الفتاوى

  • التنافس على خدمة البث التلفزيوني الأرضي

    قناة إسلامية دعوية، ترغب في التقدم للحصول على ترخيص لتزويد خدمات البث التلفزيوني الأرضي، بالتنافس مع شركة أجنبية (صينية)، حيث سيتم بث 30 قناة تلفزيونية أو أكثر واستقبالها في ولاية الخرطوم ومدن السودان الأخرى لاحقاً، دون الحاجة لأطباق الاستقبال، ويمكن أن تكون هذه الخدمة مشفَّرة أو مفتوحة أو الاثنتين معاً (جزء من القنوات مفتوح والآخر مشفر).

    ولما كانت الشركة الصينية قد سبق لها تقديم الخدمة في دول إفريقية أخرى، فقد عُلِم من سياستها بث القنوات المخصَّصة للأفلام والأغاني، بما يتنافى مع ضوابط الشرع وقيم أهل هذه البلاد.

    ويمكن تلخيص الأسئلة على النحو التالي:

    • حكم التقدم للحصول على هذا الترخيص ومنافسة الشركة الأجنبية.
    • حكم إدخال بعض القنوات الرياضية والإخبارية ضمن الباقة عند التقدم للحصول على الترخيص، إضافة إلى القناة الحكومية، مع ما يكتنف هذه القنوات من منكرات، علماً بأن وجود القنوات الإخبارية والرياضية والقناة الحكومية مُهمٌّ للحصول على الترخيص، وكذلك لنجاح الخدمة وإقبال المشتركين عليها.
    • حكم أخذ الأجرة على القنوات الرياضية المشفرة، خاصة قنوات كرة القدم وكأس العالم، وذلك لسداد قيمة القنوات للشركة ذات الحقوق، ومقابلة نفقات التشغيل والصيانة والرسوم الحكومية.

    شاكرين لكم جهودكم، وسائلين الله تعالى لكم البركة والتوفيق والسداد.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فبداية لا بد من تقرير أن الله تعالى سائلنا عن كل نعمة أنعم بها علينا؛ وقد قال سبحانه {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} قال أهل التفسير: أصل النعيم كل حال ناعمة من النعومة والليونة ضد الخشونة واليبوسة، من الأمن والصحة والرزق والفراغ والحواس من السمع والبصر وملاذ المأكول والمشروب واعتدال الخلق وظلال المساكن ولذة النوم وشبع البطون وبارد الشراب وغير ذلك، وروى الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال له: ألم نُصِحَّ لك بدنك ونَروك من الماء البارد؟” وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لما نزلت هذه الآية قال الصحابة: يا رسول الله وأي نعيم نحن فيه وإنما نأكل في أنصاف بطوننا خبز الشعير؟ فأوحى الله إلى نبيه عليه الصلاة والسلام قل لهم: أليس تحتذون النعال وتشربون من الماء البارد؟ فهذا من النعيم.

    وغير خافٍ على كل عاقل أن الإعلام – في زماننا هذا – قد صار واقعاً مؤثراً في حياة الناس سلباً وإيجاباً؛ فبعض وسائل الإعلام هي من معالم بناء المجتمع الإسلامي الراشد بما تقدم من علم نافع ومعلومات مفيدة وترفيه مباح، وأكثرها إنما هي معاول هدم بما تذيع على الناس من فجور وتهتك وتشويه للقيم والتعاليم، والمطلوب من أهل الدعوة والغيرة على الدين أن يلجوا هذا الباب ويسهموا فيه بما يضمن تسخير هذه الوسائل لنشر الهدى والعلم؛ لأن هذه الوسائل إنما هي من النعيم الذي سنسأل عنه يوم القيامة. وقد سلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كل سبيل يضمن به تبليغ ما أنزل إليه من ربه فكان يدعو الناس إلى الله في المسجد ويغشاهم في بيوتهم وأسواقهم ومواسمهم، وكان يعلم الناس بالخطابة والموعظة والفتوى وطرح السؤال واستعمال وسائل الإيضاح؛ كما أنه كاتب الملوك والحكام وجبابرة الأرض يدعوهم إلى الله تعالى، وبالجملة فلم يدع صلى الله عليه وسلم وسيلة توصل إلى هذا المقصود العظيم إلا واستعملها. وهكذا أصحابه رضوان الله عليهم من بعده.

    وجواباً على هذه الأسئلة أقول والله الموفق والمستعان:

    أولاً: قد أجمع أهل العلم على أن الشريعة إنما جاءت لجلب المصالح وتتميمها ودرء المفاسد وتقليلها، ومعلوم أن ترك المجال لهذه الشركة التي يقوم عليها ناس لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وقد عهد من سيرتها ومثيلاتها أنها تنشر على الناس الخنا والفساد، إنما هو شر محض فالواجب مزاحمتهم ومنافستهم؛ درء لمفسدة تفردهم بهذه الخدمة التي يمكن أن تفتح على الناس باب شر وفساد لا يعلمه إلا الله

    ثانياً: إن كان إدخال القنوات الإخبارية والرياضية – بما تحويه من منكرات – أمراً لا فكاك منه، ولا يمكن الحصول على الترخيص إلا به؛ وإلا فاز به من لا يرعى حدود الدين ولا ضوابط الشرع؛ فلا مانع إن شاء الله من ذلك؛ لما تقرر عند أهل العلم كافة أنه إذا تعين ارتكاب إحدى مفسدتين فإنه ترتكب المفسدة الصغرى لدفع المفسدة الكبرى، وأنه يُتحمل الضرر الأخف لدفع الضرر الأعظم.. هذا مع الحرص على أن يكون ذلك في حدود الضرورة التي لا بد منها، والعمل على أن تكون الكثرة الغالبة في هذا البث إنما هي القنوات التي تخلو من تلك المنكرات

    ثالثاً:  لا مانع من أخذ الأجرة على تلك المنفعة المبذولة للناس؛ لأنها والحال ما ذكر إنما هي إجارة مشروعة نظير تمليك المنفعة التي تعود على المستأجر، كما أنه لا بد منها ضماناً لاستمرار تلك الخدمة؛ ومكافأة للنفقات الضرورية من أجرة التشغيل والصيانة والرسوم الحكومية، إضافة لحقوق الشركة ذات الحقوق، والله تعالى أعلم.

  • التوكيل في الحج

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فلا مانع من أن توكل من يحج عن شقيقتك التي توفاها الله قبل أن تحج حجة الإسلام، وذلك لما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسـلم من جواز الاستنابة في الحج عن الميت وكذلك المريض الذي لا يستطيع بلوغ بيت الله الحرام؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما “أن امرأة من خثعم قالت يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الله في الحج شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره قال فحجي عنه” متفق عليه، وعن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاءته امرأة شابة من خثعم فقالت إن أبي كبير وقد أفند وأدركته فريضة الله في الحج ولا يستطيع أداءها فيجزي عنه أن أؤديها عنه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نعم” رواه أحمد والترمذي وصححه، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْر رضي الله عنهماِ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ مِنْ خَثْعَمَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إنَّ أَبِي أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ رُكُوبَ الرَّحْلِ، وَالْحَجُّ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: أَنْتَ أَكْبَرُ وَلَدِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ فَقَضَيْتَهُ عَنْهُ أَكَانَ يُجْزِي ذَلِكَ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاحْجُجْ عَنْهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ بِمَعْنَاهُ. قال الشوكاني رحمه الله تعالى: وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الْحَجُّ مِنْ الْوَلَدِ عَنْ وَالِدِهِ إذَا كَانَ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى الْحَجِّ، وَقَدْ ادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْخَثْعَمِيَّةِ كَمَا اخْتَصَّ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ بِجَوَازِ إرْضَاعِ الْكَبِيرِ، حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَتَعَقَّبَ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْخُصُوصِ.ا.هــــــ

    ولا يختص ذلك بالابن بل يجوز منه ومن غيره، قال الحافظ رحمه الله في الفتح: وَقَدْ ادَّعَى جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ خَاصٌّ بِهِ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ جُمُودٌ.ا.هـــــــ

    وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: رَأَى مَالِكٌ أَنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ مُخَالِفٌ لِلْقُرْآنِ فَيُرَجَّحُ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ، وَلَا شَكَّ فِي تَرَجُّحِهِ مِنْ جِهَةِ تَوَاتُرِهِ انْتَهَى. وَلَكِنَّهُ يُقَالُ: هُوَ عُمُومٌ مَخْصُوصٌ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ عَامٍّ وَخَاصٍّ.ا.هــــــــ

    هذا فيما يختص بالحج عن المريض، وأما الميت فقد ثبت في صحيح البخاري عن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ:. نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكَنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ اُقْضُوا اللَّهَ، فَاَللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ» وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ بِنَحْوِ ذَلِكَ، وَفِيهَا قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: إنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ. ولَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الروايتين؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْقِصَّةُ مُتَعَدِّدَةً وَأَنْ تَكُونَ مُتَّحِدَةً وَلَكِنَّ النَّذْرَ وَقَعَ مِنْ الْأُخْتِ وَالْأُمِّ، فَسَأَلَ الْأَخُ عَنْ نَذْرِ أُخْتِهِ وَالْبِنْتِ عَنْ نَذْرِ الْأُمِّ.

