العقيدة

اشتراط القرشي لإمامة المسلمين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحسن الله إليكم، ما الراجح في اشتراط القرشية في خلافة المسلمين، وهل هو شرط صحة أم شرط أفضلية؟ أرجو الإجابة باختصار

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد

فجماهير أهل العلم على أن خليفة المسلمين يجب أن يكون من قريش، بل حكى غير واحد من أهل العلم الإجماع على ذلك، وذلك استدلالا بالسنة الصحيحة، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: (الأئمة من قريش) رواه أحمد، وأصله في الصحيحين بغير هذا اللفظ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم) متفق عليه، واستدلالاً بفعل الصحابة رضي الله عنهم حيث لم يحتجوا على الصديق أبي بكر رضي الله عنه يوم السقيفة حين استدل بهذه النص وما كان مثله على أن الخلافة ليست في الأنصار وإنما هي في قريش. قال النووي في شرحه لصحيح مسلم عند هذا الحديث: هذا الحديث وأشباهه دليل ظاهر على أن الخلافة مختصة بقريش، لا يجوز عقدها لأحد غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة فكذلك من بعدهم.

وهذا الشرط إنما يكون في حال اختياره من قبل الناس؛ أما إذا كانت إمامة غلبة أو عهد فإنها جائزة في غير قريش وذلك منعاً للفتنة وتسكيناً لثائرتها، يقول الدكتور عبد الله بن عمر الدميجي في رسالته: (الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة) وهذا الشرط كغيره من الشروط السابقة التي لا تُشترط إلا عند الاختيار من قبل أهل الحل والعقد، أما إذا كان تولي الإمام للإمامة بغير هذه الطريقة، فلا يشترط فيه القرشية، كالمتغلب مثلاً، ومن عهد إليه من إمام سابق وخشيت الفتنة إن عُزل، ففي مثل هذه الحالة تجب طاعته في غير معصية، والجهاد معه ونحو ذلك، وله من الحقوق ما للقرشي بنص الأحاديث السابقة والموجبة لطاعة المتغلب وإن لم تكتمل فيه جميع هذه الشروط. اهـ.

والحكمة في تخصيص قريش بهذا المنصب ما ذكره ابن خلدون رحمه الله في مقدمته من العصبية التي لقريش في العرب؛ حيث إنهم مجمعون على أنها أفضل قبائل العرب ولها يدينون. يقول الدكتور الدميجي: الحكمة -فيما أرى والله أعلم- أن قريشاً هي أفضل قبائل العرب بنص الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فعن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله اصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) رواه مسلم.

فالعرب في الأجناس وقريش في العرب مظنة أن يكون فيهم الخير أعظم مما يوجد في غيرهم، ولهذا كان منهم أشرف خلق الله تعالى صلى الله عليه وسلم الذي لا يماثله أحد في قريش، فضلاً عن وجوده في سائر العرب وغير العرب، وكان منهم الخلفاء الراشدون، وسائر العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم، وغيرهم ممن لا يوجد له نظير في العرب وغير العرب، وكان في العرب السابقون الأولون ممن لا يوجد لهم نظير في سائر الأجناس، فلا بد أن يوجد في الصنف الأفضل ما لا يوجد مثله في المفضول، فمظنة وجود الفضلاء في قريش أكثر من مظنة وجودهم في غيرها، ولم يخص النبي صلى الله عليه وسلم بني هاشم دون غيرهم من قريش وهم أفضل بطون قريش، لأنها بطن من قبيلة فعددها محصور وقليل، فلا يلزم أن يكون الفضلاء فيها، كما أن أفضل الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن فيهم، وإنما في بني تيم وهو أبو بكر، ثم عمر من بني عدي ثم عثمان من بني أمية ثم علي من بني هاشم.

ومما يدل على فضل العرب على غيرهم قول الإمام أحمد في رواية الإصطخري عند ذكر عقيدته: ويعرف للعرب حقها وفضلها وسابقتها ويحبهم لحديث: (حبهم إيمان، وبغضهم نفاق). ولا يقول بقول الشعوبية وأراذل الموالي الذين لا يحبون العرب ولا يقرون لهم بفضل، فإن لهم بدعاً ونفاقاً وخلافاً. طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (1/30).

ومن الحكمة أيضاً أن الله سبحانه وتعالى قد ميزهم عن غيرهم من سائر القبائل بقوة النبل وسداد الرأي، وهما صفتان هامتان وضروريتان للإمام، يدل على ذلك الحديث الذي رواه أحمد بسنده عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن للقرشي مثلي قوة الرجل من غير قريش) فقيل للزهري: ما عني بذلك؟ قال: نبل الرأي رواه أحمد في مسنده، قال عنه السبكي: إسناده صحيح. كما في طبقات الشافعية الكبرى (1/191).

والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه على شرط البخاري ومسلم وأقره الذهبي. قد يكون هذا السبب في تخصيص قريش بالإمامة وقد يكون غيره ولا أثر لعدم معرفتنا الحكمة من ذلك على الحكم العام والعمل به وهو اشتراط القرشية في المرشح للإمامة. انتهى بتصرف يسير جداً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى