الفتاوى

  • وجوب تعظيم شعائر الله

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد دلت النصوص الشرعية على وجوب تعظيم شعائر الله عز وجل باختلاف أنواعها؛ فقال سبحانه {ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه} وقال جل جلالـه {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسـلم في ذلك مبلغاً عظيماً لكونه أتقى الناس وأخشاهم لله تعالى؛ فكان يكره أن يذكر اسم الله تعالى إلا على طهارة؛ حيث روى أبو داود من حديث المهاجر بن قنفذ رضي الله عنه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسـلم وهو يبول؛ فسلم عليه فلم يرد عليه حتى توضأ ثم اعتذر إليه فقال “إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر” وكذلك الصحابة رضي الله عنهم فقد روى البيهقي أن عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه كان يضع المصحف على عينه ويقول: كلام ربي.. وعليه فإن الواجب على المسلمين الحرص على تعظيم شعائر الله عز وجل ومن نماذج ذلك:

    بتعظيم حرمة كتاب الله تعالى فلا يمس على غير طهارة، ولا يحمل باليد اليسرى، ولا تقلب صفحاته باستعمال الريق لكونه مستقذرا، ولا يوضع فوقه شيء، ولا يوضع على الأرض وإن كانت طاهرة، وما اهترأ من صفحاته فإنه يحرق، ولا يجوز إلقاؤها في المزابل أو مجتمعات القمامة

    بتعظيم أسماء الله الحسنى وأسماء الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين

    بتعظيم بيوت الله عز وجل فلا يدخلها جنب ولا حائض، ولا يجلس الداخل إليها إلا بعد صلاة ركعتين، وصونها عن الروائح الكريهة، وعن البيع والشراء ونشدان الضالة، ومنع ما يشوش على المصلين والذاكرين

    بتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسـلم وسائر المرسلين، بالاقتداء بهديهم والتعرف على سيرهم، ولا يذكرون إلا بما يفيد تعظيمهم وتوقيرهم

    وعليه فإنه لا يجوز للمسلم إلقاء الأوراق والصحف والمجلات التي تحتوي على آيات قرآنية أو أحاديث نبوية أو على أسماء الله تعالى أو أسماء المرسلين، ولا يجوز استعمالها كسفرة طعام أو لتغليف المأكولات أو غيرها، ومن باب أولى امتهانها بأن تتخذ لمسح الأحذية أو الأثاثات أو غيرها؛ ومن فعل ذلك متعمداً عالماً فقد عمل عملاً من أعمال الكفر، ومن رآها في مكان قذر ولم يرفعها منه أو يضعها في مكان نظيف فإنه يأثم إن كان قادراً لأن الدوام كالابتداء، وإذا علم أن فيها آية من القرآن أو حديثاً من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وتركها في مكان القذر فقد نص بعض العلماء على كفره

    ولا بد في هذا المقام من تقرير قاعدة مهمة وهي أن الكفر لا يحصل إلا بتعمد الفعل المكفر، قال الإمام أبو زكريا النووي رحمه الله تعالى في روضة الطالبين حين بيان أحكام الردة وما يتصل بها: هي قطع الإسلام، ويحصل ذلك تارةً بالقول الذي هو كفرٌ، وتارةً بالفعل، والأفعال الموجبة للكفر هي التي تصدر عن تعمُّد واستهزاءٍ بالدِّين صريح، كالسُّجود للصَّنم, أو للشمس، وإلقاء المصحف في القاذورات.ا.هـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال أحمد الدردير رحمه الله تعالى في شرحه على مختصر خليل في بيان أمور الردة: (كإلقاء مصحف بقذر) ولو طاهراً، كبصاق، أو تلطيخه به، والمراد بالمصحف: ما فيه قرآن ولو كلمة، ومثل ذلك تركه به، أي عدم رفعه إن وجده به، لأن الدوام كالابتداء.. ومثل القرآن أسماء الله وأسماء الأنبياء، وكذا الحديث، كما هو ظاهر. ا.هــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    إذا تقرر هذا فالجواب على الأسئلة الواردة يكون ببيان جملة من الأمور:
    أولها: أن الواجب على المسلمين تعظيم كل ما فيه شيء من القرآن أو أسماء الله تعالى أو أسماء أنبيائه ورسله وملائكته صلوات الله وسلامه عليهم، وعلى ولاة الأمر من العلماء والمحافظين ورؤساء البلديات والمحليات التعاون في ذلك مع جهات الاختصاص الأخرى وذلك بنشر الوعي وبث الثقافة الشرعية، وعقوبة من يتهاون بهذا الأمر عقوبة بليغة تكون رادعة له وزاجرة لغيره.
    ثانيها: على من وجد شيئاً من تلك الأوراق أن يرفعها ويصونها أو يتخلص منها بإحراقها أو دفنها أو فرمها بحيث لا يبقى فيها شيء من تلك النصوص أو الأسماء، كما فعل عثمان رضي الله عنه حين أمر بحرق المصاحف بعد نسخها، وروي الحرق كذلك عن بعض السلف كطاوس وعروة بن الزبير رحمهم الله جميعاً، وذلك كله مقيد بالاستطاعة؛ لقوله تعالى {فاتقوا الله ما استطعتم} وقول النبي صلى الله عليه وسـلم “ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم” ومن لم يفعل ذلك جاهلاً أو عاجزاً فإنه لا يحكم عليه بكفر ولا ردة؛ وقد علمنا ربنا سبحانه أن ندعوه قائلين {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسـلم أن الله تعالى قال: قد فعلت.
    ثالثها: لا يجب على السائر في الطريق تتبع الأوراق وجمعها للتأكد من عدم وجود تلك النصوص أو الأسماء فيها؛ لما في ذلك من الحرج والمشقة المنفية عن الشريعة، وقد قال سبحانه {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} وقال {وما جعل عليكم في الدين من حرج}   وقال النبي صلى الله عليه وسـلم “إن أحب الدين إلى الله أيسره” وقال “إن هذا الدين يسر” وقال “يسروا ولا تعسروا”
    رابعها: أسماء الأشخاص المجردة كمن تسمى محمداً أو مالكاً أو صالحاً لا يسري عليها هذا الحكم؛ بل المراد ما دلت القرائن على أن المقصود به هو الله رب العالمين أو واحداً من المرسلين أو الملائكة المقربين؛ ففي حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: ويكره الاستنجاء بيد فيها خاتم فيه اسم الله، أو اسم نبي، قال: وقوله: اسم نبي، اي مقرون بما يعينه كالصلاة والسلام، لا مجرد الاشتراك.ا.هـــــــــــــــــــــــــــــــ وقال ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى في فتاواه: فإن القرآن وكل اسم معظم، كاسم الله, أو اسم نبي له، يجب احترامه وتوقيره وتعظيمه, والمقصود بأسماء الأنبياء: ما يفهم منه أنه لنبي، بحيث يقرن به من العبارات ما يفهم أنه لنبي، كمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو عيسى عليه الصلاة والسلام، أو موسى كليم الله, ونحو ذلك، أما مجرد اسم محمد, أو عيسى, أو موسى، فلا يأخذ هذا الحكم. ا.هـــــــــــــــــــــــــ

    خامسها: ليس في الشرع دليل على ما ذكر من أنه إذا تعرض أي اسم من أسماء الله تعالى للإهانة في الأرض فإن الله يرفع معناه، مثلاً اسم السلام عندما يهان أو يدنس فإن الله يرفع معناه فتكون الحرب وعدم الأمن وهكذا‼ فمثل هذا القول ما ينبغي إطلاقه إلا بدليل يمكن الركون إليه؛ والأصل أن الله تعالى يعامل عباده بفضله ورحمته لا بمجرد عدله وقد قال سبحانه {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة} وقال {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة}

    سادسها: قوله صلى الله عليه وسـلم لعبد الله بن عباس “احفظ الله يحفظك” قد قال أهل العلم في بيان معناه: كن مطيعاً لربك مؤتمراً بأوامره منتهياً عن نواهيه؛ يعني: احفظ حدودَه، وحقوقَه، وأوامرَه، ونواهيَه، وحفظُ ذلك هو الوقوفُ عندَ أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتنابِ، وعندَ حدوده، فلا يتجاوزُ ما أمر به، وأذن فيه إلى ما نهى عنه، فمن فعل ذلك، فهو مِنَ الحافظين لحدود الله الذين مدحهمُ الله في كتابه، وقال عز وجل {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَانَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} وفسر الحفيظ هاهنا بالحافظ لأوامرِ الله، وبالحافظ لذنوبه ليتوب منها.ا.هـــــــ ولا شك أن من حفظ حقوق الله تعالى وحقوقه حفظ أسمائه الحسنى وآياته العظمى من الإهانة والتدنيس.

    سابعها: الكلام في الحمام حال قضاء الحاجة أقل أحواله الكراهة، وقد نهي عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسـلم؛ ففي سنن أبي داود من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ «لاَ يَخْرُجُ الرَّجُلاَنِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ كَاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِمَا يَتَحَدَّثَانِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ» فيكره الكلام عند قضاء الحاجة إلا لأمر مهم، كطلب مزيل للأذى أو التحدث مع الزوج، وقد مثل بعضهم لذلك فقال:
    من المهم طلب المزيل          كذا كلامك مع الحليل
    قال في تبيين المسالك: أما إذا كان الكلام لإنقاذ أعمى من نار أو نحو ذلك فإنه يجب.ا.هــــ وعليه فمن اضطر لمناداة شخص فلا حرج عليه ولو كان اسمه عبد الله أو عبد الرحمن ونحوهما، والعلم عند الله تعالى.
  • الإستفادة من الخمر

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالعلماء رحمهم الله تعالى مختلفون في نجاسة الخمر ابتداء أهي نجاسة حسية – كنجاسة البول والدم – أو هي نجاسة معنوية – كنجاسة المشرك – فذهب أكثر أهل العلم – ومنهم الأئمة الأربعة – إلى أن نجاستها حسية؛ بل حكى بعضهم الإجماع على ذلك؛ وممن حكى الإجماع الغزالي كما نقل ذلك النووي عنه في المجموع؛ استدلالاً بقوله تعالى في وصفها {رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} والرجس في كلام العرب هو النجس. وقوله تعالى عن شراب أهل الجنة {وسقاهم ربهم شراباً طهورا} قالوا: فلو كانت الخمر طاهرة لفات الامتنان على أهل الجنة بطهارة شرابهم، وبما رواه أبو ثعلبة الخشني رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنا نجاور أهل كتاب وهم يطبخون في قدورهم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمر؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم “إن وجدتم غيرها فكلوا فيها واشربوا، وإن لم تجدوا غيرها فارحضوها – أي اغسلوها – بالماء، وكلوا واشربوا. وقد ناقش الإمام النووي رحمه الله في شرح المهذب الاستدلال على نجاسة الخمر بهذا النوع من الاستدلال، ثم قال رحمه الله: وأقرب ما يقال ما ذكره الغزالي أنه يحكم بنجاستها تغليظاً وزجراً عنها قياساً على الكلب وما ولغ فيه.ا.هـــــ

    وذهب بعضهم – ومنهم ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ الإمام مالك والليث بن سعد وداود بن علي الظاهري والمزني من الشافعية – ومن المعاصرين العلامة الطاهر بن عاشور والعلامة محمد بن عثيمين – إلى أنها نجاسة معنوية؛ استدلالاً بأن الخمر لما حرمت أراقها الصحابة حتى سالت في طرقات المدينة، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بغسل الطرقات منها، أو التحرز من أن تصيب ثيابهم؛ وبدلالة الاقتران؛ حيث جاءت في الآية معطوفاً عليها الميسر والأنصاب والأزلام، وهي ليست نجسة اتفاقاً، والقران في اللفظ يدل على القران في الحكم

    وقد نص أهل العلم من الشافعية والحنابلة والمالكية في رواية على إباحة الخل المتخذ من الخمر إذا حصل تخلله بنفسه دون تدخل بشري؛ لحديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الخمر تتخذ خلا؟ فقال “لا” وذلك في معرض جوابه عن تخليله لليتامى مع حاجتهم للمال عن طريق بيعه؛ فلو كان مباحاً لأذن فيه لليتامى؛ فدل على حرمة تخليل الخمر

    وذهب الحنفية والمالكية في رواية إلى جواز تخليل الخمر وأنه يطهر بذلك، ويمكن في زماننا الأخذ بهذا القول خاصة مع ما حصل من تطور الأجهزة المعينة على ذلك بما يحقق الاستحالة التي نص عليها الفقهاء؛ قال النووي رحمه الله في المجموع: الاستحالة انقلاب الشيء من صفة إلى صفة أخرى.ا.هـــــــــــــ وقال في مواهب الجليل: هي تحول المادة عن صفاتها وخروجها عن اسمها الذي كانت به إلى صفات واسم يختص بها.ا.هــــــ

    وعليه فإذا تحققت الاستحالة بالمعنى الذي ذكره الفقهاء جاز استعمالها في العادات والعبادات، والعلم عند الله تعالى.

