الفتاوى

  • هل ولد الزنا لا خير فيه؟

    هل ولد الزنا ليس فيه خير؟ وسمعنا من يقول إن الجسم إذا نبت من حرام النار أولى به فكيف إذا كان الأصل من حرام؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فليس صحيحاً أن ولد الزنا لا خير فيه، بل هو كسائر الناس يمكن أن يكون صالحاً على تقوى وهدى إن استقام على أمر الله وحرص على اتباع الشريعة وتعظيم حرمات الدين، ويمكن أن يكون غير ذلك إذا فجر وفسق واتبع هواه، والأصل في ذلك قول ربنا جل جلاله {ولا تزر وازرة وزر أخرى} فليس للولد ذنب فيما جنى أبواه، بل هو مسئول عن أقواله وأفعاله لا عن أفعال غيره؛ قال الله تعالى {كل نفس بما كسبت رهينة} وقال سبحانه {كل امرئ بما كسب رهين}

    وأما حديث (ولد الزنا شر الثلاثة) فإنه ـ على تقدير ثبوته ـ يعني أنه شر الثلاثة إن عمل بعمل أبويه، وهذا من أحسن وجوه الجمع بين الآيات السابقة وهذا الحديث، والله تعالى أعلم.

  • وضع النظارة على المصحف

    هل صحيح أنه لا يجوز وضع نظارة أو كتاب على المصحف؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فلا يجوز وضع شيء على المصحف؛ بل الواجب تعظيمه وإجلاله؛ لعموم قوله تعالى {ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه} قال المفسرون: الحُرمات جمع حُرُمة ـ بضمتين ـ وهي ما يجب احترامه.ا.هـ ولأن كتاب الله يعلو ولا يعلى، وهو أقدس كتاب عندنا معشر المسلمين، ثم إن وضع النظارة عليه ذريعة لوضع سواها فيمنع هذا كله، والله تعالى أعلم.

  • خيالات ينزل معها المني

    السؤال: أحياناً أتخيل أني أجامع امرأة مستيقظاً فيخرج مني المني، ما حكم ذلك؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالواجب عليك أن تتقي الله في نفسك وأن لا تسترسل مع تلك الخواطر الرديئة التي يزينها لك الشيطان، وقد قال الله عز وجل ((الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء)) وعليك أن لا تخلو بنفسك بل كن مختلطاً دائماً بالأخيار، وحال خلوتك أكثر من ذكر الله متى ما عرضت لك تلك الخيالات لتسلم من شرها إن شاء الله، ثم سارع إلى الزواج متى ما قدرت عليه وقدِّم ذلك على كل مهم، والجأ إلى الله بالدعاء ليعصمك من شر الشيطان وشركه، والله تعالى أعلم.

  • تفاصيل المعاشرة الزوجية

    شيخنا الكريم د/عبد الحي السلام عليكم، ما رأى الدين في ذكر تفاصيل المعاشرة الزوجية والذي يلاحظ تداوله في الشبكة العنكبوتية هذه الأيام ويستدل البعض مثلاً بآية {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم … الخ الآية} وبما يروى عن الصحابيات وحديث “رحم الله نساء الأنصار كن لا يستحين في الدين ،،” وهل كان ذلك من الخصوصيات؟ وهل ذكر التفاصيل ينفع في تعليم نسائنا كيف يمكن أن تسعد زوجها على أساس لا حياء فى الدين …؟؟؟ جزاكم الله خيراً ونفع بكم..

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ثم أما بعد.

