الفتاوى

  • عينات التقاوي للمزارعين

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فلا حرج في إعطاء العاملين من تلك التقاوي التي تقدم للمعمل كعينات لفحصها، وذلك لما يلي:

    أولاً: أن هذه التقاوي لا تتعلق بها نفوس أصحابها بعد تقديمها للمعمل؛ بل الغالب أنهم يهملونها ولا يسألون عنها؛ والشريعة قد قضت بإباحة التصرف فيما لا تتبعه نفس صاحبه؛ بحيث إن النبي صلى الله عليه وسلم فرق في اللقطة بين الجليل والحقير بهذا الاعتبار؛ فثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان نائماً فوجد تمرة تحت جنبه فأخذها فأكلها ثم جعل يتضور من آخر الليل وفزع لذلك بعض أزواجه فقال اني وجدت تمرة تحت جنبي فآكلتها فخشيت ان تكون من تمر الصدقة

    رواه الإمام أحمد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال الشيخ شعيب الأرنؤوط : إسناده حسن. بينما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيحين من حديث زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رجلاً سأل النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ اعْرِفْ وِكَاءَهَا ، أَوْ قَالَ وِعَاءَهَا – وَعِفَاصَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ قَالَ فَضَالَّةُ الإِبِلِ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ، أَوْ قَالَ احْمَرَّ وَجْهُهُ – فَقَالَ وَمَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَرْعَى الشَّجَرَ فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا قَالَ فَضَالَّةُ الْغَنَمِ قَالَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ. فدل ذلك على اعتبار الكثير الذي تتبعه نفس صاحبه وإهمال ما دون ذلك.

    ثانياً: هذه التقاوي مآلها – كما ذكر السائل – إلى الإتلاف والإلقاء بعد مضي مدة معينة؛ وعليه فإذا كان هؤلاء المزارعون سينتفعون بها فهذا خير من إتلافها؛ لأن الله تعالى لا يحب الفساد، ولعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم “من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل” والعلم عند الله تعالى

  • اضطراب الدورة الشهرية بسبب اللحمية

    السؤال: مصابة باللحمية، والدورة كانت ستة أيام، ولكن بعد اللحمية صارت تأتي أياماً أكثر من ذلك، حتى تصل إلى ثلاثة عشر يوماً، وأحياناً عشرة أيام، ومرة كانت ستة عشر يوماً، يعني غير منتظمة، مع العلم أن كميتها تكون قليلة أحياناً وكثيرة في أحيان أخرى؛ أفيدوني هل أعتبرها استحاضة وأصلي وأصوم أم ماذا؟

    الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالمرأة قد تضطرب حيضتها لمرض يصيبها أو دواء تتناوله أو تقدم في عمرها أو غير ذلك من الأسباب التي تجعل دورتها غير منتظمة، ومهما يكن من أمر، فإن العلامة التي علق الشرع الأحكام عليها هي رؤية الدم؛ فمتى ما رأت المرأة الدم بعد انقضاء خمسة عشر يوماً على حيضتها السابقة فهي حائض تمتنع من الصلاة والصيام ويمتنع زوجها عن جماعها، وتبقى هذه الأحكام سارية حتى يحصل الطهر بانقطاع الدم ثم التطهر بالغسل؛ فإذا استمر الدم بعد انتهاء المدة المعتادة لها فهو حيض ما لم يجاوز أكثر مدة الحيض والتي هي خمسة عشر يوماً عند جمهور العلماء؛ فمتى ما زاد على ذلك فإنه استحاضة لا يترتب عليه شيء من أحكام الحيض سوى أنها تتوضأ لكل صلاة بعد دخول وقتها، وتصلي بهذا الوضوء الفريضة وما شاءت من نوافل. لقول النبي صلى الله عليه وسـلم لفاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها حين قالت: إني امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “إنما ذلك عرق وليس بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي” رواه البخاري وفي رواية للجماعة إلا ابن ماجه: “فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي” زاد الترمذي في رواية وقال: “توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت”

    قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: والأحاديث الصحيحة منها ما يقضي بأن الواجب عليها الرجوع إلى العمل بصفة الدم؛ كما في حديث فاطمة بنت أبي حبيش الآتي في الباب الذي بعد هذا- يعني قوله صلى الله عليه وسـلم لفاطمة “إذا كان دم الحيضة فإنه أسود يعرف فإذا كان كذلك فأمسكي عن الصلاة فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما هو عرق” رواه أبو داود والنسائي – ومنها ما يقضي باعتبار العادة كما في أحاديث الباب ويمكن الجمع بأن المراد بقوله “أقبلت حيضتك” الحيضة التي تتميز بصفة الدم أو يكون المراد بقوله “إذا أقبلت الحيضة” في حق المعتادة والتمييز بصفة الدم في حق غيرها وينبغي أن يعلم أن معرفة إقبال الحيضة قد يكون بمعرفة العادة وقد يكون بمعرفة دم الحيض وقد يكون بمجموع الأمرين.ا.هــــ

    وعليه فإذا كان للسائلة أيام معلومة تأتيها الحيضة خلالها في كل شهر فإنها تعول على تلك العادة وتعتبر ما زاد على ذلك استحاضة، فإذا لم يكن لها أيام معلومة فإنها تعول على التمييز باللون والرائحة إن أمكنها ذلك؛ وإلا عولت على انقطاع حال حدوثه ما لم يزد مجموع الأيام على خمسة عشر يوماً، والعلم عند الله تعالى.

  • عدد أسماء الله الحسنى

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد روى الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسـلم “لله تسعة وتسعون اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر” وقد ذكر أهل العلم في شرح هذا الحديث فوائد:

    أولها: أنه لا يراد بهذا العدد الحصر عند جمهور العلماء، بل المراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها، لا الإخبار بحصر الأسماء، قال الخطابي رحمه الله تعالى: هو بمنزلة قولك: إن لزيد ألف درهم أعدها للصدقة، وقولك: إن لعمرو مائة ثوب من زاره خلعها عليه، وهذا لا يدل على أنه ليس عنده من الدراهم أكثر من ألف درهم ولا من الثياب أكثر من مائة ثوب.ا.هـــ ويدل على صحة هذا التأويل الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وابن حبان عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسـلم كان يدعو فيقول “…أسألك بكل اسم هو لك سمَّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك” وفي حديث عائشة “لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك”

    ثانيها: في معنى قوله صلى الله عليه وسـلم “من أحصاها”:

    • قيل: أن يعدها حفظاً ويدعو ربه بها؛ كما في قوله سبحانه {وأحصى كل شيء عددا} واستدل لهذا المعنى الخطابي بقوله ـ في الرواية الأخرى ـ “من حفظها دخل الجنة”
    • وقيل: المراد بالإحصاء الإطاقة؛ كما في قوله سبحانه {علم أن لن تحصوه} أي لن تطيقوه، وكقول النبي صلى الله عليه وسـلم “استقيموا ولن تحصوا” أي لن تبلغوا كل الاستقامة؛ فيكون المعنى: أن يطيق الأسماء الحسنى ويحسن المراعاة لها، وأن يعمل بمقتضاها، وأن يعتبرها فيلزم نفسه بموجبها.
    • وقيل: الإحصاء بمعنى العقل والمعرفة فيكون معناه أن من عرفها وعقل معانيها وآمن بها دخل الجنة، وهو مأخوذ من الحصاة وهي العقل، تقول العرب: فلان ذو حصاة، أي ذو عقل ومعرفة بالأمور.

    ثالثها: قوله صلى الله عليه وسـلم “وهو وتر يحب الوتر” الوتر هو الفرد، ومعناه في صفة الله تعالى الواحد الذي لا شريك له ولا نظير ولا شبيه، وجميع خلقه شفع خلقوا أزواجاً، قال سبحانه {ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون}

    وأما الحديث الذي رواه الإمام الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه في سرد أسماء الله الحسنى فقد ضعفه هو نفسه رحمه الله تعالى حيث قال: حديث غريب، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسـلم، ولا نعلم في كبير شيء من الروايات له إسناد صحيح ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث،  وقد روى آدم بن أبي إياس هذا الحديث بإسناد غير هذا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسـلم وذكر فيه الأسماء، وليس له إسناد صحيح.ا.هـــ

    وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: والذي عول عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه، وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم وعبد الملك بن محمد الصنعاني عن زهير أنه بلغه عن غير واحد من أهل العلم أنهم قالوا ذلك، أي أنهم جمعوها من القرآن، كما روي عن جعفر بن محمد وسفيان بن عيينة وأبي زيد العلوي، والله أعلم.ا.هـــ

    وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: الصحيح أنه _ أي العد – ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسـلم.ا.هــــ

    وقال الصنعاني رحمه الله تعالى: اتفق الحفاظ من أئمة الحديث أن سردها إدراج من بعض الرواة.ا.هــــ

    الخلاصة

    أن أسماء الله الحسنى لا تنحصر في التسعة وتسعين اسماً، وأنه لم يرد في تعيينها وجمعها نص صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسـلم، بل الأمر محل اجتهاد حيث بذل العلماء رحمهم الله جهدهم في إحصائها من نصوص القرآن والسنة، ومن وفق إلى إحصاء تسعة  وتسعين اسماً منها نال من الأجر ما بشر به رسول الله صلى الله عليه وسـلم، والله المستعان.

  • أسلمت المرأة وبقي زوجها كافرا

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالمقرر شرعاً أنه لا يحل للمرأة المسلمة البقاء تحت زوج كافر؛ لقوله تعالى {فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} فلا يجوز لها – بعد إسلامها – أن تمكن الزوج الكافر من نفسها؛ وأما وقوع الفرقة بينهما فموقوف على انقضاء العدة؛ بمعنى أن الزوج إذا أسلم قبل انقضاء العدة فإنها تُردُّ إليه بالنكاح الأول ولا يلزم تجديده، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رد المهاجرات إلى أزواجهن لما أسلموا وهن في العدة، أما إذا تاخر إسلامه إلى أن انقضت عدتها فإنها تبين منه بينونة صغرى، وتكون أولى بنفسها وليست بحاجة إلى أن يوقع الزوج الكافر طلاقاً؛ بل لها الخيار في أن تتزوج به متى ما أسلم أو تتزوج بغيره، والدليل على ذلك أن امرأة صفوان بن أمية أسلمت يوم فتح مكة ثم أسلم هو بعدها بنحو من شهر ولم يفرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما، ولا أمرهما بتجديد العقد، وبقيت عنده بالنكاح الأول.

    ومعلوم أن عدة المرأة هي ثلاثة أطهار إن كانت من ذوات القرء، أو ثلاثة أشهر إن كانت صغيرة أو كبيرة لا تحيض، أو وضع الحمل إن كانت حاملا.

    يبقى بعد ذلك التحري من قبل القاضي عن إسلام ذلك الرجل أهو إسلام حق أم غش وتدليس لاستبقاء النكاح، أو ليتسنى له فتنة المرأة عن دينها، والظاهر الثاني لكونه قد أعلن ذلك أمام المحكمة ولم يسبقه أو يتبعه بإجراء يشي بصدقه مما جرت به الأنظمة؛ كاستصدار إشهار شرعي يثبت صدق ما نطق به مثلما جرى الحال في نظائره من المعاملات كإثبات النكاح والنسب والديون وغيرها.  والله تعالى أعلم

  • استعمال دواء يمنع الحيض

    ما حكم استعمال ما يمنع الحيض؟

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فلا حرج على المرأة في استعمال الدواء الذي يؤخر نزول دم الحيض من أجل غرض مشروع كإكمال النسك أو إكمال رمضان ونحو ذلك من الأغراض الصحيحة، وذلك كله مشروط بألا يترتب عليه ضرر، ولمعرفة حصول الضرر من عدمه تستشار الطبيبة الحاذقة الموثوقة، وقد ذكر بعض أهل العلم أن نساء المسلمين – فيما مضى – كن يشربن الماء الذي طبخت فيه أعواد الأراك للغرض نفسه.

    ولربما يقال: إن الأولى أن تبقي المرأة الأمر على طبيعته تعبداً لله بترك الصلاة والصيام والطواف أيام حيضتها، مثلما تتعبد لله بالصلاة والصيام والطواف حال طهرها؛ ولأن استعمال تلك الأدوية ربما يؤدي إلى متاعب صحية أو إلى اضطراب دورة المرأة فيما بعد، أو إلى نزول سائل أصفر تبقى معه متحيرة لا تدري أحيض هو أم ليس بحيض، لكن الحاجة قد تكون داعية لاستعمال تلك الأدوية خاصة في الحج من أجل أن تكمل نسكها وتلحق برفقتها، فيبقى الأمر على الجواز بالشرط الذي مضى ذكره، والعلم عند الله تعالى.

  • استخدام الهاتف الحكومي في الإتصالات الخاصة

    السؤال: شخص عمل موظفاً في المملكة العربية السعودية في إحدى الدوائر الحكومية، وكان يستعمل جهاز التلفون في محادثاته الخاصة؛ فما هو حكم ذلك شرعاً؟ وقد حضر إلى السودان نهائيا.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    يقصد بالمال العام كل مال لا مالك له على التعيين، بل نفعه يعود إلى مجموع الأمة من الرعاة والرعية، سواء تلك التي وُجدت بخلق الله تعالى دون تدخل من البشر، كالمعادن والنفط والأحجار والماء والكلأ والنار[1]، أو تلك التي أُقيمت بتصرُّفٍ من الناس لكن نفعها عام، كالمساجد والمدارس والطرقات والأنهار والأوقاف الخيرية، ونحوها من المنافع العامة، ومثلها المباني والسيارات والمكاتب والأوراق والأدوات الكهربائية وأجهزة الهاتف والحاسب الآلي، وغير ذلك من فيء وغنيمة وجزية وخراج. وعرَّفه بعضهم بقوله: هو المال المرصد للنفع العام دون أن يكون مملوكاً لشخص معين[2]

    والأصل حرمة استخدام المال العام في شأن خاص؛ لقول الله تعالى )وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون( قال ابن عباس وعكرمة وابن جبير: نزلت بسبب قطيفة حمراء فُقدت في المغانم يوم بدر، فقال بعض من كان مع النبي r لعل أن يكون النبي r قد أخذها؛ فنزلت الآية([3]). فالنفي هنا لإمكان وقوع الفعل وليس لحله أو جوازه، فهنا يأتي السياق بحكم عام ينفي عن الأنبياء عامة إمكان أن يغلوا([4]). (ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة)، قال القرطبي: “يأتي به حاملاً له على ظهره ورقبته، معذَّباً بحمله وثقله، مرعوباً بصوته، وموبَّخاً بإظهار خيانته على رؤوس الأشهاد”([5])، وإذا كانت الآية نازلة في سبب خاص يتعلق بحادثة معينة زمان النبي r فإنها تعم كل غلول، وكل اعتداء على المال العام، وكل إساءة للتصرف فيه، وكل خيانة؛ لما تقرر عند أهل الأصول من أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب([6]).

    وثبتت الأحاديث عن رسول الله r في التحذير من التخوض في مال الله والتساهل في الاعتداء عليه، ومن ذلك:

    (1) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله r: ((ردوا الخياط والمخيط([7])؛ فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة))([8]).

    (2) عن عدي بن عميرة الكندي t قال: قال رسول الله r: ((من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطاً فما فوقه فهو غلول يأتي به يوم القيامة))، فقام رجل من الأنصار أسود، كأني أنظر إليه، فقال: “يا رسول الله، اقبل عني عملك”، قال: ((وما ذاك؟))، قال سمعتك تقول كذا وكذا، فقال رسول الله r: ((وأنا أقوله الآن: ألا من استعملناه على عمل فليجئ بقليله وكثيره، فما أعطى منه أخذ، وما نهى عنه انتهى))([9]).

