الفتاوى

  • المسح على الجورب في المنزل

    شيخنا الفاضل جزاك الله خيرا، أسأل عن المسح على الجوارب للوضوء مع وجودي بالمنزل. وبارك الله فيكم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالمسح على الجوارب مشروع إذا لُبست على طهارة، وكانت سليمة صفيقة ساترة لمحل الفرض؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ فمسح على الجوربين والنعلين؛ ولما ثبت أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يمسحون على التساخين؛ ولأن الجورب في معنى الخف؛ ولأن المشقة تحصل بخلعه، ولا فرق في ذلك بين وجودك في المنزل أو خارجه؛ لأن الرخصة ثابتة للجميع، والله تعالى أعلم.

  • التفريط في الصلاة

    السلام عليكم ورحمة من الله وبركاته أثابكم الله وأرضاكم، أسالكم عن رجل مقصر في الصلاة يصلي الفرض دون السنن، ويمكنه ترك الفرض لأسباب واهية أو إهمال، رغم أن الله يسر له فريضة الحج، وبعد الرجوع رجع كما كان وهجر للقرآن؟ أفتوني وادع الله له

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فالواجب الذي افترضه الله على عباده خمس صلوات في كل يوم وليلة، وليس عليه واجب غيرهن إلا أن يتطوع، والمواظبة على السنن الرواتب والإكثار من النوافل من علامة توفيق الله لعبده، وفاعلها من السابقين إلى الخيرات بإذن الله، وقد قال سبحانه “وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه”

    وأما المقصر في الصلوات المفروضة فلا عذر له، بل هو محروم مشئوم يخشى عليه من سوء الخاتمة عياذاً بالله، وقد قال سبحانه {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا} أسأل الله أن يتوب علينا جميعا.

  • نذرت ثم نسيت

    معلوم أن الوفاء بالنذر واجب، وكنت قد نذرت لله عدداً من النذور، وقد نسيت بعضاً منها، فما الحكم؟ وماذا عليَّ أن أفعل؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالواجب على المسلم أن يبادر إلى الوفاء بنذره ليدخل في سلك من مدحهم الله عز وجل بقوله {يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيرا} وطاعة لله تعالى حين قال {وليوفوا نذورهم} وطاعة للنبي صلى الله عليه وسلم حين قال (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) رواه البخاري.

    وإذا نذر المسلم شيئاً من الطاعات ثم نسي عين المنذور فالواجب عليه الاجتهاد حتى يغلب على ظنه نوع ما نذره؛ فإذا عجز بعد بذل الجهد عن تذكر ما نذره فالواجب عليه كفارة يمين في قول جمهور أهل العلم قياساً على من نذر شيئاً لم يسمِّه، أو عجز عن الوفاء به، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (من نذر نذراً لم يسمِّه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً لا يطيقه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً أطاقه فليف به) رواه أبو داود من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وعليه فيلزمك كفارات بعدد تلك النذور التي نذرتها ثم نسيتها، والعلم عند الله تعالى.

  • آيات التحصين

    ما هي الآيات المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم التي يحصن بها المسلم نفسه بعد أذكار الصباح والمساء بعد صلاتي الصبح والمغرب وعند النوم؟ علماً بأني وجدت الكثير في بعض الكتيبات ويوجد بينها اختلافات!! وقد أفتاني أحد الشيوخ الأفاضل بأن التحصن بغير الوارد عنه صلى الله عليه وسلم من الآيات لا يحمي الإنسان من العين والجن وأذاهم فهل هذا صحيح؟ أفيدوني أثابكم الله.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالمأثور أن يتحصن المسلم إذا أصبح وإذا أمسى بفاتحة الكتاب والآيات الخمس الأول من سورة البقرة وآية الكرسي والآيتين الأخيرتين من سورة البقرة، وكذلك بفواتح حم المؤمن وخواتيم الحشر كل ذلك مرة واحدة، مع الإخلاص والمعوذتين ثلاث مرات، كما إن حقاً عليك أن تقول ثلاثاً: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم. وإني لك ناصح بقراءة كتاب (حصن المسلم) فإنك واجد فيه بغيتك إن شاء الله، والله الموفق والمستعان

  • معاملة بالأسهم

    فضيلة الشيخ الدكتور عبد الحي سلام الله عليك ورحمته وبركاته وبعد، فقد عدت من الاغتراب حديثاً وكنت قد أخذت تمويلاً من أحد البنوك التي تعرف نفسها بأنها إسلامية؛ حيث منحني البنك مايعرف بالأسهم التي حقيقة لم أرها ولم أمتلكها مقابل فوائد تدفع للبنك كأرباح عن التسديد على أربعة سنوات؛ وقد قام  الشخص الذي باعني اسم البنك بشراء نفس الأسهم بسعر أقل ولم أتعرف على طرف ثالث في هذه البيعة، فالذي باعني هذه الأسهم هو نفسه من اشتراها، فأصابني الشك بعد ذلك بأن هذه البيعة ربا أو بيعة العينة فقررت دفع فقط رأس المال للبنك وعدم سداد الفوائد المترتبة على ذلك فما حكم هذا التمويل وما حكم عدم سدادي للفوائد؟ لأنني أخاف الربا. وجزاكم الله خيراً

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فهذه معاملة غير شرعية لما اكتنفها من غموض أولاً من حيث شراؤك أسهماً لم ترها ولم تعرف أوجه نشاطها؛ فهو أشبه بالبيع الصوري وحقيقة الأمر مبادلة مال بمال من جنسه بأكثر منه، وهذا هو عين الربا، ثم إنه لو ثبت أن البائع بالنسيئة هو عين من اشترى نقداً فقد وقع في بيع العينة المحرم عند جمع من أهل العلم، وبالجملة فالمعاملة وقعت على غير الصفة المشروعة، والله المستعان.

  • إسمي لولدي بالتبني

    1ـ هل يمكن للولد بالتبني حمل اسمي؟

    2ـ هل يجوز للولد بالتبني أن يدخل الميراث؟

    ملحوظة: إذا كان هذا الرجل المتبني للولد في بداية حياته الزوجية لم ينجب ولداً ولا بنتاً، وشب معه الولد بالتبني واشتغل معه بالتجارة، وكان هو ـ أي الولد بالتبني ـ هو السبب الرئيس في ثروة هذا الرجل المتبني، وبعدها شاء الله أن ينجب هذا الرجل أولاداً وبنات. ما وضع هذا الولد بالتبني في الميراث إذا كان هذا الولد لا يحمل اسم الرجل مع العلم بأن الولد بالتبني هو سبب هذه الثروة؟

    وما وضع هذا الولد بالتبني داخل بيت الرجل بعد بلوغه سن الرشد؟ هل يعتبر أجنبياً؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فلا يجوز ـ بإجماع المسلمين ـ أن يحمل الولد المتبنى اسم من تبناه؛ لقوله تعالى {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانك في الدين ومواليكم} وكان زيد رضي الله عنه يدعى زيد بن محمد صلى الله عليه وسلم فلما نزلت هذه الآية دعي زيد بن حارثة.

    والولد المتبني ليس وارثاً؛ لأنه لا سبب من أسباب الإرث فيه لا نكاح ولا ولاء ولا نسب، لكن يمكن لمن تبناه أن يخصه بوصية في حدود الثلث أو دونه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه (الثلث والثلث كثير)

    والولد بالتبني يمكن لمتبنيه أن يأمر زوجته بإرضاعه؛ حتى يصير ولداً لها من الرضاعة وأخاً لأولادها من الرضاعة؛ فيرتفع بذلك الحرج، ويكون في البيت كأنه واحد منهم، والله تعالى أعلم.

  • الأحرف السبعة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فقد ثبت في الصحيحين من رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أقرأني جبريل على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف) وفيهما كذلك من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأنيها. فكدت أن أعجل عليه. ثم أمهلته حتى انصرف. ثم لببته بردائه. فجئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )أرسله. اقرأ)، فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هكذا أنزلت) ثم قال لي: (اقرأ) فقرأت. فقال: (هكذا أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف. فاقرؤوا ما تيسر منه)

    وفي صحيح مسلم أن جبريل قال له: (إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف فأيما حرف قرأوا عليه فقد أصابوا) قال النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم: قوله (إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك على سبعة أحرف فأيما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا) معناه لا يتجاوز أمتك سبعة أحرف ولهم الخيار في السبعة، ويجب عليهم نقل السبعة إلى من بعدهم بالتخيُّر فيها وأنها لا تتجاوز، والله أعلم.

    وقال ابن حجر في الفتح: ونقل أبو شامة عن بعض الشيوخ أنه قال: أنزل القرآن أولاً بلسان قريش، ومن جاورهم من العرب الفصحاء، ثم أبيح للعرب أن يقرؤوه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظ والإعراب، ولم يكلَّف أحد منهم الانتقال من لغته إلى لغة أخرى للمشقة، ولما كان فيهم من الحمية، ولطلب تسهيل فهم المراد، كل ذلك من اتفاق المعنى.ا.هــــــ

     وقال ابن حجر أيضاً موضحاً ذلك: إن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي -أي أن كل أحد يغيِّر الكلمة بمرادفها في لغته- بل المراعى في ذلك السماع من النبي صلى الله عليه وسلم.ا.هـــــــــــــــــــــ

    والأحرف السبعة لا تزال محفوظة حتى الآن بناء على القول الراجح في تفسيرها أن المراد بها اختلاف الأوجه

     وقال الشيخ عبد الفتاح القاضي في كتابه (الوافي في شرح الشاطبية): وقد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة اختلافاً كثيراً، وذهبوا فيه مذاهب شتى، والذي نرجحه من بين هذه المذاهب مذهب الإمام أبى الفضل الرازي وهو أن المراد بهذه الأحرف الأوجه التي يقع بها التغاير والاختلاف، والأوجه التي يقع بها هذا التغاير والاختلاف لا تخرج عن سبعة:

    الأول: اختلاف الأسماء في الإفراد والتثنية والجمع، نحو قوله تعالى في سورة البقرة: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ} قرئ لفظ (مسكين) هكذا بالإفراد وقرئ (مساكين) بالجمع. وقوله تعالى في الحجرات: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} قرئ بفتح الهمزة والخاء والواو وبعدها ياء ساكنة على أنه مثنى أخ، وقرئ: {إخوتكم} بكسر الهمزة، وسكون الخاء وفتح الواو، وبعدها تاء مكسورة على أنه جمع أخ. وقوله تعالى في سورة سبأ: {وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ} قرئ بإثبات الألف بعد الفاء مع ضم الراء على الجمع، وقرئ بحذف الألف وسكون الراء على الإفراد. واختلاف الأسماء أيضا في التذكير والتأنيث نحو قوله تعالى في البقرة: {وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ} قرئ {يقبل} بياء التذكير وتاء التأنيث. وقوله تعالى في النحل: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ} قرئ {يتوفاهم} بياء التذكير، وقرئ بتاء التأنيث. وقوله تعالى في الأنفال: {وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ} قرئ {يكن} بياء التذكير وتاء التأنيث.

    الثاني: اختلاف تصريف الأفعال، من ماض ومضارع وأمر، نحو: قوله تعالى في البقرة: وَمَنْ {تَطَوَّعَ} خَيْراً قرئ بفتح التاء والطاء مخففة مع فتح العين على أنه فعل ماض، وقرئ {يطّوع} بياء مفتوحة وبعدها طاء مشددة مفتوحة مع جزم العين على أنه فعل مضارع. وقوله تعالى بيوسف: {فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ} قرئ بجيم مشددة بعد النون المضمومة وبعدها ياء مفتوحة على أنه فعل ماض؛ وقرئ بزيادة نون ساكنة بعد النون المضمومة مع تخفيف الجيم وسكون الياء على أنه فعل مضارع. وقوله تعالى في الأنبياء: {قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ} قرئ {قال} على أنه فعل ماض وقرئ {قل} على أنه فعل أمر. وقوله تعالى في البقرة: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} قرئ {أعلم} بهمزة قطع مفتوحة مع رفع الميم على أنه فعل مضارع، وقرئ {اعلم} بهمزة وصل تثبت مكسورة في الابتداء وتسقط في الدرج مع سكون الميم على أنه فعل أمر.

    الثالث: اختلاف وجوه الإعراب، نحو قوله تعالى في سورة البقرة: {وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ} قرئ بضم التاء ورفع اللام على أن {لا} نافية، وقرئ بفتح التاء وجزم اللام على أن {لا} ناهية. وقوله تعالى في إبراهيم: {اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ} قرئ بخفض الهاء من لفظ الجلالة وقرئ برفعها. وقوله تعالى في النور: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ} قرئ {يسبح} بكسر الباء وفتحها على البناء للمعلوم والمجهول.

    الرابع: الاختلاف بالنقص والزيادة، كقوله تعالى بآل عمران: {وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} قرئ بإثبات الواو قبل السين وقرئ بحذفها. وقوله تعالى في يوسف: {قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ} قرئ بزيادة الياء المفتوحة بعد الألف وقرئ بحذفها. وقوله تعالى في الشورى {وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} قرئ {فبما} بفاء قبل الباء وقرئ {بما} بحذف الفاء.

    الخامس: الاختلاف بالتقديم والتأخير، كقوله تعالى في آل عمران {وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا} قرئ بتقديم {وقاتلوا} وتأخير {وقتلوا} وقرئ بتقديم {وقتلوا} وتأخير (وقاتلوا). وقوله تعالى في الإسراء وفصلت: {وَنَأى بِجانِبِهِ} قرئ بتقديم الهمزة على الألف وقرئ بتقديم الألف على الهمزة. وقوله تعالى في المطففين: {خِتامُهُ مِسْكٌ} قرئ بكسر الخاء وتقديم التاء المفتوحة على الألف وقرئ بفتح الخاء وتقديم الألف على التاء المفتوحة.

    السادس: الاختلاف بالإبدال، أي جعل حرف مكان آخر، كقوله تعالى في سورة يونس: {هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ} قرئ {تبلوا} بتاء مفتوحة فباء ساكنة وقرئ بتائين الأولى مفتوحة والثانية ساكنة. وقوله تعالى في الشعراء: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} قرئ (وتوكل) بالواو، وقرئ (فتوكل) بالفاء. وقوله تعالى في سورة التكوير: {وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} قرئ بالضاد والظاء.

    السابع: الاختلاف في اللهجات: كالفتح والإمالة، والإظهار والإدغام، والتسهيل والتحقيق، والتفخيم والترقيق وهكذا، ويدخل في هذا النوع الكلمات التي اختلفت فيها لغة القبائل وتباينت ألسنتهم في النطق بها نحو: خطوات، بيوت، خفية، زبورا، شنآن، السحت، الأذن، بالعدوة، بزعمهم، يعزب، يقنط.

    وأما الحكمة في إنزال القرآن على هذه الأوجه المختلفة، فهي: أن العرب الذي نزل القرآن بلغتهم، ألسنتهم مختلفة، ولهجاتهم متباينة، ويتعذر على الواحد منهم أن ينتقل من لهجته التي درج عليها، ومرن لسانه على التخاطب بها، فصارت هذه اللهجة طبيعة من طبائعه، وسجية من سجاياه، واختلطت بلحمه ودمه، بحيث لا يمكنه التغاضي عنها ولا العدول إلى غيرها ولو بطريق التعليم والعلاج، خصوصاً الشيخ الكبير والمرأة العجوز والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتاباً قطّ، كما في حديث الترمذي الآنف الذكر.

    فلو كلَّفهم الله تعالى مخالفة لهجاتهم والعدول عنها لشقّ ذلك عليهم، ولكان ذلك من قبيل التكليف بما لا يدخل تحت الطاقة، فاقتضت رحمة الله تعالى بهذه الأمة أن يخفف عليها وأن ييسر لها حفظ كتابها وتلاوة دستورها، كما يسّر لها أمر دينها وأن يحقق لها أمنية نبيها حين أتاه جبريل فقال له: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف فقال: «أسأل الله معافاته ومغفرته فإن أمتي لا تطيق ذلك» ولم يزل رسول الله صلّى الله عليه وسلم يردد في المسألة ويلحف في الرجاء حتى أذن الله له أن يقرئ أمته القرآن على سبعة أحرف، فكان صلّى الله عليه وسلم يقرئ كل قبيلة بما يوافق لغتها ويلائم لسانها.

