الفتاوى

  • استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فإن الله تعالى قد أوجب علينا التطهر قبل الوقوف بين يديه مصلين فقال سبحانه { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} وهذا التطهر يكون بالماء الطهور الباقي على أصل خلقته، ولم يتغير أحد أوصافه لا لونه ولا طعمه ولا ريحه، سواء نزل من السماء أو نبع من الأرض؛ كماء المطر وماء البحر وماء العيون وماء الآبار ونحوها. فإذا خالط الماء نجس فغير لونه أو ريحه أو طعمه فإنه ينجس ولا يجوز استعماله في عبادة ولا عادة، أما إذا تغير بشيء طاهر كلبن وعصير ونحوهما فإنه يكون طاهراً يستعمل في العادات كالأكل والشرب، لكنه غير طهور فلا يستعمل في العبادات كالوضوء والغسل وتطهير البدن والثوب. قال ابن أبي زيد رحمه الله تعالى في الرسالة: وما غير لونه بشيء طاهر حل فيه فذلك الماء طاهر غير مطهر في وضوء أو طهر أو زوال نجاسة، وما غيرته النجاسة فليس بطاهر ولا مطهر لغيره.ا.هــــ

    وقد قرر فقهاؤنا رحمهم الله أن الماء النجس إذا عولج حتى طهر فإنه يجوز استعماله في العادات والعبادات، وتكون معالجته بمكاثرته بالماء الطهور حتى يغلب عليه؛ فإن كوثر بالماء الطهور حتى زال التغير، أو زال تغيره بطول مكثه فقد طهر، وهذا عند الشافعية والحنابلة رحمهم الله تعالى، أما المالكية رحمهم الله فإنهم يتفقون في تطهير الماء المتنجس بالمكاثرة بالماء الطهور، أما زوال النجاسة بطول المكث ففيه قولان عندهم بالطهارة وعدمها، والراجح عندهم عدم التطهر

    وعليه فإنه إذا أمكن تطهير مياه الصرف الصحي وتنقيتها من آثار النجاسة طعماً ولوناً ورائحة فلا حرج في استعمالها في العادات والعبادات؛ لأن وصف الماء الطهور ينطبق عليه والحالة هذه؛ كما أن العلة المانعة من استخدامه وهي النجاسة قد زالت، ومعلوم أن الحكم يزول بزوال علته، والعلم عند الله تعالى.

  • قضية التكفير

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    أولاً: الحكم بتكفير المسلم من أخطر الأحكام التي ما ينبغي أن يجترئ عليها الناس؛ فقد نهت الشريعة عن إطلاق اللسان بتكفير المسلم ـ أياً كان ـ لما ثبت في الصحيحين عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال {إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر؛ فقد باء بها أحدهما} وفي الحديث الآخر في الصحيحين كذلك {ومن دعا رجلاً بالكفر أو قال: عدو الله، وليس كذلك إلا حار عليه} أي رجع عليه ما قاله. قال الحافظ رحمه الله في الفتح 1/466: والتحقيق أن الحديث سيق لزجر المسلم عن أن يقول ذلك لأخيه المسلم، وقيل: الراجع هو التكفير لا الكفر.ا.هــ[1] والواجب على المسلم أن يتورع عن إطلاق هذا اللفظ الخطير على أخيه المسلم؛ قال الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله، ولا بخطأ أخطأ فيه كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة.ا.هــ انظر: الفتاوى الكبرى 3/282

    ثانياً: التكفير حكم شرعيٌّ تترتب عليه أحكام خطيرة منها: أن المحكوم بكفره لا يحل لزوجته البقاء معه؛ لقوله تعالى }لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن( ولا يجوز لأولاده البقاء تحت سلطانه لقوله تعالى }ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا{ وتنقطع الولاية بينه وبين مجتمع المؤمنين؛ لقوله تعالى }لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء{ ويجب تقديمه للقضاء ليقيم فيه حكم الله؛ لقوله e {من بدل دينه فاقتلوه} رواه البخاري وبعد موته لا تجرى عليه أحكام موتى المسلمين؛ فلا يُغسَّل، ولا يُكفَّن، ولا يُصلَّى عليه[2]، ولا يُدفَن في مقابر المسلمين، ولا يورث ماله، ولا يُدعَى له بالرحمة والمغفرة؛ لقوله تعالى }ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون{ ويستوجب الخلود في جهنم مع لعنة الله تعالى وغضبه.