  • مسح الرأس بعد الإغتسال

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فمن أصابته جنابة وجب عليه تعميم جسده بالماء، ذكراً كان أو أنثى، لعموم قوله تعالى {وإن كنتم جنباً فاطهروا} ويجب عليه صب الماء على رأسه وعركه بيده حتى يصل الماء إلى أصول الشعر، وبشرة الرأس، ولا يكتفى ببلِّ اليد ثم مسحها على الرأس؛ بدعوى أنها عروس وأنها تخاف على زينة شعرها؛ فعن عائشة رضي الله عنها «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه؛ ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يأخذ الماء ويدخل أصابعه في أصول الشعر؛ حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حثيات؛ ثم أفاض على سائر جسده ثم غسل رجليه» أخرجاه وفي رواية لهما: «ثم يخلل بيديه شعره حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات» وعن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول «من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها الماء فعل الله به كذا وكذا من النار» قال علي: «فمن ثم عاديت شعري» رواه أحمد وأبو داود وزاد: وكان يجز شعره رضي الله عنه؛ وعن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة قال «لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين» رواه الجماعة إلا البخاري. والله تعالى أعلم.

  • مصحف صدقة جارية

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فهبة المصحف للمسجد صدقة جارية لمن حصلت الهبة باسمه؛ يدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ: “إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: عِلْمًا نَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لاِبْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ، تَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ” قال الشيخ الألباني رحمه الله: إسناده حسن. قال السيوطي رحمه الله في الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج: ولابن عساكر في تاريخه من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا “من علَّم آية من كتاب الله أو باباً من علم أنمى الله أجره إلى يوم القيامة” وقد تحصل من هذه الأحاديث أحد عشر أمرا وقد نظمتها وقلت:

    إذا مات بن آدم ليس يجري عليه من فعال غير عشر

    علوم بثها ودعاء نجل وغرس النخل والصدقات تجري

    وراثة مصحف ورباط ثغر وحـــــــــــــــــــــفر البئر أو إجراء نهر

    وبيت للغريب بناه يأوي إليه أو بناء محل ذكــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر

    وتعليم لقرآن كريـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم فخذها من أحاديث بحصر

    وقوله صلى الله عليه وسلم “أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته” لا يفهم منه أن ما أخرج عنه بعد موته لا يلحقه؛ قال السندي رحمه الله تعالى في حاشيته على ابن ماجه: أي أَخْرَجَهَا فِي زَمَان كَمَالِ حَاله وَوُفُور اِفْتِقَاره إِلَى مَاله وَتَمَكُّنه مِنْ الِانْتِفَاع بِهِ، وَفِيهِ تَرْغِيب إِلَى ذَلِكَ لِيَكُونَ أَفْضَل صَدَقَة كَمَا يَدُلّ عَلَيْهِ جَوَابه صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ قَالَ: أَيُّ الصَّدَقَة أَعْظَم أَجْرًا؟ فَقَالَ: “أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيح شَحِيح..” الْحَدِيث، وَإِلَّا فَكَوْن الصَّدَقَة جَارِيَة لَا يَتَوَقَّف عَلَى ذَلِكَ.ا.هـــــــــــــــــــــــ والله تعالى أعلم.

  • هل خُلق الأنبياء من نور؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    أولاً: فإنني أنصح السائل الكريم ومن معه بأن يشتغلوا بما ينفعهم من مهمات الدين دون إغراق في قضايا كلامية جدلية لا يترتب عليها عمل؛ لأن هذا من المراء الذي نهينا عنه.

    ثانياً: نبينا صلى الله عليه وسـلم بنص القرآن بشر كسائر البشر إلا أنه أكملهم خَلقاً وخُلقاً، وقد قال الله تعالى {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد} وقال {قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً} وكذلك سائر الأنبياء قبله كما قال سبحانه حاكياً عن قوم فرعون مقالتهم عن موسى وهارون {أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون} وقال قوم نوح عن نوح {ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم} وقال آخرون عن نبيهم {ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون} فنبينا عليه الصلاة والسلام بشر لكنه خير الناس نسباً وأجملهم خلقة وأزكاهم خُلقا.

    ثالثاً: مما يدل على هذا المعنى حديث أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لَيْلَةً مِنَ الْفِرَاشِ فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِى عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِى الْمَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ يَقُولُ «اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لاَ أُحْصِى ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ». رواه مسلم في صحيحه ومالك في الموطأ. فلو كان نوراً حسياً كما يظن بعض الناس لما احتاجت عائشة رضي الله عنها لالتماسه في الظلام.