    قال ابن تيمية الجد رحمه الله تعالى في المنتقى: وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ مِنْ الْوَارِثِ وَغَيْرِهِ حَيْثُ لَمْ يَسْتَفْصِلْهُ أَوَارِثٌ هُوَ أَمْ لَا، وَشَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ.ا.هــــــ وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال.

    وفي صحيح مسلم عَنْ بُرَيْدَةَ رضي الله عنه أَنَّ «امْرَأَةً قَالَتْ: إنَّ أُمِّي وَفِيهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: صَوْمِي عَنْهَا، قَالَتْ: إنَّهَا لَمْ تَحُجَّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: حُجِّي عَنْهَا»

    وفي قول النبي صلى الله عليه وسـلم (أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ حَجٌّ وَجَبَ عَلَى وَلِيِّهِ أَنْ يُجَهِّزَ مَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ كَمَا أَنَّ عَلَيْهِ قَضَاءَ دُيُونِهِ. وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ دَيْنَ الْآدَمِيِّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، ذَلِكَ مَا شُبِّهَ بِهِ فِي الْقَضَاءِ، وَيَلْحَقُ بِالْحَجِّ حَقٌّ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ مِنْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ زَكَاةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (فَاَللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حَقَّ اللَّهِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْآدَمِيِّ، وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ، وَقِيلَ سَوَاءٌ قَوْلُهُ: (جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: إنَّ أُخْتِي. . . إلَخْ)

    وقد استدل الجمهور بالعقل كذلك على جواز الاستنابة في الحج لمن قام به عذر؛ قال الكمال بن الهمام رحمه الله تعالى: وكان مقتضى القياس أن لا تجري النيابة في الحج، لتضمنه المشقتين البدنية والمالية، والأولى لم تقم بالآمر، لكنه تعالى رخص في إسقاطه بتحمل المشقة الأخرى، أعني إخراج المال عند العجز المستمر إلى الموت، رحمة وفضلا، وذلك بأن يدفع نفقة الحج إلى من يحج عنه، بخلاف حال القدرة فإنه لم يعذره لأن تركه ليس إلا لمجرد إيثار راحة نفسه على أمر ربه، وهو بهذا يستحق العقاب، لا التخفيف في طريق الإسقاط، وإنما شرط دوامه (أي العذر) إلى الموت لأن الحج فرض العمر.ا.هــــــــ فتح القدير 2/310

    وذهب مالك على المعتمد في مذهبه إلى أن الحج لا يقبل النيابة لا عن الحي ولا عن الميت، معذورا أو غير معذور. وقالوا: إن الأفضل أن يتطوع عنه وليه بغير الحج، كأن يهدي أو يتصدق عنه، أو يدعو له، أو يعتق. مواهب الجليل 2/543، وحاشية الدسوقي 1/18

    وشرط الاستنابة في الحج أن يكون النائب عن غيره قد حج عن نفسه؛ لما رواه أبو داود وابن ماجه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، قَالَ: مَنْ شُبْرُمَةُ؟ قَالَ: أَخٌ لِي أَوْ قَرِيبٌ لِي، قَالَ: حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ»

    وأما توكيلك من يحج عنك فلا يجوز؛ لأن شرط النيابة في الحج أن يكون المنيب عاجزاً عجزاً لا يرجى زواله، أو ميتاً، وأما أنت فسل الله تعالى أن يعينك على الحج في عام آتٍ. والله تعالى أعلم.

  • الإلتزام بجدول رمي الجمرات

    ما حكم الالتزام بجدول الرمي الذي تنظمه السلطات السعودية في منى؟

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فهذه الجداول قصد واضعوها من وراء ذلك تحقيق مصلحة التيسير على الحجاج في أداء نسكهم، والقيام بواجب الرمي على الوجه الأكمل في الوقت المطلوب شرعاً، مع دفع مفسدة التزاحم والتدافع التي يترتب عليها إزهاق الأنفس أو ضياع الممتلكات أو حصول العداوة والبغضاء بين حجاج بيت الله، وقد قال سبحانه {الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج}

    فالالتزام بذلك الجدول يحقق تلك الغايات السامية ويسهل على الجميع – حجاجاً ومنظمين – القيام بعملهم على ما يرضي الله عز وجل، لكن لو لم يحصل الالتزام فإن ذلك لا يؤدي إلى بطلان الحج أو فساده، ولا يترتب على عدم الالتزام فدية ولا جزاء، والعلم عند الله تعالى.

  • الأكل من طعام آكِل مال اليتيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فإذا كان مال ذلك الشخص من حرام محض، أعني أن يكون ماله كله ناتجاً عن أكل أموال اليتامى، أو كان يتجر في الخمور أو المخدرات وليس له دخل سواه فلا يجوز لك أن تأكل من طعامه ولا أن تقبل هديته، لعموم الأدلة الناهية عن أكل الحرام؛ كقوله صلى الله عليه وسـلم “يا كعب بن عجرة إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به” رواه أحمد والترمذي، وأما إذا كان ماله مختلطاً حلاله بحرامه فلا حرج عليك في الأكل من طعامه أو قبول هديته وأولى الاقتراض منه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسـلم قبل هدية المقوقس حاكم مصر وأكل من طعام يهودية، ومعلوم أن أموالهم لا تسلم من حرام أو شبهة، والعلم عند الله تعالى.

  • الأزهر وأسماء الله الحسنى

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد قال الله تعالى {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} وقال سبحانه {أياً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} وقال {الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى} وقال {هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى} قال أهل التفسير: والحسنى تأنيث الأحسن؛ كالكبرى والصغرى تأنيث الأكبر والأصغر، وفي وصفها بالحسنى وجوه:

    • أن أسماءه سبحانه وتعالى دالة على صفات كمال عظيمة، وبذلك كانت حسنى
    • ما وعد عليها من الثواب بدخول الجنة لمن أحصاها
    • أن حسنها شرف العلم بها، فإن شرف العلم بشرف المعلوم
    • ومن تمام كونها حسنى لا يدعى إلا بها

     وثبت من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسـلم أنه قال “لله تسعة وتسعون اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر” رواه الشيخان، وفي هذا الحديث مباحث:

    أولها: أنه لا يراد بهذا العدد الحصر عند جمهور العلماء، بل المراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها، لا الإخبار بحصر الأسماء، قال الخطابي رحمه الله تعالى: هو بمنزلة قولك: إن لزيد ألف درهم أعدها للصدقة، وقولك: إن لعمرو مائة ثوب من زاره خلعها عليه، وهذا لا يدل على أنه ليس عنده من الدرهم أكثر من ألف درهم ولا من الثياب أكثر من مائة ثوب.ا.هـــ ويدل على صحة هذا التأويل الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وابن حبان عن ابن مسعود t أن النبي صلى الله عليه وسـلم كان يدعو فيقول “…أسألك بكل اسم هو لك سمَّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك” وفي حديث عائشة رضي الله عنها”لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك”

    ثانيها: قوله “من أحصاها” قيل: أن يعدها حفظاً ويدعو ربه بها؛ كما في قوله سبحانه {وأحصى كل شيء عددا} واستدل لهذا المعنى الخطابي بقوله ـ في الرواية الأخرى ـ “من حفظها دخل الجنة” وقيل: المراد بالإحصاء الإطاقة؛ كما في قوله سبحانه {علم أن لن تحصوه} أي لن تطيقوه، وكقول النبي صلى الله عليه وسـلم “استقيموا ولن تحصوا” أي لن تبلغوا كل الاستقامة؛ فيكون المعنى: أن يطيق الأسماء الحسنى ويحسن المراعاة لها، وأن يعمل بمقتضاها، وأن يعتبرها فيلزم نفسه بموجبها. وقيل: الإحصاء بمعنى العقل والمعرفة فيكون معناه أن من عرفها وعقل معانيها وآمن بها دخل الجنة، وهو مأخوذ من الحصاة وهي العقل، تقول العرب: فلان ذو حصاة، أي ذو عقل ومعرفة بالأمور.

