الفتاوى

  • تأخير زكاة الفطر عن يوم العيد

    ما حكم من لم يخرج زكاة الفطر حتى ذهب موعدها، أي أتى العيد وهو لم يخرجها؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فزكاة الفطر فريضة أوجبها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كما في صحيح البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال {فَرَضَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم صَدَقَةَ الْفِطْرِ، أَوْ قَالَ رَمَضَانَ – عَلَى الذَّكَرِ وَالأُنْثَى وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُعْطِي التَّمْرَ فَأَعْوَزَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنَ التَّمْرِ فَأَعْطَى شَعِيرًا فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي، عَنِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ حَتَّي إِنْ كَانَ يُعْطِي عَنْ بَنِيَّ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُعْطِيهَا الَّذِينَ يَقْبَلُونَهَا وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ، أَوْ يَوْمَيْنِ} وفي صحيح مسلم عنه رضي الله عنه {فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ أَوْ حُرٍّ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ} وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما بيان لوقتها مع بيان الحكمة من فرضها حيث قال {فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاَةِ فَهِي زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاَةِ فَهِي صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ} رواه أبو داود، وفي سنن الترمذي

    فيجب على المسلم إخراج هذه الصدقة عن نفسه وعمن يعولهم من المسلمين في وقتها المشروع، وهو يوم العيد قبل صلاة العيد، أو قبل العيد بيوم أو يومين؛ أو بالقدر الذي تصل فيه إلى مستحقيها إذا كانوا خارج بلد المزكّي؛ ولا ينبغي له تأخيرها عن ذلك الوقت عامداً ذاكراً؛ فإن فعل أثم وعليه التوبة إلى الله ويلزمه قضاؤها؛ لأنها عبادة فلم تسقط بخروج الوقت كالصلاة ، ولأنها دَيْن ثابت للفقراء في ذمته؛ أما إذا كان تأخيرها نسياناً أو عجزاً فلا إثم عليه؛ لقوله تعالى ((ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) وعليه  قضاؤها، والله تعالى أعلم.

  • العمل في صالات المناسبات

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالأصول التي يُبنى عليها الجواب عن هذا الاستفتاء هي:

    أولاً: قوله تعالى {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}

    ثانياً: قوله صلى الله عليه وسلم “إن الله تعالى إذا حرم شيئاً حرم ثمنه” رواه ابن حبان والدارقطني من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وقد صححه الألباني والأرناؤوط

    ثالثاً: القاعدة الفقهية بأن العبرة للأعم الأغلب لا للشاذ النادر

    إذا تبين هذا يكون الجواب عن جملة من الأسئلة محدداً للفتوى:

    أولاً: ما هي طبيعة عمل تلك الصالات؟

    ثانياً: هل تمارس أنشطة مباحة أم محرمة؟

    ثالثاً: ما الذي يغلب على أعمال تلك الصالات من حيث الحل والحرمة؟

    رابعاً: هل عمل تلك المنشأة الاستثمارية قاصر على تأجير الصالات أم لها نشاطات أخرى؟

    ومبلغ علمي أن عمل تلك الصالات قائم على تأجيرها من جماعات من الناس لمقاصد مختلفة؛ فمنهم من يستأجرها لمناسبات الأعراس، ومنهم من يستأجرها لعقد مؤتمرات أو اجتماعات لأغراض مختلفة سياسية واجتماعية وفنية – كحفلات التخريج – وأغلب هذه الأنشطة لا تخلو من أمور محرمة تتمثل في:

    أولاً: الاختلاط المشين بين الرجال والنساء بغير ضوابط شرعية ولا آداب مرعية

    ثانياً: ما يكون فيها أحياناً كثيرة من رقص مختلط لا يقره الشرع

    ثالثاً: ما يحصل فيها من غناء ماجن وما يصحبه من موسيقى مزعجة

    رابعاً: ما يكون من تأجيرها أحياناً لبعض الجهات التي تحمل أفكاراً مخالفة للدين، كالأحزاب الداعية للأفكار الإلحادية والعلمانية

    خامساً: قد تؤجر لبعض المنظمات والجمعيات العاملة على تدمير المجتمع وتعريته من الفضائل والمكارم

    عليه: إذا كان عمل تلك المنشأة الاستثمارية قائماً على تأجير تلك القاعات فقط؛ أو كان ذلك هو الغالب على عملها فخير لك أن تبحث عن مكان آخر لتعمل فيه وتقتات حلالاً طيباً، والعلم عند الله تعالى.

  • الأضحية بالتقسيط

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد اتفق أهل العلم على أن الأضحية لا تجب على من لا يملك ثمنها، بل وجوبها ـ عند من يقول بالوجوب ـ أو سنيتها على قول الجمهور مقيدة بالاستطاعة؛ لعموم قوله تعالى )لا يكلف الله نفساً إلا وسعها( وقول النبي صلى الله عليه وسلم {ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم}

    والواقع أن بعض المؤسسات أو الجهات ـ حكومية أو خاصة ـ قد تتيح لمنسوبيها أن يتملكوا الأضحية عن طريق القرض؛ بمعنى أن يضحوا ثم يُقسَّط ثمن الأضحية عليهم بأقساط معلومة؛ وهذه معاملة مشروعة، وهم مأجورون على ذلك ـ أعني المقرض والمقترض ـ إن كانت نيتهم إحياء السنة وإظهار هذه الشعيرة الإسلامية العظيمة، والتوسعة على الأهل والعيال والفقراء والمساكين. قال أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: ويضحي المدين إن لم يطالب بالوفاء، ويتدين ويضحي إذا كان له وفاء.[1] والعلم عند الله تعالى

    [1] مجموع الفتاوى 26/305

  • حكم الطاعنين في العلماء والجماعات الإسلامية

            الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

            فإن الدعوة إلى الله هي أشرف المهام وأفضلها،  قال تعالى {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين} والمشتغلون بها هم السائرون على خطى النبيين والمرسلين؛ قال تعالى {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى وسبحان الله وما أنا من المشركين} وما زالت جماهير المسلمين للدعاة موقرين ولجهودهم مقدِّرين، ولا تجد من بين الناس من يشنؤهم وبالشر يذكرهم إلا مريض قلب أو مشيع فاحشة أو ساع بفساد من عتاة العلمانيين وجحافل الملحدين، ممن صار دينهم وديدنهم التشنيع على الدعاة وإلصاق التهم بهم وتنفير الناس منهم وإطلاق الأكاذيب والشائعات عنهم، وقد قال رسول الله صلى الله علـيه وسلم: أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «فَإِنَّ شِرَارَكُمُ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفْسِدُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، الْبَاغُونَ الْبُرَءَاءَ الْعَنَتَ» رواه أحمد من حديث أسماء بنت يزيد رضي الله عنها.

            وما زال المسلمون يظنون ظن السَّوء بمن كان همُّه الطعنَ في الدعاة إلى الله تعالى؛ حتى نبتت في بلادهم نابتة تتظاهر بسمت الدين وتستدل بنصوصه وهم يصبحون ويُمسون في هتك أستار الدعاة إلى الله تعالى ونشر الترهات عنهم وتربية فئام من الشباب على الحطِّ من قدرهم والدعوة إلى بغضهم والبراءة منهم، وكل ذلك – ولا حول ولا قوة إلا بالله – باسم التوحيد والسنة وحمل لواء الجرح والتعديل، وقد يستخدمون في ذلك الخطابة في الساحات العامة أو الكتابة على وسائل التواصل والصحف السيارة أو تسجيل مواد وبثها على شبكة المعلومات، وقد سلم من ألسنة هؤلاء اليهود والنصارى ودهاقنة العلمانيين وأعداء الدين، وأعملوها بالليل والنهار – طعناً وتجريحاً – فيمن يصبحون ويمسون وهم يعلِّمون الناس كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله علـيه وسلم ويدعونهم إلى التمسك بهما والدعوة إليهما.

            وهذه النابتة – وقى الله المسلمين شرها – لهم علامات يُعرفون بها وشارات تدل عليهم وعلى سوء مسلكهم وفساد منهجهم، {ولتعرفنهم في لحن القول} ومن ذلك:

    1- أنهم لا يتورعون عن رمي كل من لم يوافقهم – في سوء مشربهم – بالبدعة أو الفسق أو غير ذلك، وما تزال تلك الصفة بهم حتى رمى بعضهم بعضاً بما رموا به غيرهم بالأمس، بل تمادى بهم الحال حتى كفَّر بعضهم بعضا، وحذَّر بعضهم من بعض

    2- يعمدون إلى رمي الجماعات الدعوية العاملة للإسلام بكل نقيصة بدعوى (الحرب على الحزبية) في حين أن الحزبية متجذِّرة فيهم بل عملهم في الحرب على الدعاة عمل حزبي منظَّم ودقيق

    3- يشوشون على الشباب بتهم جاهزة يلصقونها بالدعاة إلى الله تعالى؛ ففلان خارجي، وفلان سروري، وفلان حزبي، وفلان الآخر مبتدع، وفلان مداهن، وفلان مهيِّج، وفلان ضال مضل، أما فلان فهو أخطر من اليهود والنصارى، ويقولون: يجب تقديم حربهم على حرب اليهود!!

    4- كل من أمر بمعروف أو نهى عن منكر أو نبَّه على أمر يهم جماهير المسلمين فهو – بميزانهم المطفِّف الجائر – داعيةُ فتنة ورأس ضلالة لا يجوز السلام عليه ولا الجلوس معه ولا الاستماع إليه ولا أخذ العلم عنه، بل التحذير منه واجب

    5- لم يعرف عن هذه الشرذمة نشرٌ للعلم بتفسير للقرآن ولا شرح للسنة ولا بيان لأحكام الفقه ولا دعوة إلى هدي السيرة النبوية بل جل همِّهم في السخرية من عباد الله – خاصتهم وعامته – والهمز واللمز والطعن واللعن

    6- يتهمون النيات بلا دليل؛ حين يتلقفون كلاماً مكتوباً أو مسموعاً فيحملونه على أسوأ المحامل، بل يعمدون في كثير من الأحيان إلى الكذب الفاضح والإفك المبين

    7- سوء الأدب والتنابز بالألقاب سمة ظاهرة في خطابهم، بل إنهم ليستخدمون من الألفاظ والتعبيرات والإيحاءات ما يترفَّع عنه عوامُّ المسلمين ممن تربَّوا على مكارم الأخلاق في توقير الكبير وإنزال الناس منازلهم

    8- مناصرة الطغاة في كل مكان؛ فتجد أقرانهم وأضرابهم ممن أشربوا المنهج المعوج نفسه في ليبيا مناصرين للقذافي عدو الله ورسوله، ثم بعد هلاكه هم مناصرون لخليفته حفتر حين يصفونه بالإمام ويصمون مخالفيه بأنهم خوارج بل لا يتورعون عن القتال معه، وهم في مصر مع حسني مبارك فلما دالت دولته هم مع السيسي، وهكذا

    9- مبالغتهم في مدح شيوخهم – وأغلبُهم نكرات – فيصفون الواحد منهم بالعلامة والإمام وأسد السنة وقامع البدعة وشيخ الإسلام، وفي الوقت نفسه يمتحنون الناس بمن لا يحبون من أهل العلم والفضل فمن كان يسمع لفلان أو فلان فهو على شفا هلكة وباب ضلال!!