    (3) عن أبي رافع t قال: كان رسول الله r إذا صلى العصر ربما ذهب إلى بني عبد الأشهل([10]) فيتحدث معهم حتى ينحدر إلى المغرب إذ مر بالبقيع([11]) فقال: ((أُفٍّ لك))، فلزقت في درعي وتأخرت وظننت أنه يريدني، فقال: ((مالك؟))، فقلت: أحدثت حدثاً يا رسول الله؟ قال: ((وما ذاك؟)) قلت: إنك قلت لي كذا. قال: ((لا، ولكن هذا قبر فلان([12]) بعثته ساعياً على آل فلان فغل نمرة،([13]) فدُرِّع الآن مثلها من نار))([14]).

    (4) عن معاذ بن جبل t قال: بعثني رسول الله r إلى اليمن فلما سرت، أرسل في أثري فردني، فقال: ((أتدري لم بعثتُ إليك؟ لا تصيبن شيئاً بغير إذني فهو غلول (ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة).. لهذا دعوتك فامض لعملك([15]).

    (5) عن أبي مسعود الأنصاري t قال: بعثني رسول الله r ساعياً ثم قال: ((انطلق أبا مسعود، ولا ألفينك يوم القيامة تأتي على ظهرك بعير من إبل الصدقة له رغاء قد غللته))([16]).

    ويحمد للسائل – وفقه الله – احتياطه لدينه وحرصه على اجتناب الشبهات {فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام} وبخصوص سؤاله فإن الظاهر جواز  استعمال الهاتف العام في الشأن الخاص فيما يتعلق بالمكالمات المحلية، وذلك لوجهين:

    أولهما: ما جرت به عادة شركات الاتصالات في كثير من البلاد على جعل المكالمات المحلية مجانية لا يترتب عليها رسوم

    ثانيهما: أن الجهات الحكومية المسؤولة في شتى البلاد قد انتزعت الصفر من هذه الهواتف، بما يفهم منه السماح بالمكالمات المحلية دون الإقليمية أو العالمية

    وعليه فالذي يظهر – والعلم عند الله تعالى – أنه ليس على السائل شيء في استعماله الهاتف الحكومي، لكن بالقيد المذكور أعني المكالمات المحلية دون غيرها، ولو أراد إبراء ذمته وإخلاء ساحته والابتعاد عن مواطن الريب فليتصدق بشيء من ماله كفارة عما كان، والعلم عند الله تعالى

    [1] الزحيلي/ الفقه الإسلامي وأدلته 5/521

    [2] المفصل في أحكام الربا 4/139

    ([3]) رواه الترمذي في كتاب التفسير. قال ابن العربي –رحمه الله- وقول من قال: أخذها النبي –إن صح- يحتمل أن يريد بما يجوز له من نفل أو صفي فهذا لا شيء عليه فيه، وإن كان أراد أنه أخذها خيانة فهو كافر، ولا ينطق بهذا إلا كافر أو منافق أ.هـ. انظر عارضة الأحوذي (11/137). قلت: معلوم أنه لم يشهد بدراً إلا مؤمن موحد، وقد عصم الله شهود بدر من أن يكون بينهم منافق، ومعلوم كذلك أنه ما نجم النفاق إلا بعد بدر حين قال ابن سلول: هذا أمر قد توجه. وعليه فإن قول ابن العربي رحمه الله تعالى إنما يُحمل على أن هذه المقالة حصلت بعد رجوع المسلمين من بدر ودخول بعض الناس في الإسلام نفاقاً.

    ([4]) سيد قطب، في ظلال القرآن (1/498).

    ([5]) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن (4/264).

    ([6]) انظر تفصيل القاعدة في: الزركشي – البرهان (1/32)، ابن قدامة – روضة (205)، الغزالي المستصفى (2/60)، الآمدي – الإحكام في أصول الأحكام (2/226)، السبكي – الإبهاج (2/183).

    ([7]) تنبيه بالأدنى على الأعلى كما في قوله سبحانه وتعالى ]ولا تقل لهما أف[ وكما في قوله -r-: (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده) رواه البخاري.

    ([8]) رواه النسائي في كتاب الهبة برقم 3628

    ([9]) رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال (247).

    ([10]) بطن من بطون الأنصار رضي الله عنهم. روى الشيخان من حديث أنس بن مالك أن رسول الله -r- قال: (خير دور الأنصار بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل ثم بنو الحارث بن الخزرج، ثم بنو ساعدة).

    ([11]) مقبرة المدينة التي دفن فيها خيار الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة العلم والدين. انظر في ذلك: تاريخ معالم المدينة المنورة قديماً وحديثاً، السيد أحمد ياسين الخياري (247)، سيرة أبي شهبة (1/59).

    ([12]) فيه دليل على سماع النبي r عذاب أهل القبور: انظر: الروح لابن القيم (75).

    ([13]) شملة فيها خطوط بيض وسود. اللسان (5/235).

    ([14]) رواه الإمام أحمد في المسند.

    ([15]) رواه الترمذي في كتاب الأحكام، باب ما جاء في هدايا الأمراء.

    ([16]) رواه أبو داود في كتاب الإمارة (11)، وبقية الحديث قال: إذن لا أنطلق. إذن لا أكرهك.