    ثالثها: قد ورد عدُّ هذه الأسماء في حديث رواه الترمذي كالتالي، “هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلي الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوي المتين الولي الحميد المحصي المبدئ المعيد المحيي المميت الحي القيوم الواجد الماجد الواحد الصمد القادر المقتدر المقدم المؤخر الأول الآخر الظاهر الباطن الوالي المتعالي البر التواب المنتقم العفو الرؤوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغني المغني المانع الضار النافع النور الهادي البديع الوارث الرشيد الصبور.

    وهذا الحديث قد ضعفه الإمام الترمذي نفسه حيث قال رحمه الله تعالى: حديث غريب، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسـلم، ولا نعلم في كبير شيء من الروايات له إسناد صحيح ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث،  وقد روى آدم بن أبي إياس هذا الحديث بإسناد غير هذا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسـلم وذكر فيه الأسماء، وليس له إسناد صحيح.ا.هـــ

    وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: والذي عول عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه، وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم وعبد الملك بن محمد الصنعاني عن زهير أنه بلغه عن غير واحد من أهل العلم أنهم قالوا ذلك، أي أنهم جمعوها من القرآن، كما روي عن جعفر بن محمد وسفيان بن عيينة وأبي زيد العلوي، والله أعلم.ا.هـــ  وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: الصحيح أنه _ أي العد – ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسـلم.ا.هــــ وقال الصنعاني رحمه الله تعالى: اتفق الحفاظ من أئمة الحديث أن سردها إدراج من بعض الرواة.ا.هــــ وممن حكم بضعفها أبو العباس بن تيمية والحافظ ابن حجر العسقلاني رحم الله الجميع.

    وخلاصة الأمر أن أسماء الله الحسنى لا تنحصر في التسعة وتسعين اسماً، وأنه لم يرد في تعيينها وجمعها نص صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسـلم، بل الأمر محل اجتهاد حيث بذل العلماء رحمهم الله جهدهم في إحصائها من نصوص القرآن والسنة، ومن وفق إلى إحصاء تسعة  وتسعين اسماً منها نال من الأجر ما بشر به رسول الله صلى الله عليه وسـلم،

    ومهما يكن من أمر فإن الأسماء الواردة في السؤال قد دلت عليها نصوص القرآن والسنة، وليس فيها شيء ينكر، ولا حرج في طباعتها وتداولها، والله الموفق والمستعان

  • استئذان لجنة المسجد قبل الموعظة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فإن المساجد هي بيوت الله عز وجل التي أذن أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وقد أعلى الله شأنها في كتابه؛ فذكرها في ثمان وعشرين آية من كتابه  الكريم، وأضافها إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم، فقال سبحانه {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} ورغَّب سبحانه في بنائها وعمارتها وأخبر أن عُمَّارها المؤمنون بالله واليوم الآخر؛ قال تعالى {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} فالمساجد دور عبادة وذكر وتضرع وخضوع لله سبحانه، ومواضع تسبيح، وابتهال وتذلل بين يدي الله سبحانه، ورغبة فيما عنده من الأجر الكبير، ومقام تهجد وترتيل لكتاب الله وحفظ له، وغوص وراء معانيه

    وتعطيل المسجد، ومنع الناس من ذكر الله فيه ظلم، قال تعالى {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ $ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وجعل القرآن الكريم الدفاع عن المساجد وحمايتها مطلباً من مطالب هذا الدين يشرع لأجله القتال في سبيله، قال تعالى {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} قال القرطبي رحمه الله تعالى عن هذه الآية: أي لولا ما شرعه الله سبحانه وتعالى للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء لاستولى أهل الشرك وعطَّلوا ما يبنيه أرباب الديانات من مواضع العبادات، ولكنه دفع بأن أوجب القتال ليتفرغ أهل الدين للعبادة.

    في تفسير قوله تعالى {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله} قال الألوسي رحمه الله تعالى: والمراد بالعمارة ما يعم مرمة ما استرمَّ منها وقمها، وتنظيفها وتزيينها بالفرش، لا على وجه يشغل قلب المصلي عن الحضور، وتنويرها بالسرج ولو لم يكن هناك من يستضيء بها، وإدامة العبادة والذكر ودراسة العلوم الشرعية فيها ونحو ذلك، وصيانتها مما لم تُبنَ له في نظر الشارع كحديث الدنيا، ومن ذلك الغناء على مآذنها كما هو معتاد الناس اليوم لا سيما بالأبيات التي غالبها هُجْر من القول.

    وعليه فإن كل من أراد أن يقدم للناس موعظة مؤثرة أو حكمة بالغة أو علما نافعاً فما ينبغي أن يمنع من ذلك في بيت الله، ولا أن يحال بينه وبين تبليغ دعوة الله عز وجل، والمانع له آثم؛ أما إذا علم من شخص ما أنه يثير فتناً وينشر بين الناس خلافاً ويضرب قلوب بعضهم ببعض؛ أو يقول على الله ما لا يعلم؛ أو يحدث الناس بما لا يعقلون، أو يثير شبهاً وأغاليط، أو يذكر أهل العلم والدعاة إلى الله بالسوء فما ينبغي أن يُمكَّن من الحديث في المسجد؛ لأنها ما بنيت لذلك، وقد عزر عمر بن الخطاب رضي الله عنه صبيغاً التميمي لما أكثر من السؤال عن متشابه القرآن ونفاه من المدينة إلى الكوفة وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن يقوم في الناس خطيباً بأن صبيغاً طلب العلم فأخطأه!!

    وعليه فإذا كان هذا الشخص الذي يستأذن من أهل العلم والفضل يريد بذلك الاستيثاق من علم المتحدث وعقله ومدى إفادته للناس فلا حرج، بل هو مأجور على ذلك، أما إذا كان غرضه الصدَّ عن سبيل الله، والتحكم في بيت الله، ومنع من لا يوافق هواه؛ فهو آثم مأزور

    والذي ينبغي للجهة المسئولة عن المساجد أن تشكل لجنة من أهل العلم والفضل تقوم باختبار من يودون الحديث في المساجد، وتمنحهم رخصة أو بطاقة تفيد أهليتهم وجدارتهم لهذه المهمة العظيمة؛ وذلك رفعاً للحرج عن أئمة المساجد ولجانها؛ وحتى يسهل عليهم الإذن أو المنع لمن يطلبون الحديث خاصة دبر الصلوات المكتوبات، وذلك كله تنظيم محمود وغاية مشروعة للحفاظ على هيبة بيوت الله، والعلم عند الله تعالى

  • استخدام مكبرات الصوت في أذان الجمعة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالأذان الأول يوم الجمعة من السنن المشروعة التي تتابع عليها عمل المسلمين سلفاً وخلفاً، ولا يمكن وصفه بالبدعية أبداً، وذلك لأمرين: أولهما: أنه من عمل عثمان بن عفان رضي الله عنه  وهو أحد الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم، ففي حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور» رواه الترمذي. ثانيهما: أن الصحابة رضي الله عنهم قد أجمعوا على العمل بذلك في عهد عثمان من غير نكير، ثم أجمعت الأمة من بعدهم في سائر الأعصار والأمصار.

    وصنيع عثمان رضي الله عنه جار على الهدي الراشدي المبارك الذي حصل به خير عظيم للأمة، من جنس ما فعله أبو بكر رضي الله عنه من جمع القرآن في مصحف واحد، ولم يكن ذلك على عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وما فعله عمر رضي الله عنه حين جمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح بعدما كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يصلون أوزاعاً متفرقين، ويحصل بالأذان الأول يوم الجمعة مصلحة الناس من انتباههم لدخول وقت الجمعة وانتهائهم عن أعمالهم الدنيوية من بيع وشراء؛ عملاً بقول ربنا جل جلاله {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون}

    والذي أنصح به إخواني المسلمين ألا يجعلوا المساجد ساحات للخلاف والعراك، وأن يتقوا الله في إخوانهم ويسعوا لسؤال أهل العلم عملاً بقول ربنا سبحانه وتعالى {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} ومن اقتنع منهم بشيء مخالف لما عليه جمهور المسلمين فما ينبغي له أن يفرضه على سائر الناس، بل عليه أن يحسن الظن بإخوانه ويعلم أن للخلاف مساغاً، وأسأل الله أن يهدينا جميعاً سواء السبيل.

    وأما استعمال مكبر الصوت في الصلاة الجهرية فإنه جائز ولا حرج فيه، لما في ذلك من المصالح العظيمة كتذكير الناس بالصلاة وإسماعهم تلاوة القرآن في زمن كثر فيه التشويش واللغو وقلَّ فيه من يذكِّر بالله عز وجل؛ كما أن فيه إظهاراً لشعائر الإسلام؛ شريطة ألا يؤدي ذلك إلى أذية أهل المساجد الأخرى واختلاط أصوات الأئمة على المأمومين بما يذهب معه الخشوع وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (ولا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة في الصلاة) رواه أحمد.

    هذا وإن بعض الناس يستصحب واقع بلاد معينة؛ تغلق فيها الأسواق وأماكن اللهو ساعة الصلاة، كما أن المساجد كثيرة ومتقاربة، وهذا كله قد لا يكون مطابقاً لما عليه الواقع في السودان مثلاً، وعليه فليس الاختلاف اختلاف حجة وبرهان، بل اختلاف زمان ومكان، والعلم عند الله تعالى.

  • الإحتفال بأعياد الكفار

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فلا يجوز للمسلم أن يحتفل بالأعياد الدينية لغير المسلمين، وذلك لأدلة شرعية معتبرة، ومن ذلك:

    1ـ أن العيد عنوان يميز كل أمة عن غيرها، وهو نابع من دينها وعقيدتها؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {إن لكل قوم عيداً، وإن عيدنا هذا اليوم} متفق عليه، فالمسلم الذي يحتفل بأعياد الكفار ويشاركهم فيها إنما ينادي على نفسه بتميع عقيدته وفساد تصوره وقلة اكتراثه بتراثه.

    2ـ عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: {ما هذان اليومان؟} قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: {إن الله أبدلكم بهما خيراً منهما: يوم الأضحى يوم الفطر} رواه أبو داود والنسائي، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقرَّ أهل المدينة على احتفالهم بما عهدوه أيام جاهليتهم، بل ذكرهم بنعمة الله عليهم في عيدين عظيمين قد ارتبط كل منهما بعبادة عظيمة تقرب إلى الله تعالى، مع أننا نجزم أن أهل المدينة رضي الله عنهم ما كانوا يصنعون في ذينك اليومين شيئاً مما يصنعه بعض الفجرة في أيامنا في تلك الأعياد المحدثة من الفسوق والعصيان

    3ـ أن ذلك من التشبه بهم حيث يهنئ بعضهم بعضاً في ذلك اليوم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {من تشبه بقوم فهو منهم} رواه أحمد وأبو داود ـ ومعنى ذلك تنفير المسلمين عن موافقة الكفار في كل ما اختصوا به، وقد كان عليه الصلاة والسلام يكره موافقة أهل الكتاب في كل أحوالهم حتى قالت اليهود: إن محمداً يريد أن لا يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه.

    4ـ  أنه لم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم مشاركة غير المسلمين في عيدهم، ولا أصحابه رضي الله عنهم من بعده كذلك وقد علمنا أن اليهود كانوا يساكنونه المدينة، ولو حدث ذلك لنقل إلينا، مثلما نقل أنه عاد يهودياً لما مرض وأكل من طعام يهودية وقبل هدية بعض النصارى كالمقوقس.

    5ـ ثم إن اقتران هذه المناسبات الكفرية بتلك الضلالات التي يمارسها أولئك المحتفون بها من اختلاط ومجون وفسق كافٍ في أن ينتهي أولو النهى والأحلام عن مشاركتهم وقد قال الله عز وجل }والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما{

    1. أنه قد تتابع النقل عن أئمة الدين رحمهم الله تعالى في النهي عن ذلك والتحذير منه وهم المقتدى بهم: ففي المدخل لابن الحاج المالكي رحمه الله تعالى 2/48: وكره ابن القاسم للمسلم أن يهدي إلى النصراني في عيده مكافأة له. ورآه من تعظيم عيده وعوناً له على مصلحة كفره. ألا ترى أن لا يحل للمسلمين أن يبيعوا للنصارى شيئاً من مصلحة عيدهم لا لحماً ولا إداماً ولا ثوباً ولا يعانون على شيء من دينهم؛ لأن ذلك من التعظيم لشركهم وعونهم على كفرهم، وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك، وهو قول مالك وغيره لم أعلم أحداً اختلف في ذلك انتهى. قال ابن الحاج: ويمنع التشبه بهم كما تقدم لما ورد في الحديث {من تشبه بقوم فهو منهم} ومعنى ذلك تنفير المسلمين عن موافقة الكفار في كل ما اختصوا به، وقد كان عليه الصلاة والسلام يكره موافقة أهل الكتاب في كل أحوالهم حتى قالت اليهود: إن محمداً يريد أن لا يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه.ا.هـــــــــــــ وفي فتح العلي المالك 2/348 قال الشيخ عليش رحمه الله تعالى: وسئل عز الدين بن عبد السلام عن مسلم قال لذمي في عيده: عيد مبارك هل يكره أم لا؟ فأجاب: إن قاله المسلم لذمي على وجه قصد تعظيم دينهم وعيدهم فإنه يكفر، وإن لم يقصد ذلك وإنما جرى على لسانه فلا يكفر بما قاله من غير قصد.ا.هـ نقله الحطاب.ا.هـــــ

    وبعد. فقد يقول قائل: إن هؤلاء الذين تسمونهم كفاراً يشاركوننا في أعيادنا ويحتفلون بها معنا فلمَ لا نشاركهم؟ والجواب: أننا محكومون بالشرع لا بالأهواء وليست مشاركتهم لنا مبيحة مشاركتنا إياهم، فليست المكافأة لازمة بكل حال، ولو أنهم دخلوا مساجد المسلمين وصلوا صلاتهم أنكافئهم بدخولنا كنائسهم وأن نشاركهم صلاتهم؟ ولو أن النصراني عصى الله فسقى مسلماً خمراً أيحل للمسلم أن يسقيه الخمر؟  }ما لكم كيف تحكمون{ إن الواجب على المسلم أن يعظم الأيام التي أمره الله بتعظيمها ويعرض عما سوى ذلك مما ابتدعه الكفار بجهلهم، ولا يغتر بكثرة الهالكين }وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله{ أسأل الله أن يرد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً وأن يختم لنا بالحسنى إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

  • التجارة في الملابس المخالفة للشريعة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالملابس المخالفة للزي الشرعي يتصور وجودها في أحوال منها:

    أولاً: ملابس الرجال التي تحوي عبارات لا تليق لما فيها من إثارة الشهوات والتحريض على الفواحش

    ثانياً: ملابس الأطفال والشباب التي تحوي صوراً لبعض الكفرة أو الفسقة ممن غضب الله عليهم ولعنهم

    ثالثاً: الملابس النسائية غير الشرعية لكونها قصيرة أو ضيقة أو شفافة أو لافتة للأنظار

    لا يجوز لمسلم أن يتجر في هذه الأنواع؛ وذلك لأدلة منها:

    أولاً: قوله تعالى {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}

    ثانياً: قوله تعالى {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة}

    ثالثاً: قوله صلى الله عليه وسلم “إن الله تعالى إذا حرم شيئاً حرم ثمنه” رواه ابن حبان والدارقطني من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وقد صححه الألباني والأرناؤوط

    هذا وعلى التجار وغيرهم أن يتحروا في مكاسبهم الحلال الطيب؛ ويجتنبوا الحرام الخبيث؛ لقوله صلى الله عليه وسلم “إن روح القدس نَفَثَ فِي رَوْعِي أَنَّهُ لاَ تَمُوتُ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا، وَإِنْ أَبْطَأَ عَلَيْهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلاَ يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ تَأْخُذُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلاَّ بِطَاعَتِهِ” رواه البزار في مسنده عن حذيفة رضي الله عنه، والبيهقي في الشعب من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

  • تجارة الكريمات

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالاتجار بالكريمات داخل تحت حكم الإباحة لعموم قوله تعالى {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} وقوله سبحانه {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه} وقوله صلى الله عليه وسلم { إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ فَرَائِضَ فَلاَ تُضَيِّعُوهَا، وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ فَلاَ تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلاَ تَعْتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلاَ تَبْحَثُوا عَنْهَا} رواه الداقطني والبيهقي عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه، وهذه الإباحة مشروطة بشروط:

    أولها: ألا يترتب على استعمالها ضرر يغلب على منفعتها؛ فمتى ما ثبت أنها مسببة للأمراض أو ناقلة لها فلا يجوز استعمالها ولا الاتجار فيها

    ثانيها: ألا يترتب على وضعها غش أو تدليس؛ كمن تستعملها لإخفاء بعض عيوب وجهها عمن يريد خطبتها؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم “من غش فليس منا”

    ثالثها:  ألا تتخذ وسيلة للتبرج وإثارة الغرائز؛ فمتى ما غلب على ظن التاجر أن من يشتريها يستغلها لتلك الأغراض غير المشروعة فلا يجوز أن يبيعها عليه؛ كالمرأة  التي تستعملها في التجمل لغير زوجها، أو لفتنة الناس وحضهم على المنكرات

زر الذهاب إلى الأعلى