    رابعاً: قد يستدل بعض الناس بقوله تعالى {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين} قال أهل التفسير: قيل: النور في هذه الآية هو الإسلام وقيل: هو محمد صلى الله عليه وسـلم، والمعنى أنه صلى الله عليه وسـلم نور باعتبار ما يدعو إليه من هدى وأنه يخرج الناس من الظلمات إلى النور. قال العلامة ابن عاشور رحمه الله تعالى: وجملة {قد جاءكم من الله نور} بدل من جملة {قد جاءكم رسولنا} بدل اشتمال، لأنّ مجيء الرسول اشتمَل على مجيء الهُدى والقرآن.ا.هـ وكذلك المعنى في قوله تعالى {إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا} قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره: أي: وأمرُك ظاهر فيما جئت به من الحق، كالشمس في إشراقها وإضاءتها، لا يجحدها إلا معاند.ا.هـ وقال الألوسي رحمه الله تعالى في روح المعاني: يستضيء به الضالون في ظلمات الجهل والغواية، ويقتبس من نوره أنوار المهتدين إلى مناهج الرشد والهداية.ا.هـ وقال ابن الجوزي في زاد المسير: أي كالسِّراج المضيء في الظلمة يُهتدى به.ا.هـ وقال البيضاوي رحمه الله في تفسيره: يستضاء به عن ظلمات الجهالات ويقتبس من نوره أنوار البصائر.ا.هـ وقال الزمخشري في كشافه: جلى به الله ظلمات الشرك واهتدى به الضالون، كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير ويهتدى به، أو أمدّ الله بنور نبوّته نور البصائر، كما يمدّ بنور السراج نور الأبصار.ا.هـ وقال النسفي رحمه الله في تفسيره: جلا به الله ظلمات الشرك، واهتدى به الضالون؛ كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير ويهتدى به، والجمهور على أنه القرآن فيكون التقدير وذا سراج منير أو وتالياً سراجاً منيراً.ا.هـ وقال أبو السعود: يُستضاءُ به في ظلماتِ الجهلِ والغَوايةِ ويُهتدى بأنوارِه إلى مناهجِ الرُّشدِ والهدايةِ.ا.هـ وقال ابن عاشور رحمه الله تعالى: تشبيه بليغ بطريق الحالية وهو طريق جميل، أي أرسلناك كالسراج المنير في الهداية الواضحة التي لا لبس فيها، والتي لا تترك للباطل شبهة إلا فضحتها، وأوقفت الناس على دخائلها، كما يضيء السراج الوقّاد ظلمة المكان. وهذا الوصف يشمل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسـلم من البيان وإيضاح الاستدلال  وانقشاع ما كان قبله في الأديان من مسالك للتبديل والتحريف فشمل ما في الشريعة من أصول الاستنباط والتفقه في الدين والعلم، فإن العلم يشبَّه بالنور فناسبه السراج المنير.ا.هـ

    خامساً: القول ببشرية الرسول صلى الله عليه وسـلم لا يعني أنه بشر كسائر الناس، بل هو عليه الصلاة والسلام أجمل الناس خَلْقاً، وأحسنهم خُلُقاً، وأزكاهم نفساً، وأكملهم عقلاً، وأوفرهم حلماً، كما قال النبي صلى الله عليه وسـلم   أنس رضي الله عنه “ما بعث الله نبياً إلا حسن الوجه؛ حسن الصوت، وكان نبيكم أحسنهم وجهاً وأحسنهم صوتاً” رواه الترمذي من حديث أنس رضي الله عنه وقد وصف النبي صلى الله عليه وسـلم عدد من أصحابه كعلي بن أبي طالب وهند بن أبي هالة والبراء بن عازب والربيع بنت معوذ وغيرهم مما هو وارد في الصحاح والسنن والمسانيد؛ وخلاصة ما وصفوه به أنه كان أجمل الناس صورة وصوتاً ومعنى؛ وكما قال حسان رضي الله عنه  في مدحه صلى الله عليه وسـلم:

    وأحسن منك لم تر قط عيني           وأجمل منك لم تلد النســاء

    خلقت مبرأ من كل عيـب           كأنك قد خلقت كما تشـاء

    وأما آدم وعيسى عليهما سلام الله فالنص القرآني ظاهر في كونهما مخلوقين من تراب وذلك في قوله سبحانه {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون. الحق من ربك فلا تكن من الممترين} والله الموفق والمستعان.

  • كفر اليهود والنصارى

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فكفر اليهود والنصارى مما تظاهرت عليه أدلة الكتاب المطهر؛ كقوله تعالى {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة} وقوله تعالى {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم} وقوله تعالى {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} وقوله تعالى {وقالت اليهود عزير بن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون} وقوله تعالى {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} وقوله تعالى {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}

    وأما السنة المشرفة فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لاَ يَسْمَعُ بِى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِىٌّ وَلاَ نَصْرَانِىٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وثبت أنه كاتب الملوك النصارى الذين كانوا في عهده يدعوهم إلى الإسلام؛ فكتب إلى هرقل «مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلاَمِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ» وَ{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لاَ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ، وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} رواه الشيخان من حديث عبد الله بن عباس عن أبي سفيان بن حرب رضي الله عنهم. وكذلك كتب إلى النجاشي ملك الحبشة والمقوقس حاكم مصر يدعوهم إلى الإسلام.

    فالإسلام هو الدين الذي بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم، وأكمل به الدين وأتم به النعمة ختم به الشرائع، وهو الذي لا يقبل الله ديناً سواه، ولا ينجو يوم القيامة إلا من لقي الله به؛ قال سبحانه {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} وقال سبحانه {إن الدين عند الله الإسلام} وأما اليهودية والنصرانية فهما في الأصل ديانتان قائمتان على التوحيد وعبادة الله تعالى؛ وقد جاء بهما نبيان كريمان هما موسى الكليم وعيسى روح الله وكلمته، على نبينا وعليهما صلوات الله وسلامه؛ لكن قد دخلهما من التحريف والتبديل ما أحالهما عن حقيقتهما التي جاء بها هذان النبيان الكريمان عليهما سلام الله، وقد كان أتباع هاتين الملتين شديدي العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كما قال سبحانه {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا} وقال سبحانه {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق}.

    فمن زعم أن اليهودية والنصرانية داخلتان تحت مظلة الإسلام الواسع؛ فإننا نقول: ليس هناك إسلام واسع وإسلام ضيق؛ بل الإسلام – إذا أطلق – فلا يراد به إلا دين محمد صلى الله عليه وسلم، وهو دين الأنبياء جميعاً صلوات الله وسلامه عليهم؛ كما قال سبحانه على لسان إبراهيم وإسماعيل {ربنا واجعلنا مسلمين لك} وقال على لسان نوح {وأمرت أن أكون من المسلمين} وعلى لسان يوسف {توفني مسلماً وألحقني بالصالحين} وقال عن يعقوب {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي؟ قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون} فهؤلاء الأنبياء وأتباعهم مسلمون باعتبارهم كانوا يعبدون الإله الواحد جل جلاله وينطقون بكلمة التوحيد كما قال سبحانه {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} وكلهم شهد لمحمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة؛ كما قال سبحانه {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين}

    أما اليهود والنصارى بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فليسوا بمسلمين، ولا هم من الناجين؛ لأن الكفر بنبي واحد كفر بسائر النبيين؛ كما قال سبحانه {كذبت قوم نوح المرسلين} وقال {كذبت عاد المرسلين} وقال {كذبت ثمود المرسلين} وقال {كذبت قوم لوط المرسلين} وقال {كذب أصحاب الأيكة المرسلين} وكل واحدة من هذه الأمم كلها ما كذبت إلا نبيها، ومع ذلك نسب الله إليهم تكذيب جميع المرسلين؛ وقال جل من قائل {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا. أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذاباً أليما} فمن زعم أن اليهود والنصارى اليوم داخلون تحت مظلة الإسلام الواسع فهو كذاب أشر أو جاهل أحمق؛ لتكذيبه نصوص القرآن والسنة وما أجمع عليه المسلمون، والله الموفق والمستعان.

  • هدايا العمال

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فشكر الله لك اهتمامك بالسؤال عن أمر دينك والتحري لطيب مكسبك، وأسأل الله لك مزيداً من تقى وهدى وورع، وجواباً على سؤالك أقول:ترجم الإمام البخاري باب: هدايا العمال غلول، وأورد حديث ابن اللتبية الذي وكله النبي صلى الله عليه وسلم على جمع الصدقات، فجاء يقول: هذا لكم وهذا أهدي إليَّ!! فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: «ما بال الرجل نستعمله على عمل من أعمالنا فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إليَّ؟ هلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا؟» وعليه فإنه ما ينبغي للموظف أن يقبل الهدية إلا ممن كان يهاديه قبل الوظيفة، وكانت الهدية معقولة من مثله لمثله؛ أما من هاداك بعد الوظيفة فإنه ما أهدى إليك إلا من أجل الوظيفة لا لأنك فلان؛ وكذلك من كان يهاديك قبلها في حدود معينة وبعد الوظيفة صار يأتي بالهدايا ذات القيمة العالية فلا ينبغي لك قبولها “فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام”

    ولا يشمل هذا الحكم الهدايا التي لا خطر لها ولا تأثير، وذلك من جنس ما اعتادت عليه الشركات والبنوك في بداية العام الميلادي من إهداء المفكرات والأقلام وبعض الحقائب، فمثل هذه لا حرج في قبولها لأنها ليست رشوة في العرف ولا يراد من ورائها الوصول إلى مأرب أو التحايل على حق، وأما الهدايا الرفيعة التي لا تعطى إلا للخاصة فما ينبغي لكم قبولها؛ لأن هدايا العمال غلول، وإنما تعطى لكم لصفاتكم الوظيفية لا لأشخاصكم، ومن عجز عن ردها إلى الجهة المانحة أو الجهة التي يعمل بها فإنه يتصدق بقيمتها في بعض وجوه الخير، وبذا تبرأ ذمته، والله تعالى أعلم.

  • وظيفة بالواسطة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فإن الشفاعة ـ وهي بلغة اليوم الوساطة ـ إذا كانت لتحصيل حق أو دفع ظلم أو إصلاح بين الناس فهي مستحبة مطلوبة وقد أمر بها النبي صلى الله عليه وسـلم في قوله “اشفعوا تؤجروا” ومارسها صلى الله عليه وسـلم عملياً حين شفع عند بريرة مولاة عائشة ـ رضي الله عنهما ـ حين أرادت أن تفارق زوجها مغيثا، فقالت له: أتأمرني؟ قال: “لا إنما أنا شافع”. قالت: لا حاجة لي فيه. وقد رتب الله عليها الأجر والثواب في قوله تعالى {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها}

    وأما إذا كانت الشفاعة لإسقاط حد من حدود الله تعالى أو إعانة على ظلم أو دفع شيئ لمن لا يستحق أو رجا بها الشافع رشوة أو هدية من المشفوع فيه فهي شفاعة محرمة وصاحبها آثم؛ كما قال سبحانه {ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها}، وبذلك يُتبيَّن جواب ما سئل عنه. وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسـلم على أسامة بن زيد رضي الله عنهما حين شفع في المرأة المخزومية التي سرقت وأراد النبي صلى الله عليه وسـلم أن يقطع يدها؛ فقال مُنكراً “أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة” وفي سنن أبي داود من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ وَمَنْ خَاصَمَ فِى بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ لَمْ يَزَلْ فِى سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ عَنْهُ وَمَنْ قَالَ فِى مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ»

    والأصل في الدولة المسلمة أن يحصل كل امرئ على حقه دونما حاجة إلى واسطة أو شفاعة، لكن قد غلب على الناس استعمال هذه الأساليب إن بحق أو بباطل، للوصول إلى ما يشتهون من الأموال أو المناصب، ولعل الفساد الإداري الضارب بأطنابه في بلادنا هو الذي يحوج كثيرا من الناس إلى مثل هذه الأساليب، ونسأل الله أن يصلح فساد المسلمين.

    ولما كان هذا الأمر مما عمت به البلوى وعظمت منه الشكوى فإننا ننصح السائلة – وقد نالت ما ليس بحق لها؛ حيث إن شهاداتها لا تؤهلها لتلك الوظيفة، ولعله قد تقدم لها من هو أكفأ منها وأجدر وأحق – بأن ترفع أمرها إلى المسئولين عنها فينظروا في أدائها للعمل الذي كلفت به، ومدى كفاءتها في القيام بتلك الأعمال وبناء على ذلك يكون الحكم، والله الموفق والمستعان.

  • نذرت الصوم ولم توفِ

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فبداية لا بد من التنبيه على كراهة النذر المشروط؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم ” «لاَ تَنْذُرُوا فَإِنَّ النَّذْرَ لاَ يُغْنِى مِنَ الْقَدَرِ شَيْئًا وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، والترمذي وقال: وفي الباب عن ابن عمر. قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم وكرهوا النذر، وقال عبد الله بن المبارك: معنى الكراهية في النذر في الطاعة والمعصية وإن نذر الرجل بالطاعة فوفى به فله أجر ويكره له النذر.ا.هــــــ والمسلم يعلم أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، نذر أم لم ينذر.

    والواجب على من نذر طاعة أن يوفي بها؛ لأن الله تعالى أمر بذلك فقال ((وليوفوا نذورهم)) ومدح أهل الوفاء فقال ((يوفون بالنذر)) وقد قال عليه الصلاة والسلام {من نذر أن يطيع الله فليطعه} رواه البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.  اللهم إلا إذا عجز عن الوفاء بسبب عذر لا يرجى زواله ككبر سن أو مرض مزمن يمنع من الصيام فإنه يلزمه كفارة يمين، لقوله صلى الله عليه وسلم “من نذر نذراً لم يسمِّه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً لم يطقه فكفارته كفارة يمين” رواه أبو داود وابن ماجه. قال ابن قدامة رحمه الله في المغني: وإن عجز لعارض يرجى زواله من مرض أو نحوه انتظر زواله ولا تلزمه كفارة ولا غيرها؛ لأنه لم يفت الوقت فيشبه المريض في شهر رمضان، فإن استمر عجزه إلى أن صار غير مرجو الزوال صار إلى الكفارة والفدية.ا.هــــــ

    وعليه فالمطلوب من هذه المرأة أن تكفِّر كفارة يمين بإطعام عشرة مساكين؛ أو كسوتهم، وبذلك تبرأ ذمتها، والعلم عند الله تعالى.

  • نبش قبر غير المسلم من مقابر المسلمين

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فالأصل أن يدفن المسلم في مقابر المسلمين؛ وعلى هذا جرى العمل منذ عهد النبي صلى الله عليه وسـلم وإلى يوم الناس هذا، ولا يجوز دفنه في مقابر المشركين، حيث كان للمسلمين مقبرتهم ولغير المسلمين مقبرتهم، ولزيارة مقبرة المسلمين آدابها من الدعاء لهم والسلام عليهم حيث ثبت عن النبي صلى الله عليه وسـلم أنه كان يقول: “السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية”. وأمرنا صلى الله عليه وسـلم إذا مررنا بمقابر المشركين أن نبشرهم بالنار؛حيث روى ابن ماجه في سننه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسـلم قال لأعرابي “حَيْثُمَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ مُشْرِكٍ, فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ, قَالَ: فَأَسْلَمَ الأَعْرَابِيُّ بَعْدُ، وَقَالَ: لَقَدْ كَلَّفَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ تَعَبًا، مَا مَرَرْتُ بِقَبْرِ كَافِرٍ إِلاَّ بَشَّرْتُهُ بِالنَّارِ”

     كما أن دفن غير المسلم في مقابر المسلمين يفضي إلى أذية أهل القبور بعذاب ذلك المشرك؛ لأنه عذاب دائم غير منقطع قال تعالى {النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب}.

    ولذلك نص العلماء على أنه لو ماتت امرأة ذمية وفي بطنها جنين من مسلم أنها تدفن بين مقابر المسلمين والمشركين أو في فلاة من الأرض أو في مقابر المسلمين وكأنها صندوق للجنين؛ رعاية لحق الجنين المسلم؛ لئلا يتأذى بعذاب المشركين لو دفن بينهم، ورعاية لحق المسلمين الموتى لئلا يتأذوا بعذاب تلك المرأة الكافرة.

    وإذا دفن غير المسلم في مقابر المسلمين فإن الواجب نبشه ورده إلى مقبرة أهل ملته إن أمكن ذلك بغير مفسدة أكبر، وكذلك الحال في المسلم الذي دفن بين قوم كفار؛ لأن نبش القبر جائز إذا وجد السبب الموجب أو المبيح لذلك؛ استدلالاً بفعل النبي صلى الله عليه وسـلم حين أخرج عبد الله بن سلول من لحده وتفل في فمه من ريقه الشريف وصلى عليه رجاء أن يرحمه ربه وذلك قبل نزول قوله تعالى {ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله}

    والأصل أن الميت إذا وضع في قبره فقد تبوأ منزلاً وسبق إليه فهو حبس عليه ليس لأحد التعرض له، ولا التصرف فيه، ولأن النبش قد يؤدي إلى كسر عظم الميت وامتهانه. وقد قال النبي “كسر عظم الميت ككسره حياً” رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. هذا هو الحكم المقرر عند أئمة أهل العلم، لكنهم قرروا كذلك أنه يجوز نبش قبر الميت وإخراجه منه إذا دعت إلى ذلك ضرورة أو مصلحة إسلامية راجحة يقررها أهل العلم.

    وقد سبق إلى القول بذلك إمام من أئمة أهل السنة وهو أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، في المغني لابن قدامة رحمه الله: وسئل أحمد عن الميت يُخرج من قبره إلى غيره فقال: إذا كان شيء يؤذيه، قد حُوِّل طلحة وحُوِّلت عائشة، وسئل عن قوم دفنوا في بساتين ومواضع رديئة. فقال: قد نبش معاذ امرأته، وقد كانت كفنت في خَلَقَيْن فكفَّنها، ولم ير أبو عبد الله بأساً أن يحوَّلوا.

    وعن جابر رضي الله عنه قال: دُفن مع أبي رجل، فلم تطب نفسي حتى أخرجته فجعلته في قبر على حدة}رواه البخاري والنسائي. قال الشوكاني رحمه الله: فيه دليل على أنه يجوز نبش الميت لأمر يتعلق بالحي. والعلم عند الله تعالى.

زر الذهاب إلى الأعلى