    وسواء كان المقصود بالأحرف السبعة هذا المعنى أو ذاك، فإن مما يجب الإيمان به أن القرآن محفوظ ولم يضع منه شيء إلا ما أفاد الوحي نسخه.

  • الصوم والحج عن الميت

    هل يجوز قراءة القرآن والحج والصوم للميت؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد دلت النصوص الشرعية على أن الميت ينتفع بأعمال مخصوصة مما يقوم به الحي نعمة من الله وفضلاً، ومن ذلك الحج لقول النبي صلى الله عليه وسلم {حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة} والصوم لقوله صلى الله عليه وسلم {من مات وعليه صيام صام عنه وليه} وكذلك قراءة القرآن عند جمهور العلماء قياساً لها على الحج والصوم، ومما ينفع الميت بعد موته الدعاء والصدقة، والله تعالى أعلم.

  • يتوب من الذنب ثم يعود إليه

    ما حكم من يتوب عن الذنب ويعود إليه مرة أخرى ويكرر هذا عدة مرات؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد

    فإنَّ الإقلاعَ عن المعصية، والندمَ على فِعلِها والعَزمَ على عَدمِ العودةِ إليها في المستقبَل شروطُ التوبة النصُوح والاستغفار الصادق. قال النووي رحمه الله: “قال العلماء: التوبةُ واجبةٌ من كلِّ ذنب: فإن كانت المعصية بين العبدِ وبين الله تعالى لا تتعلقُ بحقِّ آدميٍّ فلها ثلاثة شروط: أحدها: أن يقلع عن المعصية، والثاني: أن يندم على فعلها، والثالث: أن يعزم أن لا يعود إليها أبدا. فإن فُقِد أحد الثلاثة لم تصح توبته. وإن كانت المعصية تتعلق بآدميٍّ فشروطُها أربعة: هذه الثلاثة وأن يبرأ من حق صاحبها: فإن كانت مالا أو نحوه ردَّه إليه، وإن كان حدَّ قذفٍ ونحوه مكَّنه منه أو طلب عفوَه، وإن كان غيبة استحله منها”. [رياض الصالحين للنووي ص 46-47].

    فهذا الذي يتوب من الذنب ويعود إليه مرة أخرى ويكرر هذا عدة مرات له أحدُ حُكْمَيْن لا ثالث لهما: إما أن يتوب صادقاً؛ فيُقْلِع عن الذنب ويندم ويعزم أن لا يعود، ثم يضعف ويذنب نسياناً من غير إصرار، فيندم ويتوب مُقلِعاً نادِماً عازِماً على عَدَمِ العَوْد؛ فهذا يغفر الله عز وجل  له برحمتِه لعلمِه بصدقِ توبتِه وسُرعةِ عودتِه من قريب. وإما أنْ يكون مُصِراًّ على الذنب ـ عياذاً بالله ـ فهذا يُخشَى عليه سوءُ الخاتمة.

    وما أحسنَ قولَ الحسن بن الفضل في تفسيرِ قولِ الله عز وجل  (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أنه قال: (وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أنَّ لهم رباًّ يغفر الذنب” [الجامع لأحكام القرآن 4/212]. قال القرطبي رحمه الله: “وهذا أخذَه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكى عن ربه عز وجل  قال: (أذنب عبدٌ ذنباً فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب فقال: أي رب أغفر لي ذنبي ـ فذكر مثله مرتين وفي آخره ـ اعمل ما شئت فقد غفرتُ لك) أخرجه مسلم… ودلت الآيةُ والحديثُ على عظيمِ فائدةِ الاعترافِ بالذنب والاستغفارِ منه قال صلى الله عليه وسلم (إنَّ العبدَ إذا اعترفَ بذنبِه ثم تاب إلى الله؛ تاب الله عليه) أخرجاه في الصحيحين، وقال: يستوجب العفو الفتى إذا اعترفْ    بما جنى من الذنوب واقترفْ، وقال آخر:

    أقْرِرْ بذنبِك ثم اطلبْ تجاوُزَه   إنَّ الْجُحُودَ جُحودَ الذنبِ ذنبان!

    وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهبَ الله بكم وجاء بقوم يُذنِبُون ويستغفرون؛ فيغفر لهم)؛ وهذه فائدة اسم الله تعالى (الغفار) و(التواب)”. [لجامع لأحكام القرآن 4/212].

    فطُوبَى للتائبين المستغفِرين الذين أثنى عليهم ربُّهم بأنهم (كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ. وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ). وقد قال المفسرون رحمهم الله في قوله تعالى: (فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ) “أي: طلبوا الغفران لأجل ذنوبهم، وكلُّ دعاءٍ فيه هذا المعنى أو لفظه فهو استغفارٌ … فالاستغفارُ عظيمٌ وثوابُه جَسِيم؛ حتى لقد روى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مَن قال: أستغفرُ الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه؛ غفر له وإن كان قد فرَّ من الزحف)، وروى مكحول عن أبي هريرة قال: ما رأيتُ أكثرَ استغفاراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم! وقال مكحول: ما رأيتُ أكثرَ استغفاراً من أبي هريرة، وكان مكحولُ كثير الاستغفار”.[الجامع لأحكام القرآن 4/210]. و”الاستغفارُ المطلوبُ هو الذي يحلُّ عُقَدَ الإصرارِ ويثبت معناه في الجنان لا التلفظ باللسان، فأما من قال بلسانه: أستغفر الله وقلبه مصر على معصيته؛ فاستغفارُه ذلك يحتاج إلى استغفار، وصغيرتُه لاحقةٌ بالكبائر. وروي عن الحسن البصري أنه قال: استغفارُنا يحتاج إلى استغفار! قلتُ: هذا يقولُه في زمانه فكيف في زماننا هذا الذي يُرَى فيه الإنسانُ مُكِباًًّ على الظلم حريصاً عليه لا يُقلِعُ والسبحة في يده زاعماً أنه يستغفر الله من ذنبه! وذلك استهزاء منه واستخفاف، وفي التنزيل (ولا تتخذوا آيات الله هزوا)”.[الجامع لأحكام القرآن 4/210-211].

  • أنفق على زوجي

    أود أن اسأل فضيلتكم عن حكم إنفاقي علي زوجي؛ أنا امرأة متزوجة حديثاً؛ وأعمل في شركة ذات امتيازات جيدة جداً؛ بعكس زوجي الذي يعمل بدخل محدود، ويكاد يكون بسيطاً جداً؛ وأحيانا في بعض الأحيان يمر شهر بأكمله لا يجد مالاً؛ وأنا والحمد لله انفق علي نفسي وعليه وعلي بيتنا كل ما لديَّ من مال، حتى أثاثات المنزل وإيجاره قمت بدفعها؛ هل هذا جائز؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فالأصل أن النفقة واجبة على الزوج؛ لقوله تعالى {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} وقوله سبحانه {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله} لكن لو لحق الرجل إعسار وأصابته فاقة فلا حرج على المرأة إذا أنفقت من مالها على بيتها وزوجها، وهي في ذلك مأجورة؛ فعن زينب امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما قالت: كنت في المسجد فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال (تصدقن ولو من حليكن) وكانت زينب تنفق على عبد  الله وأيتام في حجرها؛ فقالت لعبد الله: سل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيجزي عني أن أنفق عليك وعلى  أيتام في حجري من الصدقة؟ فقال: سلي أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجدت امرأة من الأنصار على الباب حاجتها مثل حاجتي؛ فمرَّ علينا بلال؛ فقلنا: سل النبي صلى الله عليه وسلم أيجزي عني أن أنفق على زوجي وأيتام لي في حجري؟ وقلنا: لا تخبر بنا؛ فدخل فسأله؛ فقال (من هما) قال: زينب. قال: (أي الزيانب؟) قال: امرأة عبد الله قال (نعم لها أجران أجر القرابة وأجر الصدقة) رواه البخاري ومسلم

زر الذهاب إلى الأعلى