الفتاوى

  • العلاج بالبخرات

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالمشروع للمسلم أن يطلب العلاج من سائر الأدواء؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك حين قال «تداووا عباد الله؛ فما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء، علِمَهُ مَن علمه، وجهله مَن جهله» وهذا العلاج يشترط أن يكون بمباح لا بمحرم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال «ولا تداووا بمحرم فإن الله تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما حرَّم عليها»

    وقد كان من هدي نبي الله صلى الله عليه وسلم في رقية المريض أن يقرأ على المريض وينفث عليه، وكذلك فعل أبو سعيد الخدري رضي الله عنه مع اللديغ، وكان من هديه عليه الصلاة والسلام كذلك أن يدعو للمريض بقوله «اللهم اشف فلاناً» ثلاث مرات، ولربما قال «اللهمَّ رب الناس أذهب الباس، اشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما» أو قال «باسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يُشفى سقيمنا؛ بإذن ربنا»

    ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه رضي الله عنهم أن يحرقوا قرآناً ويأمروا المريض باستنشاق هوائه، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، بل هو أمر محدث «وكل محدثة بدعة» ثم إنه يخشى أن يكون في هذا الفعل امتهان للقرآن العزيز، وقد أمرنا بتعظيمه لا امتهانه؛ قال تعالى {ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه} وقال سبحانه {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب}

    ثم إن الرقية الشرعية يشترط لها شروط وهي أن تكون باللفظ العربي المفهوم، وأن يعتقد الراقي والمرقي أن الرقية لا تؤثر بذاتها، وأن الشافي حقيقة هو الله عز وجل، وهذه الطريقة المذكورة في السؤال من اشتمال تلك الأوراق على أرقام؛ لا يدرى ما هي؟ ليست واردة في السنة، ولم يذكر أهل العلم الثقات المعروفون شيئاً يسمى علم القلم؛ فهذا أشبه بفعل الدجاجلة والمشعوذين، والله تعالى أعلم

  • الصلاة خير من النوم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقول المؤذن الصلاة خير من النوم سنة نبوية تلقاها الصحابة رضي الله عنهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود من حديث أبي محذورة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله: علِّمني الأذان؟ فعلَّمه، وقال «فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله» وعن أنس رضي الله عنه قال «من السنة إذا قال المؤذن في أذان الفجر: حي على الصلاة، حي على الفلاح، قال: الصلاة خير من النوم» أخرجه ابن خزيمة في صحيحه والدارقطني والبيهقي في سننهما، وقال البيهقي: إسناده صحيح. وصححه ابن السكن ولفظه «كان التثويب في صلاة الغداة إذا قال المؤذن: حي على الفلاح» وروى ابن ماجه من حديث ابن المسيب عن بلال رضي الله عنه «أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم يؤذنه لصلاة الفجر، فقيل: هو نائم، فقال: الصلاة خير من النوم مرتين فأُقرَّت في تأذين الفجر» فثبت الأمر على ذلك، قال ابن حجر في التلخيص الحبير: وفيه انقطاع مع ثقة رجاله، وذكره ابن السكن من طريق أخرى عن بلال، وهو في الطبراني من طريق الزهري عن حفص بن عمر عن بلال وهو منقطع أيضاً، ورواه البيهقي في المعرفة من هذا الوجه فقال: عن الزهري عن حفص بن عمر بن سعد المؤذن، أن سعداً كان يؤذن، قال حفص: فحدثني أهلي أن بلالاً فذكره. وروى الطبراني والبيهقي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال «كان الآذان الأول بعد حي على الصلاة حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم مرتين» قال ابن حجر: وسنده حسن. وروى النسائي من حديث أبي محذورة رضي الله عنه قال «كنت غلامًا صبيًا فأذنت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر يوم حنين، فلما انتهيت إلى حي على الفلاح قال «ألحق فيها الصلاة خير من النوم» وهذه الرواية صححها الإمام ابن حزم رحمه الله.

    فالقائلون بأنها في الأذان الأول استدلوا بظاهر حديث ابن عمر الذي فيه «كان الآذان الأول بعد حي على الصلاة حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم مرتين» والقائلون بأنها تقال في الأذان الثاني قالوا: إن النداء الأول الذي يكون قبل الفجر في سدس الليل الآخر إنما جُعِل تنبيهاً للناس من أجل أن يغتسل الجنب ويوتر المتهجد، لا من أجل الإعلام بدخول وقت الصلاة، وعليه فإن هذه الكلمة تقال في الأذان الثاني الذي يكون بعد دخول الوقت بطلوع الفجر الصادق، وأما الروايات التي أفادت أنها تقال في الأذان الأول فإنها تُحمل على أن ذلك كان في أول الأمر ثم استقر على أن تكون في الأذان الثاني، أو أن كلمة الأذان الأول مراد بها الأذان الذي قبل الإقامة؛ لأن الإقامة في لسان الشرع يقال لها: أذان؛ كما في حديث «بين كل أذانين صلاة» فالأولية هنا بالنسبة للإقامة.

    هذا وقد اشترط أهل العلم في المؤذن شروطاً أربعة وهي الإسلام والذكورة والبلوغ والعقل؛ قالوا: ويستحب أن يكون صيتاً – أي عالي الصوت – حسنه من غير تطريب وأن يؤذن مستقبل القبلة متطهراً قائماً، وألا يكون لاحناً لحناً يخل بمعاني الأذان، ولا شك أن قول هذا الرجل (النووء) بدل من (النوم) لحن مخل يجب عليه تعديله؛ فإن عجز فلا يحل له أن يؤذن مع وجود من يحسن الأذان،  والعلم عند الله تعالى

  • الصلاة خلف إمام شيعي

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فكلمة الشيعة في اللغة تعني الأنصار، ومنه قوله تعالى {وإن من شيعته لإبراهيم} وتطلق هذه الكلمة تاريخياً على من اعتقدوا صحة إمامة علي رضي الله عنه وناصروه على مناوئيه ممن ناصبه العداء، ويدخل في ذلك طوائف من الصحابة والتابعين رحمة الله عليهم أجمعين، لكن هذه الكلمة قد تطورت تاريخياً مع ظهور فرق غالية تنتسب للتشيع لكنها وقعت في جملة من المخالفات، ومن أهم تلك المخالفات:

    أولاً: معتقد أهل السنة في القرآن أنه كتاب محفوظ بحفظ الله لا يعتريه تحريف ولا تبديل، تحقيقاً لوعد ربنا جل جلاله بذلك حين قال {إنا نحن نزلنا القرآن وإنا له لحافظون} بينما يرى أولئك أن القرآن قد تعرض للتحريف من قبل الصحابة

    ثانياً: معتقد أهل السنة في الصحابة الكرام رضي الله عنهم أنهم خير هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم وأنهم أبر هذه الأمة قلوباً، ويعملون بوصية نبيهم صلى الله عليه وسلم في ذكرهم بالخير وعدم سبهم، ولا يخوضون فيما شجر بينهم؛ وبالمقابل يتعبد الشيعة بسب الصحابة ولعنهم، وعلى رأسهم الشيخان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ويعتقدون أن الصحابة قد ارتدوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم  إلا قليلاً منهم

    ثالثاً: معتقد أهل السنة في آل البيت عليهم السلام أنهم يحبونهم ويترضون عنهم، ولا يرفعونهم فوق المكانة التي وضعهم الله فيها، أما الشيعة فإنهم يعتقدون عصمتهم، وينسبون إليهم من الأقوال والأعمال ما هم برآء منه

    رابعاً: يخالف الشيعة أهل السنة في صفات ربنا سبحانه وتعالى ففي حين يعتقد أهل السنة أن الله تعالى علم ما كان وما يكون وأنه {لا يعزب عن ربك مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين} ينسب إليه الشيعة البداء ـ وهو ظهور ما كان خافياً ـ {سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيرا}

    وهذا قليل من كثير مما يختلف فيه أهل السنة والشيعة من أصول الدين، أما المسائل الفرعية في العبادات والمعاملات فهي لا تحصى عدداً، بل إنهم لا يكادون يتفقون معنا في شيء منها لا في وضوء ولا غسل ولا صلاة ولا صيام ولا حج ولا عمرة.

    وعليه فلا تجوز الصلاة خلف من كان يعتقد كل أو بعض تلك المعتقدات، بل الواجب على الناس أن يقدموا للصلاة بهم أسلمهم ديانة وأصحهم معتقداً وأقومهم سلوكاً؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم «الإمام ضامن» رواه أحمد وأبو داود والترمذي

  • الصلاة في الحذاء

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد روى الإمام البخاري في صحيحه تحت عنوان: باب الصلاة في النعال، ثم ساق بسنده إلى أبي مسلمة سعيد بن يزيد الأزدي قال: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. والحديث رواه الترمذي في سننه كذلك، وقال: وفي الباب عن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن أبي حبيبة وعبد الله بن عمر وعمرو بن حريث وشداد بن أوس وأوس الثقفي وأبي هريرة وعطاء رجل من بني شيبة. قال أبو عيسى حديث أنس حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم.ا.هــــ وروى ابن ماجة في سننه (بَابُ الصَّلاَةِ فِي النِّعَالِ) ثم ساق بسنده عن ابْنِ أَبِي أَوْسٍ قَالَ: كَانَ جَدِّي أَوْسٌ، أَحْيَانًا يُصَلِّي، فَيُشِيرُ إِلَيَّ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ، فَأُعْطِيهِ نَعْلَيْهِ، وَيَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ. قال الشيخ الألباني رحمه الله: صحيح.

    قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح: قال ابن بطال: هو محمول على ما إذا لم يكن فيهما نجاسة، ثم هي من الرخص كما قال ابن دقيق العيد لا من المستحبات، لأن ذلك لا يدخل في المعنى المطلوب من الصلاة، وهو وإن كان من ملابس الزينة إلا أن ملامسته الأرض التي تكثر فيها النجاسات قد تقصر عن هذه الرتبة، وإذا تعارضت مراعاة مصلحة التحسين ومراعاة إزالة النجاسة قدمت الثانية لأنها من باب دفع المفاسد والأخرى من باب جلب المصالح؛ قال: إلا أن يرد دليل بإلحاقه بما يُتجمل به فيُرجع إليه ويُترك هذا النظر. قلت: قد روى أبو داود والحاكم من حديث شداد بن أوس مرفوعاً {خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم} فيكون استحباب ذلك من جهة قصد المخالفة المذكورة.ا.هـــــ

    ومعلوم أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم كان بناؤه من اللبن وأعمدته من جذوع النخل وسقفه من الجريد وفرشه من التراب، بخلاف المساجد في زماننا هذا، وعليه فإن الفتوى في هذا الباب بعد النظر في الأدلة وواقع الناس تكون على أن الصلاة في النعال مشروعة، لكن بشرطين:

    الأول: ألا يكون في النّعلين أذى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صَلَّى بأصحابه فخلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال: ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن جبريل صلى الله عليه وسلم أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً. رواه الإمام أحمد وأبو داود.

    الثاني: أن لا يكون هناك فُرُش تُمسك الأوساخ وتَعلَق بها روائح الأحذية. ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: إذا صلى أحدكم فخلع نعليه فلا يؤذِ بهما أحداً، ليجعلهما بين رجليه أو ليصلِّ فيهما. رواه أبو داود.

    وعليه فإن الصلاة في النعال مشروعة فيما لو كان الإنسان مسافراً مثلاً فنزل في فلاة من الأرض، وكانت نعلاه طاهرتين فله أن يصلي فيهما من غير كراهة، لثبوت السنة بذلك، ولأن صلاته بالنعال حينئذ لم تتعارض مع مصالح أخرى

    أما أن يعمد إلى الدخول إلى المسجد بنعاله، وفي المسجد فرش وبسط، بما يؤدي إلى تغيير رائحة تلك البسط وتقذيرها بما يكون في اللعن من تراب أو أذى فإن ذلك لا يجوز؛ لأننا مأمورون بصيانة المسجد عن كل قذر، وقد قال سبحانه ((ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه)) وقال ((ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)) ولما في ذلك من أذية المسلمين وقد قال تعالى ((والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً)) والله تعالى أعلم.ٍ

  • السجود على الموكيت المبطن

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فإن أكثر الفقهاء –  ومنهم أبو حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم – جوَّزوا الصلاة على البسط والزرابي وما يعرف اليوم بالسجاد أو الموكيت، وقد استدلوا على ذلك بأحاديث منها:

    1. ما رواه الشيخان عن أمنا عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهي معترضة فيما بينه وبين القبلة على فراش أهله اعتراض الجنازة
    2. وما روه الشيخان عن ميمونة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على الخمرة. والخمرة كالحصير الصغير تعمل من سعف النخل، وتنسج بالسيور والخيوط
    3. وما رواه أحمد وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على الحصير وعلى الفروة المدبوغة

    وعليه فلا حرج على المصلي أن يسجد على بساط ونحوه؛ وقد علق الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى على حديث ابن عباس بقوله: وفيه جواز الصلاة على البسط وهو قول الجمهور، وكرهه جماعة من التابعين[1] وقال ابن قدامة في المغني: ولا بأس بالصلاة على الحصير والبسط من الصوف والشعر والوبر، والثياب من القطن والكتان وسائر الطاهرات، وصلى عمر على عبقري وابن عباس على طنفسة وزيد بن ثابت وجابر على حصير وعلي وابن عباس وابن مسعود وأنس على المنسوج، وهو قول عوام أهل العلم. ا.هـ[2]

    وأما الصلاة على الأسفنج فقد نص أهل العلم على أنها لا تصح إلا إذا كان الإسفنج مندكاً بحيث يمكن معه استقرار الجبهة على الأرض أو ما اتصل بها، وقد قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في شرح قوله صلى الله عليه وسلم {فمكِّن السجود} معناه: فمكِّن جبهتك من مسجدك؛ فيجب تمكينها بأن يتحامل عليها؛ بحيث لو كان تحتها قطن انكبس[3] وقال الدردير رحمه الله تعالى: ويشترط استقرارها على ما يسجد عليه؛ فلا يصح على تبن أو قطن إلا إذا اندك[4] ولا يخفى أن الموكيت المفروش في مساجدنا اليوم يتوافر فيه هذا الشرط؛ حيث يتم دكه بقوة حتى إنه ليلتصق بالأرض التصاقاً، وعليه فإن الصلاة عليه صحيحة ـ إن شاء الله ـ ولا حرج على المصلي في المساجد المفروشة بتلك الهيئة.

    وأما من كره السجود على البسط من التابعين وغيرهم فدليلهم ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف عن سعيد بن المسيب وابن سيرين أنهما قالا: الصلاة على الطنفسة ـ وهي البساط الذي تحته خمل ـ محدثة. وعن جابر بن زيد أنه كان يكره الصلاة على كل شيء من الحيوان ويستحب الصلاة على كل شيء من نبات الأرض. وقال ابن العربي رحمه الله تعالى: وكره مالك الصلاة على ثياب الكتان والقطن، وأجازه ابن مسلمة، وإنما كرهه من جهة الترفه}[5] وقد ذكر المالكية رحمهم الله في باب مكروهات الصلاة: السجود على ما فيه رفاهية من ثياب وزرابي ونحو ذلك؛ ما لم يكن المسجد قد فرش به من قبل القائم عليه[6] والله تعالى أعلم.

    [1] نيل الأوطار 2/127

    [2] المغني 2/177

    [3] عون المعبود 3/105

    [4] شرح الدردير 1/240

    [5] عارضة الأحوذي 2/126

    [6] تبيين المسالك 1/404

  • الدية والكفارة في القتل الخطأ

    السؤال: امرأة تقود عربة، واصطدمت بشخص وتوفي، فهل يجب عليها الصيام لمدة شهرين متتابعين أم يمكن أن تصوم ثم تفطر لعذر ثم تواصل الصيام؟ وهل تطالب بالدية والصيام معاً؟ وفيما يختص بالدية هل مبلغ ثلاثون ألفاً أو خمسة وثلاثون ألفاً يساوي فعلاً مائة من الإبل أم أنها مسألة يقدرها الفقهاء بالقياس؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالقتل الخطأ عند الفقهاء هو ما وقع دون قصد الفعل والشخص، أو دون قصد أحدهما.

    قال القرطبي رحمه الله في تفسيره 5/313: ووجوه الخطأ كثيرة لا تحصى يربطها عدم القصد، مثل أن يرمي صفوف المشركين فيصيب مسلما. أو يسعى بين يديه من يستحق القتل من زان أو محارب أو مرتد فطلبه ليقتله فلقي غيره فظنه هو فقتله فذلك خطأ. أو يرمي إلى غرض فيصيب إنساناً أو ما جرى مجراه، وهذا مما لا خلاف.ا.هــــ

    والقتل الخطأ يجب فيه حقان: حق لأولياء الدم وهو الدية، وحق لله تعالى بعتق رقبة، وفي حال عدم وجودها صيام شهرين متتابعين، ودليل ذلك قول ربنا سبحانه وتعالى في الآية الثانية والتسعين من سورة النساء )وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا(

    ولا تلازم بين الحقين؛ بل يملك أولياء الدم أن يعفوا عن دية قتيلهم ويتنازلوا عن بعضها أو كلها؛ أما الكفارة فلا يملك أحد التنازل عنها؛ قال القرطبي رحمه الله في تفسيره 5/323: وأما الكفارة التي هي لله تعالى فلا تسقط بإبرائهم، لأنه أتلف شخصاً في عبادة الله سبحانه، فعليه أن يُخلِّص آخر لعبادة ربه وإنما تسقط الدية التي هي حق لهم. وتجب الكفارة في مال الجاني ولا تتحمل.

    وأما مقدار الدية فقد ثبتت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الدية مائة من الإبل، ووداها صلى الله عليه وسلم في عبد الله بن سهل المقتول بخيبر لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن، فكان ذلك بياناً على لسان نبيه u لمجمل كتابه. وأجمع أهل العلم عل أن على أهل الإبل مائة من الإبل. واختلفوا فيما يجب على غير أهل الإبل، فقالت طائفة: على أهل الذهب ألف دينار، وهم أهل الشام ومصر والمغرب، هذا قول مالك وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي والشافعي في أحد قوليه، في القديم. وروي هذا عن عمر وعروة بن الزبير وقتادة. وأما أهل الورق فاثنا عشر ألف درهم، وهم أهل العراق وفارس وخراسان، هذا مذهب مالك على ما بلغه عن عمر أنه قوم الدية على أهل القرى فجعلها على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم. قال أهل العلم: والمعتبر في هذه الأصول الثلاثة – أعني الإبل والذهب والفضة – السلامة لا القيمة؛ بمعنى انه لا يشترط أن تكون مائة من الإبل مساوية لألف دينار من الذهب، أو ألفي شاة، أو اثني عشر ألف فضة.

    والمقرر في القانون الجنائي السوداني لعام 1991 المادة 42/1 ما يلي: الدية مائة من الإبل أو ما يعادل قيمتها من النقود وفق ما يقدره من حين لآخر رئيس القضاء بعد التشاور مع الجهات المختصة.ا.هــــ وعليه فإن القيمة المفروضة للدية هي ما يعادل مائة من الإبل حسب نص المادة المذكورة.

    والتتابع في صيام الشهرين شرط؛ ومتى من انقطع التتابع لغير عذر وجب عليه أن يستأنف الصيام؛ أما إذا كان الانقطاع لعذر من حيض أو مرض أو سفر فإنه يبني على ما مضى، قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره 5/327: والحيض لا يمنع التتابع من غير خلاف، وإنها إذا طهرت ولم تؤخر وصلت باقي صيامها بما سلف منه، لا شي عليها غير ذلك إلا أن تكون طاهرا قبل الفجر فتترك صيام ذلك اليوم عالمة بطهرها، فإن فعلت استأنفت عند جماعة من العلماء، قاله أبو عمر. واختلفوا في المريض الذي قد صام من شهري التتابع بعضها على قولين، فقال مالك: وليس لأحد وجب عليه صيام شهرين متتابعين في كتاب الله تعالى أن يفطر إلا من عذر أو مرض أو حيض، وليس له أن يسافر فيفطر. وممن قال يبني في المرض سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والحسن والشعبي وعطاء ومجاهد وقتادة وطاوس. وقال سعيد بن جبير والنخعي والحكم بن عيينة وعطاء الخراساني: يستأنف في المرض، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والحسن بن حي، وأحد قولي الشافعي، وله قول آخر: أنه يبني كما قال مالك. وقال ابن شبرمة: يقضي ذلك اليوم وحده إن كان عذر غالب كصوم رمضان. قال أبو عمر: حجة من قال يبني لأنه معذور في قطع التتابع لمرضه ولم يتعمد، وقد تجاوز الله عن غير المتعمد. وحجة من قال يستأنف لان التتابع فرض لا يسقط لعذر، وإنما يسقط المأثم، قياساً على الصلاة، لأنها ركعات متتابعات فإذا قطعها عذرا استأنف ولم يبن.ا.هــــ والله تعالى أعلم.