    ثالثاً: الأصل فيمن ينتسب للإسلام بقاء إسلامه حتى يتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي، ولا يجوز التساهل في تكفيره لأن في ذلك محذورين عظيمين: أحدهما: افتراء الكذب على الله تعالى في الحكم، والثاني: افتراء الكذب على المحكوم عليه في الوصف الذي نبزه به. أما الأول فواضح حيث حكم بالكفر على من لم يكفِّره الله تعالي فهو كمن حرَّم ما أحل الله؛ لأن الحكم بالتكفير أو عدمه إلى الله وحده كالحكم بالتحريم أو عدمه. وأما الثاني فلأنه وصف المسلم بوصف مضاد، فقال: إنه كافر، مع أنه بريء من ذلك، وحريٌّ به أن يعود وصف الكفر عليه لما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أن النبي e قال {إذا كفَّر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما} وفي رواية {إن كان كما قال وإلا رجعت عليه} وله من حديث أبي ذر t أن النبي e قال {ومن دعا رجلاً بالكفر أو قال: عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه} يعني رجع عليه. وقوله في حديث ابن عمر {إن كان كما قال} يعني في حكم الله-تعالى- وكذلك قوله في حديث أبي ذر t {وليس كذلك} يعني في حكم الله تعالى.

    رابعاً: الذي يحكم بردة المسلم وكفره هم الراسخون في العلم من أهل الاختصاص الذين يميِّزون بين القطعي والظني، وبين المحكم والمتشابه، وبين ما يقبل التأويل وما لا يقبل التأويل، فلا يكفّرون إلا بما لا يجدون له مخرجًا، مثل: إنكار المعلوم من الدين بالضرورة، أو وضعه موضع السخرية من عقيدة أو شريعة، ومثل سبِّ الله تعالى ورسوله، أو كتابة ذلك السبِّ علانية، ونحو ذلك. ثم إن الذي يناط به تنفيذ حكم الردة هو ولي الأمر الشرعي، بعد حكم القضاء الإسلامي المختص؛ الذي لا يحتكم إلا إلى شرع الله U، ولا يرجع إلا إلى المُحْكمات البَيِّنات من كتاب الله تعالى وسنة رسوله e، وهما المرجعان اللذان يُرجَعُ إليهما إذا اختلف الناس، وهو الأمر الذي أكَّد عليه الله تعالى بقوله }فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً{ فليس الحكم بالردة والكفر موكولاً إلى آحاد الناس وصغار الطلبة؛ بل الأمر في ذلك عظيم، وحريٌّ بالعاقل أن يتورع عن إطلاق القول فيه.

    خامساً: المسألة الواردة يلاحظ فيها أولاً: أن الجهاز الذي وقع في دورة المرحاض ليست له حرمة المصحف الشريف، وثانياً: أن الشخص لم يتعمد إلقاء ذلك الجهاز، بل حصل ذلك دون إرادة منه، والله تعالى يقول )وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم( قال خليل بن إسحاق المالكي رحمه الله حين بيان ما يعد ردة: الردة كفر المسلم؛ كإلقاء مصحف بقذر. قال الخرشي: كإلقاء مصحف، ومما يرتد به وضعه بالأرض مع قصد الاستخفاف انظر حاشية الخرشي على خليل 8/ 62. وقال الإمام أبو يحيى الأنصاري في أسنى المطالب وهو يعدد ما تحصل به الردة: وإلقاء مصحف أو نحوه ككتب الحديث في قذر استخفافاً.ا.هــــــــــــــ انظر أسنى المطالب 19/399

    سادساً: لا حاجة إلى ردم ذلك المرحاض ولا دفنه، بل الواجب بذل الجهد في نزحه حتى يستخرج ما وقع فيه ـ من معظَّم كمصحف أو كتاب حديث أو ما فيه ذكر الله ـ إن أمكن، وإلا فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، والعلم عند الله تعالى.

  • يسيئون للإسلام

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فإن رد الشبهات وإبطال الترهات، والدفاع عن دين الإسلام من فروض الكفايات التي ينبغي أن يضطلع بها ثلة من أهل العلم الثقات الحاذقين، وليست هذه المهمة موكولة إلى آحاد الناس  ممن ضعف علمُهم وقلَّت بضاعتهم؛ لعموم قوله تعالى {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} وقوله سبحانه {ولو ردوه إلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «هلا سألوا إذ جهلوا؟ إنما شفاء العي السؤال» وكذلك الصحابة رضي الله عنهم كانوا إذا أشكل عليهم شيء رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه مثلما صنع المغيرة بن شعبة رضي الله عنه حين سأله أهل الكتاب عن قوله تعالى عن مريم {يا أخت هارون} وبين هارون ومريم قرون متطاولة؛ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «إنما كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم وصالحيهم»

    وعليه فما ينبغي لكل أحد أن يدخل على تلك المواقع المسيئة، ولا أن يتجشم عناء الرد عليهم؛ لأن الشبهة قد تعلق بالقلب ولا يستطيع لها دفعاً؛ وقد قال علماؤنا: الشبه خطافة والقلوب ضعيفة. ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وعلى المرء الذي وقعت عينه على شيء من ذلك أن يدل أهل العلم عليها من أجل أن يتفرغوا لها ويعملوا على دفع تلك الشبهات وحماية جناب الدين من اعتداء المعتدين، كما نوصي الجهات المسئولة – في الهيئة القومية للاتصالات وغيرها – أن تعمل على حجب تلك المواقع المسيئة، والحيلولة دون اننشار شرها، والله الموفق والمستعان.

  • وقع في مقدمات الزنا

    السؤال: ما حكم من قام بالاستمتاع الذي يكون بين الأزواج بفتاة ويرغب بالزواج منها؛ لكنه لم يقم بالجماع أبداً معها، والفتاة ما زالت عذراء، ولكن بمداعبته بيه لأعضائها من تحت، وحدث ذلك أثناء مقابلتهم والحديث معها بسيارته أربع مرات، بدون قد زواج وذلك بالاتفاق بينهم على نية الزواج، وذلك بسبب رفض أهلها له، وقد تقدم لأهلها بعد ذلك ورفضوا، وهو إلى اليوم يريد الزواج منها بعد موافقة أهلها؛ فماذا يفعل؟ وما حكم ما فعلوا؟ وهل يترتب عليه أي عقوبة؟ وكيف يتوبون منه؟ فهما نادمان بسبب ما حدث منهم مع عدم إتمام زواجهم لعدم موافقة أهلها.

    الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالزنا الذي يترتب عليه إيقاع الحد هو إيلاج فرج في فرج محرم شرعاً مشتهى طبعا، وأما ما دون ذلك من مقدمات الزنا فلا يترتب عليه حد، ولا يسمى زنا إلا مجازا؛ لكن فيه إثماً عظيماً؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم “العينان تزنيان، وزناهما النظر، والأذنان تزنيان، وزناهما السمع، واليدان تزنيان، وزناهما البطش، والرجلان تزنيان، وزناهما المشي، والقلب يشتهي ويتمنى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه” فعلى من وقع في شيء من ذلك أن يبادر بتوبة نصوح قبل الفوات، ولا مانع من أن يسعيا إلى الزواج الحلال الذي يحصل به الإعفاف ويبذلا الأسباب الموصلة إلى ذلك، والله الموفق والمستعان.