    10- سلوكهم مسلك الخوارج الضالين حين يعمدون إلى آيات نازلة في الكفار فيطبقونها على المسلمين، ويحملون أقوال أئمة السلف في التحذير من أهل البدع على الدعاة المنتسبين إلى أهل السنة الحاملين لواءها

            وليس شر تلك الطائفة قاصراً على هذه البلاد بل ممتد إلى بلاد شتى ومناطق كثيرة في بلاد المسلمين وغيرها، وهم يسعون بالفساد في الأرض وصرف الناس عن الدعاة إلى الله في كل مكان بما يثيرون من شبهات ويختلقون من اتهامات يلصقونها بأولئك الأخيار، مما يشي بأن جهة ما توجههم وتموِّلهم وتسعى في نشر باطلهم والترويج لإفكهم شغلاً للناس بالباطل عن الحق

            وإن مجمع الفقه الإسلامي يودُّ بيان جملة من الحقائق في هذه النازلة التي أقضت مضاجع المصلحين وأرقت نفوس الطيبين:

    أولاً: أن واجبا على كل مسلم توقير أهل العلم والفضل؛ عملاً بقول رسول الله صلى الله علـيه وسلم فيما رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه (إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط) رواه أبو داود، ومن توقيرهم إحسان الظن بهم وحمل أقوالهم على أحسن المحامل، والتماس العذر لهم فيما اجتهدوا فيه من قول أو فعل أو استدلال.

    ثانياً: على كل مسلم أن يعلم أنه لا أحدَ معصومٌ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال مالك رحمه الله (كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم) ويقول ابن القيم رحمه الله “فلو كان كل من أخطأ أو غلط تُرِكَ جملةً، وأُهدرت محاسنه لفسدت العلوم والصناعات والحِكَم وتعطلت معالمها” ويقول كذلك رحمه الله “ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعًا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدمٌ صالح، وآثارٌ حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل مأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يُتبع فيها ولا يجوز أن تُهدر مكانته وإمامته في قلوب المسلمين.ويقول رحمه الله: “من قواعد الشرع والحكمة أيضًا أن من كثرت حسناته وعظمت، وكان له في الإسلام تأثير ظاهر، فإنه يُحتمل له ما لا يُحتمل لغيره، ويُعفى عنها ما لا يُعفى عن غيره” وقال الإمام الذهبي ملتمسًا العذر لقتادة في مسألة خالف فيها الصواب: “لعل الله يعذر أمثاله ممن تلبَّس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه، وبذل وسعه، والله حكمٌ عدلٌ لطيفٌ بعباده، ولا يُسأل عما يفعل. ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كَثُرَ صوابه، وعُلم تحريه للحق واتسع علمه وظهر ذكاؤه، وعُرِف صلاحُه وورعُه واتباعُه، يغفر له زللـه ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك”

    ثالثاً: على المسلم أن يعلم أن الأمور التي تُنتقد على بعض الدعاة أو العلماء أمورٌ اجتهادية يسوغ فيها الخلاف، وقد يكون الخلاف فيها قد حصل بين أسلافنا ولم ينكر بعضهم على بعض؛ فيأتي بعض هؤلاء محذِّراً بأن فلاناً قد خالف السنة وانحرف عن المنهج؛ إلى آخر تلك التهويلات التي غايتها صرف الناس عن أولئك الدعاة. إن الواجب على هؤلاء أن يتقوا الله جل جلاله وأن يعلموا أن لحوم العلماء مسمومة، وأن سنة الله في أخذ من انتقصهم معلومة، ومن وقع في أعراض العلماء بالثلب، ابتلاه الله قبل موته بموت القلب، ونذكِّر الجميع بقوله تعالى {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبينا}

    رابعاً: ما ينبغي للإنسان أن يحسن الظن بنفسه ويسيء الظن بالمسلمين؛ خاصة أئمتهم ودعاتهم وأهل العلم فيهم؛ بل عليه أن يتمثل دائماً قول الله تعالى {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} وقول النبي صلى الله عليه وسلم (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث) وما يقع فيه بعض من يدعو إلى الله من الظن بنفسه خيراً وأنه داعية التوحيد وأسد السنة وقامع البدعة، وفي الوقت نفسه يظن بكثير من الدعاة ـ ممن ليسوا على مشربه ـ أنهم مداهنون في دين الله، ممتنعون عن الجهر بالحق إنما هو من تلبيس إبليس، ويُخشى على هؤلاء أن يكونوا ممن قال الله فيهم {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ^ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} بل على المسلم أن يسيء الظن بنفسه ويحسن الظن بالمسلمين؛ خاصة من كان أكبر منه سناً وأكثر علماً وأعظم سابقة.

    خامساً: إن مسلك هذه الفئة الباغية – في الرد على بعض البدع الاعتقادية أو العملية – ليست من الدعوة إلى الله في قبيل ولا دبير، وطريقتهم هذه لن تهدي ضالاً ولن ترشد حائراً، بل غايتها زرع العداوة والبغضاء في قلوب المؤمنين تجاه بعضهم وتدريب الناشئة على الوقوع في أعراض أهل العلم والفضل، وإثارة الكراهية بين طوائف المسلمين؛ ومفسدة كلامهم تربو على مصلحته إن كان في كلامهم مصلحة؛ فما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه،

    سادساً: على هؤلاء الطاعنين في أهل العلم والدعوة والجهاد أن يعلموا أنهم ـ قصدوا أو لم يقصدوا ـ إنما يخدمون هدفاً بعيداً لأعداء الملة، الذين يرومون الطعن في كل من عُهد عنه تأثير في الصحوة المعاصرة التي أقضت مضاجع اليهود والصليبيين والملاحدة، فيعمدون إلى انتقاصهم ورميهم بالتهم الباطلة تنفيراً للناشئة منهم، وإشاعة لقالة السوء عنهم؛ حتى يغلب سوء الظن على المسلمين وينفضوا أيديهم من الدعاة والمصلحين

    سابعاً: غلب على هؤلاء اتهام من لا يوافقهم في سخريتهم ولمزهم للناس بأنه لا يتكلم في التوحيد، وجعلوا من ذلك مرقاة للطعن في الدعاة، وقد اتخذها بعض الناس سبيلاً للصد عن فلان وفلان من الناس، وما يدري هؤلاء أن الدين كله توحيد، وأن الداعية البصير قد يتناول التوحيد ويشرحه ـ ربما خيراً منهم ـ حين يتحدث عن السيرة أو التفسير أو الحديث أو الفقه، فالعلوم الإسلامية متضافرة يخدم بعضها بعضاً، وليس بالضرورة أن يكون عنوان الدرس (التوحيد) من أجل أن يكون توحيدا؛ فإن الله تعالى ما تعبدنا بالأسماء، والنظر الشرعي إنما يكون في المضامين لا العناوين، ثم إن هذا الداعية الذي رمي بأنه لا يتكلم في التوحيد قد يكون متكلماً فيه مراراً، بل قد ختم فيه متوناً، ولكن القوم يغلب عليهم سوء الظن والإعجاب بالرأي.