    فإن الله تعالى قال مخاطباً نبيه عليه الصلاة والسلام {ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء} وما ترك النبي صلى الله عليه وسلم خيراً إلا دلنا عليه ولا شراً إلا حذرنا منه، والمعاشرة الزوجية مما فطر الله الناس على معرفتها دون تعليم؛ بل حتى في عالم الدواب والوحوش والطير الكل مفطور على معرفة ذلك؛ لكن قد يحتاج الإنسان إلى تعلُّم بعض الأحكام الشرعية التي لا غنى عنها في هذا الباب؛ ولذلك تجد في ديننا الحنيف بياناً لذلك كله بأعذب العبارات وأرقى الكلمات دون إشاعة لفاحشة أو تزيين لمنكر؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن إتيان الحائض قال “اصنعوا كل شيء إلا النكاح” وقالت أمنا عائشة رضي الله عنها “كان يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض” وقال عليه الصلاة والسلام “إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أعجازهن” وهكذا علَّم النساء كيف يتطهرن من الحيضة والجنابة، ولم ينه السائل حين قال: وقعت على أهلي وأنا صائم. ولم ينكر على الآخر حين قال: هششت فقبلت وأنا صائم. لكن هذا كله مشروط بأن يكون في سياج من الأدب وحظار من العفة، والله ولي التوفيق.

  • جماع دون إنزال

    هل يكون غسل الجنابة واجباً في حالة الجماع حتى إذا لم يحدث قذف؟ أرجو التوضيح للرجل وللمرأة.. وجزاكم الله خيرا

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله {إذا مس الخِتانُ الخِتانَ فقد وجب الغسل وإن لم ينزل} فعلم بذلك أن الغسل واجب على الرجل والمرأة جميعاً حال حصول الجماع بمغيب الحشفة في الفرج، سواء حصل إنزال أم لم يحصل، والله تعالى أعلم.

  • هل الإقامة شرط للإمامة؟

    أيها الشيخ الجليل يعلم الله أنني قد أحببتك فيه وأسأله تعالى أن يعلي مكانتكم في الدنيا والآخرة. سؤالي هو: هل الإقامة من شروط الإمامة؟ وان كان كذلك فما رأي الدين في بعض علماء المسلمين من الدول الأخرى ذوي الفضل والعلم الذين يزورون البلاد ويؤمون المصلين في بعض المساجد في صلاة الجمعة؟ وجزاكم الله خيرا.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالإقامة ليست شرطاً للإمامة في صلاة الجمعة عند جمهور العلماء؛ لما استقر عندهم من جواز إمامة المتنفل للمفترض؛ أما المالكية رحمهم الله فهم من يشترط الإقامة في حق الإمام؛ لأن الجمعة – في حق المسافر – نافلة، ولا يجوز – عندهم – إمامة المتنفل للمفترض، والله تعالى أعلم.

  • يظاهرون من نسائهم

    ما معنى كلمة يظاهرون من نسائهم؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالظهار من عادات الجاهلية الذميمة؛ حين كان الرجل يغاضب امرأته فيقول لها: أنت عليَّ كظهر أمي، وقد نهى ربنا جل جلاله عن مثل هذا القول؛ فقال ((وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم)) وسماه زوراً بقوله سبحانه ((وإنهم ليقولون منكراً من القول وزورا)) وأوجب فيه كفارة بقوله ((والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير.. فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم))

    وقد بيَّن علماؤنا رحمهم الله أنه لا فرق بين أن يشبهها بظهر أمه أو بعضو آخر من أعضائها، ولا فرق بين أن يشبهها بأمه أو أحد النساء ممن يحرمن تأبيداً، والعلم عند الله تعالى.

  • حكم حلق اللحية

    السؤال: ما حكم حلق اللحية؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فلا يجوز للرجل المسلم حلقُ لحيته وعلى هذا نصَّ العلماء رحمهم الله تعالى؛ ففي حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 1/90 قال: تنبيه: يحرم على الرجل حلق لحيته أو شاربه ويؤدَّب فاعل ذلك.ا.هـ وقال الحطاب في مواهب الجليل 1/217: وحلق اللحية لا يجوز وكذا الشارب وهو مثلة وبدعة، ويؤدَّب من حلق لحيته أو شاربه إلا أن يريد الإحرام بالحج ويخشى طول شاربه ا.هـ

    وقال الكاساني الحنفي في بدائع الصنائع 2/141: وحلق اللحية مثلة ا.هـ ومثله قاله الزيلعي الحنفي في تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق 2/39

     ونقل ابن حجر الهيتمي الشافعي رحمه الله في تحفة المحتاج شرح المنهاج 9/377 أن الشافعي رحمه الله تعالى نصَّ في كتاب الأم على تحريم حلق اللحية، قال الزركشي وكذا الحليمي في شعب الإيمان وأستاذه القفال الشاشي في محاسن الشريعة وقال الأذرعي: الصواب تحريم حلقها جملة لغير علة بها.ا.هـ

    وقال المرداوي الحنبلي في الإنصاف1/122: قال ابن الجوزي في المُذهَب: ويحرم حلقها.ا.هـ

    ومستند هؤلاء العلماء رحمهم الله في القول بتحريم حلق اللحية ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحاديث الكثيرة الآمرة بتوفير اللحية وإعفائها كقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (خالفوا المشركين وفِّروا اللحى وأحفوا الشوارب) وما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه (جُزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس)

    قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: فحصل خمس روايات: أعفوا وأوفوا وأرخوا وأرجوا ووفروا، ومعناها كلها: تركها على حالها.. إلى أن قال رحمه الله: والمختار ترك اللحية على حالها وألا يتعرض لها بتقصير شيء أصلاً، والمختار في الشارب ترك الاستئصال والاقتصار على ما يبدو به طرف الشفة، والله أعلم.ا.هـ

    وقد أوجب جمهور العلماء في إزالة شعر اللحية عقوبة إذا لم ينبت الشعر بعد إزالته، ففي شرح الزرقاني على خليل 8/41 قال: وفي إزالة شعر الرأس أو اللحية إذا لم ينبت ففي كل منهما حكومة، ولا فرق بين الخطأ والعمد في هذا كله، فإن نبت الشعر بعد إزالته وعاد لهيئته فلا شيء فيه إلا الأدب في العمد. وفي المغني لابن قدامة 8/10 قال أحمد: في إزالة شعر الرأس دية كاملة وفي إزالة شعر اللحية دية، وفي إزالة شعر الحاجبين دية وفي أحدهما نصفها.أ.هـ وفي الهداية في فقه الحنفية للميرغناني: في اللحية إذا حلقت فلم تنبت الدية.ا.هـ

    وقد طوَّلت بذكر هذه النقول عن هؤلاء الأئمة رحمهم الله ليعلم السائل أن الناس إنما ابتلوا بحلق لحاهم تقليداً لغير المسلمين؛ وتأثراً بالدعايات الآثمة التي صوَّرت أصحاب اللحى أهل غلو وإرهاب، وظن بعض المسلمين أن التمسك بإعفاء اللحية دين جديد أو تشدد من بعض الناس ليس إلا؛ وهذا كله بسبب غربة الدين ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    ويستثنى من هذا الحكم من لا يستطيع إعفاء اللحية لعلة؛ إذ الواجبات تسقط بالعجز، وكذلك من ابتلي ببعض عتاة البشر ممن يأخذون الناس بالظنة، وتكون اللحية موجبة لمتاعب عديدة يعاني منها الملتحي مع هؤلاء الظلمة؛ فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، والله تعالى عفا لهذه الأمة عما استكرهت عليه، والعلم عند الله تعالى.

  • هل المظاهرات حرام؟

    تضاربت هذه الأيام الأقوال بين شرعية خروج الشعب على الحاكم الظالم كما ظهر في تونس ومصر، وبين أن الخروج على الحاكم غير جائز كما جاء في كتب العقيدة، ومن الأقوال إشادة الأزهر بتلك الثورة، واختلف البعض بين في ترجيح إما المفاسد أو المصالح، ما رأيكم في هذا الموضوع؟

    ضعلناً أبداً؛ حتى إن بعضهم – نسأل الله السلامة – زعم أنه لا يجوز الخروج على حاكم تونس المحارب لله ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ وهم في هذا يستدلون بحديث {من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية؛ ولكن يأخذ بيده فيخلو به؛ فإن قبل منه فذاك وإلا كان قد أدى الذي عليه} وهو حديث صححه بعض أهل العلم، ويغفلون مع ذلك عن نصوص تواترت من فعل الصحابة والسلف في إنكار المنكر علانية إن احتاج الأمر إلى ذلك.

    إن الله تعالى قد أوجب علينا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الحاكم والمحكوم، وجعل ذلك شرط خيرية هذه الأمة وعلامة أهل الإيمان؛ فقال سبحانه )كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله( وقال سبحانه )والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم( وفي الحديث عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي r قال {سيكون بعدي أمراء فتعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد برئ، ومن كره فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة} وحديث أم سلمة يجمع ركني التعامل مع أئمة الجور، فلا يجوز منابذتهم بالسلاح، ولا يجوز السكوت على منكراتهم، والمنصف يعلم أن المتظاهرين في مصر وتونس ما حملوا سلاحاً ولا سفكوا دماً، لكن أكابر مجرميها هم الذين أجلبوا على المتظاهرين بخيلهم ورجلهم؛ فسلطوا المفسدين في الأرض ليسفكوا الدم الحرام ويقذفوا الناس تارة بالحجارة وتارة بقنابل المولوتوف، وأخرى بضرب الرصاص الحي على الرؤوس والقلوب!! )ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون ^ إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار( وفي صحيح مسلم أيضاً في حديث الأمراء: {ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل} والجهاد باليد على الأمراء مشروع للقادر ما لم يكن بالسيف نص عليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    وعند الثلاثة قال r  {إنَّ الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده} وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  {.. ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً ولتقصرنه على الحق قصرا} وفي رواية فيها زيادة {أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم}

    وقد ثبت عند البخاري في تاريخه الكبير وغيره “أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في مجلس، وحوله المهاجرون والأنصار: أرأيتم لو ترخصت في بعض الأمور ما كنتم فاعلين؟ فقال ذلك مرتين، أو ثلاثا: أرأيتم لو ترخصت في بعض الأمور ما كنتم فاعلين؟ فقال بشير بن سعد t: لو فعلت ذلك قومناك تقويم القِدْح ـ أي عود السهم ـ فقال عمر: أنتم إذاً أنتم”

    ثم إني سائلٌ أولئك القائلين بإباحة النصيحة سراً وتحريم الجهر بها: أين – في زماننا هذا – ذلك الحاكم المسلم الذي يلقى الناس في الطرقات ويغشى مساجدهم وأسواقهم – كصنيع أبي بكر وعمر ومن بعدهما من العدول الثقات – من أجل أن يستوقفه الناس ويبذلوا له النصيحة؟ إنكم شعرتم أو لم تشعروا تريدون تكميم أفواه الدعاة وأهل الخير من أجل أن ينطلق كل رويبضة بالحديث عن فساد الحكام – مما تراه كلُّ عين ويعرفه كلُّ أحد – يكتبون ذلك في صحفهم ويتحدثون به في منتدياتهم، والدعاة صامتون، ثم بعد ذلك يقرِّر أولئك في أذهان الناس أن الدعاة إلى الله عملاء للسلطة والشرطة، وإنهم أحلاس حكم وطلاب دنيا!!! أيرضيكم هذا يا أولي الألباب؟ أيرضيكم أن يتحدث العلماني واللاديني والعميل والفاسق في أمر العامة، والدعاة إلى الله تعالى قد كُمِّمَت أفواههم باسم الدين؟

    ثم من الذي قال إن ثمة تلازماً بين الخروج وبين التنبيه على الخلل وبذل النصح للوزير والرئيس والمسئول؟ إنه لا تلازم البتة، بل إننا نقول: إن الحكام – في الدنيا – لا يخلو أحدهم من واحد من ثلاثة أوصاف:

    الحاكم المؤمن العادل: فهذا الذي تجب طاعته ودعوة الناس إلى لزوم غرزه وتعظيمه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم {إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وذي السلطان المقسط، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه} وقوله عليه الصلاة والسلام {سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل….}

    الحاكم الكافر: وهذا لا تنعقد له ولاية، سواء كان كفره أصلياً – كاليهودي والنصراني والملحد – أو طارئاً – كالمرتد – مع وجوب التنبُّه إلى أن الحكم بالردة لا يصدره إلا الراسخون في العلم ممن يعرفون الشروط والموانع، وقد نقل أئمة الإسلام – كالقاضي عياض والإمام النووي والحافظ ابن حجر وابن المنذر والقرطبي – الإجماع على أن الولاية لا تنعقد لكافر، وأن المسلم متى ما طرأ عليه الكفر انعزل.

    الحاكم المسلم الظالم: وهذا الصنف معظِّمٌ للشرع حاكم به منقاد له؛ لكنَّ فيه ظلماً ورهقاً من سفك للدم الحرام، أو تخوض في مال الله بغير حق، أو محاباة للقرابة وما إلى ذلك من أنواع الظلم، فهذا الذي يُنصح سراً إن كانت معصيته سراً في شأن خاص، ويُنصح علانيةً إن كان المنكر الذي يرتكبه يتعلق بحقوق العامة، وهذا هو فهم السلف رحمهم الله تعالى؛ فقد روى مسلم في صحيحه عن حصين بن عبد الرحمن السلمي قال: كنت إلى جنب عمارة بن رويبة السلمي رضي الله عنه والأمير بشر بن مروان يخطب، فلما دعا رفع يديه، فقال عمارة: قبَّح الله هاتين اليدين رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب إذا دعا يقول هكذا ورفع السبابة وحدها. وعند مسلم أيضاً عن طارق بن شهاب رضي الله عنه أنه قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان، فقام إليه رجل، فقال: الصلاة قبل الخطبة، فقال: قد ترك ما هنالك، فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:{من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان}

    وهذا الذي قرره أئمة الإسلام الكبار؛ من أن المنكر إذا ارتكب سراً فإن الإنكار يكون سراً، وإذا ارتكب علانية فإن الإنكار يكون علانية، ففي فتح الباري (17 / 238) قال الحافظ: وقد ذكر النووي أن من جاهر بفسقه أو بدعته جاز ذكره بما جاهر به.ا.هـــــ  وفي الفتاوى الكبرى (3 / 434) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: من فعل شيئاً من المنكرات كالفواحش والخمر والعدوان وغير ذلك فإنه يجب الإنكار عليه بحسب القدرة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان} فإن كان الرجل متستراً بذلك وليس معلناً له أنكر عليه سراً وستراً عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم  {من ستر عبداً ستره الله في الدنيا والآخرة} إلا أن متعدي ضرره والمتعدي لا بد من كف عدوانه وإذا نهاه المرء سراً فلم ينهه؛ فعل ما ينكفُّ به من هجر وغيره إذا كان ذلك أنفع في الدين، وأما إذا أظهر الرجل المنكرات وجب الإنكار عليه علانية ولم يبق له غيبة ووجب أن يعاقب علانية بما يردعه عن ذلك من هجر وغيره. فلا يسلم عليه، ولا يرد عليه السلام، إذا كان الفاعل لذلك متمكنا من ذلك من غير مفسدة راجحة.ا.هـــــ

    وإن الناظر في شأن هذه المظاهرات بعين الإنصاف  يجد أنه رغم ما صحبها من جراح وآلام إلا أنه قد ترتب عليها خير كثير؛ فبالإضافة لزوال حكم طاغية تونس ودوال دولته، وما تبع ذلك من رجوع المشردين )الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله( والقبض على عتاة المجرمين )الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد( نرى بشائر الخير تترا؛ فكم من حاكم كان متكبراً متجبراً  متغطرساً يرى أنه نسيج وحده وفريد دهره، وأنه من طينة غير طينة البشر، وأن الله قد خلقه ليحكم هو ثم ذريته من بعده؛ قد خرج على الناس خائفاً مذعوراً يعدهم بأنه لن يترشح ثانية ولن يورِّث الحكم لولده من بعده؛ بعدما ظن أولئك أن الناس عبيد لهم ولذرياتهم من بعدهم، وكم من حاكم سارع لإعطاء الشعب بعض حقه في مال الذي آتاهم، وقد عهد عنه من قبل استئثاره وحاشيته بكل شيء؛ والناس يتضورون جوعاً ويعانون مرضاً، وكم من حاكم عمد إلى إقالة الوزراء المفسدين واستبدل بهم غيرهم، بل أعلن عن محاسبة من زوَّروا إرادة الشعوب وانتهكوا حرماتها، وأخر كان يتكبر عن الجلوس مع رعيته والاستماع إليهم رأيناه يستجدي الجلوس معهم، ويعرض عليهم المشاركة في الحكم!!!

    ومن الفوائد كذلك إيقاظ روح المقاومة في الشعوب المسلمة حتى لا تذل لغير الله سبحانه وتعالى ولا تخضع لغير خالقها سبحانه وتعالى، فحقيقة الأمر أن مصالح تلك المظاهرات رابية على مفاسدها، يعلم ذلك كل منصف، ومن هنا شارك فيها وحضَّ عليها كثير من أهل العلم الفضلاء ممن يشهد لهم الناس بالعلم والتريث والحكمة والتجرد.

    وإني لمدرك أن بعض فضلاء أهل العلم من القائلين بحرمة المظاهرات وقصر النصيحة على السر دون العلن؛ إنما قالوا ذلك من واقع معين يتأتى فيه لأهل العلم أن يلقوا ذا السلطان الممكن ويبذلوا له النصح سراً؛ كما أن كلامهم منصب على المظاهرات التي يصحبها تخريب للممتلكات العامة والخاصة وترويع الآمنين؛  لذا ينبغي أن يقال: من استطاع أن يوصل نصيحته كتابة أو شفاهة فليفعل، وليتق كل امرئ ربه ما استطاع؛ وليحذر ناس قد صاروا أبواقاً للطغاة وألسنة تنطق نيابة عن الظلمة العتاة؛ وما درى أولئك أنهم يسيئون للدين من حيث لا يشعرون، والله الهادي إلى سواء السبيل….

  • تصر على إكمال الدراسة قبل الزواج

    قدمت لخطبة فتاة من أهلي، وهي مقتنعة بي تماماً، ولكنها تدرس في الجامعة السنة الثانية كلية التربية، وقد أوضحت لها بأن يتم الزواج متى ما تيسرت الأمور، ولها أن تكمل دراستها بعد الزواج، إلا أنها رفضت وتصر علي أن تكمل دراستها ثم بعد ذلك الزواج، أي بعد سنتين إن شاء الله!! فبماذا تنصحونها من الناحية الشرعية؟ أفيدونا أفادكم الله.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالمبادرة إلى الزواج متى ما تيسرت أسبابه هو صنيع الصالحين ودأب الطيبين؛ عملاً بقول ربنا جل جلاله ((وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم)) وقول النبي صلى الله عليه وسلم {إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} خاصة وأن زماننا قد تعددت فيه أسباب الفتن وتنوعت وسائلها؛ فالواجب على المسلم والمسلمة السعي في طلب الإحصان والحرص عليه متى ما تيسر.

    وفتاتك هذه ما وجدت من يبذل لها النصح بأن الزواج مقدَّم على الدراسة، وأنه لا تعارض بينهما، بل يمكنها الجمع بين الحسنيين وتحصيل المصلحتين بتعجيل الزواج وإكمال الدراسة، وأنها يخشى عليها من الإثم متى ما عمدت إلى تأخير الزواج دون سبب شرعي، والله تعالى المسئول أن يهدينا جميعاً سواء السبيل.

زر الذهاب إلى الأعلى