قال صلى الله عليه وسلم {ما منكم من أحد إلا سيكلم الله ليس بينه وبينه ترجمان, ينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم, وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم, وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه, فاتقوا النار ولو بشق تمره} متفق عليه، نفهم من هذا الحديث أننا جميعا سنعرض على الله جل جلاله ولكن هناك نوعان من العرض على الله عز وجل, ما هما هذان النوعان؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، فلعلَّ السائل يشير إلى حديث الترمذي {يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلاثَ عَرْضَاتٍ فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فَجِدَالٌ وَمَعَاذِيرُ وَأَمَّا الْعَرْضَةُ الثَّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطِيرُ الصُّحُفُ} فهذا حديثٌ لا يثبت، وقد ضعَّفَه ابنُ حجر والترمذي نفسُه. وقد جاء في كتاب الله ذِكْرُ العَرضِ للحساب، فقال عز وجل )وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ( وقال جل جلاله )يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ( وقال تعالى )يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ( وذلك يوم العرض، كما قال الطبري في تفسيرِ قولِ الله عز وجل )رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَاد( “وذلك يومٌ يجمع الله فيه خلقَه لفصل القضاء بينهم في موقف العَرض والحساب” [تفسير الطبري 6/222].
وأما ما ذكَرَه السائل من حديثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رضي الله عنه قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلا يَرَى إِلا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلا يَرَى إِلا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ؛ فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَة) فقد رواه البخاري ومسلم، وهو دليلٌ على اعتِقاد أهلِ السُّنة والجماعة “أنَّ الله تبارك وتعالى يُكلِّم العبادَ يوم القيامة ليس بينهم وبينه ترجمان” [شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي 1/311].
وخلاصة الأمر: أننا لا نقول: يوجد عرضان؛ بل نقول: ثَمَّةَ عرضٌ وحساب، فنفرِّقُ بين العرض والحساب؛ لِما ورد في حديث عائشة رضي الله عنها من تفريقِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بين العَرْض ومُناقَشةِ الحساب، فقد روى البخاري عن ابْن أبي مُلَيْكَةَ (أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَتْ لا تَسْمَعُ شَيْئًا لا تَعْرِفُهُ إِلا رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: أَوَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى )فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا( قالت: فقال: إنما ذلك الْعَرْض؛ ولكن من نُوقِش الْحساب يهلك). رواه البخاري ومسلم؛ ففرَّقَ صلى الله عليه وسلم بين العَرْضِ والحساب، قَال النَّوَوِي: “التَّقْصِير غَالِبٌ عَلَى النَّاسِ؛ فَمَنْ اُسْتُقْصِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُسَامَحْ؛ هَلَكَ” [شرح النووي 9/255]. وقال ابنُ حجر: “المراد بالمحاسَبة تَحْرِيرُ الْحِسَابِ؛ فَيَسْتَلْزِمُ الْمُنَاقَشَةَ، وَمَنْ عُذِّبَ فَقَدْ هَلَك”. و”طريق الْجمع أَنَّ الْمُرَاد بِالْحِسَابِ فِي الآيَة الْعَرْض، وَهُوَ إِبْرَاز الأَعْمَال وَإِظْهَارُها فَيُعَرَّف صَاحِبُهَا بِذُنُوبِهِ ثُمَّ يُتَجَاوَزُ عَنْهُ”. وقال الْقُرْطُبِي: “مَعْنَى قَوْله: (إِنَّمَا ذَلِك الْعَرْضُ) أَنَّ الْحِسَابَ الْمَذْكُورَ فِي الآيَةِ إِنَّمَا هُوَ أَنْ تُعْرَضَ أَعْمَالُ الْمُؤْمِنِ عَلَيْهِ؛ حَتَّى يَعْرِفَ مِنَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي سَتْرِهَا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَفِي عَفْوِهِ عَنْهَا فِي الآخِرَةِ كَمَا فِي حديث ابنِ عُمَرَ فِي النَّجْوَى”.[فتح الباري 18/385].
ويتبيَّنُ من كلِّ ما تقدَّمَ التفريقُ بين العَرْضِ وهو تقريرٌ بالذُّنوب وتجاوُزٌ عنها، وبين مُناقَشة الحساب، ومثالُ العَرْضِ حديثُ ابن عمر في النجوى {يَدْنُو الْمُؤْمِنُ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ تَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ يَقُولُ: أَعْرِفُ! يَقُولُ: رَبِّ أَعْرِفُ مَرَّتَيْنِ! فَيَقُولُ: سَتَرْتُهَا فِي الدُّنْيَا وَأَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ! ثُمَّ تُطْوَى صَحِيفَةُ حَسَنَاتِهِ. وَأَمَّا الآخَرُونَ أَوْ الْكُفَّارُ فَيُنَادَى عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ )هؤلاء الذين كذبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ( رواه البخاري، وحديث أبي ذر رضي الله عنه قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {إِنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولا الْجَنَّةَ وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا: رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا! فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ فَيُقَالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا؟ وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ! لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِ ذُنُوبِهِ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ! فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً فَيَقُولُ: رَبِّ قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لا أَرَاهَا هَا هُنَا! فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ} رواه مسلم.