  • مكبرات الصوت في المساجد

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فإن استعمال مكبر الصوت في الصلاة الجهرية جائز لما في ذلك من المصالح العظيمة كتذكير الناس بالصلاة وإسماعهم تلاوة القرآن في زمن كثر فيه التشويش واللغو وقلَّ فيه من يذكِّر بالله عز وجل؛ ولما في ذلك من إظهار شعائر الإسلام، وهذا كله مشروط بألا يؤدي ذلك إلى أذية أهل المساجد الأخرى واختلاط أصوات الأئمة على المأمومين بما يذهب معه الخشوع وقد قال النبي صلى الله عليه وسـلم “ولا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة في الصلاة” رواه أحمد. والله تعالى أعلم.

  • إستخدام حفاظات كبار السن

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فإن من شروط صحة الصلاة الطهارة من الحدث والطهارة من الخبث، والطهارة من الخبث تكون في الثوب والمحمول والمكان؛ لقوله تعالى {وثيابك فطهر} وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم في نعليه، ثم خلعهما وهو في صلاته وقال “نزل عليَّ جبريل فأخبرني أن فيهما نجاسة”

    وعليه فلا يجوز للمريض أن يصلي في تلك الحفاظات المحتوية على النجاسة، بل عليه أن يستغني عنها حال صلاته، وينظف مكانها إن كان يستطيع ذلك ولو بمعونة غيره كزوجة ونحوها؛ ويمكنه كذلك أن يستبدل بها غيرها من طاهر نظيف

    وهذا الذي نص عليه فقهاؤنا رحمهم الله تعالى؛ قال ابن قدامة في المغني: ولو حمل قارورة فيها نجاسة مسدودة لم تصح صلاته. قال بعض أصحاب الشافعي: لا تفسد صلاته لأن النجاسة لا تخرج منها؛ فهي كالحيوان. قال ابن قدامة: وليس بصحيح لأنه حامل نجاسة غير معفو عنها في غير معدنها؛ فأشبه ما لو حملها في كمه.ا.هـــــــ

    وهذا كله حال الاستطاعة، أما إذا شق عليه ذلك لكون بوله لا يتماسك – لأنه مصابٌ بسلس ونحوه – فلا حرج عليه أن يصلي فيها، لكن عليه أن يتوضأ لكل صلاة بعد دخول وقتها؛ عملاً بقوله تعالى {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} وقوله تعالى {فاتقوا الله ما استطعتم} وما قرره فقهاؤنا رحمهم الله من أن المشقة تجلب التيسير، وأن الضرورة تبيح المحظور؛ والله تعالى أعلم.

  • أخذ حافز من الزبون مقابل الخدمة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فابتداء لا بد من الثناء على سؤال هذا الشخص، والذي يشي  بتحريه في أمر دينه، وحرصه على أن يطعم الحلال الطيب، وألا يدخل على نفسه مالاً من حرام أو شبهة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم “فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام” متفق عليه من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه. وقال صلى الله عليه وسلم “إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين؛ فقال {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات} وقال {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء؛ يا رب يا رب، ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له”

    وجواباً على ما سألت عنه؛ فلا بد من تكييف المعاملة التي بينك وبين الشركة، والتي تقوم على عقد إجارة مشتمل على حقوق وشروط وواجبات، وهذا العقد المبرم بينكما داخل تحت قوله تعالى {أوفوا بالعقود} وقوله صلى الله عليه وسلم “المسلمون على شروطهم” والواجب عليك التقيد بقوله صلى الله عليه وسلم “الدين النصيحة” فواجب عليك إتقان العمل وأداؤه على الوجه الأمثل والحرص على صيانة سمعة الشركة المخدِّمة لك؛ وذلك بأن تستفرغ وسعك وتبذل جهدك في ألا يرى الزبون منك إلا خيرا، وألا تطلب منه شيئاً من مال زائد على ما تعاقد عليه مع الشركة لا تصريحاً ولا تلميحاً، وبعدها لو طابت نفسه بأن يعطيك مبلغاً زائداً عن غير طلب فنرجو ألا يكون به بأس إن شاء الله؛ باعتباره هبة أو هدية من ذلك الشخص لك.

    وأما سؤالك عن زبون يطلب منك قطعة غيار سعرها في السوق 100 جنيه فتأتيه بها بعشرين جنيهاً؛ فهذا عقد وكالة بينك وبين ذلك الزبون، ولما كانت الوكالة من عقود المعاوضات؛  فيجوز أن تكون بأجر أو بغير أجر؛ وهذا باتفاق الفقهاء؛ فَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأَْمْرَانِ، حَيْثُ وَكَّل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُنَيْسًا فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ، وَعُرْوَةَ البارقي فِي شِرَاءِ شَاةٍ، وَعَمْرًا وَأَبَا رَافِعٍ فِي قَبُول النِّكَاحِ لَهُ بِغَيْرِ جُعْلٍ، وَأَيْضًا كَانَ يَبْعَثُ عُمَّالَهُ لِقَبْضِ الصَّدَقَاتِ وَيَجْعَل لَهُمْ عِمَالَةً، وَلِهَذَا قَال لَهُ ابْنَا عَمِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ بَعَثْتَنَا عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَاتِ فَنُؤَدِّي إِلَيْكَ مَا يُؤَدِّي النَّاسُ وَنُصِيبُ مَا يُصِيبُهُ النَّاسُ يَعْنِيَانِ الْعِمَالَةَ أَيِ الأُْجْرَةَ.

    وقد نص أهل العلم على أنه َإِذَا اتَّفَقَ الْمُوَكِّل وَالْوَكِيل عَلَى الأَْجْرِ وَجَبَ الأَْجْرُ اتِّفَاقًا؛ أَمَّا إِذَا لَمْ يَتَّفِقِ الطَّرَفَانِ عَلَى الأَْجْرِ فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْوَكِيل: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لاَ يَعْمَل بِالأَْجْرِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْمِهَنِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِالأَْجْرِ – كما في الحالة المعروضة في السؤال – فَفِي الْحَالَةِ الأُْولَى تَكُونُ الْوَكَالَةُ تَبَرُّعًا، لأَِنَّ الأَْصْل فِيهَا ذَلِكَ، فَإِذَا لَمْ تُشْتَرَطِ الأُْجْرَةُ حُمِل عَلَى الأَْصْل؛ نَصَّتِ الْمَادَةُ ( 1467) مِنْ مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ: “إِذَا اشْتُرِطَتِ الأُْجْرَةُ فِي الْوَكَالَةِ وَأَوْفَاهَا الْوَكِيل اسْتَحَقَّ الأُْجْرَةَ، وَإِنْ لَمْ تُشْتَرَطْ وَلَمْ يَكُنِ الْوَكِيل مِمَّنْ يَخْدُمُ بِالأُْجْرَةِ كَانَ مُتَبَرِّعًا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِالأُْجْرَةِ “.

    أَمَّا فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيل مِنْ أَصْحَابِ الْمِهَنِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِالأَْجْرِ لأَِنَّ طَبِيعَةَ مُهِمَّتِهِمْ تَقْتَضِي ذَلِكَ كَالسِّمْسَارِ وَالدَّلاَّل فَيَسْتَحِقُّ الْوَكِيل الأُْجْرَةَ حَتَّى وَلَوْ لَمْ يَتَّفِقْ عَلَيْهَا وَقْتَ التَّعَاقُدِ، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ لَهُ أَجْرُ الْمِثْل.ا.هـــ

    وعليه فإنه يجوز لك أن تقوم بما طلبه منك الموكِّل في شراء قطعة الغيار المعينة؛ وذلك في مقابل أجر معلوم؛ لكن لا يحل لك أن تقرر ذلك العوض من تلقاء نفسك، بل لا بد من التراضي بينك وبين  الموكِّل؛ لعموم قوله تعالى {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} ولا يحل لك أن تستولي على مبلغ الثمانين جنيهاً على اعتبار أنها أجرة لك؛ لأن أهل العلم قد اشترطوا في الوكيل – الذي هو أنت – شروطاً وهي:

    الأْوَّل: أَنْ يَقُومَ الْوَكِيل بِتَنْفِيذِ الْوَكَالَةِ فِي الْحُدُودِ الَّتِي أَذِنَ لَهُ الْمُوَكِّل بِهَا أَوِ الَّتِي قَيَّدَهُ الشَّرْعُ أَوِ الْعُرْفُ بِالْتِزَامِهَا.

    الثَّانِي: مُوَافَاةُ الْمُوَكِّل بِالْمَعْلُومَاتِ الضَّرُورِيَّةِ وَتَقْدِيمُ حِسَابٍ عَنِ الْوَكَالَةِ.

    الثَّالِثُ: رَدُّ مَا لِلْمُوَكِّل فِي يَدِ الْوَكِيل

    وأما سؤالك الثالث فيُفهَم منه أنك قد وُكِلت في بثلاثة آلاف جنيه؛ فبعته بهذا السعر، ثم اشتريته من ذات الشخص الذي بعته عليه بألفين وسبعمائة جنيه؛ فإذا كان ذلك كذلك فلا حرج لأنهما عقدان منفصلان لا تعلق لأحدهما بالآخر؛ فيدخل كلاهما في عموم قوله تعالى {وأحلَّ الله البيع وحرَّم الرِّبا} وقوله صلى الله عليه وسلم “البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا” والعلم عند الله تعالى.

  • تفصيل في أحكام الرق في الإسلام

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فجواب هذه المسألة يتلخص في نقاط لو فقهها السائل هان عليه الأمر إن شاء الله:

    أولاها: أن الواجب على المسلم أن يعتقد أن أحكام الله تعالى – تحليلاً أو تحريماً – إنما جاءت لتحقيق سعادة البشر في الدنيا والآخرة، وأنها خير كلها ورحمة كلها وعدل كلها ومصلحة كلها، لأن الله تعالى رؤوف رحيم، لطيف خبير، عليم حكيم، وقد قال سبحانه {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} وقال سبحانه {ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون}

    ثانيها: عليه أن يتلقى تلك الأحكام بالرضا والتسليم؛ كما قال سبحانه {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} وقال سبحانه {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} وقال جل  من قائل {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ}

    ثالثها: لا مانع من أن يلتمس لتلك الأحكام عللاً وحِكَماً؛ فإن وفِّق لمعرفتها فالحمد لله، وإلا فإن امتثاله ورضاه لا يتوقف على معرفة تلك العلل والحِكَم، بل هو عبد لله سامع مطيع وإن لم يدرك تلك الحكم والعلل، وقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما – واللفظ للبخاري – عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ فَقَالَ “إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لاَ تَضُرُّ، وَلاَ تَنْفَعُ وَلَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ” قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: فيه الاقتداء وترك الاعتراض على السنن بالعقول.ا.هـــ[1] وقال الخطابي رحمه الله تعالى: في حديث عمر من الفقه أن متابعة النبي واجبة وإن لم يوقف فيها على علل معلومة وأسباب معقولة، وأن أعيانها حجة على من بلغته وإن لم يفقه معانيها.ا.هــــ[2]

    رابعها: من سنن الله تعالى في تشريع الأحكام اتباع سنة التدرج، فالخمر ذمَّها الله تعالى في آيتين وحرَّمها في الثالثة؛ فقال سبحانه {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} وقال سبحانه {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} وقال سبحانه {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} ثم جاءت العقوبة الشرعية لمن يتعاطى الخمر بأن يُجلد أربعين، وكذلك في الربا قال الله تعالى {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} ثم قال {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ثم قال {اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} فكان التدرج سمة بارزة في التشريع الإسلامي إيجاباً وتحريماً، ويعلم ذلك باستقراء الأحكام الواردة في الكتاب والسنة.