  • سبعون ألفا يدخلون الجنة

    ما هي صفتهم على وجه الدقة؟ وماذا لو مرض المسلم فتطبب عند الطبيب هل يخرجه هذا من دائرة السبعين؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد روى البخاري ومسلم من حديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، حَتَّى رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ قُلْتُ: مَا هَذَا؟ أُمَّتِي هَذِهِ؟ قِيلَ: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ. قِيلَ: انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلأُ الأُفُقَ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا فِي آفَاقِ السَّمَاءِ؛ فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلأَ الأُفُقَ، قِيلَ: هَذِهِ أُمَّتُكَ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلاَءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ” ثُمَّ دَخَلَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ؛ فَأَفَاضَ الْقَوْمُ وَقَالُوا: نَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاتَّبَعْنَا رَسُولَهُ فَنَحْنُ هُمْ، أَوْ أَوْلاَدُنَا الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الإِسْلاَمِ فَإِنَّا وُلِدْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَخَرَجَ فَقَالَ: “هُمُ الَّذِينَ لاَ يَسْتَرْقُونَ، وَلاَ يَتَطَيَّرُونَ، وَلاَ يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ” فَقَالَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ أَمِنْهُمْ أَنَا يا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: “نَعَمْ” فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا؟ قَالَ: “سَبَقَكَ عُكَّاشَةُ” فعلم من هذا الحديث أن هؤلاء السبعين ألفاً لا بد فيهم من أربع صفات، نسأل الله أن يجعلنا منهم:

    الصفة الأولى: هم الذين لا يسترقون، والمراد بذلك الرقى بغير ما ورد به الشرع، أما ما ورد به الشرع; فليست داخلة في ذلك، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الفاتحة: “وما يدريك أنها رقية” وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رقى جمعاً من أصحابه بدعوات طيبات كقوله صلى الله عليه وسلم “اللهم رب الناس، أذهب الباس، اشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما” وقوله “بسم الله، تربة أرضنا، بريقة  بعضنا، يشفى سقيمنا بإذن ربنا” فلا مانع من أن يرقي الإنسان غيره أو يطلب الرقية من غيره، قال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى: وكان عليه السلام قد رقى ورقي وأمر بها وأجازها، فاذا كانت بالقرآن أو بأسماء الله تعالى فهي مباحة أو مأمور بها، وإنما جاءت الكراهية والمنع فيما كان منها بغير لسان العرب؛ فإنه ربما كان كفراً أو قولاً يدخله الشرك. قال: ويحتمل أن يكون الذي يكره من ذلك ما كان على مذاهب الجاهلية التي يتعاطونها، وأنها تدفع عنهم الآفات ويعتقدون ذلك من قبل الجن ومعونتهم.ا.هـــــ وقال ابن التين رحمه الله تعالى: الرقى بالمعوذات وغيرها من أسماء الله تعالى هو الطب الرباني؛ فاذا كان على لسان الابرار من الخلق حصل الشفاء باذن الله تعالى.ا.هــــ وقال أبو الحسن بن القابسى: معنى لا يسترقون. يريد الاسترقاء الذى كانوا يسترقونه فى الجاهلية عند كهانهم وهو استرقاء لما ليس فى كتاب الله ولا بأسمائه وصفاته، وإنما هو ضرب من السحر، فأما الاسترقاء بكتاب الله والتعوذ بأسمائه وكلماته فقد فعله الرسول وأمر به ولا يخرج ذلك من التوكل على الله، ولايرجى فى التشفى به إلا رضا الله.ا.هـــــــــ وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: فالرقية في ذاتها ليست ممنوعة وانما منع منها ما كان شركا أو احتمله ومن ثم قال صلى الله عليه و سلم اعرضوا علي رقاكم ولا بأس بالرقى ما لم يكن شرك.ا.هــــــــــــــ وقال الجلال السيوطي رحمه الله تعالى: قد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن يكون بكلام الله أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي وبما يعرف معناه، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله تعالى.ا.هـــ

    ثانيها: لا يتطيرون، والطيرة هي التشاؤم بمعلوم مرئياً كان أو مسموعاً، زماناً كان أو مكانا، وسميت كذلك لأن العرب كانوا يتشاءمون بأنواع من الطير، ويتشاءمون بالطير إذا طارت ناحية الشمال، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم “ليس منا من تَطَيَّر أو تُطُيِّر له”

    ثالثها: لا يكتوون، قال ابن بطال رحمه الله تعالى: ومعنى ذلك الذين يكتوون معتقدين أن الشفاء بيد الله لا بعلاجه، من اعتقد أن الله هو الذى شفاه به فهو المتوكل على ربه التوكل الصحيح، ولا أحد يتقدم النبى عليه السلام فى دخول الجنة ولا يسبقه إليها وقد قال:  «أنا أول من يقرع باب الجنة فيقال لى: من أنت؟ فأقول: محمد. فيقول الخازن: أمرت ألا أفتح لأحد قبلك» قالوا: وقد كوى عليه السلام جماعة من أصحابه، كوى أبا أمامه أسعد بن زرارة من الذبحة، وكوى سعد بن معاذ من كلمه يوم الخندق، وكوى أبى بن كعب على أكحله حين أصابه السهم يوم أحد، وكوى أبو طلحة فى زمن النبى عليه السلام، وقال جرير بن عبد الله: أقسم عليَّ عمر بن الخطاب لأكتوين، واكتوى خباب بن الأرت سبعًا على بطنه، واكتوى من اللقوة ابن عمر ومعاوية وعبد الله بن عمرو، روى ذلك كله الطبرى بأسانيد صحاح.ا.هـــــــ قال الطبرى: فبان أن معنى الحديث ماقلناه وأن الصواب فى حد التوكل الثقة بالله تعالى والاعتماد فى الأمور عليه، وتفويض كل ذلك إليه بعد استفراغ الوسع فى السعى فيما بالعبد الحاجة إليه من أمر دينه ودنياه على ما أمر به من السعى فيه لا مالقله الزاعمون أن حدة الاستسلام للسباع وترك الاحتراز من الاعداء ورفض السعى للمكاسب والمعاش، والإعراض عن علاج العلل؛ لأن ذلك جهل وخلاف لحكم الله فى بعاده. وخلاف حكم رسوله فى أمته وفعل الأثمه الراشدين.

    رابعها: وعلى ربهم يتوكلون؛ بمعنى أنهم يأخذون بالأسباب ويفوضون النتائج إلى الله تعالى، فلا يعتمدون على السبب وحده، بل يعتقدون أن الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

    قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: يحتمل أن تكون هذه الجملة مفسرة لما تقدم من ترك الاسترقاء والاكتواء والطيرة، ويحتمل أن تكون من العام بعد الخاص؛ لأن صفة كل واحدة منها صفة خاصة من التوكل وهو أعم من ذلك.ا.هـــــ وقال القرطبي وغيره قالت طائفة من الصوفية لا يستحق اسم التوكل الا من لم يخالط قلبه خوف غير الله تعالى حتى لو هجم عليه الأسد لا ينزعج وحتى لا يسعى في طلب الرزق لكون الله ضمنه له وأبى هذا الجمهور وقالوا يحصل التوكل بأن يثق بوعد الله ويوقن بأن قضاءه واقع ولا يترك اتباع السنة في ابتغاء الرزق مما لا بد

    أما ذهاب المريض إلى الطبيب وطلبه العلاج عنده فلا ينافي التوكل، ولا يفهم من هذا الحديث منع التداوي؛ قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: احتج بعض الناس بهذا الحديث على ان التداوى مكروه، وجلّ مذاهب العلماء على خلاف ذلك، واحتجوا بما وقع فى أحاديث كثيرة من ذكره صلى الله عليه وسلم لمنافع الاَدوية والأطعمة كالحبَّةِ السوداء والقُسْط والصبر وغير ذلك، وبأنه صلى الله عليه وسلم تداوى، وبإخبار عائشة رضى اللّه عنها بكثرة تداويه وبما عُلم من الاستشفاء بُرقاه، وبالحديث الذى فيه أن بعض أصحابه أخذوا على الرُقيةِ أجرًا، فإذا ثبت هذا صح أن يُحمَلَ ما فى الحديث على قوم يعتقدون ان الأدوية نافعةً بطباعها كما يقول بعض الطبائعين، لا ائهم يفوضون الأمر إلى اللّه تعالى، وهذا على نحو التأويل المتقدم فى حديث الاستمطار بالنجوم… إلى أن قال رحمه الله تعالى: وقد تكلم العلماء وأصحابُ المعانى على هذا، فذهب أبو سليمان الخطابى وغيرُه اْن وجه هذا أن يكون تركها على جهة التوكل على الله والرّضى بما يقضيه من قضاء ويُنزِله من بلاَء، قال: وهذه من أرفع درجات المتحققين بالإيمان، وإلى هذا ذهب جماعة من السلًف. قال القاصْى: وهذا هو ظاهر الحديث، ألا ترى قوله: “وعلى ربهم يتوكلون”؟.ا.هـــــــــــــــــــــــــــــــــ والعلم عند الله تعالى.

  • لم يصم بعد البلوغ

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فصيام رمضان واجب على كل مسلم بالغ عاقل صحيح مقيم غير حائض ولا نفساء، ووجوبه من قطعيات الدين التي ثبتت بالقرآن والسنة والإجماع، ومن فرط في ذلك مع قدرته عليه فقد أثم إثماً مبيناً، ويلزمه التوبة إلى الله تعالى من التفريط، وذلك بالإقلاع عن هذا الذنب والندم على ما فات والعزم على عدم العود، مع قضاء تلك الأيام التي أفطرها.

    وليس أمر الوالدة بمبرر للإفطار؛ فإنما الطاعة في المعروف؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وعدم وجود ما تفطر به ليس مبرراً كذلك بل ينبغي أن يكون حاملاً لك على الصيام لأن تقوى الله مجلبة للرزق؛ كما قال سبحانه {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب} فعليك – أحسن الله إليك –  أن تحصي تلك الأيام التي أفطرت فيها وتجتهد في ذلك مع الأخذ بالاحتياط، والله الموفق والمستعان.

  • الصلاة خلف المبتدعة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فهذه اللفظة ليست بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن المقرر عند علمائنا المالكية رحمهم الله تعالى أن إمام الصلاة يشترط فيه أن يكون ذكراً مسلماً عاقلاً بالغاً غير مأموم ولا معيد ندباً وأن يكون عالماً بما يجب لها وفيها وبما يفسدها، سالماً من البدعة والفسق واللحن. وفي الأربعة الأخيرة خلاف.

    فالصلاة خلف كل مسلم صحيحة ـ مبتدعاً كان أو على السنة ـ إلا من كانت بدعته مكفِّرة؛ كمن يعتقد أن لغير الله من الأولياء ونحوهم تصرفاً في الكون، أو من يعتقد أن أحداً سوى الله يعلم الغيب بإطلاق، ونحو ذلك من البدع التي تخرج صاحبها ـ بعد إقامة الحجة عليه وانتفاء الموانع عنه ـ من دائرة الإسلام؛ عياذاً بالله تعالى، وأما من كانت بدعته دون ذلك ـ كحال المبتدعين بدعاً عملية ـ فهؤلاء يُصلَّى خلفهم، وإن كان الأولى إقامة غيرهم مكانهم؛ صيانة لدين المسلمين من الدَّخَن.

    قالوا: فإن اقتدى بذي بدعة أعاد في الوقت ولم تبطل صلاته على المعتمد. قال خليل بن إسحاق رحمه الله تعالى: وأعاد بوقت في كحروري.ا.هــــ وكذلك الفاسق فإن إمامته مكروهة على المعتمد؛ والأصل في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم “يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله؛ فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة؛ فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلما. ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد على تكرمته في بيته إلا بإذنه” رواه مسلم عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه.

  • زنى في رمضان

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالزنا من كبائر الذنوب، بل هو أكبرها بعد الشرك بالله وقتل النفس، ففي الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت أو سئل رسول الله صلى الله عليه وسـلم أَيُّ الذَّنْبِ عِنْدَ اللهِ أَكْبَرُ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهْوَ خَلَقَكَ. قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ. قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ. قَالَ: وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم {وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ} وقد نهى ربنا جل جلالـه عن الزنا وكل ما يؤدي إليه فقال {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا}

    وهذا الذنب العظيم يتضاعف وزره باختلاف الأحوال، يقول ابن القيم رحمه الله في كتاب (الجواب الكافي): وَأَعْظَمُ أَنْوَاعِ الزِّنَا: أَنْ يَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِهِ، فَإِنَّ مَفْسَدَةَ الزِّنَا تَتَضَاعَفُ بِتَضَاعُفِ مَا انْتَهَكَهُ مِنَ الْحَقِّ. فَالزِّنَا بِالْمَرْأَةِ الَّتِي لَهَا زَوْجٌ أَعْظَمُ إِثْمًا وَعُقُوبَةً مِنَ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا، إِذْ فِيهِ انْتِهَاكُ حُرْمَةِ الزَّوْجِ، وَإِفْسَادُفِرَاشِهِ وَتَعْلِيقُ نَسَبٍ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ أَذَاهُ، فَهُوَ أَعْظَمُ إِثْمًا وَجُرْمًا مِنَ الزِّنَا بِغَيْرِ ذَاتِ الْبَعْلِ.