    ثامناً: بعضهم يفهم أن التوحيد معناه الاستطالة في أعراض المسلمين وتناول الأحياء منهم والميتين بأسلوب ساقط وقول شائن، ينفِّر القلوب ويورث العداوة والبغضاء، ويلبِّس عليه الشيطان بأن في هذا تحذيراً من البدع وأهلها، وقد علمنا من قطعيات الدين بأن الرفق لا يعدله شيء، وأن لين القول والمجادلة بالحسنى والدفع بالتي هي أحسن أمور مطلوبة مع الكافر الأصلي؛ فكيف بالمسلم الذي تلبَّس بشيء من البدع أو المعاصي؟ فكيف لو كانت تلك التي توصف بالبدع أموراً مختلفاً فيها وقد قال بها من أئمة العلم الأقدمين والمحدثين كثيرون؟ ألا فليعلم المنصفون أنه لا تلازم بين الدعوة إلى ما كان عليه المصطفى صلى الله عليه وسلم من الهدى والنور وبين الوقوع في أعراض الناس، وهمزهم ولمزهم أحياء كانوا أو أمواتا.

    تاسعاً: الانتماء إلى الإخوان المسلمين أو الحركة الإسلامية أو أنصار السنة أو جماعة التبليغ أو غيرها من الجماعات التي تدعو إلى الله ليس تهمة ننفر منها ونتبرأ من تبعاتها؛ بل نقول: إن من انتمى إلى هذه الجماعة أو تلك تعاوناً مع أفرادها على البر والتقوى، واستعصاماً بالجماعة التي تمنع الشذوذ في الفكر أو الضلال في الرأي، وطلباً للأصلح له في دينه ودنياه، ولم يكن تعصبه للجماعة وشيوخها، بل كانت حميته للدين وعموم المسلمين فهو مأجور إن شاء الله، مع يقيننا بأنه لا تسلم جماعة من خطأ أو تقصير، مثلما لا يسلم الدعاة والمربون والعلماء العاملون وعامة المسلمين، فإنه لا أحد معصوم بعد النبي الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فهؤلاء الذين يرفعون في وجوه من خالفوهم بأنهم إخوان أو كذا أو كذا ما ينبغي أن يُعوَّدوا على أنهم كلما أطلقوا هذه التهم سارع المتَّهَم بالتبرؤ والنفي، بل نقول لهم: إن الإخوان وغيرهم قد يكونون خيراً عند الله منكم؛ ورحم الله من عرف قدر نفسه، وطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس.

    عاشراً: واجب على من بسط الله يده وولاه أمر المسلمين أن يكفَّ أذى أولئك الطاعنين في العلماء والأئمة والدعاة، وأن يأخذ على أيديهم ويمنع شرهم عن الناس، وذلك بإنزال العقوبة الرادعة لهم والزاجرة لغيرهم عن تعاطي مثل فعلهم؛ لأن غاية أقوالهم وأفعالهم تكدير السلم وإثارة الضغائن وزرع الكراهية بين طوائف المسلمين، وهم يخدمون أعداء الإسلام حين يُفقدون الشباب الثقة في العلماء والدعاة؛ فيصير الشاب بعدها عرضة للجماعات الغالية التي تعيث في الأرض فسادا باسم الجهاد، أو التيارات الإلحادية العاتية التي لا ترجو لله وقارا، وفي كلا الحالين يكون الخاسرون هم المسلمين.

            نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يهدي ضال المسلمين، وأن يكف عنهم بأس الذين كفروا والله أشد بأساً وأشد تنكيلا.

    وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،،،،

  • بناء مسجد بمال تجارة التمباك

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد صدرت فتوى مجمع الفقه الإسلامي بالسودان مقررة حرمة تناول التمباك وحرمة الاتجار فيه والإعلان عنه والترويج له؛ لما ثبت يقيناً من ضرره البالغ على صحة الإنسان.

    وعليه فإن من اكتسب مالاً من الاتجار في هذه المادة الخبيثة – وهو يعلم حرمة ذلك – فواجب عليه أن يتخلص من ذلك المال بإنفاقه في وجوه الخير، والتي منها بناء المساجد لأن المال الحرام يجب على صاحبه التخلص منه، ومن الأوجه التي ينفق فيها: بناء المساجد والمدارس والمستشفيات وغيرها من المرافق التي يعود نفعها على جمهور المسلمين… قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في المجموع: فرع: قال الغزالي: إذا كان معه مال حرام وأراد التوبة والبراءة منه فإن كان له مالك معين وجب صرفه إليه أو إلى وكيله، فإن كان ميتاً وجب دفعه إلى وارثه وإن كان لمالك لا يعرفه ويئس من معرفته فينبغي أن يصرفه في مصالح المسلمين العامة كالقنطار والربط والمساجد ومصالح طريق مكة ونحو ذلك مما يشترك المسلمون فيه وإلا فيتصدق به على فقير أو فقراء .ا.هــــــــــــــــــــــ
  • بناء قبة على القبر

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فالسنة في القبر أن يرفع قدر شبر فقط ويسنَّم ليُعرف أنه قبر فلا يمتهن ولا يوطأ ولا يُجلس عليه، وهذا الذي فُعل بقبر رسول الله صلى الله علـيه وسلم؛ كما روى البخاري في صحيحه عن سفيان التمار رحمه الله تعالى قال: رأيت قبر رسول الله صلى الله علـيه وسلم مسنما. يعني مرتفعاً عن الأرض مثل سنام البعير. وروى أبو داود عن القاسم بن محمد قال: قلت لعائشة: يا أماه، اكشفي لي عن قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء. قال الحافظ رحمه الله تعالى في الفتح: وَهَذَا كَانَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ فَكَأَنَّهَا كَانَتْ فِي الْأَوَّلِ مُسَطَّحَةً ثُمَّ لَمَّا بُنِيَ جِدَارُ الْقَبْرِ فِي إِمَارَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ قِبَلِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ صَيَّرُوهَا مُرْتَفِعَةً.ا.هـــــ

    وإذا ارتفع القبر عن هذا المقدار ببناء أو غيره فالمشروع تسويته بالأرض لما رواه مسلم في صحيحه أن علياً رضي الله عنه بعث أبا الهياج الأسدي وقال: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله علـيه وسلم: لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته. قال الإمام الشوكاني يرحمه الله: وفي هذا أعظم دلالة على أن تسوية كل قبر مشرف، بحيث يرتفع زيادة على القدر المشروع، واجبة متحتمة، فمن إشراف القبور أن يرفع سمكها، أو يجعل عليها القباب أو المساجد؛ فإن ذلك من المنهي عنه بلا شك ولا شبهة؛ ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعث لهدمها أمير المؤمنين علياً، ثم أمير المؤمنين بعث لهدمها أبا الهياج الأسدي في أيام خلافته.ا.هـــــ

    والبناء على القبور محظور؛ لما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: نهى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجصَّص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه.

    قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى في نيل الأوطار: والظاهر أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرم، وقد صرح بذلك أصحاب أحمد وجماعة من أصحاب الشافعي ومالك، ومن رفع القبور الداخل تحت الحديث دخولاً أولياً القبب والمشاهد المعمورة على القبور، وأيضاً هو من اتخاذ القبور مساجد، وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم فاعل ذلك، وكم قد سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام، منها: اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام وعظم ذلك، فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضر فجعلوه مقصداً لطلب قضاء الحوائج وملجأً لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم، وشدوا إليها الرحال، وتمسحوا بها واستغاثوا، وبالجملة إنهم لم يدعوا شيئاً مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا لله وإنا إليه راجعون.ا.هــــــ

    وقال الإمام أبو عبد الله بن القيم رحمه الله تعالى في كتابه (زاد المعاد) 1/505: فَصْلٌ: وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – تَعْلِيَةُ الْقُبُورِ وَلَا بِنَاؤُهَا بِآجُرٍّ، وَلَا بِحَجَرٍ وَلَبَنٍ وَلَاتَشْيِيدُهَا، وَلَا تَطْيِينُهَا، وَلَا بِنَاءُ الْقِبَابِ عَلَيْهَا، فَكُلُّ هَذَا بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ، مُخَالِفَةٌ لِهَدْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ «بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – إِلَى الْيَمَنِ، أَلَّا يَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّاهُ» ، فَسُنَّتُهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – تَسْوِيَةُ هَذِهِ الْقُبُورِ الْمُشْرِفَةِ كُلِّهَا، «وَنَهَى أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ».

    وَكَانَتْ قُبُورُ أَصْحَابِهِ لَا مُشْرِفَةً، وَلَا لَاطِئَةً، وَهَكَذَا كَانَ قَبْرُهُ الْكَرِيمُ، وَقَبْرُ صَاحِبَيْهِ، فَقَبْرُهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مُسَنَّمٌ مَبْطُوحٌ بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ لَا مَبْنِيَّ وَلَا مُطَيَّنَ، وَهَكَذَا كَانَ قَبْرُ صَاحِبَيْهِ. وَكَانَ يُعَلِّمَ قَبْرَ مَنْ يُرِيدُ تَعَرُّفَ قَبْرِهِ بِصَخْرَةٍ. ثم قال: فَصْلٌ: وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَنِ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ، وَإِيقَادِ السُّرُجِ عَلَيْهَا، وَاشْتَدَّ نَهْيُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى لَعَنَ فَاعِلَهُ. وَنَهَى عَنِ الصَّلَاةِ إِلَى الْقُبُورِ، وَنَهَى أُمَّتَهُ أَنْ يَتَّخِذُوا قَبْرَهُ عِيدًا، وَلَعَنَ زُوَّرَاتِ الْقُبُورِ.

    وكَانَ هَدْيُهُ أَنْ لَا تُهَانَ الْقُبُورُ وَتُوطَأَ، وَأَلَّا يُجْلَسَ عَلَيْهَا، وَيُتَّكَأَ عَلَيْهَا، وَلَا تُعَظَّمَ بِحَيْثُ تُتَّخَذُ مَسَاجِدَ فَيُصَلَّى عِنْدَهَا وَإِلَيْهَا، وَتُتَّخَذَ أَعْيَادًا وَأَوْثَانًا.ا.هــــــ

    وغير خاف على أحد ما يحدث في تلك القباب من ضروب البدع وأنواع المخالفات، من دعاء الأموات والاستغاثة بهم وبذل النذور لهم، والتمسح بجدران تلك القباب وتعليق الخِرَق عليها، وقد نص السائل في سؤاله على أن بعض الناس قد اتخذها وسيلة للتكسب وجمع الأموال من الناس.

    قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ:

    كَانَ إِذَا زَارَ قُبُورَ أَصْحَابِهِ يَزُورُهَا لِلدُّعَاءِ لَهُمْ، وَالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِمْ، وَالِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ، وَهَذِهِ هِيَ الزِّيَارَةُ الَّتِي سَنَّهَا لِأُمَّتِهِ، وَشَرَعَهَا لَهُمْ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَقُولُوا إِذَا زَارُوهَا: ( «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ» ) .

    وَكَانَ هَدْيُهُ أَنْ يَقُولَ وَيَفْعَلَ عِنْدَ زِيَارَتِهَا، مِنْ جِنْسِ مَا يَقُولُهُ عِنْدَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ، مِنَ الدُّعَاءِ وَالتَّرَحُّمِ وَالِاسْتِغْفَارِ. فَأَبَى الْمُشْرِكُونَ إِلَّا دُعَاءَ الْمَيِّتِ وَالْإِشْرَاكَ بِهِ، وَالْإِقْسَامَ عَلَى اللَّهِ بِهِ، وَسُؤَالَهُ الْحَوَائِجَ، وَالِاسْتِعَانَةَ بِهِ، وَالتَّوَجُّهَ إِلَيْهِ، بِعَكْسِ هَدْيِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَإِنَّهُ هَدْيُ تَوْحِيدٍ وَإِحْسَانٍ إِلَى الْمَيِّتِ، وَهَدْيُ هَؤُلَاءِ شِرْكٌ وَإِسَاءَةٌ إِلَى نَفُوسِهِمْ، وَإِلَى الْمَيِّتِ، وَهُمْ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: إِمَّا أَنْ يَدْعُوَا الْمَيِّتَ، أَوْ يَدْعُوَا بِهِ، أَوْ عِنْدَهُ، وَيَرَوْنَ الدُّعَاءَ عِنْدَهُ أَوْجَبَ وَأَوْلَى مِنَ الدُّعَاءِ فِي الْمَسَاجِدِ،وَمَنْ تَأَمَّلَ هَدْيَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَصْحَابِهِ، تَبَيَّنَ لَهُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.ا.هـــــ

    وفي شرح المواق عند قول خليل (وَتَطْيِينُ قَبْرٍ أَوْ تَبْيِيضُهُ وَبِنَاءٌ عَلَيْهِ أَوْ تَحْوِيزٌ وَإِنْ بُوهِيَ بِهِ حَرُمَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: كَرِهَ مَالِكٌ تَجْصِيصَ الْقُبُورِ وَالْبِنَاءَ عَلَيْهَا لِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ تَجْصِيصِهَا. الْمَازِرِيُّ: مَعْنَاهُ تَبْيَضُّ بِالْجِيرِ أَوْ بِالتُّرَابِ الْأَبْيَضِ وَالْقَصَّةُ الْجِيرُ وَهُوَ الْجَصُّ. انْتَهَى نَصُّ الْمَازِرِيِّ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا. ابْنُ رُشْدٍ: الْبِنَاءُ عَلَى نَفْسِ الْقَبْرِ مَكْرُوهٌ وَأَمَّا الْبِنَاءُ حَوَالَيْهِ فَإِنَّمَا يُكْرَهُ مِنْ جِهَةِ التَّضْيِيقِ عَلَى النَّاسِ وَلَا بَأْسَ بِهِ فِي الْأَمْلَاكِ.

    وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: لَا بَأْسَ بِالْحَائِطِ الْيَسِيرِ الِارْتِفَاعِ لِيَكُونَ حَاجِزًا بَيْنَ الْقُبُورِ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ عَلَى النَّاسِ مَوْتَاهُمْ مَعَ غَيْرِهِ لِيُتَرَحَّمَ عَلَيْهِمْ وَيُجْمَعَ إلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ. وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْفِنَ فِي مَقْبَرَةِ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَضْطَرَّ فَلَا يُمْنَعُ لِأَنَّ الْجَبَّانَةَ أَحْبَاسٌ لَا يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ فِيهَا شَيْئًا. وَأَفْتَى ابْنُ رُشْدٍ بِهَدْمِ مَا بُنِيَ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الرَّوْضَاتِ وَالْقِبَابِ إلَّا إنْ كَانَ فِي مِلْكِ بَانِيهَا فَلَا يُمْنَعُ. ابْنُ عَرَفَةَ: إنْ كَانَتْ حَيْثُ لَا يَأْوِي إلَيْهَا أَهْلُ الْفَسَادِ.

    (وَجَازَ لِلتَّمْيِيزِ كَحَجَرٍ أَوْ خَشَبَةٍ بِلَا نَقْشٍ) ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ: لَا بَأْسَ أَنْ يُجْعَلَ عَلَى الْقَبْرِ حَجَرٌ أَوْ خَشَبَةٌ أَوْ عُودٌ يَعْرِفُ بِهِ الرَّجُلُ قَبْرَ وَلِيِّهِ مَا لَمْ يُكْتَبْ فِي ذَلِكَ، وَلَا أَرَى قَوْلَ عُمَرَ: ” لَا تَجْعَلُوا عَلَى قَبْرِي حَجَرًا ” إلَّا أَنَّهُ أَرَادَ مِنْ فَوْقِهِ عَلَى مَعْنَى الْبِنَاءِ. ابْنُ حَبِيبٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يُجْعَلَ فِي طَرَفِ الْقَبْرِ الْحَجَرُ الْوَاحِدُ لِئَلَّا يَخْفَى مَوْضِعُهُ إذَا عَفَا أَثَرُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ الْحَاكِمُ: لَيْسَ، الْعَمَلُ عَلَى أَحَادِيثِ النَّهْيِ عَنْ الْبِنَاءِ وَالْكَتْبِ عَلَى الْقَبْرِ فَإِنَّ أَئِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ شَرْقًا وَغَرْبًا مَكْتُوبٌ عَلَى قُبُورِهِمْ وَهُوَ عَمَلٌ أَخَذَهُ الْخَلَفُ عَنْ السَّلَفِ.ا.هــــــ التاج والإكليل لمختصر خليل 2/66

    وعليه فإنه لا يشرع لك عمارة تلك القبة ولا إعادة بنائها، بل الواجب على من قدر أن يسعى في هدمها رعاية لحق الدفين ولئلا يرتكب في قبره ما يخالف ما أمر به رسول الله صلى الله علـيه وسلم.

