الفتاوى

  • صندوق تكافلي للحج

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فقد أوجب الله الحج على المستطيع؛ فقال سبحانه وتعالى {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} والواجبات الشرعية عامة منوطة بالقدرة، والأصل الشرعي المطرد في ذلك قوله تعالى {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} وقوله {لا تكلف نفس إلا وسعها} وقوله {لا نكلف نفساً إلا وسعها} وقوله {لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها} وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى أن ملك الزاد والراحلة مع أمن الطريق مما تتحقق به الاستطاعة، أما غير المستطيع فلا إثم عليه ولا حرج.

    وما جرت عليه عادة بعض الجهات الحكومية أو الخاصة من إقامة صندوق تكافلي يساهم فيه نفر من الناس من منسوبي الجهة المعنية بقسط شهري، ثم تجرى قرعة لاختيار عدد منهم للذهاب للحج أو العمرة، إنما هو من التعاون على البر والتقوى، ولا حرج في ذلك، ولا حرج في دعمه من جهات خاصة كالشركات المملوكة للأفراد ونحوها.

    أما دعمه من المال العام – كوزارة المالية أو غيرها من الوزارات – فلا يجوز؛ وذلك لأن صرف المال العام إنما يكون بحسب المصلحة، وليس كل ما يتصوره الناس مصلحة يكون كذلك في نفس الأمر، وليس تقديرها موكولاً لأهواء الناس ـ حكاماً أو غيرهم ـ بل المصلحة الشرعية المعتبرة ما توافر فيها ثلاثة شروط:

    الشرط الأول: كونها خالصة أو راجحة، فإن كانت المصلحة مساوية للمفسدة فلا يشرع الإنفاق حينئذٍ، وكذا لو كان لا يحقق أي مصلحة من باب أولى. ويشمل ذلك مصالح المسلمين الدينية والدنيوية، أما الدينية فكالإنفاق على الدعوة إلى الله ونشر العلم الشرعي، والجهاد إعلاء لكلمة الله وحماية لثغور المسلمين والذود عن حياضهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يتبع ذلك من تقرير النفقات للقائمين على تلك الوظائف كلها من الجنود والمحتسبين والأئمة والمؤذنين والمعلِّمين.

    وأما الدنيوية فتشمل العلوم النافعة من طبية وهندسية وبيطرية وإنسانية، وكفالة العيش الكريم لعموم المسلمين بما يصونهم عن السؤال، بإطعام جائعهم وكسوة عاريهم وإيواء من لا يجد مأوى، وكذلك صيانة منشآتهم وتيسير معاشهم؛ مما لا قوام للدنيا إلا به.

    الشرط الثاني: كون المصلحة عامة؛ أي يعود نفعها على عموم المسلمين، وذلك كتعبيد الطرق وتشييد المساجد والمدارس والمشافي وبناء الجسور وشق الترع أو ما كان يعود على طائفة منهم ـ بأوصافهم وأعمالهم لا بأشخاصهم وذواتهم؛ وذلك كرواتب موظفي الدولة أو عطاء أهل الحاجات الذين لم يسد حاجاتهم مال الزكاة، فإن الإنفاق على هؤلاء من المال العام وإن كان ظاهره إعطاء أفراد، إلا أن الإعطاء لم يكن لذواتهم، بل إما لقيامهم بمصالح المسلمين، فيجب على المسلمين القيام بكفايتهم نظير ما قاموا به من مصالحهم، أو لما قام بهم من الحاجة التي يجب على المسلمين سدها، والمال العام محل ذلك، إن لم يكف مال الزكاة.

    قال أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى: لا يجوز صرف المال إلا لمن فيه مصلحة عامة، أو هو محتاج إليه عاجز عن الكسب.[1] وقال العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى: وكل تصرف جرَّ فساداً، أو دفع صلاحاً فهو منهي عنه، كإضاعة المال بغير فائدة[2]. وقد اشتد نكير أهل العلم على من ظن أن لولي الأمر أن يتصرف في مال المسلمين العام بحسب هواه، اعتقاداً منهم أنه ملكه، يتصرف فيه بما شاء، قال البلاطنسي: واعتقد الجهال أن للسلطان أن يعطي من بيت المال ما شاء لمن شاء، ويقف ما شاء، على من يشاء، ويرزق ما يشاء، لمن يشاء، من غير تمييز بين مستحق وغيره، ولا نظر في مصلحة، بل بحسب الهوى والتشهي، وهو خطأ صريح، وجهل قبيح، فإن أموال بيت المال لا تباح بالإباحة[3].

    الشرط الثالث: كون المصلحة متحققة أو يغلب الظن بتحققها، ولا يكفي مجرد الظن، قال ابن جماعة وأما من ليس في عطائه مصلحة عامة، بل قصدت مصلحة خاصة، كمن يعطى لمجرد ظن صلاحه؛ لوجاهته، من غير حاجة.. فلا يجوز صرف مال المسلمين إليه[4] ووجه ذلك: حتى لا تتخذ المصلحة ستاراً يوارى به التصرف الضار بالمال العام.

    فصرف المال العام يكون مرتباً حسب الأولويات التي يحددها الشرع في حفظ الضرورات الخمس، التي هي الدين والنفس والعرض والعقل والمال، قال الشافعي رحمه الله تعالى: (منزلة الإمام من الرعية منزلة الولي من اليتيم) فليس للدولة صرف المال العام ليحج بعض رعيتها، وفي البعض الآخر يوجد الفقير الجائع والمريض المتأوه الذي لا يجد ثمن الدواء، وفيهم من هو معرَّض للارتداد عن دين الله – عياذاً بالله – من أجل غذاء يسد جوعته أو لباس يستر عورته أو علاج يداوي علته.

    ثم إن هذا الباب لو فتح فإنه سيتقدم كثيرون من جهات متعددة لنيل الامتياز نفسه مما يكلف خزينة الدولة مالاً كثيراً هي في حاجة إليه لسد ضرورة الناس، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسـلم (إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق أولئك لهم النار يوم القيامة) والله تعالى أعلم.

    ([1]) إحياء علوم الدين 2/140

    ([2]) قواعد الأحكام (2/252)

    ([3]) تحرير المقال (148).

    (4) تحرير الأحكام لابن جماعة 1/100

  • دخول النصارى إلى المسجد

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فإن دخول الكفار إلى مساجد المسلمين جائز إذا كان بإذن من المسلمين لتحقيق مصلحة كدعوتهم إلى الإسلام، أو مناظرتهم لبيان الحق لهم، أو الاستعانة بهم في بعض الأعمال؛ ودليل ذلك:

    أولاً: ما ثبت في الصحيحين من قصة ربط ثمامة بن أثال الحنفي t بسارية من سواري المسجد النبوي، وقد كان إذ ذاك مشركاً؛ فقد روى الشيخان من حديث أبي هريرة  tقال: بعث رسول الله r خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله r، فقال {ماذا عندك يا ثمامة؟} فقال: يا محمد عندي خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت}

    ثانياً: إنزاله r وفد نصارى نجران في مسجده الشريف ومناظرته إياهم فيه. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في (أحكام أهل الذمة) 1/397: وقد صح عن النبي r أنه أنزل وفد نصارى نجران في مسجده، وحانت صلاتهم فصلوا فيه، وذلك عام الوفود بعد نزوله قوله تعالى )إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا( فلم تتناول الآية حرم المدينة ولا مسجدها.ا.هـــــــ وقال رحمه الله في زاد المعاد 3/557 فيها ـ يعني القصة ـ جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين،  وفيها: تمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين وفى مساجدهم أيضا إذا كان ذلك عارضاً ولا يمكنون من اعتياد ذلك.ا.هــــــــــــ

    ثالثاً: إنزاله r وفد أهل الطائف في مسجده قبل إسلامهم. انظر: زاد المعاد 3/521

    رابعاً: دخول بعض الكفار  ـ كأبي سفيان بن حرب الأموي وعمير بن وهب الجمحي ـ مسجده r دون نكير؛ قال سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى: قد كان أبو سفيان يدخل مسجد المدينة وهو على شركه، وقدم عمير بن وهب فدخل المسجد والنبي r فيه ليفتك به فرزقه الله الإسلام.ا.هــــ

    والجواز مقيد بضوابط لا بد من مراعاتها، ومن ذلك أن يكون دخولهم لمصلحة شرعية من دعوتهم إلى الإسلام أو تأليف قلوبهم أو الاستعانة بهم في بناء ونحوه، وألا يكون على أبدانهم أو ثيابهم قذر أو وسخ يتأذى به المسجد، وإذا كان من بين الداخلين نساء فلا يكنَّ متبرجات أو حيضاً؛ وذلك لأننا ـ معشر المسلمين ـ مأمورون بتعظيم المساجد لأنها من شعائر الله )ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب( ومن تعظيمها إبعاد الأذى والقذر عنها وكل ما يدنس حرمتها، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة t أن النبي r قال {إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول والقذر} وفي سنن أبي داود ـ وصححه الألباني ـ من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت {أمر رسول الله r ببناء المساجد في الدور ـ يعني الأحياء ـ وأن تنظف وتطيب} وفيه قوله r {إني لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب}

    وبذلك يستبين أنه لا حرج في الاستعانة بكافر في بناء المسجد أو صيانته؛ وهذا هو مذهب المالكية رحمهم الله، قال الصاوي رحمه الله تعالى في حاشيته على الشرح الصغير 1/302 تنبيه: يمنع دخول الكافر المسجد أيضاً وإن أذن له مسلم إلا لضرورة عمل، ومنها قلة أجرته عن المسلم وإتقانه، على الظاهر.ا.هــــــ وقال الشيخ محمد عليش رحمه الله تعالى في منح الجليل 1/375: كشخص كافر ذكر أو أنثى فيحرم عليه دخوله إن لم يأذن فيه مسلم، وإن أذن له فيه شخص مسلم إلا لضرورة كعمارة لم تمكن من مسلم أو كانت من الكافر أتقن.ا.هـــ وعند غير المالكية كذلك؛ فقد قال ابن تيمية رحمه الله: وأما نفس بناء المساجد فيجوز أن يبنيها البر والفاجر والمسلم والكافر، وذلك يسمى بناء كما قال النبي {من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة} .ا.هـــــــــ

    وأما قوله تعالى )إنما المشركون نجس( فالمراد به نجاسة قلوبهم واعتقادهم لا أنهم نجسون نجاسةً حسيةً، يدل على ذلك أن رسول الله r توضأ من مزادة مشركة وأكل من طعام يهودية، كما أن القرآن الكريم أباح لنا طعام أهل الكتاب ونكاح نسائهم بقوله تعالى )وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم( رغم كونهم مشركين؛ كما قال سبحانه )وقالت اليهود عزير بن الله وقالت النصارى المسيح بن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون + اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون(

    قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره 4/ 130 عند كلامه عن قوله تعالى )إنما المشركون نجس( أمر تعالى عباده المؤمنين الطاهرين دينًا وذاتًا بنفي المشركين، الذين هم نَجَس دينًا، عن المسجد الحرام… إلى أن قال: ودلت هذه الآية الكريمة على نجاسة المشرك كما دلت على طهارة المؤمن، ولما ورد في الحديث الصحيح {المؤمن لا ينجس} وأما نجاسة بدنه فالجمهور على أنه ليس بنجس البدن والذات؛ لأن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب، وذهب بعض الظاهرية إلى نجاسة أبدانهم.ا.هـــــ وقال الإمام الشوكاني رحمه الله في تفسيره فتح القدير  3 / 239: نجس مبالغةً في وصفهم بذلك حتى كأنهم عين النجاسة، أو على تقدير مضاف: أي ذوو نجس؛ لأن معهم الشرك وهو بمنزلة النجس. وقال قتادة ومعمر وغيرهما: إنهم وصفوا بذلك لأنهم لا يتطهرون، ولا يغتسلون، ولا يتجنبون النجاسات . وقد استدل بالآية من قال بأن المشرك نجس الذات، كما ذهب إليه بعض الظاهرية والزيدية وروي عن الحسن البصري، وهو محكيّ عن ابن عباس. وذهب الجمهور من السلف والخلف ومنهم أهل المذاهب الأربعة إلى أن الكافر ليس بنجس الذات؛ لأن الله سبحانه أحلّ طعامهم، وثبت عن النبيّ r في ذلك من فعله وقوله ما يفيد عدم نجاسة ذواتهم، فأكل في آنيتهم، وشرب منها، وتوضأ فيها، وأنزلهم في مسجده.ا.هــــــــ وقال ابن الجوزي رحمه الله في زاد المسير  3 / 164: وفي المراد بكونهم نجساً ثلاثة أقوال:

    أحدها: أنهم أنجاس الأبدان، كالكلب والخنزير، حكاه الماوردي، عن الحسن وعمر بن عبد العزيز. وروى ابن جرير عن الحسن قال: من صافحهم فليتوضأ.

    والثاني: أنهم كالأنجاس لتركهم ما يجب عليهم من غسل الجنابة، وإن لم تكن أبدانهم أنجاساً، قاله قتادة.

    والثالث: أنه لما كان علينا اجتنابهم كما تُجتنب الأنجاسُ، صاروا بحكم الاجتناب كالأنجاس، وهذا قول الأكثرين، وهو الصحيح.ا.هـــــــــــ

    الخلاصة

    أن القول الراجح هو جواز دخول غير المسلم المسجد إذا كان دخوله يحقق مصلحة، وحتى على قول من منعوا ذلك؛ فإنه لم يفت أحد منهم بحرمة الصلاة أو بطلانها فيما لو  دخل المسجد كافر، وعلى من قال بهذا القول أن يتوب إلى الله تعالى من الفتوى بغير علم، والله تعالى أعلم.

  • خلو الرجل

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فهذه المسألة يسميها العلماء بالفروغ أو خلو اليد أو الرجل، ويسمونها كذلك تمليك المفتاح، وخلاصة ما هنالك أنه لا يحل للمستأجر إذا انقضت مدته وانتهى عقد إجارته للبيت أو الدكان أن يطالب المالك بشيء من المال نظير خروجه من العقار المستأجر؛ لأن ذلك من أكل أموال الناس بالباطل، وقد حرَّمه الله بقوله )ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون( بل الواجب عليه أن يخلي العقار لمالكه دون تباطؤ؛ لأنه خلال مدة الإجارة كان مالكاً لمنفعة العقار دون رقبته

    وأما إذا كان صاحب العقار قد طلب من المستأجر الخروج قبل انتهاء مدة الإجارة؛ فإنه يحق له أن يطلب عوضاً في مقابل إسقاط حقه فيما بقي من مدة الإجارة؛ كما لو استأجر دكاناً مثلاً لمدة خمس سنين؛ فجاء صاحب الدكان بعد سنتين وطلب منه الإخلاء؛ فلا حرج على المستأجر حينئذ أن يمتنع من الخروج إلا بعوض يبذله صاحب الدكان؛ لأنه تعويض عن تنازل المستأجر برضاه عن حقه في المنفعة التي باعها للمالك، وهو حق له ثابت بمقتضى العقد الذي أمر الله بالوفاء به حين قال )أوفوا بالعقود(

    وبعض الناس قد يحتج بالقانون الوضعي أو بعض اللوائح والأنظمة التي تتيح للمستأجر أن يماطل في الخروج بعد انقضاء مدة الإجارة، ويستغلون ذلك في مطالبة المُلَّاك بأموال طائلة، فهذا أيضاً لا يجوز لأنه من الظلم المحرم، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي {يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا} رواه مسلم، وقال النبي r {لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه} رواه الحاكم والدارقطني. وهذه هي فحوى قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورة مؤتمره الرابع بتاريخ 18/6/1408 حيث قرر أنه (إذا انقضت مدة الإجارة، ولم يتجدد العقد صراحة أو ضمناً عن طريق التجديد التلقائي حسب الصيغة المفيدة له، فلا يحل بدل الخلو، لأن المالك أحق بملكه بعد انقضاء حق المستأجر) ا.هــ

    وكذلك من الصور الممنوعة ما يفعله بعض المستأجرين حين يعمد أحدهم ـ بعد انقضاء مدة إجارته ـ إلى الاتفاق مع مستأجر جديد في مقابل مال يدفعه الثاني يسمونه أيضاً (خلو الرجل) يقول د. وهبة الزحيلي في كتابه الفقه الإسلامي وأدلته 5/476: (وأما ما يأخذه المستأجر من الفروغ مقابل تنازله عن اختصاصه بمنفعة العقار المأجور لشخص آخر يحل محله فهو جائز أيضاً إذا كانت مدة الإجارة باقية، وإلا كان غصباً حراماً) وفي قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورته المذكورة سابقاً فقرة تنص على أنه إذا تم الاتفاق بين المستأجر الأول وبين المستأجر الجديد بعد انقضاء المدة فلا يحل بدل الخلو؛ لانقضاء حق المستأجر الأول في منفعة العين، والعلم عند الله تعالى.

