الفتاوى

  • قصر الصلاة لمنسوبي المرور السريع

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالصلاة واجبة على المسافر كما هي على المقيم لعموم قوله تعالى ((وأقيموا الصلاة)) لكن الشريعة الإسلامية المبنية على اليسر قد خصَّت المسافر بأحكام منها:

    • قصر الصلاة الرباعية ـ وهي الظهر والعصر والعشاء ـ فيصليها ركعتين، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين قال «صحبت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان لا يزيد في السفر على ركعتين وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك» ولقول عمر رضي الله عنه «صلاة السفر ركعتان وصلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان تمام من غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه و سلم» رواه أحمد والنسائي وابن ماجه
    • الجمع بين الصلاتين المشتركتين في الوقت تقديماً أو تأخيراً فيصلي الظهر مع العصر في وقت إحداهما والمغرب مع العشاء في وقت إحداهما، لحديث أنس رضي الله عنه قال «كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا رحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل يجمع بينهما فإن زاغت قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب» متفق عليه. وفي رواية لمسلم «كان إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر يؤخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما» ولحديث معاذ رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه و سلم كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصليهما جميعا وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم سار وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب» رواه أحمد وأبو داود والترمذي
    • ومما يختص به المسافر أنه لا يصلي راتبة الظهر ولا المغرب ولا العشاء، بل يقتصر على راتبة الفجر وصلاة الوتر، ولا مانع من أن يصلي الضحى وغيرها من النوافل كقيام الليل. لقول ابن عمر رضي الله عنهما «لو كنت مسبحا في السفر لأتممت» رواه مسلم وأبو داود. قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: ومراده النافلة الراتبة مع الفرائض كسنة الظهر والعصر وغيرها من المكتوبات، وأما النوافل المطلقة فكان ابن عمر يفعلها كما ثبت في مواضع من الصحيح عنه، وقد اتفق العلماء على استحباب النوافل المطلقة في السفر واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة فكرهها ابن عمر وآخرون واستحبها الشافعي وأصحابه والجمهور.ا.هــــــــــــــــــــــ

    وهذه الرخص كلها في حق من كان مسافراً سفر طاعة – كحج أو جهاد أو طلب علم – أو سفراً مباحاً – كتجارة أو نكاح امرأة – أما من سافر لمعصية – كقتل معصوم أو مباشرة حرام كعقد ربا – فلا ينتفع بهذه الرخص لأن الرخص لا تناط بالمعاصي، ولا يستعان بها على معصية الله تعالى. وعمل هؤلاء المنتسبين لشرطة المرور السريع يترتب عليه من المصالح حفظ الأمن وصيانة الأنفس وإغاثة الملهوف وإعانة المحتاج وإسعاف المصاب إلى غير ذلك من المهام العظيمة التي هي من طاعة الله عز وجل، وعليه فلا حرج عليهم في قصر الصلاة وجمعها في سفرهم من شندي إلى مداخل ولاية الخرطوم ما دامت المسافة مسافة قصر، وهي ما يعادل خمسة وثمانين كيلو تقريباً، والعلم عند الله تعالى

  • سورة الإخلاص في صلاة التراويح

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالمطلوب في صلاة التراويح تحقيق الطمأنينة؛ فإن صلاة بغير طمأنينة لا تقع من الله تعالى بموقع القبول،  والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال {صلوا كما رأيتموني أصلي} ولم ينقل عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه كان مع أصحابه يقرؤون بين ركعات التراويح قرآناً بصورة جماعية، ولا يأتون بأذكار أو أوراد، وخير الهدي هديه عليه الصلاة والسلام؛ فقراءة الأذكار أو القرآن بصورة جماعية ليس من السنة، والواجب أن يشتغل كل امرئ بين الركعات بما يناسبه من استغفار أو قراءة قرآن أو دعاء أو صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والله تعالى أعلم

  • رفع الصوت بقراءة القرآن في المسجد

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالمساجد بيوت الله أفنيته، محفوظة محفوظ أهلها، ميمونة ميمون أهلها، هم في مساجدهم، والله جل جلاله في حوائجهم، والمترددون عليها المواظبون على الصلاة فيها هم خيرة خلق الله؛ كما قال سبحانه )في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال ^ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار ^ ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب(

    وإن الواجب على رواد المساجد أن يحرصوا على ما يؤكد أخوتهم ويقوي آصرتهم، ويزيل أسباب العداوة والبغضاء من بينهم، ومن ذلك ألا يرفع بعضهم صوته في المسجد؛ سواء كان بذكر أو تلاوة أو دعاء، ومن باب أولى ما دون ذلك من كلام الدنيا المباح؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم معتكفاً في المسجد وحوله أصحابه ما بين داعٍ وتالٍ ومصلٍ وقد ارتفعت أصواتهم؛ فنهاهم عليه الصلاة والسلام التمهيد؛ فعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد؛ فسمعهم يجهرون بالقراءة؛ فكشف الستر وقال {ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضاً ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة أو قال: في الصلاة} رواه أبو داود والنسائي

    هذا والمشروع في حلقة التلاوة أن يرفع القارئ صوته بقدر ما يسمع من هم معه في الحلقة دون سواهم؛ لتتحقق المصلحة المرجوة في تنبيهه إذا أخطأ أو تذكيره إذا نسي، وفي الوقت نفسه لا يشوش على غيره ممن ليسوا في الحلقة ممن يذكرون الله أو يصلون، والله الهادي إلى سواء السبيل.

  • القدر الواجب للمبيت بمنى

    ما حكم من يأتي إلى منى بعد الغروب ثم يخرج منها بعد منتصف الليل؟ وما قدر الواجب في المبيت بمنى؟ علماً بأنني أعمل في خدمة الحاج كتجهيز الطعام، والمحاسب الذي عليه أن يقضي أكثر الوقت بمكة لحراسة المال

    فالذي عليه جمهور العلماء – من المالكية والشافعية والحنابلة – أن الواجب في المبيت بمنى لا يتحقق إلا إذا قضى الحاج في داخلها معظم الليل. قال خليل بن إسحاق رحمه الله في المختصر: وإن ترك جُلَّ ليلة فدم.ا.هــــــــــــ

    وقال النووي رحمه الله تعالى في المجموع: وفي قدر الواجب قولان: حكاهما صاحب التقريب والشيخ أبو محمد الجويني وإمام الحرمين ومتابعوه، أصحهما: معظم الليل.ا.هــــــــــــــــ

    وقال البهوتي الحنبلي في شرح منتهى الإرادات: ولعل المراد: لا يجب استيعاب الليلة بالمبيت، بل كمزدلفة على ما سبق.ا.هـــــــــــــــــــ وهذا بناء على أن الدفع من مزدلفة لا يجوز عند الحنابلة قبل منتصف الليل.

    وقد اختلف العلماء فيما يجب على من ترك المبيت بمنى معظم الليل، في أحد ليالي أيام التشريق الثلاثة:

    فذهب المالكية إلى أنه يجب عليه دم، كما سبق في نص خليل المذكور آنفا، وكذا يجب عليه دم إن ترك ليلة فأكثر.

    وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه يجب عليه في كل ليلة لم يبت فيها معظم الليل مُدٌّ من طعام، فإن فعل ذلك في كل أيام التشريق كان عليه دم.

    وهذا الحكم يجري على غير المعذور، أما المعذور، فلا شيء عليه، كمن قصد منى للمبيت بها، وتعطل به السير، فلم يصل إليها إلا في وقت متأخر، لأنه لم يتعمد التأخر، وفعل ما في وسعه، والله تعالى يقول: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَاْ}

    وعليه، فإذا كانت ساعات الليل التي مكثتها في منى أكثر من نصف الليل في تلك الفترة، فقد حصل لك المبيت، ولا شيء عليك، وإذا لم تكن أكثر من النصف؛ فلا شيء عليك كذلك لكونك عاملاً في خدمة الحجيج وقد أذن النبي صلى الله عليه وسـلم لرعاة الإبل فيما لم يأذن فيه لغيرهم، وكذلك المحاسب الذي لا يستطيع حفظ المال بمنى لا حرج عليه في البقاء بمكة، والعلم عند الله تعالى.

  • هل يتعارض قتل المرتد مع حرية الإعتقاد في الإسلام؟

    السؤال: لماذا يقتل الإسلام المرتد مع كون الإسلام ديناً لا إكراه فيه؟

    الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فأما كون الإسلام ديناً لا إكراه فيه فتلك حقيقة لا مرية فيها، نطقت بها نصوص القرآن والسنة؛ ففي كتاب الله الكريم نقرأ قوله تعالى {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: أي لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورًا. وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار، وإن كان حكمها عامًّا.ا.هـــــ[1]

     ويقول سبحانه {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين}، {وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين} وفي سبب نزول قوله تعالى {لا إكراه في الدين} ما يجلي تلك الحقيقة واضحة حيث روى ابن جرير الطبري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له: الحصيني كان له ابنان، وكانا قد تنصرا على يدي تجار قدموا من الشام يحملون زيتًا؛ فلما عزما على الذهاب معهم أراد أبوهما أن يستكرههما، وطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث في آثارهما، فنزلت هذه الآية.

    ولا تعارض بين هذه الآيات وبين النصوص الآمرة بقتل المرتد؛ كقوله صلى الله عليه وسـلم «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» وقوله صلى الله عليه وسـلم «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد ألا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» فإن قوله تعالى {لا إكراه في الدين} إنما هو في حق الكافر الأصلي، وأما الأحاديث فهي في حق ذاك الذي دخل في الإسلام طائعاً مختاراً ثم آثر الكفر على الإيمان؛ فمثل هذا يقتل لئلا يتخذ الدين هزواً ولعباً؛ ولئلا يكون أولئك المرتدون المتلاعبون سبباً لفتنة الناس عن دينهم؛ مثلما صنع اليهود حين قال بعضهم لبعض {آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون} قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: هذه مكيدة أرادوها ليلْبسُوا على الضعفاء من الناس أمْر دينهم، وهو أنهم اشْتَوروا بينهم أن يظهروا الإيمان أول النهار ويُصَلّوا مع المسلمين صلاة الصبح، فإذا جاء آخر النهار ارتدوا إلى دينهم ليقول الجهلة من الناس: إنما رَدّهم إلى دينهم اطّلاعهُم على نقيصة وعيب في دين المسلمين، ولهذا قالوا: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} قال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، في قوله تعالى إخبارًا عن اليهود بهذه الآية: يعني يهود، صَلَّت مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر وكفروا آخر النهار، مكرًا منهم، ليُرُوا الناس أن قد بدت لهم منه الضلالة، بعد أن كانوا اتبعوه.

    وقال العَوْفِي، عن ابن عباس: قالت طائفة من أهل الكتاب: إذا لقيتم أصحاب محمد أول النهار فآمنوا، وإذا كان آخره فَصَلّوا صلاتكم، لعلهم يقولون: هؤلاء أهل الكتاب وهم أعلم منا. وهكذا روي عن قتادة والسدي والربيع وأبي مالك.[2]

    يقول العلامة الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى:  وَحِكْمَةُ تَشْرِيعِ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ- مَعَ أَنَّ الْكَافِرَ بِالْأَصَالَةِ لَا يُقْتَلُ- أَنَّ الِارْتِدَادَ خُرُوجُ فَرْدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْجَامِعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، فَهُوَ بِخُرُوجِهِ مِنِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ يُنَادِي عَلَى أَنَّهُ لَمَّا خَالَطَ هَذَا الدِّينَ وَجَدَهُ غَيْرَ صَالِحٍ، وَوَجَدَ مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ أَصْلَحَ. فَهَذَا تَعْرِيضٌ بِالدِّينِ وَاسْتِخْفَافٌ بِهِ، وَفِيهِ أَيْضًا تَمْهِيدُ طَرِيقٍ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَنْسَلَّ مِنْ هَذَا الدِّينِ وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى انْحِلَالِ الْجَامِعَةِ، فَلَوْ لَمْ يُجْعَلْ لِذَلِكَ زَاجِرٌ مَا انْزَجَرَ النَّاسُ، وَلَا نَجِدُ شَيْئًا زَاجِرًا مِثْلَ تَوَقُّعِ الْمَوْتِ، فَلِذَلِكَ جُعِلَ الْمَوْتُ هُوَ الْعُقُوبَةَ لِلْمُرْتَدِّ حَتَّى لَا يَدْخُلَ أَحَدٌ فِي الدِّينِ إِلَّا عَلَى بَصِيرَةٍ، وَحَتَّى لَا يَخْرُجَ مِنْهُ أَحَدٌ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنِ الْإِكْرَاهِ فِي الدِّينِ الْمَنْفِيِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا إِكْراهَ فِي الدِّينِ} عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ فِي الدِّينِ هُوَ إِكْرَاهُ النَّاسِ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ أَدْيَانِهِمْ وَالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا هَذَا فَهُوَ مِنِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْبَقَاءِ فِي الْإِسْلَام. انتهى[3]. ويقول الشيخ سيد سابق رحمه الله تعالى في بيان الحكمة من قتل المرتد: الاسلام منهج كامل للحياة فهو: دين ودولة، وعبادة، وقيادة، ومصحف وسيف، وروح ومادة، ودنيا وآخرة، وهو مبني على العقل والمنطق، وقائم على الدليل والبرهان، وليس في عقيدته ولا شريعته ما يصادم فطرة الانسان أو يقف حائلا دون الوصول إلى كماله المادي والأدبي – ومن دخل فيه عرف حقيقته، وذاق حلاوته، فإذا خرج منه وارتد عنه بعد دخوله فيه وإدراكه له، كان في الواقع خارجا على الحق والمنطق، ومتنكرا للدليل والبرهان، وحائدا عن العقل السليم، والفطرة المستقيمة.

    والإنسان حين يصل إلى هذا المستوى يكون قد ارتد إلى أقصى دركات الانحطاط، ووصل إلى الغاية من الانحدار والهبوط، ومثل هذا الانسان لا ينبغي المحافظة على حياته، ولا الحرص على بقائه – لان حياته ليست لها غاية كريمة ولا مقصد نبيل.

    هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن الاسلام كمنهج عام للحياة، ونظام شامل للسلوك الانساني، لاغنى له من سياج يحميه، ودرع يقيه، فإن أي نظام لا قيام له إلا بالحماية والوقاية والحفاظ عليه من كل ما يهز أركانه، ويزعزع بنيانه، ولاشئ أقوى في حماية النظام ووقايته من منع الخارجين عليه، لان الخروج عليه يهدد كيانه ويعرضه للسقوط والتداعي.

    إن الخروج على الاسلام والارتداد عنه إنما هو ثورة عليه والثورة عليه ليس لها من جزاء إلا الجزاء الذي اتفقت عليه القوانين الوضعية، فيمن خرج على نظام الدولة وأوضاعها المقررة.

    إن أي انسان سواء كان في الدول الشيوعية، أم الدول الرأسمالية – إذ اخرج على نظام الدولة فإنه يتهم بالخيانة العظمى لبلاده، والخيانة العظمى جزاؤها الاعدام.

    فالاسلام في تقرير عقوبة الاعدام للمرتدين منطقي مع نفسه ومتلاق مع غيره من النظم.[4]

    ويقول الشيخ صالح الفوزان حفظه الله تعالى:: أما المرتد فهذا يقتل، لأنه كفر بعد إسلامه، وترك الحق بعد معرفته، فهو عضو فاسد يجب بتره، وإراحة المجتمع منه؛ لأنه فاسد العقيدة ويخشى أن يفسد عقائد الباقين، لأنه ترك الحق لا عن جهل، وإنما عن عناد بعد معرفة الحق، فلذلك صار لا يصلح للبقاء فيجب قتله، فلا تعارض بين قوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} وبين قتل المرتد، لأن الإكراه في الدين هنا عند الدخول في الإسلام، وأما قتل المرتد فهو عند الخروج من الإسلام بعد معرفته وبعد الدخول فيه. انتهى.[5]

    [1] تفسير ابن كثير 1/682

    [2] تفسير القرآن العظيم 2/60

    [3] التحرير والتنوير 2/319

    [4] فقه السنة 2/457

    [5] المنتقى من فتاوى الفوزان 39/4

  • القيئ في نهار رمضان

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فإنه ينظر في حال هذا الصائم هل وقع القيء منه غلبة أو اختياراً؟ وذلك لما رواه أصحاب السنن إلا النسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال {من ذرعه قيء وهو صائم فليس عليه قضاء وإن استقاء فليقض} رواه الخمسة إلا النسائي؛ فدلَّ الحديث على التفريق بين من غلبه القيء وهجم عليه دون تعمد، ومن استقاء عامداً قاصداً، حيث نفى القضاء عن الأول وحكم بعدم فساد صومه، وأوجبه على الثاني لأنه قد فعل ذلك مختاراً، وقد حكى ابن المنذر الإجماع على أن تعمد القيء يفسد الصوم، والعلم عند الله تعالى.

  • متى ندفع فدية الصيام؟

    فدية الصيام هل تدفع يومياً أم أسبوعياً أم جملة؟ وهل تعطى لشخص واحد أم مجموعة من الأشخاص؟ وهل تجوز رقية الحائض دون أن تمس المصحف؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالأصل وجوب الصيام على المسلم البالغ العاقل الصحيح المقيم؛ فإن كان مريضاً مرضاً يرجى برؤه {فعدة من أيام أخر} أما إن كان مرضه مزمناً وعرف بإخبار الطبيب الحاذق أنه لا يرجى برؤه، أو كان عاجزاً عن الصيام لشيخوخته فإنه ينتقل إلى الإطعام؛ لقوله تعالى {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} وقوله {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} وقوله {وما جعل عليكم في الدين من حرج}

    والواجب عليه إطعام مسكين عن كل يوم في قول جمهور العلماء ومنهم علي وابن عباس وأبو هريرة وأنس وسعيد بن جبير وطاوس وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد رحمهم الله، وهو الأصح عند الشافعية؛ لقوله تعالى {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} لكل مسكين نصف صاع من غالب قوت أهل البلد، وهو يعادل كيلو وربع تقريباً. استدلالاً بتفسير ابن عباس رضي الله عنهما للآية حيث روى عطاء أنه سمع ابن عباس يقرأ {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} فقال: “ليست بمنسوخة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينا” رواه البخاري. وعنه رضي الله عنه قال “رُخِّصَ للشيخ الكبير أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً، ولا قضاء عليه” رواه الدارقطني والحاكم وصححاه. أما المالكية رحمهم الله فيرون الفدية في  حق الشيخ الكبير مندوبة لا واجبة، وهو قول مكحول وأبي ثور وربيعة وابن المنذر؛ قياساً له على الصبي والمجنون.

    هذا ولا يجزئ إخراج القيمة ـ عند جماهير العلماء ـ بل الواجب إخراج الفدية طعاماً كما هو نص الآية الكريمة {فدية طعام مسكين} ومن كان عاجزاً عن إخراج الفدية فلا شيء عليه؛ لعموم قوله تعالى {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها}

    ويجزئ إخراجها لمسكين واحد، في يوم واحد أو ايام متفرقة؛ قال الإمام النووي رحمه الله: فيجوز صرف أمداد كثيرة عن الشخص الواحد والشهر الواحد إلى مسكين واحد أو فقير واحد.ا.هــــ قال في الإنصاف: يجوز صرف الإطعام إلى مسكين واحد جملة واحدة.ا.هــــ. والأحوط أن تدفع بها إلى ثلاثين مسكيناً؛ اقتداء بفعل السلف رحمهم الله فقد أخرج الدارقطني أن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه ضعف عاماً عن الصوم؛ فصنع جفنة من ثريد فدعا ثلاثين مسكيناً فأشبعهم.

    وأما الحائض فلا حرج عليها – عند المالكية رحمهم الله تعالى – في أن تقرأ القرآن إن تعبداً أو تحصناً او استشفاء؛ لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم نهي لها عن قراءة القرآن؛ كما هو الحال في الجنب مثلاً، ولأن الحائض تفارق الجنب في كونها محكومة بأيام لا تملك رفع الحدث عن نفسها قبل انقضائها، وإذا جاز لها أن تقرأ جاز من باب أولى أن يقرأ عليها غيرها، والعلم عند الله تعالى.

  • حكم علاج السحر بالسحر

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فاعلم ـ أخي ـ أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن الله تعالى جاعل لمن اتقاه فرجاً ومخرجاً؛ فاستعن بالله ولا تعجز، وأكثر من ذكر الله تعالى والاستغفار، وابتغ فيما ابتليت به أجراً وثواباً؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {ما يصيب المؤمن من هم ولا غم ولا نصب ولا وصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّر الله بها من ذنوبه وخطاياه} وخذ بالأسباب في طلب العلاج بالأسلوب الشرعي المباح؛ مقتدياً برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال {ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء علمه من علمه وجهله من جهله}

