الفتاوى

  • استئذان لجنة المسجد قبل الموعظة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فإن المساجد هي بيوت الله عز وجل التي أذن أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وقد أعلى الله شأنها في كتابه؛ فذكرها في ثمان وعشرين آية من كتابه  الكريم، وأضافها إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم، فقال سبحانه {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} ورغَّب سبحانه في بنائها وعمارتها وأخبر أن عُمَّارها المؤمنون بالله واليوم الآخر؛ قال تعالى {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} فالمساجد دور عبادة وذكر وتضرع وخضوع لله سبحانه، ومواضع تسبيح، وابتهال وتذلل بين يدي الله سبحانه، ورغبة فيما عنده من الأجر الكبير، ومقام تهجد وترتيل لكتاب الله وحفظ له، وغوص وراء معانيه

    وتعطيل المسجد، ومنع الناس من ذكر الله فيه ظلم، قال تعالى {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ $ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وجعل القرآن الكريم الدفاع عن المساجد وحمايتها مطلباً من مطالب هذا الدين يشرع لأجله القتال في سبيله، قال تعالى {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} قال القرطبي رحمه الله تعالى عن هذه الآية: أي لولا ما شرعه الله سبحانه وتعالى للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء لاستولى أهل الشرك وعطَّلوا ما يبنيه أرباب الديانات من مواضع العبادات، ولكنه دفع بأن أوجب القتال ليتفرغ أهل الدين للعبادة.

    في تفسير قوله تعالى {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله} قال الألوسي رحمه الله تعالى: والمراد بالعمارة ما يعم مرمة ما استرمَّ منها وقمها، وتنظيفها وتزيينها بالفرش، لا على وجه يشغل قلب المصلي عن الحضور، وتنويرها بالسرج ولو لم يكن هناك من يستضيء بها، وإدامة العبادة والذكر ودراسة العلوم الشرعية فيها ونحو ذلك، وصيانتها مما لم تُبنَ له في نظر الشارع كحديث الدنيا، ومن ذلك الغناء على مآذنها كما هو معتاد الناس اليوم لا سيما بالأبيات التي غالبها هُجْر من القول.

    وعليه فإن كل من أراد أن يقدم للناس موعظة مؤثرة أو حكمة بالغة أو علما نافعاً فما ينبغي أن يمنع من ذلك في بيت الله، ولا أن يحال بينه وبين تبليغ دعوة الله عز وجل، والمانع له آثم؛ أما إذا علم من شخص ما أنه يثير فتناً وينشر بين الناس خلافاً ويضرب قلوب بعضهم ببعض؛ أو يقول على الله ما لا يعلم؛ أو يحدث الناس بما لا يعقلون، أو يثير شبهاً وأغاليط، أو يذكر أهل العلم والدعاة إلى الله بالسوء فما ينبغي أن يُمكَّن من الحديث في المسجد؛ لأنها ما بنيت لذلك، وقد عزر عمر بن الخطاب رضي الله عنه صبيغاً التميمي لما أكثر من السؤال عن متشابه القرآن ونفاه من المدينة إلى الكوفة وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن يقوم في الناس خطيباً بأن صبيغاً طلب العلم فأخطأه!!

    وعليه فإذا كان هذا الشخص الذي يستأذن من أهل العلم والفضل يريد بذلك الاستيثاق من علم المتحدث وعقله ومدى إفادته للناس فلا حرج، بل هو مأجور على ذلك، أما إذا كان غرضه الصدَّ عن سبيل الله، والتحكم في بيت الله، ومنع من لا يوافق هواه؛ فهو آثم مأزور

    والذي ينبغي للجهة المسئولة عن المساجد أن تشكل لجنة من أهل العلم والفضل تقوم باختبار من يودون الحديث في المساجد، وتمنحهم رخصة أو بطاقة تفيد أهليتهم وجدارتهم لهذه المهمة العظيمة؛ وذلك رفعاً للحرج عن أئمة المساجد ولجانها؛ وحتى يسهل عليهم الإذن أو المنع لمن يطلبون الحديث خاصة دبر الصلوات المكتوبات، وذلك كله تنظيم محمود وغاية مشروعة للحفاظ على هيبة بيوت الله، والعلم عند الله تعالى

  • استخدام مكبرات الصوت في أذان الجمعة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالأذان الأول يوم الجمعة من السنن المشروعة التي تتابع عليها عمل المسلمين سلفاً وخلفاً، ولا يمكن وصفه بالبدعية أبداً، وذلك لأمرين: أولهما: أنه من عمل عثمان بن عفان رضي الله عنه  وهو أحد الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم، ففي حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور» رواه الترمذي. ثانيهما: أن الصحابة رضي الله عنهم قد أجمعوا على العمل بذلك في عهد عثمان من غير نكير، ثم أجمعت الأمة من بعدهم في سائر الأعصار والأمصار.

    وصنيع عثمان رضي الله عنه جار على الهدي الراشدي المبارك الذي حصل به خير عظيم للأمة، من جنس ما فعله أبو بكر رضي الله عنه من جمع القرآن في مصحف واحد، ولم يكن ذلك على عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وما فعله عمر رضي الله عنه حين جمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح بعدما كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يصلون أوزاعاً متفرقين، ويحصل بالأذان الأول يوم الجمعة مصلحة الناس من انتباههم لدخول وقت الجمعة وانتهائهم عن أعمالهم الدنيوية من بيع وشراء؛ عملاً بقول ربنا جل جلاله {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون}

    والذي أنصح به إخواني المسلمين ألا يجعلوا المساجد ساحات للخلاف والعراك، وأن يتقوا الله في إخوانهم ويسعوا لسؤال أهل العلم عملاً بقول ربنا سبحانه وتعالى {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} ومن اقتنع منهم بشيء مخالف لما عليه جمهور المسلمين فما ينبغي له أن يفرضه على سائر الناس، بل عليه أن يحسن الظن بإخوانه ويعلم أن للخلاف مساغاً، وأسأل الله أن يهدينا جميعاً سواء السبيل.

    وأما استعمال مكبر الصوت في الصلاة الجهرية فإنه جائز ولا حرج فيه، لما في ذلك من المصالح العظيمة كتذكير الناس بالصلاة وإسماعهم تلاوة القرآن في زمن كثر فيه التشويش واللغو وقلَّ فيه من يذكِّر بالله عز وجل؛ كما أن فيه إظهاراً لشعائر الإسلام؛ شريطة ألا يؤدي ذلك إلى أذية أهل المساجد الأخرى واختلاط أصوات الأئمة على المأمومين بما يذهب معه الخشوع وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (ولا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة في الصلاة) رواه أحمد.

    هذا وإن بعض الناس يستصحب واقع بلاد معينة؛ تغلق فيها الأسواق وأماكن اللهو ساعة الصلاة، كما أن المساجد كثيرة ومتقاربة، وهذا كله قد لا يكون مطابقاً لما عليه الواقع في السودان مثلاً، وعليه فليس الاختلاف اختلاف حجة وبرهان، بل اختلاف زمان ومكان، والعلم عند الله تعالى.

  • الإحتفال بأعياد الكفار

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فلا يجوز للمسلم أن يحتفل بالأعياد الدينية لغير المسلمين، وذلك لأدلة شرعية معتبرة، ومن ذلك:

    1ـ أن العيد عنوان يميز كل أمة عن غيرها، وهو نابع من دينها وعقيدتها؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {إن لكل قوم عيداً، وإن عيدنا هذا اليوم} متفق عليه، فالمسلم الذي يحتفل بأعياد الكفار ويشاركهم فيها إنما ينادي على نفسه بتميع عقيدته وفساد تصوره وقلة اكتراثه بتراثه.

    2ـ عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: {ما هذان اليومان؟} قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: {إن الله أبدلكم بهما خيراً منهما: يوم الأضحى يوم الفطر} رواه أبو داود والنسائي، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقرَّ أهل المدينة على احتفالهم بما عهدوه أيام جاهليتهم، بل ذكرهم بنعمة الله عليهم في عيدين عظيمين قد ارتبط كل منهما بعبادة عظيمة تقرب إلى الله تعالى، مع أننا نجزم أن أهل المدينة رضي الله عنهم ما كانوا يصنعون في ذينك اليومين شيئاً مما يصنعه بعض الفجرة في أيامنا في تلك الأعياد المحدثة من الفسوق والعصيان

    3ـ أن ذلك من التشبه بهم حيث يهنئ بعضهم بعضاً في ذلك اليوم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {من تشبه بقوم فهو منهم} رواه أحمد وأبو داود ـ ومعنى ذلك تنفير المسلمين عن موافقة الكفار في كل ما اختصوا به، وقد كان عليه الصلاة والسلام يكره موافقة أهل الكتاب في كل أحوالهم حتى قالت اليهود: إن محمداً يريد أن لا يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه.

    4ـ  أنه لم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم مشاركة غير المسلمين في عيدهم، ولا أصحابه رضي الله عنهم من بعده كذلك وقد علمنا أن اليهود كانوا يساكنونه المدينة، ولو حدث ذلك لنقل إلينا، مثلما نقل أنه عاد يهودياً لما مرض وأكل من طعام يهودية وقبل هدية بعض النصارى كالمقوقس.

    5ـ ثم إن اقتران هذه المناسبات الكفرية بتلك الضلالات التي يمارسها أولئك المحتفون بها من اختلاط ومجون وفسق كافٍ في أن ينتهي أولو النهى والأحلام عن مشاركتهم وقد قال الله عز وجل }والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما{

    1. أنه قد تتابع النقل عن أئمة الدين رحمهم الله تعالى في النهي عن ذلك والتحذير منه وهم المقتدى بهم: ففي المدخل لابن الحاج المالكي رحمه الله تعالى 2/48: وكره ابن القاسم للمسلم أن يهدي إلى النصراني في عيده مكافأة له. ورآه من تعظيم عيده وعوناً له على مصلحة كفره. ألا ترى أن لا يحل للمسلمين أن يبيعوا للنصارى شيئاً من مصلحة عيدهم لا لحماً ولا إداماً ولا ثوباً ولا يعانون على شيء من دينهم؛ لأن ذلك من التعظيم لشركهم وعونهم على كفرهم، وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك، وهو قول مالك وغيره لم أعلم أحداً اختلف في ذلك انتهى. قال ابن الحاج: ويمنع التشبه بهم كما تقدم لما ورد في الحديث {من تشبه بقوم فهو منهم} ومعنى ذلك تنفير المسلمين عن موافقة الكفار في كل ما اختصوا به، وقد كان عليه الصلاة والسلام يكره موافقة أهل الكتاب في كل أحوالهم حتى قالت اليهود: إن محمداً يريد أن لا يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه.ا.هـــــــــــــ وفي فتح العلي المالك 2/348 قال الشيخ عليش رحمه الله تعالى: وسئل عز الدين بن عبد السلام عن مسلم قال لذمي في عيده: عيد مبارك هل يكره أم لا؟ فأجاب: إن قاله المسلم لذمي على وجه قصد تعظيم دينهم وعيدهم فإنه يكفر، وإن لم يقصد ذلك وإنما جرى على لسانه فلا يكفر بما قاله من غير قصد.ا.هـ نقله الحطاب.ا.هـــــ

    وبعد. فقد يقول قائل: إن هؤلاء الذين تسمونهم كفاراً يشاركوننا في أعيادنا ويحتفلون بها معنا فلمَ لا نشاركهم؟ والجواب: أننا محكومون بالشرع لا بالأهواء وليست مشاركتهم لنا مبيحة مشاركتنا إياهم، فليست المكافأة لازمة بكل حال، ولو أنهم دخلوا مساجد المسلمين وصلوا صلاتهم أنكافئهم بدخولنا كنائسهم وأن نشاركهم صلاتهم؟ ولو أن النصراني عصى الله فسقى مسلماً خمراً أيحل للمسلم أن يسقيه الخمر؟  }ما لكم كيف تحكمون{ إن الواجب على المسلم أن يعظم الأيام التي أمره الله بتعظيمها ويعرض عما سوى ذلك مما ابتدعه الكفار بجهلهم، ولا يغتر بكثرة الهالكين }وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله{ أسأل الله أن يرد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً وأن يختم لنا بالحسنى إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

  • التجارة في الملابس المخالفة للشريعة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالملابس المخالفة للزي الشرعي يتصور وجودها في أحوال منها:

    أولاً: ملابس الرجال التي تحوي عبارات لا تليق لما فيها من إثارة الشهوات والتحريض على الفواحش

    ثانياً: ملابس الأطفال والشباب التي تحوي صوراً لبعض الكفرة أو الفسقة ممن غضب الله عليهم ولعنهم

    ثالثاً: الملابس النسائية غير الشرعية لكونها قصيرة أو ضيقة أو شفافة أو لافتة للأنظار

    لا يجوز لمسلم أن يتجر في هذه الأنواع؛ وذلك لأدلة منها:

    أولاً: قوله تعالى {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}

    ثانياً: قوله تعالى {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة}

    ثالثاً: قوله صلى الله عليه وسلم “إن الله تعالى إذا حرم شيئاً حرم ثمنه” رواه ابن حبان والدارقطني من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وقد صححه الألباني والأرناؤوط

    هذا وعلى التجار وغيرهم أن يتحروا في مكاسبهم الحلال الطيب؛ ويجتنبوا الحرام الخبيث؛ لقوله صلى الله عليه وسلم “إن روح القدس نَفَثَ فِي رَوْعِي أَنَّهُ لاَ تَمُوتُ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا، وَإِنْ أَبْطَأَ عَلَيْهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلاَ يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ تَأْخُذُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلاَّ بِطَاعَتِهِ” رواه البزار في مسنده عن حذيفة رضي الله عنه، والبيهقي في الشعب من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

  • تجارة الكريمات

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالاتجار بالكريمات داخل تحت حكم الإباحة لعموم قوله تعالى {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} وقوله سبحانه {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه} وقوله صلى الله عليه وسلم { إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ فَرَائِضَ فَلاَ تُضَيِّعُوهَا، وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ فَلاَ تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلاَ تَعْتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلاَ تَبْحَثُوا عَنْهَا} رواه الداقطني والبيهقي عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه، وهذه الإباحة مشروطة بشروط:

    أولها: ألا يترتب على استعمالها ضرر يغلب على منفعتها؛ فمتى ما ثبت أنها مسببة للأمراض أو ناقلة لها فلا يجوز استعمالها ولا الاتجار فيها

    ثانيها: ألا يترتب على وضعها غش أو تدليس؛ كمن تستعملها لإخفاء بعض عيوب وجهها عمن يريد خطبتها؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم “من غش فليس منا”

    ثالثها:  ألا تتخذ وسيلة للتبرج وإثارة الغرائز؛ فمتى ما غلب على ظن التاجر أن من يشتريها يستغلها لتلك الأغراض غير المشروعة فلا يجوز أن يبيعها عليه؛ كالمرأة  التي تستعملها في التجمل لغير زوجها، أو لفتنة الناس وحضهم على المنكرات

  • عينات التقاوي للمزارعين

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فلا حرج في إعطاء العاملين من تلك التقاوي التي تقدم للمعمل كعينات لفحصها، وذلك لما يلي:

    أولاً: أن هذه التقاوي لا تتعلق بها نفوس أصحابها بعد تقديمها للمعمل؛ بل الغالب أنهم يهملونها ولا يسألون عنها؛ والشريعة قد قضت بإباحة التصرف فيما لا تتبعه نفس صاحبه؛ بحيث إن النبي صلى الله عليه وسلم فرق في اللقطة بين الجليل والحقير بهذا الاعتبار؛ فثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان نائماً فوجد تمرة تحت جنبه فأخذها فأكلها ثم جعل يتضور من آخر الليل وفزع لذلك بعض أزواجه فقال اني وجدت تمرة تحت جنبي فآكلتها فخشيت ان تكون من تمر الصدقة

    رواه الإمام أحمد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال الشيخ شعيب الأرنؤوط : إسناده حسن. بينما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيحين من حديث زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رجلاً سأل النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ اعْرِفْ وِكَاءَهَا ، أَوْ قَالَ وِعَاءَهَا – وَعِفَاصَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ قَالَ فَضَالَّةُ الإِبِلِ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ، أَوْ قَالَ احْمَرَّ وَجْهُهُ – فَقَالَ وَمَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَرْعَى الشَّجَرَ فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا قَالَ فَضَالَّةُ الْغَنَمِ قَالَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ. فدل ذلك على اعتبار الكثير الذي تتبعه نفس صاحبه وإهمال ما دون ذلك.

    ثانياً: هذه التقاوي مآلها – كما ذكر السائل – إلى الإتلاف والإلقاء بعد مضي مدة معينة؛ وعليه فإذا كان هؤلاء المزارعون سينتفعون بها فهذا خير من إتلافها؛ لأن الله تعالى لا يحب الفساد، ولعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم “من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل” والعلم عند الله تعالى

  • اضطراب الدورة الشهرية بسبب اللحمية

    السؤال: مصابة باللحمية، والدورة كانت ستة أيام، ولكن بعد اللحمية صارت تأتي أياماً أكثر من ذلك، حتى تصل إلى ثلاثة عشر يوماً، وأحياناً عشرة أيام، ومرة كانت ستة عشر يوماً، يعني غير منتظمة، مع العلم أن كميتها تكون قليلة أحياناً وكثيرة في أحيان أخرى؛ أفيدوني هل أعتبرها استحاضة وأصلي وأصوم أم ماذا؟

    الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالمرأة قد تضطرب حيضتها لمرض يصيبها أو دواء تتناوله أو تقدم في عمرها أو غير ذلك من الأسباب التي تجعل دورتها غير منتظمة، ومهما يكن من أمر، فإن العلامة التي علق الشرع الأحكام عليها هي رؤية الدم؛ فمتى ما رأت المرأة الدم بعد انقضاء خمسة عشر يوماً على حيضتها السابقة فهي حائض تمتنع من الصلاة والصيام ويمتنع زوجها عن جماعها، وتبقى هذه الأحكام سارية حتى يحصل الطهر بانقطاع الدم ثم التطهر بالغسل؛ فإذا استمر الدم بعد انتهاء المدة المعتادة لها فهو حيض ما لم يجاوز أكثر مدة الحيض والتي هي خمسة عشر يوماً عند جمهور العلماء؛ فمتى ما زاد على ذلك فإنه استحاضة لا يترتب عليه شيء من أحكام الحيض سوى أنها تتوضأ لكل صلاة بعد دخول وقتها، وتصلي بهذا الوضوء الفريضة وما شاءت من نوافل. لقول النبي صلى الله عليه وسـلم لفاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها حين قالت: إني امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “إنما ذلك عرق وليس بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي” رواه البخاري وفي رواية للجماعة إلا ابن ماجه: “فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي” زاد الترمذي في رواية وقال: “توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت”

    قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: والأحاديث الصحيحة منها ما يقضي بأن الواجب عليها الرجوع إلى العمل بصفة الدم؛ كما في حديث فاطمة بنت أبي حبيش الآتي في الباب الذي بعد هذا- يعني قوله صلى الله عليه وسـلم لفاطمة “إذا كان دم الحيضة فإنه أسود يعرف فإذا كان كذلك فأمسكي عن الصلاة فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما هو عرق” رواه أبو داود والنسائي – ومنها ما يقضي باعتبار العادة كما في أحاديث الباب ويمكن الجمع بأن المراد بقوله “أقبلت حيضتك” الحيضة التي تتميز بصفة الدم أو يكون المراد بقوله “إذا أقبلت الحيضة” في حق المعتادة والتمييز بصفة الدم في حق غيرها وينبغي أن يعلم أن معرفة إقبال الحيضة قد يكون بمعرفة العادة وقد يكون بمعرفة دم الحيض وقد يكون بمجموع الأمرين.ا.هــــ

    وعليه فإذا كان للسائلة أيام معلومة تأتيها الحيضة خلالها في كل شهر فإنها تعول على تلك العادة وتعتبر ما زاد على ذلك استحاضة، فإذا لم يكن لها أيام معلومة فإنها تعول على التمييز باللون والرائحة إن أمكنها ذلك؛ وإلا عولت على انقطاع حال حدوثه ما لم يزد مجموع الأيام على خمسة عشر يوماً، والعلم عند الله تعالى.

  • عدد أسماء الله الحسنى

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد روى الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسـلم “لله تسعة وتسعون اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر” وقد ذكر أهل العلم في شرح هذا الحديث فوائد:

    أولها: أنه لا يراد بهذا العدد الحصر عند جمهور العلماء، بل المراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها، لا الإخبار بحصر الأسماء، قال الخطابي رحمه الله تعالى: هو بمنزلة قولك: إن لزيد ألف درهم أعدها للصدقة، وقولك: إن لعمرو مائة ثوب من زاره خلعها عليه، وهذا لا يدل على أنه ليس عنده من الدراهم أكثر من ألف درهم ولا من الثياب أكثر من مائة ثوب.ا.هـــ ويدل على صحة هذا التأويل الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وابن حبان عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسـلم كان يدعو فيقول “…أسألك بكل اسم هو لك سمَّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك” وفي حديث عائشة “لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك”

    ثانيها: في معنى قوله صلى الله عليه وسـلم “من أحصاها”:

    • قيل: أن يعدها حفظاً ويدعو ربه بها؛ كما في قوله سبحانه {وأحصى كل شيء عددا} واستدل لهذا المعنى الخطابي بقوله ـ في الرواية الأخرى ـ “من حفظها دخل الجنة”
    • وقيل: المراد بالإحصاء الإطاقة؛ كما في قوله سبحانه {علم أن لن تحصوه} أي لن تطيقوه، وكقول النبي صلى الله عليه وسـلم “استقيموا ولن تحصوا” أي لن تبلغوا كل الاستقامة؛ فيكون المعنى: أن يطيق الأسماء الحسنى ويحسن المراعاة لها، وأن يعمل بمقتضاها، وأن يعتبرها فيلزم نفسه بموجبها.
    • وقيل: الإحصاء بمعنى العقل والمعرفة فيكون معناه أن من عرفها وعقل معانيها وآمن بها دخل الجنة، وهو مأخوذ من الحصاة وهي العقل، تقول العرب: فلان ذو حصاة، أي ذو عقل ومعرفة بالأمور.

    ثالثها: قوله صلى الله عليه وسـلم “وهو وتر يحب الوتر” الوتر هو الفرد، ومعناه في صفة الله تعالى الواحد الذي لا شريك له ولا نظير ولا شبيه، وجميع خلقه شفع خلقوا أزواجاً، قال سبحانه {ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون}

    وأما الحديث الذي رواه الإمام الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه في سرد أسماء الله الحسنى فقد ضعفه هو نفسه رحمه الله تعالى حيث قال: حديث غريب، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسـلم، ولا نعلم في كبير شيء من الروايات له إسناد صحيح ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث،  وقد روى آدم بن أبي إياس هذا الحديث بإسناد غير هذا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسـلم وذكر فيه الأسماء، وليس له إسناد صحيح.ا.هـــ

    وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: والذي عول عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه، وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم وعبد الملك بن محمد الصنعاني عن زهير أنه بلغه عن غير واحد من أهل العلم أنهم قالوا ذلك، أي أنهم جمعوها من القرآن، كما روي عن جعفر بن محمد وسفيان بن عيينة وأبي زيد العلوي، والله أعلم.ا.هـــ

    وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: الصحيح أنه _ أي العد – ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسـلم.ا.هــــ

    وقال الصنعاني رحمه الله تعالى: اتفق الحفاظ من أئمة الحديث أن سردها إدراج من بعض الرواة.ا.هــــ

    الخلاصة

    أن أسماء الله الحسنى لا تنحصر في التسعة وتسعين اسماً، وأنه لم يرد في تعيينها وجمعها نص صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسـلم، بل الأمر محل اجتهاد حيث بذل العلماء رحمهم الله جهدهم في إحصائها من نصوص القرآن والسنة، ومن وفق إلى إحصاء تسعة  وتسعين اسماً منها نال من الأجر ما بشر به رسول الله صلى الله عليه وسـلم، والله المستعان.

  • أسلمت المرأة وبقي زوجها كافرا

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالمقرر شرعاً أنه لا يحل للمرأة المسلمة البقاء تحت زوج كافر؛ لقوله تعالى {فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} فلا يجوز لها – بعد إسلامها – أن تمكن الزوج الكافر من نفسها؛ وأما وقوع الفرقة بينهما فموقوف على انقضاء العدة؛ بمعنى أن الزوج إذا أسلم قبل انقضاء العدة فإنها تُردُّ إليه بالنكاح الأول ولا يلزم تجديده، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رد المهاجرات إلى أزواجهن لما أسلموا وهن في العدة، أما إذا تاخر إسلامه إلى أن انقضت عدتها فإنها تبين منه بينونة صغرى، وتكون أولى بنفسها وليست بحاجة إلى أن يوقع الزوج الكافر طلاقاً؛ بل لها الخيار في أن تتزوج به متى ما أسلم أو تتزوج بغيره، والدليل على ذلك أن امرأة صفوان بن أمية أسلمت يوم فتح مكة ثم أسلم هو بعدها بنحو من شهر ولم يفرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما، ولا أمرهما بتجديد العقد، وبقيت عنده بالنكاح الأول.

    ومعلوم أن عدة المرأة هي ثلاثة أطهار إن كانت من ذوات القرء، أو ثلاثة أشهر إن كانت صغيرة أو كبيرة لا تحيض، أو وضع الحمل إن كانت حاملا.

    يبقى بعد ذلك التحري من قبل القاضي عن إسلام ذلك الرجل أهو إسلام حق أم غش وتدليس لاستبقاء النكاح، أو ليتسنى له فتنة المرأة عن دينها، والظاهر الثاني لكونه قد أعلن ذلك أمام المحكمة ولم يسبقه أو يتبعه بإجراء يشي بصدقه مما جرت به الأنظمة؛ كاستصدار إشهار شرعي يثبت صدق ما نطق به مثلما جرى الحال في نظائره من المعاملات كإثبات النكاح والنسب والديون وغيرها.  والله تعالى أعلم

  • استعمال دواء يمنع الحيض

    ما حكم استعمال ما يمنع الحيض؟

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فلا حرج على المرأة في استعمال الدواء الذي يؤخر نزول دم الحيض من أجل غرض مشروع كإكمال النسك أو إكمال رمضان ونحو ذلك من الأغراض الصحيحة، وذلك كله مشروط بألا يترتب عليه ضرر، ولمعرفة حصول الضرر من عدمه تستشار الطبيبة الحاذقة الموثوقة، وقد ذكر بعض أهل العلم أن نساء المسلمين – فيما مضى – كن يشربن الماء الذي طبخت فيه أعواد الأراك للغرض نفسه.

    ولربما يقال: إن الأولى أن تبقي المرأة الأمر على طبيعته تعبداً لله بترك الصلاة والصيام والطواف أيام حيضتها، مثلما تتعبد لله بالصلاة والصيام والطواف حال طهرها؛ ولأن استعمال تلك الأدوية ربما يؤدي إلى متاعب صحية أو إلى اضطراب دورة المرأة فيما بعد، أو إلى نزول سائل أصفر تبقى معه متحيرة لا تدري أحيض هو أم ليس بحيض، لكن الحاجة قد تكون داعية لاستعمال تلك الأدوية خاصة في الحج من أجل أن تكمل نسكها وتلحق برفقتها، فيبقى الأمر على الجواز بالشرط الذي مضى ذكره، والعلم عند الله تعالى.

زر الذهاب إلى الأعلى