  • خصم الدولة للأراضي وإدراجها في الخدمات

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فإن كان الواقع كما ذكرت فهذا الصنيع معدود من قبيل الظلم، والظلم كله حرام، وقد قال سبحانه في الحديث القدسي {يا عبادي: إني حرمت الظلم على نفسي وجعلت بينكم محرماً فلا تظالموا} رواه مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه،  وقد قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسـلم في خطبته في حجة الوداع “إنَّ دماءكم وأموالَكُم وأعراضَكُم عليكُم حرامٌ، كحرمةِ يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا” وفي الصحيحين عن ابنِ عمر رضي الله عنهما عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسـلم أنَّه قال “الظلمُ ظُلُماتٌ يوم القيامة” وفيهما عن أبي موسى رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسـلم قال “إنَّ اللهَ لَيُملي للظَّالم حتَّى إذا أخَذَه لم يُفْلِته” ثم قرأ {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسـلم قال “من كانت عنده مظلمة لأخيه، فليتحلَّلْهُ منها، فإنَّه ليسَ ثَمَّ دينارٌ ولا درهمٌ مِنْ قبل أنْ يُؤخَذ لأخيه من حسناته، فإنْ لم يكن له حسناتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئات أخيه فطُرِحت عليه”

    والظلم حاصل من حيث كون هذا العمل انتقاصاً من مال امرئ مسلم بغير وجه شرعي معتبر، وقد قال سبحانه {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون} وقال النبي صلى الله عليه وسـلم “لا يحل مال امرئ مسلم بغير طيب نفس منه” رواه أبو يعلى والدارقطني والبيهقي في السنن الكبرى، وصححه الألباني في صحيح الجامع.

    ثم إن هذا الصنيع من قبل أولئك الموظفين قد تضمن غشاً وكذباً حيث نُزعت تلك الأراضي على أنها خدمات تعود فائدتها على مجموع الناس، ثم بعد ذلك بيعت لغير الغرض الذي من أجله نُزعت، وقد قال النبي صلى الله عليه وسـلم “ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة” رواه مسلم من حديث معقل بن يسار المزني رضي الله عنه.

    ثم إن الحق العام لا يلغي الحق الخاص، وعلى الدولة حين نزعها أرضاً من صاحبها لمنفعة عامة أن تبذل له التعويض المجزئ، إن مثلياً – بمنحه أرضاً مكافئة للأرض المنزوعة – أو قيمياً بدفع المال المناسب الذي يقدِّره أهل الخبرة الموثوقون، بناء على قوله صلى الله عليه وسـلم “لا ضرر ولا ضرار” رواه مالك في الموطأ مرسلا، ورواه ابن ماجه والدارقطني من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وإسناده حسن كما قال النووي رحمه الله تعالى في الأربعين. وفي حديثُ أبي صِرْمَة رضي الله عنه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسـلم قال “من ضارَّ ضارَّ الله به، ومن شاقَّ شقَّ الله عليه” خرَّجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وقال الترمذي: حسن غريب، وقد قرر فقهاؤنا رحمهم الله تعالى في القواعد المعتبرة أن الضرر يزال، وبنوا على ذلك كثيراً من أبواب الفقه، كالرد بالعيب، والحجر بأنواعه والشفعة؛ لأنها شرعت لدفع ضرر القسمة، والقصاص والحدود والكفارات وضمان المتلف والقسمة ونصب الأئمة والقضاة ودفع الصائل وقتال المشركين والبغاة وفسخ النكاح بالعيوب أو الإعسار وغير ذلك، والله الموفق والمستعان.

  • حواطة المسروقات

    رأي الدين في الذهاب إلى شخص بغرض (حواطة المسروقات) بمعنى أن يتم عمل أو قراءة آيات من القرآن بعدد وأوراق تحرق وتعلق في البيت؛ لأجل ألا يتصرف اللص في المسروقات ويرجعها إلى أصحابها، حكم ورأي الدين في الشخص الذي يذهب إلى الحواطة وهل لها أصل في الدين؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فهذا العمل غير جائز لما فيه من المحاذير الكثيرة، ومن ذلك:

    1. أنه لم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه رضي الله عنهم أن يحرقوا قرآناً ويأمروا المريض باستنشاق هوائه، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، بل هو أمر محدث «وكل محدثة بدعة» ثم إنه يخشى أن يكون في هذا الفعل امتهان للقرآن العزيز، وقد أمرنا بتعظيمه لا امتهانه؛ قال تعالى {ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه} وقال سبحانه {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب}
    2. أن هذه الأوراق مع ما فيها من الآيات القرآنية لا تخلو – غالباً – من بعض الأرقام والطلاسم التي لا يحل الاستعانة بها ولا تعليقها؛ لما قد يكون فيها من الاستغاثة بالجن أو الاستعانة بالشياطين أو اللجوء إلى بعض طرق الشعوذة
    3. أن الفاعلين لهذه الأشياء إنما هم في الغالب دجاجلة مشعوذون لا يتورعون عن الممارسات المحرمة وادعاء علم الغيب، وقد نهينا عن إتيانهم أو تصديقهم، لما رواه مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسـلم أنه قال “من أتى عرافاً فسأله عن شيء فصدقه بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين يوما” والعلم عند الله تعالى.
  • حكم النقاب

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد أوجبت الشريعة على المرأة ألا تخرج من بيتها أو تبدو أمام غير زوجها ومحارمها إلا وقد سترت زينتها وأخذت حجابها، ولم تفرض عليها زياً بعينه بحيث يقال: إنه هو المجزئ وما عداه فلا، وعليه نقول: إذا كان الثوب السوداني الذي ترتديه المرأة تتوافر فيه الشروط الشرعية من حيث كونه ساتراً فضفاضاً صفيقاً لا يشف عن لون البشرة غير زينة في نفسه فهو ثوب شرعي، ومتى ما تخلف شرط مما مضى ذكره فليس شرعياً، وأما النقاب فالعلماء رحمهم الله مختلفون في وجوبه واستحبابه بناء على اختلافهم في وجه المرأة أعورة هو أم لا؟ وهو خلاف سائغ ولكلٍ دليله، والله تعالى أعلم

  • الصلاة بين السواري

    الصلاة بين السواري فهي مكروهة في حال السعة؛ لقول أنس بن مالك رضي الله عنه “كنا نتقي هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسـلم” رواه أبو داود والترمذي، قال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن، وقد كره قوم من أهل العلم أن يُصَفَّ بين السواري، وبه يقول أحمد وإسحاق، وقد رخص قوم من أهل العلم في ذلك. والله تعالى أعلم.

  • التنبؤ بالمستقبل

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فإن كان هذا الشخص يعتقد أنه يعلم الغيب، وهو مصر على ذلك بعد بيان الحق له فليس هو من أهل الإسلام، بل هو كافر كفراً أكبر يخرجه من الملة؛ لأن من اعتقد أن أحداً سوى الله تعالى يعلم الغيب فقد خرج من الإسلام؛ لقوله تعالى {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} وقوله سبحانه {قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله} وقوله سبحانه {قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير} وقوله سبحانه {فلما خرَّ تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين}

    وعليه فإن الواجب اللجوء إلى المحكمة لإقامة الحجة عليه ثم أخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود إن أصر على ما هو عليه من ضلال

    هذا والواجب على من بسط الله يده وولاه أمر المسلمين أن يصون دينهم من عبث العابثين، وأن يأخذ على أيدي السفهاء الذين يلبسون الحق بالباطل ويشوشون على الناس دينهم، وعلى رأس هؤلاء الكهان والمنجمون والمشعوذون، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “فأما الغش والتدليس في الديانات، فمثل البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة من الأقوال والأفعال، مثل إظهار المكاء والتصدية  في مساجد المسلمين، ومثل سب جمهور الصحابة وجمهور المسلمين أو سب أئمة المسلمين ومشايخهم وولاة أمورهم المشهورين عند عموم الأمة بالخير، ومثل التكذيب بأحاديث النبي صلى الله عليه وسـلم التي تلقاها أهل العلم بالقبول، ومثل رواية الأحاديث الموضوعة المفتراة على رسول الله صلى الله عليه وسـلم، ومثل الغلو في الدين بأن ينزل البشر منزلة الإله، ومثل تجويز الخروج عن شريعة النبي صلى الله عليه وسـلم، ومثل الإلحاد في أسماء الله وآياته، وتحريف الكلم عن مواضعه، والتكذيب بقدر الله، ومعارضة أمره ونهيه بقضائه وقدره،  ومثل إظهار الخزعبلات السحرية والشعوذة الطبيعية وغيرها التي يضاهي بها ما للأنبياء والأولياء من المعجزات والكرامات، ليصد بها عن سبيل الله، أو يظن بها الخير فيمن ليس من أهله، وهذا الباب واسع يطول وصفه، فمن ظهر منه شيء من هذه المنكرات وجب منعه من ذلك وعقوبته عليها إذا لم يتب حتى قدر عليه، بحسب ما جاءت به الشريعة من قتل أو جلد أو غير ذلك”

    هذا ولا يحل لمسلم إتيان هؤلاء ولا سؤالهم ولا تصديقهم في شيء مما يخبرون به، بل الواجب هجرهم والإنكار عليهم وبغضهم في الله تعالى؛ لما رواه مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسـلم أنه قال “من أتى عرافاً فسأله عن شيء فصدقه بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين يوما” قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: ظاهر الحديث أن مجرد سؤاله يوجب عدم قبول صلاته أربعين يوما، ولكنه ليس على إطلاقه; فسؤال العراف ونحوه ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: أن يسأله سؤالاً مجردا; فهذا حرام لقول النبي صلى الله عليه وسلم “من أتى عرافا”؛ فإثبات العقوبة على سؤاله يدل على تحريمه; إذ لا عقوبة إلا على فعل محرم.

    القسم الثاني: أن يسأله فيصدقه، ويعتبر قوله; فهذا كفر لأن تصديقه في علم الغيب تكذيب للقرآن، حيث قال تعالى: { قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ }.

    القسم الثالث: أن يسأله ليختبره: هل هو صادق أو كاذب، لا لأجل أن يأخذ بقوله; فهذا لا بأس به، ولا يدخل في الحديث. وقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم ابن صياد; فقال: “ماذا خبأت لك؟ قال: الدخ. فقال: اخسأ; فلن تعدو قدرك” رواه البخاري؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم سأله عن شيء أضمره له; لأجل أن يختبره، فأخبره به.

    القسم الرابع: أن يسأله ليظهر عجزه وكذبه، فيمتحنه في أمور يتبين بها كذبه وعجزه، وهذا مطلوب، وقد يكون واجبا. وإبطال قول الكهنة لا شك أنه أمر مطلوب، وقد يكود واجبا، فصار السؤال هنا ليس على إطلاقه، بل يفصل فيه هذا التفصيل على حسب ما دلت عليه الأدلة الشرعية الأخرى.ا.هــــ  والعلم عند الله تعالى.

  • زوج يتعالج بالسحر

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فعلى من ابتلي بالسحر أن يعلم يقيناً أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الله تعالى جاعل لمن اتقاه فرجاً ومخرجاً؛ فعليه أن يستعين بالله ولا يعجز، وأن يكثر من ذكر الله تعالى والاستغفار، ويبتغي فيما ابتلي به أجراً وثواباً؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسـلم “ما يصيب المؤمن من هم ولا غم ولا نصب ولا وصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّر الله بها من ذنوبه وخطاياه” وأن يأخذ بالأسباب في طلب العلاج بالأسلوب الشرعي المباح؛ مقتدياً برسول الله صلى الله عليه وسـلم الذي قال “ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء علمه من علمه وجهله من جهله”

