تضاربت هذه الأيام الأقوال بين شرعية خروج الشعب على الحاكم الظالم كما ظهر في تونس ومصر، وبين أن الخروج على الحاكم غير جائز كما جاء في كتب العقيدة، ومن الأقوال إشادة الأزهر بتلك الثورة، واختلف البعض بين في ترجيح إما المفاسد أو المصالح، ما رأيكم في هذا الموضوع؟
ضعلناً أبداً؛ حتى إن بعضهم – نسأل الله السلامة – زعم أنه لا يجوز الخروج على حاكم تونس المحارب لله ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ وهم في هذا يستدلون بحديث {من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية؛ ولكن يأخذ بيده فيخلو به؛ فإن قبل منه فذاك وإلا كان قد أدى الذي عليه} وهو حديث صححه بعض أهل العلم، ويغفلون مع ذلك عن نصوص تواترت من فعل الصحابة والسلف في إنكار المنكر علانية إن احتاج الأمر إلى ذلك.
إن الله تعالى قد أوجب علينا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الحاكم والمحكوم، وجعل ذلك شرط خيرية هذه الأمة وعلامة أهل الإيمان؛ فقال سبحانه )كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله( وقال سبحانه )والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم( وفي الحديث عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي r قال {سيكون بعدي أمراء فتعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد برئ، ومن كره فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة} وحديث أم سلمة يجمع ركني التعامل مع أئمة الجور، فلا يجوز منابذتهم بالسلاح، ولا يجوز السكوت على منكراتهم، والمنصف يعلم أن المتظاهرين في مصر وتونس ما حملوا سلاحاً ولا سفكوا دماً، لكن أكابر مجرميها هم الذين أجلبوا على المتظاهرين بخيلهم ورجلهم؛ فسلطوا المفسدين في الأرض ليسفكوا الدم الحرام ويقذفوا الناس تارة بالحجارة وتارة بقنابل المولوتوف، وأخرى بضرب الرصاص الحي على الرؤوس والقلوب!! )ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون ^ إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار( وفي صحيح مسلم أيضاً في حديث الأمراء: {ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل} والجهاد باليد على الأمراء مشروع للقادر ما لم يكن بالسيف نص عليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
وعند الثلاثة قال r {إنَّ الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده} وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {.. ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً ولتقصرنه على الحق قصرا} وفي رواية فيها زيادة {أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم}
وقد ثبت عند البخاري في تاريخه الكبير وغيره “أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في مجلس، وحوله المهاجرون والأنصار: أرأيتم لو ترخصت في بعض الأمور ما كنتم فاعلين؟ فقال ذلك مرتين، أو ثلاثا: أرأيتم لو ترخصت في بعض الأمور ما كنتم فاعلين؟ فقال بشير بن سعد t: لو فعلت ذلك قومناك تقويم القِدْح ـ أي عود السهم ـ فقال عمر: أنتم إذاً أنتم”
ثم إني سائلٌ أولئك القائلين بإباحة النصيحة سراً وتحريم الجهر بها: أين – في زماننا هذا – ذلك الحاكم المسلم الذي يلقى الناس في الطرقات ويغشى مساجدهم وأسواقهم – كصنيع أبي بكر وعمر ومن بعدهما من العدول الثقات – من أجل أن يستوقفه الناس ويبذلوا له النصيحة؟ إنكم شعرتم أو لم تشعروا تريدون تكميم أفواه الدعاة وأهل الخير من أجل أن ينطلق كل رويبضة بالحديث عن فساد الحكام – مما تراه كلُّ عين ويعرفه كلُّ أحد – يكتبون ذلك في صحفهم ويتحدثون به في منتدياتهم، والدعاة صامتون، ثم بعد ذلك يقرِّر أولئك في أذهان الناس أن الدعاة إلى الله عملاء للسلطة والشرطة، وإنهم أحلاس حكم وطلاب دنيا!!! أيرضيكم هذا يا أولي الألباب؟ أيرضيكم أن يتحدث العلماني واللاديني والعميل والفاسق في أمر العامة، والدعاة إلى الله تعالى قد كُمِّمَت أفواههم باسم الدين؟
ثم من الذي قال إن ثمة تلازماً بين الخروج وبين التنبيه على الخلل وبذل النصح للوزير والرئيس والمسئول؟ إنه لا تلازم البتة، بل إننا نقول: إن الحكام – في الدنيا – لا يخلو أحدهم من واحد من ثلاثة أوصاف:
الحاكم المؤمن العادل: فهذا الذي تجب طاعته ودعوة الناس إلى لزوم غرزه وتعظيمه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم {إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وذي السلطان المقسط، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه} وقوله عليه الصلاة والسلام {سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل….}
الحاكم الكافر: وهذا لا تنعقد له ولاية، سواء كان كفره أصلياً – كاليهودي والنصراني والملحد – أو طارئاً – كالمرتد – مع وجوب التنبُّه إلى أن الحكم بالردة لا يصدره إلا الراسخون في العلم ممن يعرفون الشروط والموانع، وقد نقل أئمة الإسلام – كالقاضي عياض والإمام النووي والحافظ ابن حجر وابن المنذر والقرطبي – الإجماع على أن الولاية لا تنعقد لكافر، وأن المسلم متى ما طرأ عليه الكفر انعزل.
الحاكم المسلم الظالم: وهذا الصنف معظِّمٌ للشرع حاكم به منقاد له؛ لكنَّ فيه ظلماً ورهقاً من سفك للدم الحرام، أو تخوض في مال الله بغير حق، أو محاباة للقرابة وما إلى ذلك من أنواع الظلم، فهذا الذي يُنصح سراً إن كانت معصيته سراً في شأن خاص، ويُنصح علانيةً إن كان المنكر الذي يرتكبه يتعلق بحقوق العامة، وهذا هو فهم السلف رحمهم الله تعالى؛ فقد روى مسلم في صحيحه عن حصين بن عبد الرحمن السلمي قال: كنت إلى جنب عمارة بن رويبة السلمي رضي الله عنه والأمير بشر بن مروان يخطب، فلما دعا رفع يديه، فقال عمارة: قبَّح الله هاتين اليدين رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب إذا دعا يقول هكذا ورفع السبابة وحدها. وعند مسلم أيضاً عن طارق بن شهاب رضي الله عنه أنه قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان، فقام إليه رجل، فقال: الصلاة قبل الخطبة، فقال: قد ترك ما هنالك، فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:{من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان}
وهذا الذي قرره أئمة الإسلام الكبار؛ من أن المنكر إذا ارتكب سراً فإن الإنكار يكون سراً، وإذا ارتكب علانية فإن الإنكار يكون علانية، ففي فتح الباري (17 / 238) قال الحافظ: وقد ذكر النووي أن من جاهر بفسقه أو بدعته جاز ذكره بما جاهر به.ا.هـــــ وفي الفتاوى الكبرى (3 / 434) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: من فعل شيئاً من المنكرات كالفواحش والخمر والعدوان وغير ذلك فإنه يجب الإنكار عليه بحسب القدرة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان} فإن كان الرجل متستراً بذلك وليس معلناً له أنكر عليه سراً وستراً عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {من ستر عبداً ستره الله في الدنيا والآخرة} إلا أن متعدي ضرره والمتعدي لا بد من كف عدوانه وإذا نهاه المرء سراً فلم ينهه؛ فعل ما ينكفُّ به من هجر وغيره إذا كان ذلك أنفع في الدين، وأما إذا أظهر الرجل المنكرات وجب الإنكار عليه علانية ولم يبق له غيبة ووجب أن يعاقب علانية بما يردعه عن ذلك من هجر وغيره. فلا يسلم عليه، ولا يرد عليه السلام، إذا كان الفاعل لذلك متمكنا من ذلك من غير مفسدة راجحة.ا.هـــــ
وإن الناظر في شأن هذه المظاهرات بعين الإنصاف يجد أنه رغم ما صحبها من جراح وآلام إلا أنه قد ترتب عليها خير كثير؛ فبالإضافة لزوال حكم طاغية تونس ودوال دولته، وما تبع ذلك من رجوع المشردين )الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله( والقبض على عتاة المجرمين )الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد( نرى بشائر الخير تترا؛ فكم من حاكم كان متكبراً متجبراً متغطرساً يرى أنه نسيج وحده وفريد دهره، وأنه من طينة غير طينة البشر، وأن الله قد خلقه ليحكم هو ثم ذريته من بعده؛ قد خرج على الناس خائفاً مذعوراً يعدهم بأنه لن يترشح ثانية ولن يورِّث الحكم لولده من بعده؛ بعدما ظن أولئك أن الناس عبيد لهم ولذرياتهم من بعدهم، وكم من حاكم سارع لإعطاء الشعب بعض حقه في مال الذي آتاهم، وقد عهد عنه من قبل استئثاره وحاشيته بكل شيء؛ والناس يتضورون جوعاً ويعانون مرضاً، وكم من حاكم عمد إلى إقالة الوزراء المفسدين واستبدل بهم غيرهم، بل أعلن عن محاسبة من زوَّروا إرادة الشعوب وانتهكوا حرماتها، وأخر كان يتكبر عن الجلوس مع رعيته والاستماع إليهم رأيناه يستجدي الجلوس معهم، ويعرض عليهم المشاركة في الحكم!!!
ومن الفوائد كذلك إيقاظ روح المقاومة في الشعوب المسلمة حتى لا تذل لغير الله سبحانه وتعالى ولا تخضع لغير خالقها سبحانه وتعالى، فحقيقة الأمر أن مصالح تلك المظاهرات رابية على مفاسدها، يعلم ذلك كل منصف، ومن هنا شارك فيها وحضَّ عليها كثير من أهل العلم الفضلاء ممن يشهد لهم الناس بالعلم والتريث والحكمة والتجرد.
وإني لمدرك أن بعض فضلاء أهل العلم من القائلين بحرمة المظاهرات وقصر النصيحة على السر دون العلن؛ إنما قالوا ذلك من واقع معين يتأتى فيه لأهل العلم أن يلقوا ذا السلطان الممكن ويبذلوا له النصح سراً؛ كما أن كلامهم منصب على المظاهرات التي يصحبها تخريب للممتلكات العامة والخاصة وترويع الآمنين؛ لذا ينبغي أن يقال: من استطاع أن يوصل نصيحته كتابة أو شفاهة فليفعل، وليتق كل امرئ ربه ما استطاع؛ وليحذر ناس قد صاروا أبواقاً للطغاة وألسنة تنطق نيابة عن الظلمة العتاة؛ وما درى أولئك أنهم يسيئون للدين من حيث لا يشعرون، والله الهادي إلى سواء السبيل….