    هذا ويستحب أن يجعل عند رأس الميت علامة شاخصة يعلم بها أنه قبر؛ لفعل رسول الله صلى عليه وسلم ذلك عند دفن عثمان بن مظعون رضي الله عنه كما في سنن أبي داود، والعلم عند الله تعالى

  • حكم بعض الأدعية والألفاظ

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالذي يحسن التنبيه عليه في هذا المقام أنه يستحب للمسلم إذا دعا ربه أو ذكره أن يتقيد – ما استطاع – بالوارد المأثور؛ لأنه أفضل الذكر والدعاء وأطيبه؛ إذ العلماء رحمهم الله متفقون على أن أفضل ذلك ما كان في القرآن ثم ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته؛ فإنه لا أحد أعظم ذكراً لله ولا أطيب دعاء له من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والجواب على ما ذكر في سؤالك:

    أولاً: قول القائل (اللهم أحسن إلى فلان بقدر ما قدم) ما ينبغي الدعاء به؛ إذ إحسان ربنا جل جلاله لا حدود له، وكرمه لا مثيل له، وقد كان من مناجاة نبينا عليه الصلاة والسلام أن يقول في خطاب ربه {يا خير المسئولين ويا خير المعطين} ولو عامل الرب سبحانه عبده بما قدم لما نال شيئاً؛ لما ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال {لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله} قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال {ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل} وفي القرآن الكريم نقرأ )ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة( )ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة( وبدلاً من ذلك ندعو بالدعاء المأثور الذي دعا به خير البشر صلى الله عليه وسلم حين مات صاحبه أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي رضي الله عنه فقال {اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، اللهم أفسح له في قبره ونوِّر له فيه}

    ثانياً: قول القائل (المغفور له بإذن الله) لا حرج فيه إن شاء الله إذا قيل على سبيل التفاؤل لا الجزم؛ فمن مات على الإيمان فهو مغفور له إن شاء الله؛ لقوله سبحانه )إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء( ومثله أيضاً قولهم (المرحوم) ونحوها من الألفاظ، ولا يدخل هذا في النهي الوارد في قوله عليه الصلاة والسلام {إذا دعاء أحدكم فليعزم المسألة ولا يقولن: اللهم اغفر لي إن شئت فإنه لا مستكره له} لأن غرض القائل الخبر لا الدعاء؛ فهو لم يقل: اللهم اغفر لفلان إن شئت، بل قال: المغفور له بإذن الله.

  • حكم الشعر المستعار

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم النهي عن أن يصل الآدمي شعره بشعر غيره؛ وهذا النهي ورد في جملة من الأحاديث، منها:

    • ما ثبت في الصحيحين عن معاوية رضي الله عنه أنه خطب الناس على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتناول قصة من شعر[1]؛ كانت بيد حرسي؛ فقال: أين علماؤكم يا أهل المدينة؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذه، ويقول: “إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم” وفي لفظ لمسلم: “إنما عذب بنو إسرائيل لما اتخذ هذه نساؤهم”
    • ما ثبت في الصحيحين، واللفظ لمسلم، عن سعيد بن المسيب قال: (قدم معاوية المدينة فخطبنا، وأخرج كبة[2] من شعر فقال: ما كنت أرى أن أحداً يفعله إلا اليهود، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه فسماه: الزور).
    • في صحيح مسلم: أن معاوية رضي الله عنه قال ذات يوم: (إنكم قد أحدثتم زي سوء، وإن نبي الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الزور).
    • ما ثبت في الصحيحين أن امرأة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إِنَّ لِى ابْنَةً عُرَيِّسًا[3] أَصَابَتْهَا حَصْبَةٌ فَتَمَرَّقَ[4] شَعْرُهَا أَفَأَصِلُهُ فَقَالَ «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ».
    • جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (أيما امرأة أدخلت في شعرها من شعر غيرها فإنما تدخله زوراً) قال الألباني في السلسلة الصحيحة 3/7: أخرجه أحمد من حديث معاوية

    فهذه الأحاديث صريحة في تحريم اتخاذ الشعر، وهي شاملة بعمومها لما كان طبيعياً أو صناعياً، ووجوه التحريم ظاهرة من منطوق هذه الأحاديث، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى، والأصل في النهي التحريم، وقد قال الله عز وجل َ{ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} وقال النبي صلى الله عليه وسلم “ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم” متفق عليه، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قد سماه زوراً، والزور حرام، وذكر أنه من فعل اليهود، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن من تشبه بقوم فهو منهم، وذكر أنه من موجبات العذاب والهلاك؛ فقال “إنما هلكت بنو إسرائيل لما اتخذ مثل هذه نساؤهم”

    ومعلوم أنه إذا كان وصل المرأة شعرها بما يطوله أو يكثره حراماً تستحق عليه اللعنة؛ لما يتضمنه ذلك من الخداع والغش والتدليس، فاتخاذ رأس كامل مزور – وهو المعروف في لسان الناس اليوم بالباروكة – أشد في التدليس وأعظم في الزور والخداع، فيكون حراماً من باب أولى، وإذا كان هذا اللعن في حق النساء مع حاجتهن إلى التزين والتجمل، فهو في حق الرجال أولى.

    وقد يستثنى من ذلك المرأة المتزوجة التي ليس على رأسها شعر أصلاً، بأن كانت قرعاء، أو أصابها داء أو تناولت دواء تسبب في تساقط شعرها وذهابه؛ فإنه قد يؤذن لها – والله أعلم – في اتخاذ باروكة تستر به هذا العيب؛ لأن فعلها ليس من تغيير خلق الله ولا من باب الغش والتدليس؛ بل من باب إزالة العيب، وقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم لمن قطعت أنفه أن يتخذ أنفاً من ذهب؛ فروى أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ طَرَفَةَ أَنَّ جَدَّهُ عَرْفَجَةَ بْنَ أَسْعَدَ قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلاَبِ فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ فَأَمَرَهُ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ. والعلم عند الله تعالى.

    [1] قال النووي رحمه الله تعالى: قال الأصمعي وغيره: هي شعر مقدم الرأس المقبل على الجبهة، وقيل: شعر الناصية

    [2] قال النووي رحمه الله تعالى: بضم الكاف وتشديد الباء، هي شعر مكفوف بعضه على بعض

    [3] تصغير عروس

    [4] تساقط

  • انحراف المسجد عن القبلة

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فاستقبال القبلة شرط في صحة الصلاة بإجماع أهل العلم، لقول ربنا سبحانه )فول وجهك شطر المسجد الحرام( ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: بينما الناس بقباء إذ جاءهم آت فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلمقد أنزل عليه الليلة قرآن؛ وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها؛ وكانت وجوههم إلى الشام؛ فاستداروها إلى الكعبة} رواه مالك والشيخان، وفي حديث المسيء صلاته {فإذا قمت إلى الصلاة فاسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة}ومن كان داخل المسجد الحرام ففرضه استقبال عين الكعبة، ومن كان في مكة ـ شرَّفها الله ـ ففرضه استقبال الحرم، وأما من كان خارج مكة ففرضه استقبال جهة الكعبة؛ للحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال {ما بين المشرق والمغرب قبلة}يعني بذلك أهل المدينة والشام، وأما من كان في جهة المشرق ـ كحالنا في السودان ـ ففرضنا استقبال ما بين الشمال والجنوب، وأما الإجماع فقد حكى ابن حزم رحمه الله تعالى الاتفاق على أن من تحول عن القبلة عمداً لغير قتال ونحوه من الأعذار فإن صلاته فاسدة.ا.هـــــ[1]

    وقد قال أهل العلم: إن الانحراف اليسير عن القبلة لا يضر ما دام المصلي مستقبلاً جهتها، وأما إذا كان الانحراف فاحشاً بحيث يستدبر القلة أو صار شمال الكعبة أو جنوبها مثلاً؛ أو انحرف انحرافاً يبلغ خمساً وأربعين درجة فأكثر فالصلاة لا تصح على تلك الحال، في المدونة: قال مالك: فيمن استدبر القبلة أو شرق أو غرب، فصلى وهو يظن أن تلك القبلة، ثم تبين له أنه على غير القبلة، فقال: يقطع ما هو فيه ويبتدئ الصلاة.ا.هــــــ[2]

    هذا وإنا لنوصي القائمين على تشييد المساجد بأن بتحروا القبلة قبل الشروع في البناء؛ وذلك بالاستعانة بأهل الخبرة والاختصاص من هيئة المساحة ووزارات التخطيط العمراني؛ وذلك حتى تسلم صلاة الناس من البطلان أو الشك، والعلم عند الله تعالى.

    [1]مراتب الإجماع 28

    [2]المدونة 1/92 والتشريق والتغريب المذكور في المدونة إنما هما بالنسبة لمن في المدينة؛ ومن في سمتها؛ أو من كان جنوب مكة، كأهل اليمن والحبشة، أما من كانوا غرب مكة – كما هو الحال في السودان – فإن الشمال والجنوب بالنسبة لهم بمنزلة الشرق والغرب لأهل المدينة

  • انتقض وضوءه في الطواف

    ما حكم من انتقض وضوؤه في الطواف من شدة الزحام؟

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فإن الطواف شرط لصحة الطواف عند جمهور العلماء؛ لما رواه الترمذي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسـلم قال (الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَحَلَّ فِيهِ الْمَنْطِقَ، فَمَنْ نَطَقَ، فَلَا يَنْطِقُ إِلَّا بِخَيْرٍ) وهذا الحديث صححه الألباني.

    وعليه فمن انتقضت طهارته أثناء الطواف قطع الطواف وتوضأ، وقد اختلف أهل العلم هل يبني على طوافه من حيث توقف -أي الموضع الذي وصل إليه- أم يبتدئ الطواف من جديد؟
    فالشافعية ذهبوا إلى أنه يبني ولا يبتدئ، قال الشيرازي رحمه الله تعالى في المهذب: وإن أحدث وهو في الطواف توضأ ويبني؛ لأنه يجوز إفراد بعضه عن بعض، فإذا بطل ما صادفه الحدث منه لم يبطل الباقي فجاز له البناء عليه.ا.هـــــــــ
    قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في المجموع: فرع:  حيث قطع الطواف في أثنائه بحدث أو غيره وقلنا يبني على الماضي، فظاهر عبارة جمهور الأصحاب أنه يبني من الموضع الذي كان وصل إليه.ا.هـــــــــــ وقد وافقهم الإمام مالك رحمه الله تعالى على ذلك في رواية عنه، وكذلك الحنابلة
    وعليه؛ فالراجح فيمن وقع منه الحدث أثناء طوافه أن يبني ويبتدئ من حيث وصل؛ لأن الموالاة في الطواف تسقط بالعذر، ومن وقع منه الحدث في طوافه معذور يجوز له البناء.

    وذهب بعض أهل العلم- كأبي العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى ومن وافقه- إلى أن من أحدث أثناء الطواف، لا يلزمه الذهاب للوضوء، بل يصح له أن يكمل طوافه وهو محدث؛ مستدلًا بعدم وجود دليل صريح صحيح على أن الطهارة شرط لصحة الطواف، وهو ما يراه ابن عثيمين -رحمه الله- حيث قال في مجموع فتاواه بعد نقاش هذا الموضوع: ولهذا نرى أن الإنسان إذا أحدث في طوافه، لا سيما في هذه الأوقات الضنكة، أنه يستمر في طوافه، وطوافه صحيح، وليس عند الإنسان دليل يلاقي به ربه إذا شق على عباده. اهـ.

زر الذهاب إلى الأعلى