قناة إسلامية دعوية، ترغب في التقدم للحصول على ترخيص لتزويد خدمات البث التلفزيوني الأرضي، بالتنافس مع شركة أجنبية (صينية)، حيث سيتم بث 30 قناة تلفزيونية أو أكثر واستقبالها في ولاية الخرطوم ومدن السودان الأخرى لاحقاً، دون الحاجة لأطباق الاستقبال، ويمكن أن تكون هذه الخدمة مشفَّرة أو مفتوحة أو الاثنتين معاً (جزء من القنوات مفتوح والآخر مشفر).
ولما كانت الشركة الصينية قد سبق لها تقديم الخدمة في دول إفريقية أخرى، فقد عُلِم من سياستها بث القنوات المخصَّصة للأفلام والأغاني، بما يتنافى مع ضوابط الشرع وقيم أهل هذه البلاد.
ويمكن تلخيص الأسئلة على النحو التالي:
- حكم التقدم للحصول على هذا الترخيص ومنافسة الشركة الأجنبية.
- حكم إدخال بعض القنوات الرياضية والإخبارية ضمن الباقة عند التقدم للحصول على الترخيص، إضافة إلى القناة الحكومية، مع ما يكتنف هذه القنوات من منكرات، علماً بأن وجود القنوات الإخبارية والرياضية والقناة الحكومية مُهمٌّ للحصول على الترخيص، وكذلك لنجاح الخدمة وإقبال المشتركين عليها.
- حكم أخذ الأجرة على القنوات الرياضية المشفرة، خاصة قنوات كرة القدم وكأس العالم، وذلك لسداد قيمة القنوات للشركة ذات الحقوق، ومقابلة نفقات التشغيل والصيانة والرسوم الحكومية.
شاكرين لكم جهودكم، وسائلين الله تعالى لكم البركة والتوفيق والسداد.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
فبداية لا بد من تقرير أن الله تعالى سائلنا عن كل نعمة أنعم بها علينا؛ وقد قال سبحانه {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} قال أهل التفسير: أصل النعيم كل حال ناعمة من النعومة والليونة ضد الخشونة واليبوسة، من الأمن والصحة والرزق والفراغ والحواس من السمع والبصر وملاذ المأكول والمشروب واعتدال الخلق وظلال المساكن ولذة النوم وشبع البطون وبارد الشراب وغير ذلك، وروى الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال له: ألم نُصِحَّ لك بدنك ونَروك من الماء البارد؟” وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لما نزلت هذه الآية قال الصحابة: يا رسول الله وأي نعيم نحن فيه وإنما نأكل في أنصاف بطوننا خبز الشعير؟ فأوحى الله إلى نبيه عليه الصلاة والسلام قل لهم: أليس تحتذون النعال وتشربون من الماء البارد؟ فهذا من النعيم.
وغير خافٍ على كل عاقل أن الإعلام – في زماننا هذا – قد صار واقعاً مؤثراً في حياة الناس سلباً وإيجاباً؛ فبعض وسائل الإعلام هي من معالم بناء المجتمع الإسلامي الراشد بما تقدم من علم نافع ومعلومات مفيدة وترفيه مباح، وأكثرها إنما هي معاول هدم بما تذيع على الناس من فجور وتهتك وتشويه للقيم والتعاليم، والمطلوب من أهل الدعوة والغيرة على الدين أن يلجوا هذا الباب ويسهموا فيه بما يضمن تسخير هذه الوسائل لنشر الهدى والعلم؛ لأن هذه الوسائل إنما هي من النعيم الذي سنسأل عنه يوم القيامة. وقد سلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كل سبيل يضمن به تبليغ ما أنزل إليه من ربه فكان يدعو الناس إلى الله في المسجد ويغشاهم في بيوتهم وأسواقهم ومواسمهم، وكان يعلم الناس بالخطابة والموعظة والفتوى وطرح السؤال واستعمال وسائل الإيضاح؛ كما أنه كاتب الملوك والحكام وجبابرة الأرض يدعوهم إلى الله تعالى، وبالجملة فلم يدع صلى الله عليه وسلم وسيلة توصل إلى هذا المقصود العظيم إلا واستعملها. وهكذا أصحابه رضوان الله عليهم من بعده.
وجواباً على هذه الأسئلة أقول والله الموفق والمستعان:
أولاً: قد أجمع أهل العلم على أن الشريعة إنما جاءت لجلب المصالح وتتميمها ودرء المفاسد وتقليلها، ومعلوم أن ترك المجال لهذه الشركة التي يقوم عليها ناس لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وقد عهد من سيرتها ومثيلاتها أنها تنشر على الناس الخنا والفساد، إنما هو شر محض فالواجب مزاحمتهم ومنافستهم؛ درء لمفسدة تفردهم بهذه الخدمة التي يمكن أن تفتح على الناس باب شر وفساد لا يعلمه إلا الله
ثانياً: إن كان إدخال القنوات الإخبارية والرياضية – بما تحويه من منكرات – أمراً لا فكاك منه، ولا يمكن الحصول على الترخيص إلا به؛ وإلا فاز به من لا يرعى حدود الدين ولا ضوابط الشرع؛ فلا مانع إن شاء الله من ذلك؛ لما تقرر عند أهل العلم كافة أنه إذا تعين ارتكاب إحدى مفسدتين فإنه ترتكب المفسدة الصغرى لدفع المفسدة الكبرى، وأنه يُتحمل الضرر الأخف لدفع الضرر الأعظم.. هذا مع الحرص على أن يكون ذلك في حدود الضرورة التي لا بد منها، والعمل على أن تكون الكثرة الغالبة في هذا البث إنما هي القنوات التي تخلو من تلك المنكرات
ثالثاً: لا مانع من أخذ الأجرة على تلك المنفعة المبذولة للناس؛ لأنها والحال ما ذكر إنما هي إجارة مشروعة نظير تمليك المنفعة التي تعود على المستأجر، كما أنه لا بد منها ضماناً لاستمرار تلك الخدمة؛ ومكافأة للنفقات الضرورية من أجرة التشغيل والصيانة والرسوم الحكومية، إضافة لحقوق الشركة ذات الحقوق، والله تعالى أعلم.