    فَالزِّنَا بِمِائَةِ امْرَأَةٍ لَا زَوْجَ لَهَا أَيْسَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الزِّنَا بِامْرَأَةِ الْجَارِ، فَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا جَارًا لَهُ انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ سُوءُ الْجِوَارِ، وَأَذَى جَارِهِ بِأَعْلَى أَنْوَاعِ الْأَذَى وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْبَوَائِقِ. وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنَّهُ قَالَ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ وَلَا بَائِقَةَ أَعْظَمُ مِنَ الزِّنَا بِامْرَأَةِ الْجَارِ.

    فَإِنْ كَانَ الْجَارُ أَخًا لَهُ أَوْ قَرِيبًا مِنْ أَقَارِبِهِ انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ، فَيَتَضَاعَفُ الْإِثْمُ لَهُ، فَإِنْ كَانَ الْجَارُ غَائِبًا فِي طَاعَةِ اللَّهِ كَالصَّلَاةِ وَطَلَبِ الْعِلْمِ وَالْجِهَادِ تَضَاعَفَ لَهُ الْإِثْمُ، حَتَّى إِنَّ الزَّانِيَ بِامْرَأَةِ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوقَفُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُقَالُ خُذْ مِنْ حَسَنَاتِهِ مَا شِئْتَ.

    قَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَمَا ظَنُّكُمْ؟ أَيْ مَا ظَنُّكُمْ أَنَّهُ يَتْرُكُ لَهُ حَسَنَاتٍ، قَدْ حُكِّمَ فِي أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا مَا شَاءَ؟ عَلَى شِدَّةِ الْحَاجَةِ إِلَى حَسَنَةٍ وَاحِدَةٍ، حَيْثُ لَا يَتْرُكُ الْأَبُ لِابْنِهِ وَلَا الصَّدِيقُ لِصَدِيقِهِ حَقًّا يَجِبُ عَلَيْهِ، فَإِنِ اتَّفَقَ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ رَحِمًا مِنْهُ انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ قَطِيعَةُ رَحِمِهَا، فَإِنِ اتَّفَقَ أَنْ يَكُونَ الزَّانِي مُحْصَنًا كَانَ الْإِثْمُأَعْظَمَ، فَإِنْ كَانَ شَيْخًا كَانَ أَعْظَمَ إِثْمًا، وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، فَإِنِ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ أَوْ بَلَدٍ حَرَامٍ أَوْ وَقْتٍ مُعَظَّمٍ عِنْدَ اللَّهِ، كَأَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَأَوْقَاتِ الْإِجَابَةِ، تَضَاعَفَ الْإِثْمُ. وَعَلَى هَذَا فَاعْتَبِرْ مَفَاسِدَ الذُّنُوبِ وَتَضَاعُفَ دَرَجَاتِهَا فِي الْإِثْمِ وَالْعُقُوبَةِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.ا.هـــــــــــــــــ

    وعليه فإن هذا الشخص تلزمه أمور ثلاثة:

    أولها: التوبة إلى الله تعالى من ذلك الإثم المبين والتعجيل بذلك؛ عملاً بقوله تعالى {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليماً حكيما}

    ثانيها: قضاء يوم مكان كل يوم أفسده بذلك الزنا

    ثالثها: الكفارة عن كل يوم بصيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً؛ لكل مسكين نصف صاع من طعام، بناء على أن الكفارة على التخيير، وهو مذهب مالك رحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم.

  • أفطر قبل الأذان

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فإنه يلزمكم قضاء ذلك اليوم؛ لأنكم أفطرتم قبل غروب الشمس خطأ؛ وليس عليكم إثم فيما صنعتم؛ قال الله تعالى ((وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم)) وقد حصل هذا في زمان عمر رضي الله عنه فأمر الناس بالقضاء، ففي موطأ مالك أن الناس أفطروا في يوم ذي غيم ثم قيل: طلعت الشمس!! فقال عمر: {الخطب يسير، وقد اجتهدنا} قال مالك رحمه الله: يريد بقوله: الخطب يسير القضاء فيما نرى والله أعلم وخفة مئونته ويسارته يقول: نصوم يوماً مكانه.ا.هـــــ والله تعالى أعلم.

  • نبش القبور

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالأصل هو أن الميت إذا وضع في قبره فقد تبوأ منزلاً وسبق إليه فهو حبس عليه ليس لأحد التعرض له، ولا التصرف فيه، ولأن النبش قد يؤدي إلى كسر عظم الميت وامتهانه. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم{كسر عظم الميت ككسره حياً} رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. هذا هو الحكم المقرر عند أئمة أهل العلم، قال خليل بن إسحاق في مختصره: قال العلامة خليل المالكي في مختصره: والقبر حبس لا يمشي عليه ولا ينبش ما دام به.ا.هــــــــــــــــــــــــــــ

    لكنهم قرروا كذلك أنه يجوز نبش قبر الميت وإخراجه منه إذا دعت إلى ذلك ضرورة أو مصلحة إسلامية راجحة يقررها أهل العلم. على اختلاف بينهم في تحديد تلك المصلحة؛ كما سيأتي النقل عنهم إن شاء الله تعالى.

    والوارد في السؤال أن هذه المقابر دارسة ومهجورة منذ أكثر من مائة عام، والغرض المراد من نبشها ونقلها مصلحة عامة مثل إقامة عمارة للأوقاف أو بناء مدرسة أو مستشفى أو دار أيتام، أو عمارة متعددة الطوابق كمواقف للسيارات، أو مطعم لعامة الشعب أو استعمالها كمدافن جديدة بعد تغطيتها بتربة جديدة.

    والحاصل من أقوال أهل العلم أن جمهورهم على جواز نبش القبور إذا كانت دارسة عافية لم يبق فيها أثر للموتى؛ وذلك من أجل ضرورة أو مصلحة راجحة، وقد منع المالكية من ذلك إلا لغرض الدفن؛ حيث قال في الشرح الصغير: إذا علم أن الأرض أكلته ولم يبق منه شيء من عظام فإنه ينبش، لكن للدفن أو اتخاذ محلها مسجداً لا للزرع والبناء.ا.هــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    وذهب الحنفية والحنابلة إلى جواز ذلك لسائر الأغراض؛ حيث قال ابن عابدين الحنفي في رد المحتار على الدر المختار 3/ 138: وقال الزيلعي: ولو بلي الميت وصار تراباً جاز دفن غيره في قبره وزرعه والبناء عليه.ا.هـــــــــــــــ

    وقال الإمام أبو زكريا النووي رحمه الله تعالى: وأما نبش القبر فلا يجوز لغير سبب شرعي باتفاق الأصحاب, ويجوز بالأسباب الشرعية، كنحو ما سبق. ومختصره: أنه يجوز نبش القبر إذا بلي الميت وصار تراباً, وحينئذ يجوز دفن غيره فيه, ويجوز زرع تلك الأرض، وبناؤها، وسائر وجوه الانتفاع والتصرف فيها باتفاق الأصحاب, وإن كانت عارية رجع فيها المعير. وهذا كله إذا لم يبقَ للميت أثر من عظم وغيره. قال أصحابنا رحمهم الله: “ويختلف ذلك باختلاف البلاد والأرض، ويعتمد فيه قول أهل الخبرة بها.ا.هــــــــــــــــــــــ

    وقال المرداوي الحنبلي في كتابه الإنصاف: متى علم أن الميت صار تراباً قال في الفروع: ومرادهم ظن أنه صار تراباً، ولهذا ذكر غير واحد يعمل بقول أهل الخبرة، فالصحيح من المذهب أنه يجوز دفن غيره فيه، نقل أبو المعالي جاز الدفن والزراعة وغير ذلك، ومراده إذا لم يخالف شرط واقفه لتعيينه الجهة وقيل لا يجوز.ا.هـــــــــــــــــــ وقال ابن قدامة الحنبلي في المغني: وإن بلي الميت وعاد تراباً فلصاحب الأرض أخذها.ا.هـــــــــــ
زر الذهاب إلى الأعلى