    هذا، ولا يجوز للمسحور الذهاب إلى ساحر  ليفك عنه السحر؛ لأن الدم لا يطهره البول، وإتيان الساحر في ذاته معصية لله تستوجب توبة؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسـلم “من أتى عرافاً، أو ساحراً، أو كاهنا فسأله، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد” رواه أبو يعلى والبزار ورجاله ثقات. والتماس العلاج مقيد بألا يكون بمحرم؛ لقوله صلى الله عليه وسـلم “تداووا ولا تداووا بحرام” رواه أبو داود في سننه، وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال “إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرَّم عليكم” ومن أعظم المحرمات السحر فلا يجوز التداوي به ولا حلُّ السحر به، لأن حَلَّ السحر بسحر مثله قد جعله النبي صلى الله عليه وسـلم من عمل الشيطان؛ ففي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود من حديث جابر t أن النبي صلى الله عليه وسـلم سئل عن النُّشرة فقال “إنها من عمل الشيطان” وقال أبو داود: سئل أحمد عنها فقال: ابن مسعود يكره هذا كله. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: النشرة حل السحر عن المسحور، وهي نوعان: حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن “لا يحل السحر إلا ساحر” فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب؛ فيبطل عمله عن المسحور. والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والأدوية والدعوات المباحة فهذا جائز.ا.هــــ

    وعلى الزوجة أن تبين لزوجها ذلك وترشده وتحثه على طلب العلاج بالأسباب المشروعة، من استعمال الرقية الشرعية؛ وحبذا لو اقتدى بالنبي الأكرم صلى الله عليه وسـلم فرقى نفسه بنفسه؛ مع عدم الغفلة عن الدعاء؛ فإن الله يجيب دعوة من دعاه خاصة إذا كان مضطراً، وقد قال سبحانه {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء}

    وأما زواجها من ذلك الشخص – ابتداء وبقاء – فإنه صحيح، ولم يطرأ على العقد ما ينقضه؛ خاصة وأن في المسألة خلافاً يسيراً بين أهل العلم حيث قال بحل النشرة بعضهم ؛ فقد رخص بعض الحنابلة في حل السحر بالسحر للضرورة، كما قال الحجاوي في الإقناع :وإن كان ـ يعني حل السحر ـ بشيء من السحر، فقد توقف فيه أحمد، والمذهب جوازه ضرورة. اهـ.  والعلم عند الله تعالى.

  • فاتته صلوات فهل يصلي المغرب مع الجماعة؟

    كنا مجموعة من الإخوة نتأهب لصلاة المغرب وقد دخل وقتها، فاجأنا أحد الحاضرين بأنه قد حضر من سفر، ولديه فوائت؛ فهل يصلي معنا المغرب أم يصلي منفرداً؟ وقد اختلف قول الناس في ذلك. عليه نرجو الإفادة في هذه المسألة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فبداية لا بد من التنبيه على أنه لا يحل لعبد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤخر صلاة حتى يخرج وقتها؛ مهما كانت حاله، بل الواجب عليه أن يبادر إلى أدائها على الكيفية التي يستطيعها؛ كما قال النبي صلى الله عليه  وسلم لعمران بن حصين رضي الله عنه {صل قائماً؛ فإن لم تستطع فقاعداً؛ فإن لم تستطع فعلى جنب} إن استطاع فعليه أن يتطهر الطهارة المائية؛ وإلا فالترابية؛ فإن عجز عن الاثنتين صلى بغير طهور؛ لقوله تعالى ((لا يكلف الله نفساً إلا وسعها)) ومن أخر صلاة  ـ ذاكراً عامداً ـ حتى خرج وقتها فقد أثم إثماً مبيناً، والواجب عليه التوبة إلى الله تعالى أولاً، ثم قضاء ما فاته ثانياً.

    وبخصوص هذه المسألة فإن الأصل فيها قوله صلى الله عليه وسلم {إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة} وعليه فإن الداخل حال إقامة صلاة المغرب يجب عليه أن يشرع مع الناس فيها؛ ثم بعد ذلك يقضي ما عليه من الفوائت مرتبة؛ فإذا فاتته الظهر والعصر فإنه يأتي بهما قضاء؛ ثم يعيد صلاة المغرب في قول بعض أهل العلم تحصيلاً للترتيب، وعند بعضهم لا يعيدها؛ لعموم قوله تعالى ((فاتقوا الله ما استطعتم)) وهو  قد اتقى الله ما استطاع. والعلم عند الله تعالى.

زر الذهاب إلى الأعلى