    واعلم ـ أخي ـ أنه لا يجوز لك الذهاب إلى ساحر  ليفك عنك السحر؛ لأن الدم لا يطهره البول، وإتيان الساحر في ذاته معصية لله تستوجب توبة؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {من أتى ساحراً أو عرافاً فسأله فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم} والتماس العلاج مقيد بألا يكون بمحرم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم {تداووا ولا تداووا بحرام} رواه أبو داود في سننه، وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال {إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرَّم عليكم}ومن أعظم المحرمات السحر فلا يجوز التداوي به ولا حل السحر به، لأن حل السحر بسحر مثله قد جعله النبي صلى الله عليه وسلم من عمل الشيطان؛ ففي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن النشرة فقال {إنها من عمل الشيطان} وقال أبو داود: سئل أحمد عنها فقال: ابن مسعود يكره هذا كله. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: النشرة حل السحر عن المسحور، وهي نوعان: حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن {لا يحل السحر إلا ساحر} فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب؛ فيبطل عمله عن المسحور. والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والأدوية والدعوات المباحة فهذا جائز.ا.هــــ

    وبدلاً من ذلك واصل في العلاج الشرعي باستعمال الرقية الشرعية؛ وحبذا لو رقيت نفسك بنفسك اقتداء بالنبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، ولا تغفل عن الدعاء فإن الله يجيب دعوة من دعاه خاصة إذا كان مضطراً، قد قال سبحانه )أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء( وأسأل الله لك شفاء عاجلاً غير آجل.

  • عرض الأزياء

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فعرض الأزياء عبر التلفاز – حسب ما ورد في السؤال محل الفتوى – يلزم منه الوقوع في جملة من المحاذير الشرعية، ومنها:

    أولها: التبرج بالزينة، حيث إن هذه العروض قائمة في أصلها على أن ترتدي المرأة أحسن ما عندها وتظهر به أمام الناس – رجالاً ونساء – وقد قال الله تعالى {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى}

    ثانيها: إطلاق البصر؛ إذ لا يتأتى للجمهور الحكم إلا بنظر وتدقيق للثوب ومن تلبسه، وقد قال تعالى {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون} وقال النبي صلى الله عليه وسلم “لا تتبع النظرة النظرة؛ فإنما لك الأولى وعليك الثانية”

    ثالثها: هذه العروض إنما هي تقليد محض للعادات الغربية الغريبة على مجتمعنا البعيدة عن تعاليم ديننا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم “ومن تشبه بقوم فهو منهم”

    وعليه فإن هذه المسابقة لا يجوز شرعاً تنظيمها ولا تمويلها ولا الترويج لها، ويجب على من بسط الله يده – من الولاة والمسؤولين – المنع منها والحيلولة دون قيامها؛ عملاً بقول ربنا سبحانه {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} والله تعالى أعلم.

  • قضاء المرضع

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالواجب على المرأة المسلمة الإتيان بفرض الله في صيام شهرها؛ لعموم قوله تعالى )فمن شهد منكم الشهر فليصمه( وهذا يشمل المرضعة وغيرها، اللهم إلا إذا تحققت أو غلب على ظنها حصول الضرر عليها أو على طفلها أو عليهما معاً، وليس صحيحاً أن كل حامل أو مرضع لزاماً عليها أن تفطر، والذي عليه جمهور العلماء أن الحامل والمرضع عليهما القضاء؛ لأنهما عذران طارئان يزولان بزوال سببهما، ولأن الله تعالى قال في المريض والمسافر ـ وهما من أصحاب الأعذار الطارئة ـ )فعدة من أيام أخر( وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن المرضع وكذلك الحامل ليس عليهما سوى الإطعام ولا قضاء؛ استدلالاً بما رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أنس بن مالك ـ أحد بني قشير ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {إن الله وضع الصيام عن الحبلى والمرضع} وما رواه أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى )وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين( قال {كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام يفطران ويطعمان عن كل يوم مسكيناً، والمرضع والحبلى إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا} وهو مروي كذلك عن ابن عمر رضي الله عنهم.

    وقد أجاب جمهور العلماء عن هذه الأدلة بأن حديث {إن الله وضع الصيام عن الحبلى والمرضع} مراد به وجوب الأداء، ويبقى في ذمتهما القضاء، وأما سكوت ابن عباس عن القضاء فلأنه معلوم مشهور، وعليه فإن الواجب على المرأة التي أفطرت بسبب الحمل أو الرضاع أن تقضي الأيام التي أفطرتها مهما بلغت كثرة، والعلم عند الله تعالى.

زر الذهاب إلى الأعلى