المعاملات المالية

المواطنون يأكلون الحرام

كنت بالسودان مؤخراً في إجازتي السنوية، ولاحظت أن الكثير من الناس صاروا لا يأبهون بالحلال والحرام في كسبهم، وبعضهم يبرر ذلك بأن الدولة والحكومة نفسها تنهبنا وتأكل أموالنا غصباً تحت أسماء كثيرة. فما قولكم في الموظفين المكلفين بجمع المكوس والجبايات وتقديرها على الناس، وهل يأثمون في ذلك، وعلى سبيل المثال هل الموظف الذي يقوم بتقدير الزكاة ثم يخفضها ويراجعها ويعفو عن بعض وكل ذلك دون الرجوع إلى أسس وجوب الزكاة.

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

فالواجب على كل مسلم أن يتحرى في مكسبه الحلال الطيب عملاً بقول الله تعالى {يا أبها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً} وقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون} وواجب عليه كذلك أن يجتنب الحرام الخبيث؛ لقوله صلى الله عليه وسلم {إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به} رواه الترمذي؛ ولأن أكل الحرام سبب لكثير من الآفات والمصائب أعظمها حجب إجابة الدعاء كما في الحديث {ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك} رواه مسلم.

وكون الحاكم ظالماً أو معاونوه كذلك لا يبرر لآحاد الرعية المسارعة إلى الحرام لأن كل نفس بما كسبت رهينة، ولا تكسب كل نفس إلا عليها، والحاكم حسابه على الله تعالى، أما المكاسون الذين يفرضون على الناس إتاوات تعكر عليهم صفوهم وتكدر عيشهم فإنني أذكرهم بقول الله تعالى )ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون( وقول النبي صلى الله عليه وسلم {إن صاحب المكس في النار} رواه أحمد عن رويفع بن ثابت رضي الله عنه وبقوله صلى الله عليه وسلم {لا يدخل الجنة صاحب مكس} رواه أحمد وأبو داود عن عقبة بن عامر رضي الله عنه ؛ قال شراح الحديث: المكس: النقص والظلم وأصله دراهم كانت تؤخذ من بائعي السلع في الأسواق في الجاهلية، أو درهم كان يأخذه المصدق بعد فراغه من الصدقة، وقال ابن الأثير في النهاية: هو الضريبة التي يأخذها الماكس وهو العشار.. وأقول للموظفين العاملين في الضرائب والجمارك وجهاز المغتربين وغيرها من المرافق التي تقوم على جباية الأموال من الناس: اتقوا الله في إخوانكم واجتهدوا في رفع الظلم عنهم وابذلوا في ذلك وسعكم؛ لأنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه، ولا يقولن قائل: إنما أنا عبد مأمور؛ لأن الله تعالى ذكر عن أهل النار ـ والعياذ بالله ـ أنهم يقولون )ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا. ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيرا(

أما الزكاة فهي حق مفروض وأنصبتها معلومة والواجب على العاملين عليها أن يتقيدوا بالضوابط الشرعية في معاملتهم مع الناس فإما أن تكون واجبة فتجبى أو غير واجبة فتترك، وأما الحط منها أو الزيادة على القدر الواجب فيها فهو باب للشر عظيم تنطبق عليه النصوص التي سلف ذكرها، وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً رضي الله عنه فقال له: {وإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب}، ونسأل الله الهداية للجميع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى