الفتاوى

  • يسلّم تسليمة واحدة في الصلاة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالفرض هو التسليمة الواحدة، وقد نقل ابن حزم رحمه الله الإجماع على أن من اقتصر عليها أجزأته، ويشترط في السلام أن يكون معرفاً بأل، وأن يكون بهذا اللفظ {السلام عليكم} والدليل على الاقتصار على التسليمة الواحدة ما رواه الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل قالت: ثم يجلس فيتشهد ويدعو، ثم يسلم تسليمة واحدة {السلام عليكم} يرفع بها صوته. ورواه النسائي وابن حبان وغيرهما، وقد أخرج نحوه الترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم والدارقطني بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه} وقال الحاكم: هو صحيح على شرط البخاري ومسلم. وقال آخرون: هو ضعيف، وقال البغوي في شرح السنة: في إسناده مقال. وقال الترمذي: لا نعرفه مرفوعاً من هذا الوجه. قال العلامة الشيباني رحمه الله تعالى في تبيين المسالك شرح تدريب السالك لأقرب المسالك: وإذا كانت أحاديث التسليمة الواحدة لم تصح؛ فإن عمل أهل المدينة بها يقويها؛ فقد ذكر ابن عبد البر أن الاقتصار على التسليمة الواحدة روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث سعد بن أبي وقاص، ومن حديث عائشة ومن حديث أنس، إلا أنها معلولة لا يصححها أهل العلم بالحديث، ونقل عن الليث بن سعد قوله: أدركت الأئمة والناس يسلمون تسليمة واحدة: السلام عليكم. قال ابن عبد البر: والعمل المشهور بالمدينة التسليمة الواحدة، وهو عمل توارثه أهل المدينة كابراً عن كابر، ومثله يصح فيه الاحتجاج بالعمل في كل بلد لأنه لا يخفى، لوقوعه في كل يوم مراراً، وكذلك العمل بالكوفة وغيرها مستفيض عندهم بالتسليمتين متوارث عندهم أيضا.ا.هـ

    وعليه فلا حرج على هذا الإمام الذي يقتصر على تسليمة واحدة باستمرار، ولعمله وجه في السنة، والله تعالى أعلم.

  • يرقي الناس في المسجد

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالرقية الشرعية للمريض مشروعة، وقد فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده؛ ويُسَنُّ لكل مسلم يقدر عليها أن يبذلها لإخوانه طيبةً بذلك نفسه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم “من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل” وهذه الرقية تراعى فيها الضوابط الشرعية، ومن ذلك:

    أولاً: أن يبتغي الراقي وجه الله تعالى ونفع إخوانه المسلمين؛ لا التكثر من أموالهم بفرض المبالغ الكبيرة عليهم؛ ولا بأس بأن يأخذ أجر المثل من غير وكس ولا شطط؛ استدلالاً بما ترجم له الإمام البخاري رحمه الله تعالى بقوله: باب مَا يُعْطَى فِي الرُّقْيَةِ عَلَى أَحْيَاءِ الْعَرَبِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ.

    وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ.وَقَالَ الشَّعْبِيُّ لاَ يَشْتَرِطُ الْمُعَلِّمُ إِلاَّ أَنْ يُعْطَى شَيْئًا فَلْيَقْبَلْهُ. ثم أورد حديث أبي سعيد رضي الله عنه قَالَ: انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَىِّ فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لاَ يَنْفَعُهُ شَيْءٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلاَءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لاَ يَنْفَعُهُ فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَعَمْ وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْقِي وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضِيِّفُونَا فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلاً فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ!! قَالَ فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمُ: اقْسِمُوا. فَقَالَ الَّذِي رَقَى: لاَ تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا. فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرُوا لَهُ؛ فَقَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ ثُمَّ قَالَ: قَدْ أَصَبْتُمُ اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. وقد أورده الإمام مسلم في صحيحه تحت عنوان: باب جَوَازِ أَخْذِ الأُجْرَةِ عَلَى الرُّقْيَةِ بِالْقُرْآنِ وَالأَذْكَارِ

    ثانياً: عليه أن يراقب نفسه دائماً ويراجع نيته لئلا يكون غرضه من مباشرة الرقية أن يحصل على الشهرة أو يكون ملجأ الناس إليه، أو يطلب بذلك عرضاً من الدنيا

    ثالثاً: أن تكون الرقية بالآيات القرآنية والأدعية النبوية والمفهوم من كلام العرب، ولا يجوز أن تكون بألفاظ موهمة لا يُعرف معناها؛ أخذاً من عموم قوله صلى الله عليه وسلم “لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا”

    رابعاً: ألا يشتط في طلب المال من الناس؛ بل يضع لنفسه أجراً معقولاً بلا وكس ولا شطط؛ وعليه أن يتذكر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم “اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه”

    خامساً: ألا يرتب على ما يكون في حال الرقية حكماً شرعياً؛ بمعنى أنه إذا نطق الجني على لسان المصروع وذكر أنه قد جاء عن طريق فلان أو فلانة؛ فما ينبغي للراقي أن يخبر بذلك، ولو سمع به غيره فعليه تنبيهه إلى أن الأصل في الجن الكذب والعمل على التحريش بين المؤمنين؛ ففي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم” أي بإيقاع العداوة والبغضاء بينهم، وإغراء بعضهم ببعض، كما قال تعالى {إنَّما يريد الشَّيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدَّكم عن ذكر الله وعن الصَّلاة فهل أنتم منتهون}

    هذا وإن على إمام المسجد واجباً عظيماً يتمثل في جمع القلوب على الهدى والسعي بالإصلاح بين الناس، وأن يجعل من نفسه في هذا الباب قدوة ويتقي الله ما استطاع، والله الموفق والمستعان.

  • يتلو القرآن بمكبرات الصوت

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فتلاوة القرآن من أعظم العبادات وأجل القربات، وقد نقل الإمام النووي رحمه الله تعالى إجماع أهل العلم على أن أفضل الذكر تلاوة القرآن، وقد وردت النصوص في القرآن والسنة ناطقة بذلك شاهدة عليه.

    فإذا كان السؤال متعلقاً بتلاوة القرآن بمكبر الصوت في حال إمامته للناس في الصلاة المفروضة فلا حرج في ذلك إن شاء الله؛ لأن في استعمال مكبر الصوت في الصلاة الجهرية جملة من المصالح العظيمة؛ كتذكير الناس بالصلاة وإسماعهم تلاوة القرآن في زمن كثر فيه التشويش واللغو وقلَّ فيه من يذكِّر بالله عز وجل؛ شريطة ألا يؤدي ذلك إلى أذية أهل المساجد الأخرى واختلاط أصوات الأئمة على المأمومين بما يذهب معه الخشوع وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (ولا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة في الصلاة) رواه أحمد.

    أما إذا كانت التلاوة من الإمام خارج الصلاة المفروضة فما ينبغي له ذلك؛ لأن تلاوة القرآن عبادة شأنها شأن سائر العبادات من استطاع أن يستخفي بها فهو أفضل لأنه أبعد عن الرياء وأدعى للإخلاص؛ والإعلان بها يكون وفق المصلحة الشرعية التي يقدرها أهل العلم؛ لما في ذلك من مظنة الرياء والمجاهرة بما سبيله الإسرار؛ ولما فيه من إزعاج الناس وإقلاق المرضى وذوي الحاجات من طلاب يستذكرون دروسهم ونحوهم، ولما فيه كذلك من حصول الشنئان والعداوة وفتنة الناس في دينهم، وقد قال الله عز وجل {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا} والله تعالى أعلم.

  • إمام راتب ادّعى أحقيته بالإمامة وإن كان مسبوقا

    أفتى إمام مسجد بأن الإمام الراتب إن كان مسبوقاً ودخل المسجد فمن حقه أن يتقدم ويصلي بالناس، حتى ولو كان مسبوقاً بثلاث ركعات في صلاة الظهر، وقال في ملخص فتواه بأن المصلين ينتظرونه حتى يكمل صلاته وبعد ذلك يسلمون معه؛ أفتونا مأجورين،،،

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فينبغي للإمام أن يكون حريصاً على تأليف القلوب وجمع الناس من حوله، لا أن يسعى في تفريق جماعتهم وتنفير قلوبهم وضرب بعضهم ببعض، ولذلك أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نقدم للإمامة أكثرنا علماً وأحسننا قرآناً؛ فقال عليه الصلاة والسلام {يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله} رواه مسلم. وفي المدونة: أولى الناس بالإمامة أفقههم إذا كان أفضلهم في أنفسهم لأنه قد يقرأ القرآن من لا خير فيه. المدونة1/85

    وعلى الإمام أن يلتزم بالوقت المحدد لإقامة الصلاة؛ فلا يتأخر عنه ولا يتقدم عليه؛ لئلا يفضي ذلك إلى اختلاف الناس واشتجارهم، وعليه أن يصلي بالناس صلاة معتدلة لا بالطويلة المملة ولا بالقصيرة المخلة، ولْيتذكرْ قول النبي صلى الله عليه وسلم {إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف؛ فإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء}

    وليس من حق الإمام إذا جاء مسبوقاً أن يتقدم ليصلي بالناس؛ فإن للاستخلاف أسباباً تبيحه دون سواها، ومن هذا الأسباب:

    1. إذا خاف الإمام من الاستمرار في الصلاة هلاك نفس محترمة، ولو حيواناً أو خاف تلف مال له بال، ولو كان لغيره
    2. إذا طرأ على الإمام في الصلاة ما يمنعه من مواصلتها؛ كأن يعجز عن القيام أو الركوع أو السجود
    3. إذا انتقض وضوء الإمام في الصلاة دون تعمد، أو تذكر أنه دخل الصلاة بغير وضوء، أو دخلها جنبا
    4. إذا تذكر الإمام أثناء الصلاة أن في ثوبه نجاسة
    5. إذا مات الإمام في الصلاة؛ فيقدم المأمومون من يتم بهم
    6. إذا حصل الضحك – بصوت – من الإمام غلبة أو نسيانا
    7. إذا انكشفت عورة الإمام أثناء الصلاة، مثل أن تسقط ثيابه
    8. إذا حدث رعاف يمنع الإمام من مواصلة الصلاة
    9. إذا نوى الإمام المسافر الإقامة أثناء الصلاة

    وقد ذكروا في شروط صحة الاستخلاف أن يكون المستخلف الذي تقدم ليحل محل الإمام قد دخل الصلاة قبل حصول العذر للإمام؛ لأن من دخل بعد العذر فهو أجنبي عن صلاة الإمام لا يصح استخلافه، وأن يكون الخليفة ممن تصح إمامته.

    وعليه فإنه لا يصح للإمام الراتب إذا جاء متأخراً أن يتقدم ليؤم الناس؛ لما في ذلك من تعريض صلاة الناس للبطلان؛ ولما في صنيعه من إثارة الفتنة والعداوة بينه وبين المصلين، والله الهادي إلى سواء السبيل.

  • عذاب القبر

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فبداية لا بد من تقرير حرمة القول على الله بغير علم؛ سواء  تعلق بالعقائد أو شعائر الإسلام وشرائعه؛ لعموم قوله سبحانه وتعالى )قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون( وقول النبي صلى الله عليه وسلم {أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار} رواه الدارمي

    وقد عدَّ النبي صلى الله عليه وسلم القول على الله بغير علم من أمارات الشر وعلامات الساعة؛ روى البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول {إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يُبق عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا} قال الحافظ: وفيه أن الفتوى هي الرياسة الحقيقية وذم من يقدم عليها بغير علم.أ.هـ وقد حذرنا ربنا تبارك وتعالى من سلوك هذا السبيل بقوله )ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الكذب لا يفلحون ~ متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون(

    ولا يجوز للمسلم أن يجالس من كانت هذه صفته ولا أن يستمع لقوله؛ وقد قال سبحانه {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين}

    والذي عليه جماعة المسلمين – سلفاً وخلفاً – أن عذاب القبر حق؛ وأن القبر إما أن يكون روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، وقد تظاهرت على ذلك أدلة القرآن والسنة، ومن ذلك:

    • قوله تعالى: (إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ) [الأنعام : 93]
    • وقوله تعالى: (سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ) [التوبة : 101] قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: عذاب الدنيا، وعذاب القبر. وقال الطبري رحمه الله تعالى: “والأغلب أن إحدى المرتين عذاب القبر، والأخرى تحتمل أحد ما تقدم ذكره من الجوع أو السبي أو القتل والإذلال أو غير ذلك”.
    • وقوله تعالى: (وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ – النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر : 45-46]. قال القرطبي: “الجمهور على أن هذا العرض يكون في البرزخ، وهو حجة في تثبيت عذاب القبر.
    • وقوله تعالى: (وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون) وقد قال أكثر المفسرين بأن المراد بقوله تعالى (دون ذلك) عذاب القبر
    • ترجم البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه في كتاب الجنائز لعذاب القبر، فقال: باب ما جاء في عذاب القبر، وساق الآيات التي سبق ذكرها
    • ما ثبت عن أمنا عائشة رضي الله عنها: “أن اليهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة الرسول صلى الله عليه وسلم عن عذاب القبر، فقال: نعم، عذاب القبر. قالت عائشة رضي الله عنها: فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلى إلا تعوذ من عذاب القبر” زاد غندر: “عذاب القبر حق” رواه البخاري
    • وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها، قالت: “دخلت عليَّ عجوزان من عُجُز يهود المدينة، فقالتا: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم، قالت: فكذبتهما، ولم أنعم أن أصدقهما، فخرجتا، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: يا رسول الله إن عجوزين من عجز يهود المدينة دخلتا عليَّ، فزعمتا أن أهل القبور يعذبون في قبورهم، فقال: “صدقتا، إنهم يعذبون عذاباً تسمعه البهائم” قالت: فما رأيته بعد في صلاة إلا يتعوذ من عذاب القبر”.
    • ما رواه مسلم في صحيحه عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: “بينما النبي صلى الله عليه وسلم في حائط لبني النجار، على بغلة له، ونحن معه، إذ حادت به، فكادت تلقيه، وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة، فقال: من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ فقال رجل: أنا، قال: فمتى مات هؤلاء؟ قال: ماتوا في الإشراك، فقال: إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا، لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه”.
    • وفي صحيح البخاري ومسلم وسنن النسائي عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: “خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما غربت الشمس، فسمع صوتاً، فقال: يهود تعذب في قبورها”.
    • ما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم مرّ بقبرين، فقال: “إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير ..”
    • وفي صحيح مسلم وجميع السنن عن أبى هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ بالله من أربع من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال”
    • وفي صحيح مسلم أيضا وغيره عن ابن عباس أن النبي كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن اللهم إنى أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال
    • حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما رواه أحمد وأبو داود وابن خزيمة والحاكم بإسناد صحيح أن الملائكة تسأل العبد المؤمن في قبره فيحسن الإجابة وعند ذاك: “ينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مدّ بصره، قال: ويأتيه [وفي رواية: يمثل له] رجل حسن الوجه حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، [أبشر برضوان من الله، وجنات فيها نعيم مقيم] هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: [وأنت فبشرك الله بخير] من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح [فو الله ما علمتك إلا كنت سريعاً في طاعة الله، بطيئاً في معصية الله، فجزاك الله خيراً]، ثم يفتح له باب من الجنة، وباب من النار، فيقال: هذا منزلك لو عصيت الله، أبدلك الله به هذا، فإذا رأى ما في الجنة، قال: ربِّ عجل قيام الساعة، كيما أرجع إلى أهلي ومالي، [فيقال له: اسكن]”. وذكر صلوات الله عليه وسلامه أن العبد الكافر أو الفاجر بعد أن يسيء الإجابة” ينادي منادٍ في السماء أن كذب، فافرشوا له من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه في قبره، حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه (وفي رواية: ويمثل له) رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح،: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: [وأنت فبشرك الله بالشر]، من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، [فوالله ما علمتك إلا كنت بطيئاً عن طاعة الله، سريعاً إلى معصية الله]، [فجزاك الله شراً، ثم يقيض الله له أعمى أصم أبكم في يده مرزبة، لو ضرب بها جبل كان تراباً، فيضربه حتى يصير بها تراباً، ثم يعيده كما كان، فيضربه ضربة أخرى، فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين، ثم يفتح له باب من النار، ويمهد من فرش النار]، فيقول: رب لا تقم الساعة”.
    • وفي حديث أنس رضي الله عنه أن الكافر والمنافق بعد أن يجيب في قبره تلك الإجابة الكاذبة، يقال له: “لا دريت، ولا تليت، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين” أخرجه البخاري ومسلم، ولفظ الحديث للبخاري، ولمسلم: “إن العبد إذا وضع في قبره، ثم ذكر نحواً مما تقدم إلى قوله: وذكر لنا: أنه يفسح فيه سبعين ذراعاً، ويملأ عليه خضراً إلى يوم تبعثون”، وفي رواية لأبي داود أن العبد المؤمن بعد أن يسأل ويجيب: “ينطلق به إلى بيت كان له في النار، فيقول له: هذا كان لك، ولكن الله عصمك، فأبدلك به بيتاً في الجنة، فيراه، فيقول: دعوني حتى أذهب فأبشر أهلي، فيقال له: اسكن”.
    • وفي سنن الترمذي عن أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أن الملكين يقولان للعبد المؤمن بعد أن يجيب الإجابة السديدة: “قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين، ثم ينور له فيه، ثم يقال له: نم، فيقول، أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك”. وأنهما يقولان للمنافق: “قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: التئمي عليه، فتلتئم عليه، فتختلف أضلاعه، فلا يزال معذباً حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك”.

    قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: “قال أبو محمد عبد الحق: اعلم أن عذاب القبر ليس مختصاً بالكافرين، ولا موقوفاً على المنافقين، بل يشاركهم فيه طائفة من المؤمنين، وكل على حاله من عمله، وما استوجبه من خطيئته وزلله.ا.هـــــــ

    وهذه الأحاديث بلغت حد التواتر المعنوي، ومن أنكر ما دلت عليه من إثبات عذاب القبر فهو على خطر عظيم. قال الإمام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: وقد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلا، وسؤال الملكين؛ فيجب اعتقاد ذلك والإيمان به، ولا نتكلم عن كيفيته؛ إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته، لكونه لا عهد له به في هذه الدار، والشرع لا يأتي بما تحيله العقول، ولكن قد يأتي بما تحار فيه العقول.ا.هــــــــــــــــــــــــــــــــ

    أسباب عذاب القبر

    وقد بيَّن أهل العلم رحمهم الله تعالى الذنوب التي تكون سبباً في عذاب القبر، ومن ذلك المشي بالنميمة وعدم الاحتراز من البول؛ فقد روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “مرّ النبي صلى الله عليه وسلم على قبرين، فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى، أمّا أحدهما فكان يسعى بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله، ثم قال: ثم أخذ عوداً رطباً فكسره باثنتين، ثم غرز كل واحد منهما على قبر، ثم قال: لعله يخفف عنهما، ما لم ييبسا”. ومن الذنوب التي يعذب صاحبها في القبر الغلول، وقد صح في ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: أهدى رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلاماً يقال له: مِدْعم، فبينما مدعم يحط رحلاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أصابه سهم عائر، فقتله، فقال الناس: هنيئاً له الجنة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: “كلا، والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم، لتشتعل عليه ناراً” فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك أو شراكين إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: “شراك من نار أو شراكين من نار”  متفق عليه.

    ومن الذنوب المؤدية إلى عذاب القبر كذلك الكذب وهجر القرآن والزنا والربا وقد ثبت ذلك من حديث سمرة بن جندب عند البخاري في الصحيح، وهو حديث طويل

    أقوال الأئمة

    قال المروزي: قال أبو عبد الله: عذاب القبر حق لا ينكره إلا ضال أو مضل.

    وقال حنبل: قلت لأبى عبد الله في عذاب القبر؛ فقال هذه أحاديث صحاح نؤمن بها ونقر بها كلما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم إسناد جيد أقررنا به، إذا لم نقر بما جاء به رسول الله ودفعناه ورددناه على الله أمره قال الله تعالى {وما آتاكم الرسول فخذوه} قلت له: وعذاب القبر حق؟ قال: حقٌ، يعذبون في القبور. قال: وسمعت أبا عبد الله يقول نؤمن بعذاب القبر وبمنكر ونكير وأن العبد يسأل في قبره {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة}

  • الألعاب الأولمبية في نهار رمضان

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فصوم رمضان واجب بإجماع المسلمين لدلالة القرآن والسنة، ولا يحل الإفطار فيه إلا لمن عذرهم الله من مريض أو مسافر أو شيخ كبير أو حامل أو مرضع يشق عليهما الصيام، وبعض هؤلاء يجب عليه القضاء، وبعضهم يلزمه الإطعام، وليس من مبيحات الفطر المشاركة في مسابقة رياضية، وعليه فلا يجوز لمسلم الفطر في رمضان من أجل ذلك.

    وأما سفر المرأة بلا محرم فلا يجوز، وقد سبق للمجمع أن أصدر فتوى بهذا الخصوص مدعمة بالأدلة والنقولات عن أهل العلم.

    وأما مشاركة المرأة في مسابقة السباحة أو الجري، وذلك بمحضر من الرجال الأجانب فلا يجوز أيضاً؛ لقوله تعالى {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن…الآية} وقول النبي صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما “يَا أَسْمَاءُ إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتِ الْمَحِيضَ لَمْ تَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلاَّ هَذَا وَهَذَا». وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ. رواه أبو داود والبيهقي؛ خاصة وأن الثياب التي ترتديها للسباحة تظهر ما أمر الله بستره. وجري المرأة أمام الرجال يكون سبباً لإبداء مفاتنها وإظهار محاسنها؛ وهذا كله سبب لزوال الحياء عنها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم “والحياء شعبة من الإيمان” والله تعالى أعلم.

  • هل يدفن تارك الصلاة في مقابر المسلمين؟

    الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

              فتارك الصلاة على خطر عظيم؛ لأنه واقع في كبيرة من كبائر الذنوب التي توعد الله تعالى فاعلها بالعذاب الأليم؛ قال تعالى {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا} وقال سبحانه {فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون} وقال النبي صلى الله عليه وسـلم “العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر” وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه “أما إنه لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة” وما كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسـلم يرون شيئاً تركه كفر إلا الصلاة. وقد أخبر ربنا جل جلاله أن من سمات أهل النفاق التهاون بالصلاة والتكاسل عن أدائها فقال سبحانه {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا}

              وفي المسألة فرعان أحدهما متفق عليه والآخر مختلف فيه: أما الأول فقد أجمع المسلمون على أن من ترك الصلاة جاحداً وجوبها منكراً فرضيتها فإنه يكفر بذلك كفراً أكبر مخرجاً من الملة، وإن مات فإنه لا يُغَسَّل ولا يُكفَّن ولا يُصلَّى عليه ولا يُدفَن في مقابر المسلمين ولا يُستغفَر له ولا يُترحَّم عليه وتنقطع الولاية بينه وبين المؤمنين؛ عياذا بالله من ذلك كله.

              وأما إن كان تاركاً لها كسلاً وتهاوناً فهو على خطر عظيم كذلك؛ إذ عرَّض نفسه لسخط الله ومقته، ويخشى عليه من سوء الخاتمة، لكنه عند جمهور العلماء – وهم الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في رواية – مسلم ناقص الإيمان عاص لربه؛ وإذا مات فإنه تجرى عليه أحكام موتى المسلمين فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابرهم ويستغفر له ويترحم عليه؛ وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له؛ لعموم قوله تعالى {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} مع قوله صلى الله عليه وسـلم “خمس صلوات كتبهن الله عز و جل على العباد فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة” رواه مالك في الموطأ وأحمد في المسند، وقال الشيخ الأرناؤوط: حديث صحيح، والله تعالى أعلم.

  • المسح على الجوربين

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فلا حرج في المسح على النعلين إذا كانا ملبوسين على جوربين؛ ولا حرج في خلع النعلين والمسح على الجوربين وحدهما؛ لما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ في المسند والسنن ـ أنه توضأ فمسح على الجوربين والنعلين، قال أبو عيسى الترمذي رحمه الله تعالى: هذا حديث حسن صحيح وهو قول غير واحد من أهل العلم.ا.هــــــ قال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي رحمه الله في شرح الترمذي: الْجَوْرَبُ غِشَاءٌ لِلْقَدَمِ مِنْ صُوفٍ يُتَّخَذُ لِلدِّفْءِ وَهُوَ التِّسْخَانُ.ا.هـــــ

     ولما ثبت في سنن أبي داود عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه قَالَ:  بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- سَرِيَّةً فَأَصَابَهُمُ الْبَرْدُ؛  فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ وَالتَّسَاخِينِ.قال  البغوي رحمه الله تعالى في شرح السنة: أصل التساخين: كل ما يسخن القدم من خف وجورب ونحوه.ا.هــــــــ  ولأن الجورب في معنى الخف؛ ولأن المشقة تحصل بخلعه، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الإنسان في ببته  أو خارجه؛ لأن الرخصة ثابتة للجميع. قَالَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ فِي بَابِ الْمَسْحِ عَلَى النَّعْلَيْنِ:  مَسَحَ عَلَى نَعْلَيْنِ تَحْتَهُمَا جَوْرَبَانِ، وَكَانَ قَاصِدًا بِمَسْحِهِ ذَلِكَ إِلَى جَوْرَبَيْهِ لَا نَعْلَيْهِ وَجَوْرَبَاهُ لَوْ كَانَا عَلَيْهِ بِلَا نَعْلَيْنِ جَازَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا، فَكَانَ مَسْحُهُ ذَلِكَ مَسْحًا أَرَادَ بِهِ الْجَوْرَبَيْنِ فَأَتَى ذَلِكَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ فَكَانَ مَسْحُهُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ هُوَ الَّذِي تَطْهُرُ بِهِ وَمَسْحُهُ عَلَى النَّعْلَيْنِ فَضْلٌ.ا.هـــــــــــــــــــ وَقَالَ الْحَافِظُ اِبْنُ الْقَيِّمِ فِي تَهْذِيبِ السُّنَنِ: قَالَ اِبْنُ الْمُنْذِرِ يُرْوَى الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عَنْ تِسْعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيٍّ وَعَمَّارٍ وَأَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ وَأَنَسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَالْبَرَاءِ وَبِلَالٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ وَأَبُو أُمَامَةَ وَعَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ وَعَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا اِنْتَهَى كَلَامُ اِبْنِ الْقَيِّمِ .ا.هـــــــــــــــ

    وقال الإمام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى في فتاواه: يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ إِذَا كَانَ يَمْشِي فِيهِمَا سَوَاءٌ كَانَتْ مُجَلَّدَةً أَوْ لَمْ تَكُنْ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ، فَفِي السُّنَنِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْهِ وَنَعْلَيْهِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ إِذَا لَمْ يَثْبُتْ فَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ إِنَّمَا هُوَ كَوْنُ هَذَا مِنْ صُوفٍ وَهَذَا مِنْ جُلُودٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْفَرْقِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي الشَّرِيعَةِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ جُلُودًا أَوْ قُطْنًا أَوْ كَتَّانًا أَوْ صُوفًا كَمَا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ سَوَادِ اللِّبَاسِ فِي الْإِحْرَامِ وَبَيَاضِهِ، وَغَايَتُهُ أَنَّ الْجِلْدَ أَبْقَى مِنْ الصُّوفِ وَهَذَا لَا تَأْثِيرَ لَهُ كَمَا لَا تَأْثِيرَ لِكَوْنِ الْجِلْدِ قَوِيًّا، بَلْ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى مَا يَبْقَى وَمَا لَا يَبْقَى، وَأَيْضًا فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى الْمَسْحِ عَلَى هَذَا كَالْحَاجَةِ إِلَى الْمَسْحِ عَلَى هَذَا سَوَاءٌ، وَمَعَ التَّسَاوِي فِي الْحِكْمَةِ وَالْحَاجَةِ يَكُونُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا تَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَهَذَا خِلَافُ الْعَدْلِ وَالِاعْتِبَارِ الصَّحِيحِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِ كُتُبَهُ وَأَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ .ا.هــــــــــــــــــ

    ولا بد أن تعلم أن المسح عليهما مقيد بشروط بعضها في الماسح وبعضها في الممسوح؛ فالماسح لا بد أن يكون قد لبسهما على طهارة كاملة، أي بعد أن يتوضأ، وأن يكون الحدث الموجب للوضوء حدثاً أصغر – كبول ونوم وغائط – ولا بد أن يتقيد بمدة المسح التي هي يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليهن للمسافر؛ لحديث صفوان بن عسال رضي الله عنه قال: كنت في الجيش الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرنا أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلاثاً إذا سافرنا، ويوماً وليلة إذا أقمنا، ولا نخلعهما إلا من جنابة. رواه أحمد وأصحاب السنن.وأما الممسوح إذا كان خفاً أو نعلاً غير ملبوس على جوربين فلا بد أن يكون ساتراً لمحل الفرض الذي هو القدم كله إلى الكعبين. صفيقاً لا يبدو لون البشرة من تحته، وكان سليماً لا يبدو منه ثلث القدم فأكثر.

    وصفة المسح هي أن يكتفي بالمسح على ظهر الخفين أو الجوربين أو النعلين مسحاً خفيفاً، ولا يمسح على باطنهما مما يلي الأرض. لما روى أبو داود وغيره أن علياً رضي الله عنه قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه. وله  أن يمسح ظاهر قدمه اليمنى بيده اليمنى، وظاهر قدمه اليسرى بيده اليسرى مرة واحدة. والعلم عند الله تعالى.

  • الكذب على السلطات الأوروبية في الزواج والطلاق

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فهذا الصنيع من أولئك المنتسبين إلى الإسلام متضمن جملة من المحرمات القطعية في شريعة رب البرية:

    أولها: أن الكذب حرام؛ وقد قال الله عز وجل {إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون} وقال النبي صلى الله عليه وسلم “يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب” وقال “وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا” وهذا الفعل كما لا يخفى قائم في أوله وآخره على ادعاء كاذب والإخبار بأمر مخالف للواقع

    ثانيها: أن الغش حرام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم “من غش فليس منا” وهذا النص يحرم الغش سواء مورس مع مسلم أو غير مسلم، وفي هذا الفعل غش لتلك السلطات

    ثالثها: أن فيه أكلاً لأموال الناس بالباطل؛ حيث يستحل الكذاب بذلك الخبر مالاً لا حق له فيه، وقد قال الله تعالى {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون} وقال النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يقول: يا رب يا رب!! “ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام؛ فأنى يستجاب له”

    رابعها: أن فيه إشانة لسمعة المسلمين وإظهاراً لهم بمظهر المخادعين المخاتلين الذين يستحلون أموال الناس بأدنى الحيل، وفي ذلك إضرار بمجموعهم وتعسير لمعاشهم في تلك البلاد، وتنفير للناس منهم، وهذه كلها مفاسد يجب على كل مسلم اجتنابها

    وعليه فإن هذا الفعل حرام، ومن وقع فيه لزمته التوبة إلى الله عز وجل والإقلاع عن الانتفاع بذلك المال، وإن أمكنه ردُّه إلى أهله فليفعل، أما إن خاف على نفسه ضررا – لو أخبر بحقيقة أمره – فيمكنه أن يتصدق به خروجاً من عهدته وإبراء لذمته، والله الموفق والمستعان.

  • صلاة الخوف

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد تواترت النصوص الآمرة بالمحافظة على الصلاة في أوقاتها التي شرعها الله عز وجل وعدم الاشتغال بشيء عنها؛ فقال سبحانه )فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا( وقال سبحانه )وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين( وقال سبحانه )أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا(

    وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال {أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها} رواه الترمذي والحاكم وصححاه، وأصله في الصحيحين. قال الصنعاني رحمه الله تعالى في سبل السلام: 1/389: الحديث أخرجه البخاري عن ابن مسعود بلفظ {سألت النبي r أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة لوقتها} وليس فيه لفظ: أول. قال رحمه الله: فالحديث دل على أفضلية الصلاة في أول وقتها على كل عمل من الأعمال، كما هو ظاهر التعريف للأعمال باللام، وقد عورض بحديث {أفضل الأعمال إيمان بالله} ولا يخفى أنه معلوم أن المراد من الأعمال في حديث ابن مسعود ما عدا الإيمان، فإنه إنما سأل عن أفضل أعمال أهل الإيمان، فمراده غير الإيمان. قال ابن دقيق العيد: الأعمال هنا: أي في حديث ابن مسعود محمولة على البدنية، فلا تتناول أعمال القلوب، فلا تعارض حديث أبي هريرة رضي الله عنه {أفضل الأعمال الإيمان بالله جل جلاله} ولكنها قد وردت أحاديث أخر في أنواع من أعمال البر بأنها أفضل الأعمال، فهي التي تعارض حديث الباب ظاهرا. وقد أجيب : بأنه صلى الله عليه وسلم أخبر كل مخاطب بما هو أليق به، وهو به أقوم، وإليه أرغب، ونفعه فيه أكثر، فالشجاع أفضل الأعمال في حقه الجهاد، فإنه أفضل من تخليه للعبادة، والغني أفضل الأعمال في حقه الصدقة وغير ذلك: أو أن كلمة “من” مقدرة؛ والمراد من أفضل الأعمال، أو كلمة أفضل لم يرد بها الزيادة، بل الفضل المطلق

    وأوقات الصلوات قد وردت مفصلة فيما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه جبريل عليه السلام فقال له: قم فصله، فصلى الظهر حين زالت الشمس، ثم جاءه العصر فقال: قم فصله، فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم جاءه المغرب فقال قم فصله فصلى المغرب حين وجبت الشمس، ثم جاءه العشاء فقال: قم فصله، فصلى العشاء حين غاب الشفق، ثم جاءه الفجر فقال: قم فصله، فصلى الفجر حين برق الفجر، أو قال: سطع الفجر، ثم جاءه من الغد للظهر فقال: قم فصله، فصلى الظهر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم جاءه العصر فقال: قم فصله، فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، ثم جاءه المغرب وقتا واحدا لم يزل عنه، ثم جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل، أو قال: ثلث الليل فصلى العشاء، ثم جاءه حين أسفر جدا، فقال: قم فصله، فصلى الفجر، ثم قال: ما بين هذين الوقتين وقت} رواه أحمد والنسائي والترمذي بنحوه. وقال البخاري: هو أصح شيء في المواقيت

    وبلغت عناية الشريعة بأداء الصلاة في أوقاتها أن شرعت للمسلمين ـ حال القتال واحتدام المعركة صلاة تسمى صلاة الخوف؛ فقال سبحانه )وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدواً مبينا + وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معكم وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معكم وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذاباً مهينا(

    وفي صفة صلاة الخوف روايات ثابتة؛ فعن صالح بن خوات رضي الله عنهعمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف أن طائفة من أصحابه صلى الله عليه وسلم صفت معه وطائفة وجاه العدو؛ فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائما، وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالسا، وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم} متفق عليه، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال {غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد، فوازينا العدو فصاففناهم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بنا، فقامت طائفة معه، وأقبلت طائفة على العدو، وركع بمن معه، وسجد سجدتين، ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل، فجاءوا فركع بهم ركعة، وسجد سجدتين، ثم سلَّم فقام كل واحد منهم، فركع ركعة، وسجد سجدتين} متفق عليه واللفظ للبخاري

    فإذا كانت الشريعة المطهرة لم تبح للمقاتلين تأخير الصلاة عن وقتها فكيف بغيرهم؟ لا شك أن ذلك لا يجوز في دين الله تعالى، بل الواجب على من بسط الله يده من قائد أو مسئول أن يحث جنوده ومن ولاه الله أمرهم على الإتيان بالصلاة في أوقاتها التي شرعها الله عز وجل، وليكن قدوة لهم في ذلك؛ وقد قال عليه الصلاة والسلام {ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته}

زر الذهاب إلى الأعلى