلم {لا يدخل الجنة صاحب مَكس} رواه أحمد وأبو داود عن عقبة بن عامر رضي الله عنه؛ قال شُرَّاح الحديث: المَكس: النقص والظلم وأصله دراهم كانت تؤخذ من بائعي السلع في الأسواق في الجاهلية، أو درهم كان يأخذه المصدِّق بعد فراغه من الصدقة، قال ابن الأثير في النهاية: هو الضريبة التي يأخذها الماكس وهو العشار.ا.هــــــ انظر النهاية في غريب الحديث 4/349

    وقال في عون المعبود: المَكس ـ بفتح الميم ـ هو الضريبة والإتاوة، وهو دراهم كانت تؤخذ من بائعي السلع في الأسواق في الجاهلية، أو تؤخذ من التجار إذا مروا.ا.هـــ انظر عون المعبود شرح سنن أبي داود 6/412 وقال الشيخ صديق بن حسن خان البخاري في الروضة الندية 2/215 عن الجمارك التي تؤخذ من المسلمين: (فهذا عند التحقيق ليس هو إلا المَكْس من غير شك ولا شبهة) ا.هـ. والمكس من الغصب، قال المرداوي في الإنصاف: ويدخل فيه -أي الغصب- ما أخذه الملوك والقطاع من أموال الناس بغير حق من المكوس وغيرها.ا.هـــــ وغير خافٍ أن أخذ المَكْس من كبائر الذنوب لقول النبي صلى الله عليه وسـلم في الغامدية التي زنت، {وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ} رواه مسلم. قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: فِيهِ أَنَّ الْمَكْس مِنْ أَقْبَح الْمَعَاصِي، وَالذُّنُوب الْمُوبِقَات.ا.هـ شرح صحيح مسلم 6/118

    وهناك حالتان يجوز فيهما فرض الرسوم الجمركية على الناس:

    الحالة الأولى: أن تكون على بضائع غير المسلمين؛ وهي جائزة استدلالاً بفعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث كان يأخذ العشر ونصف العشر من تجارات غير المسلمين؛ فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه وزياد بن جبير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يأخذ من تجار المسلمين ربع العشر، ومن تجار أهل الذمة مثلي ما يأخذ من تجار المسلمين ـ أي نصف العشر ـ ومن تجار أهل الحرب العشر. انظر: الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام ـ بتحقيق محمد خليل الهراس

    وما فرض على التجار أهل الحرب فهو من باب المعاملة بالمثل؛ فقد سئل زياد بن جبير: من كنتم تعشرون؟ أي تأخذون منه العشر؟ قال: ما كنا نعشر مسلماً ولا ذمياً، كنا نعشر تجار الحرب كما كانوا يعشروننا إذا أتيناهم. الأموال للقاسم بن سلام 706

    الحالة الثانية: أن تكون على بضائع المسلمين فيما إذا كانت الدولة مضطرة لذلك، وليس في خزينتها ما يفي بتلك الضرورة، ولم يحصل تسيب بصرف ذلك المال في غير وجهه، بمعنى أن الدولة تحتاج إلى مال يُصرف في مصالح الناس ـ كبناء الجسور وشق الترع ورصف الطرق وتأمين الثغور ـ وغير ذلك مما يعود نفعه على عموم المسلمين؛ فإذا لم يكن في خزينتها ما يحقق تلك المصالح جاز لها أن تفرض رسوماً على الناس؛ عملاً بقاعدة {الغرم بالغنم} مراعية في ذلك العدالة في الجباية والاقتصاد في الصرف

    الخلاصة

    أن الأصل في الجمارك التحريم إلا في الحالتين السابق ذكرهما، وعليه فإنه يجوز للشخص العمل في الجمارك إذا كانت نيته تحقيق العدالة ورفع الظلم عن الناس، وليس هو مسئولاً عن تصرف الحاكم في تلك الأموال لعموم قوله تعالى )لا يكلف الله نفساً إلا وسعها( ولأن كل عامل تنحصر ولايته فيما استرعاه الله U دون غيره.

    هذا والواجب على من ولاه الله الأمر ـ من وزير ومسئول ـ أن يتقي الله في تلك الأموال وأن يصرفها في الوجوه التي من أجلها جمعت؛ فراراً من الإثم وخلاصاً من الوزر، والعلم عند الله تعالى.

  • العمل الخاص في وقت الراحة

    – شخص يعمل بالشرطة وفي وقت راحته يقوم بمساعدة الناس ويقوم باستخراج (جوازات وجنسيات ورخص قيادة وخلافه) للمواطنين بمقابل مادي

    2- شخص يعمل بشرطة الجمارك يقوم في زمن راحته بأعمال التخليص الجمركي ما حكم الكسب الذي يتقاضاه نظير هذه الخدمة؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فمثل هذا العمل يمكن أن يحكم بجوازه وفقاً لشروط خلاصتها:

    أولاً: أن يكون هذا الشخص قد وفى بمقتضى العقد الذي بينه وبين الجهة المخدمة فأدى العمل الذي كلف به في الوقت الذي أمر به؛ عملاً بقوله تعالى {أوفوا بالعقود}

    ثانياً: ألا يترتب على قيامه بذلك العمل في وقت راحته تقصير في عمله المكلف به أصلا في وقت العمل الرسمي

    ثالثاً: ألا يتعمد تعطيل أعمال الناس في وقت العمل الرسمي من أجل أن يلجئوا إليه في وقته الخاص

    رابعاً: أن يأخذ على تلك الخدمة أجرة المثل من غير وكس ولا شطط

    خامساً: ألا يبذل رشوة لزملائه في مقابل تنجيز تلك الأعمال؛ لما يترتب على ذلك من فساد عريض

زر الذهاب إلى الأعلى