    خامسها: لما بعث نبينا صلى الله عليه وسـلم بالهدى ودين الحق كان الرق شريعة عامة بين البشر يكون بسبب الحروب وبغيرها من الأسباب التي اتخذها الناس ليستعبد بعضهم بعضاً؛ ولم يكن من سبيل لمنعه بالكلية؛ فعمل الإسلام على تجفيف منابعه وتقييد الطرق المؤدية إليه لتصير طريقاً واحدة وهي الكفر بالله تعالى مع محاربة الدين. يقول الأستاذ محمد قطب حفظه الله تعالى: كان العرف السائد يومئذ هو استرقاق أسرى الحرب أو قتلهم. وكان هذا العرف قديماً جداً، موغلاً في ظلمات التاريخ، يكاد يرجع إلى الإنسان الأول، ولكنه ظل ملازماً للإنسانية في شتى أطوارها.

    وجاء الإسلام والناس على هذا الحال. ووقعت بينه وبين أعداءه الحروب، فكان الأسرى المسلمون يسترقون عند أعداء الإسلام، فتسلب حرياتهم، ويعامل الرجال منهم بالعسف والظلم الذي كان يجري يومئذ على الرقيق، وتنتهك أعراض النساء لكل طالب، يشترك في المرأة الواحدة الرجل وأولاده وأصدقاؤه من يبغي الاستمتاع منهم، بلا ضابط ولا نظام، ولا احترام لإنسانية أولئك النساء أبكاراً كن أم غير أبكار. أما الأطفال – إن وقعوا أسرى – فكانوا ينشأون في ذل العبودية البغيض. عندئذ لم يكن جديراً بالمسلمين أن يطلقوا سراح من يقع في أيديهم من أسرى الأعداء. فليس من حسن السياسة أن تشجع عدوك عليك بإطلاق أسراه، بينما أهلك وعشيرتك وأتباع دينك يسامون الخسف والعذاب عند هؤلاء الأعداء. والمعاملة بالمثل هنا هي أعدل قانون تستطيع استخدامه، أو هي القانون الوحيد….

    سادسها: عمل الإسلام على إطلاق أولئك المستعبدين؛ وذلك عن طريق ثلاثة مفاتيح:

    أولاها: مفتاح القلوب؛  حين رغب في العتق رغبة فيما عند الله من الأجر والثواب؛ قال سبحانه {فلا اقتحم العقبة. وما أدراك ما العقبة. فك رقبة} وقال النبي صلى الله عليه وسـلم “من أعتق امرأ مسلماً أعتقه الله من النار، كل عضو بعضو، حتى البضع بالبضع” وكان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم القدوة الأولى في ذلك إذ أعتق من عنده من الأرقاء، وتلاه في هذا أصحابه، وكان أبو بكر ينفق أموالاً طائلة في شراء العبيد من سادة قريش الكفار، ليعتقهم ويمنحهم الحرية

    ثانيها: مفتاح الكفارات؛ حيث جعل عتق الرقبة كفارة عن كثير من الخطايا كما في كفارة الظهار وكفارة الجماع في نهار رمضان، وكفارة القتل الخطأ وكفارة اليمين المنعقدة. بل إن الإسلام جعل العتق كفارة عن سوء المعاملة ففي الأدب المفرد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ – أَوْ قَالَ -: «مَنْ ضَرَبَ مَمْلُوكَهُ حَدًّا لَمْ يَأْتِهِ، أَوْ لَطَمَ وَجْهَهُ، فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يُعْتِقَهُ» قال الشيخ الألباني:  صحيح

    ثالثها: مفتاح خزائن الدولة؛ حيث جعل عتق الرقاب مصرفاً من مصارف الزكاة؛ فقال سبحانه {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها وفي الرقاب} وكان بيت المال يشتري العبيد من أصحابهم ويحررهم كلما بقيت لديه فضلة من مال. قال يحيى بن سعيد: ” بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات إفريقية، فجمعتها ثم طلبت فقراء نعطيها لهم فلم نجد فقيراً ولم نجد من يأخذها منا، فقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس، فاشتريت بها عبيداً فأعتقتهم”.

    يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في (أضواء البيان): وَتَشَوَّفَ الشَّارِعُ تَشَوُّفًا شَدِيدًا لِلْحُرِّيَّةِ وَالْإِخْرَاجِ مِنَ الرِّقِّ، فَأَكْثَرَ أَسْبَابَ ذَلِكَ، كَمَا أَوْجَبَهُ فِي الْكَفَّارَاتِ مِنْ قَتْلٍ خَطَأٍ وَظِهَارٍ وَيَمِينٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَوْجَبَ سَرَايَةَ الْعِتْقِ، وَأَمَرَ بِالْكِتَابَةِ فِي قَوْلِهِ: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا}، وَرَغَّبَ فِي الْإِعْتَاقِ تَرْغِيبًا شَدِيدًا، وَلَوْ فَرَضْنَا – وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى – أَنَّ حُكُومَةً مِنْ هَذِهِ الْحُكُومَاتِ الَّتِي تُنْكِرُ الْمِلْكَ بِالرِّقِّ، وَتُشَنِّعُ فِي ذَلِكَ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ قَامَ عَلَيْهَا رَجُلٌ مِنْ رَعَايَاهَا كَانَتْ تُغْدِقُ عَلَيْهِ النِّعَمَ، وَتُسْدِي إِلَيْهِ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ، وَدَبَّرَ عَلَيْهَا ثَوْرَةً شَدِيدَةً يُرِيدُ بِهَا إِسْقَاطَ حُكْمَهَا، وَعَدَمَ نُفُوذِ كَلِمَتِهَا، وَالْحَيْلُولَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا تُرِيدُهُ مِنْ تَنْفِيذِ أَنْظِمَتِهَا، الَّتِي يَظْهَرُ لَهَا أَنَّ بِهِمَا صَلَاحَ الْمُجْتَمَعِ، ثُمَّ قَدَرَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ مُقَاوَمَةٍ شَدِيدَةٍ فَإِنَّهَا تَقْتُلُهُ شَرَّ قِتْلَةٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ الْقَتْلَ يَسْلُبُهُ جَمِيعَ تَصَرُّفَاتِهِ وَجَمِيعَ مَنَافِعِهِ، فَهُوَ أَشَدُّ سَلْبًا لِتَصَرُّفَاتِ الْإِنْسَانِ وَمَنَافِعِهِ مِنَ الرِّقِّ بِمَرَاحِلَ، وَالْكَافِرُ قَامَ بِبَذْلِ كُلِّ مَا فِي وُسْعِهِ لِيَحُولَ دُونَ إِقَامَةِ نِظَامِ اللَّهِ الَّذِي شَرَعَهُ لِيَسِيرَ عَلَيْهِ خَلْقُهُ، فَيُنْشَرُ بِسَبَبِهِ فِي الْأَرْضِ الْأَمْنُ وَالطُّمَأْنِينَةُ، وَالرَّخَاءُ وَالْعَدَالَةُ، وَالْمُسَاوَاةُ فِي الْحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ، وَتَنْتَظِمُ بِهِ الْحَيَاةُ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ وَأَعْدَلِهَا وَأَسْمَاهَا: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} فَعَاقَبَهُ اللَّهُ هَذِهِ الْمُعَاقَبَةَ بِمَنْعِهِ التَّصَرُّفَ، وَوَضْعُ دَرَجَتِهِ وَجَرِيمَتِهِ تَجْعَلُهُ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ بِذَلِكَ.ا.هـــــ

    سابعها: قول السائل لماذا لم يحرم الإسلام الرق كلية؟ يجيب عنه الأستاذ محمد قطب بقوله: للإجابة على هذا السؤال ينبغي أن ندرك حقائق اجتماعية ونفسية وسياسية أحاطت بموضوع الرق، وجعلت الإسلام يضع المبادئ الكفيلة بتحرير الرقيق، ويدعها تعمل عملها على المدى الطويل.

    يجب أن نذكر أولاً أن الحرية لا تمنح وإنما تؤخذ. وتحرير الرقيق بإصدار مرسوم كما يتخيل البعض لم يكن ليحرر الرقيق! والتجربة الأمريكية في تحرير الرقيق بجرة قلم على يد أبراهام لنكولن خير شاهد لما نقول، فالعبيد الذين حررهم لنكولن – من الخارج – بالتشريع، لم يطيقوا الحرية، وعادوا إلى سادتهم يرجونهم أن يقبلوهم عبيداً لديهم كما كانوا، لأنهم – من الداخل – لم يكونوا قد تحرروا بعد.

    والمسألة على غرابتها ليست غريبة حين ينظر إليها على ضوء الحقائق النفسية. فالحياة عادة. والملابسات التي يعيش فيها الإنسان هي التي تكيِّف مشاعره وتصوغ أحاسيسه وأجهزته النفسية. والكيان النفسي للعبد يختلف عن الكيان النفسي للحر، لا لأنه جنس آخر كما ظن القدماء، ولكن لأن حياته في ظل العبودية الدائمة جعلت أجهزته النفسية تتكيف بهذه الملابسات، فتنمو أجهزة الطاعة إلى أقصى حد، وتضمر أجهزة المسؤولية واحتمال التبعات إلى أقصى حد..

    فالعبد يحسن القيام بكثير من الأمور حين يأمره بها سيده، فلا يكون عليه إلا الطاعة والتنفيذ. ولكنه لا يحسن شيئاً تقع مسؤوليته على نفسه، ولو كان أبسط الأشياء، لا لأن جسمه يعجز عن القيام بها، ولا لأن فكره – في جميع الأحوال – يعجز عن فهمها؛ ولكن لأن نفسه لا تطيق احتمال تبعاتها، فيتخيل فيها أخطاراً موهومة، ومشكلات لا حل لها، فيفر منها إبقاء على نفسه من الأخطار!

    [1] إكمال المعلم شرح صحيح مسلم 4/180

    [2] عمدة القاري شرح صحيح البخاري 4/468

زر الذهاب إلى الأعلى