  • الدعاء الجماعي بعد الصلوات

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فلم يكن من سنة النبي صلى الله عليه وسـلم فعل ذلك، بل إنه أمر مُعاذاً رضي الله عنه بأن يدعو لنفسه دبر كل صلاة بأن يقول “اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك” ولو كان دعاء الإمام جهرة بعد الصلاة مستحباً لكان أولى الناس به رسول الله صلى الله عليه وسـلم، ثم إن هذا الفعل يتضمن جملة مفاسد:

    أولها: مخالفة قول الله عز وجل {ادعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين}

    ثانيها: التشويش على المسبوقين الذين قاموا بعد سلامه لإتمام صلاتهم

    ثالثها: التشويش على من يختمون صلاتهم ولم يكملوا ـ بعدُ ـ الباقيات الصالحات

    رابعها: أن بعض الناس قد يظن أن الصلاة لا تصح أو لا تكون تامة إلا إذا دعا الإمام

    خامسها: أن أهل العلم قد أنكروا هذا الفعل ومنعوه؛ فقالوا: يكره دعاء الإمام جهراً للحاضرين بعد الفراغ من الصلاة؛ قال القرافي رحمه الله: كره مالك وجماعة لأئمة المساجد الدعاء عقب الصلوات المكتوبة جهراً للآخرين؛ فيجتمع للإمام التقديم وشرف كونه ينصب نفسه واسطة بين الله تعالى وبين عباده، فيوشك أن يعظم نفسه ويفسد قلبه ويعصي ربه أكثر مما يطيعه، وروى أن بعض الأئمة استأذن عمر بن الخطاب في ذلك فقال له: لا، لأني أخشى عليك أن تنتفخ حتى تصل إلى الثريا، قال القرافي: ويجري هذا المجرى كل من نصب نفسه للدعاء لغيره. وقال الشيخ زروق: ألف أبو إسحاق الشاطبي في إنكار الدعاء المعهود بعد الصلاة، ورام ابن عرفة وأصحابه الرد عليه؛ وحجتهم في ذلك ضعيفة. انظر: مدونة الفقه المالكي 1/434

    وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد 1/257 قال: وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة أو المأمومين، فلم يكن ذلك من هديه صلى الله عليه وسـلم أصلاً، ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن، وأما تخصيص ذلك بصلاتي الفجر والعصر، فلم يفعل ذلك هو ولا أحد من خلفائه، ولا أرشد إليه أمته، وإنما هو استحسان رآه من رآه عوضاً من السنة، والله أعلم.

    وعليه فالواجب على الإمام ألا يتخذ ذلك سنة دبر كل صلاة، والأولى له أن يعلم الناس الأدعية المأثورة ليدعو كل منهم بما تيسر، والعلم عند الله تعالى.

  • الحالات التي تجمع فيها الصلوات

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد أجمع أهل العلم على أن صلاة الصبح لا تجمع مع غيرها، بل يجب إيقاعها في وقتها على كل حال، أما الجمع المشروع فإنه يكون بين الصلاتين المشتركتين في الوقت، وهي الظهران والعشاءان، وذلك إما أن يكون تقديماً أو تأخيراً أو جمعاً صوريا، وجمع التقديم معناه أن يصلي الظهر والعصر في وقت صلاة الظهر، أو المغرب والعشاء في وقت صلاة المغرب،وجمع التأخير معناه أن يصلي الظهر والعصر في وقت صلاة العصر، أو المغرب والعشاء في وقت صلاة العشاء، والجمع الصوري هو أن يؤخر الصلاة الأولى فيصليها في آخر وقتها ثم يصلي الثانية في أول وقتها، فصورة الفعل جمع بين الصلاتين، وحقيقته أنه أوقع كل صلاة في وقتها،.

    وهذه الأنواع قد رخصت الشريعة فيها في حالات:

    أولها: السفر؛ حيث ثبت من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ, ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا, فَإِنْ زَاغَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ, ثُمَّ رَكِبَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

    قال الحافظ في بلوغ المرام: وَفِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ فِي «الْأَرْبَعِينَ» بِإِسْنَادِ الصَّحِيحِ: صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ, ثُمَّ رَكِبَ. فيجوز للمسافر  إذا كان موعد تحرك الحافلة أو الطائرة بعد دخول وقت الظهر أن يصلي الظهر والعصر  تقديماً قبل أن يركب، ولا يجب عليه أن يعيد العصر بعد ذلك حتى لو وصل مبكرا عند وقت العصر؛ لأنه صلاها بوجه جائز مشروع، ويقال مثل ذلك في المغرب والعشاء. وله أن يجمع تأخيرا كما لو أراد أن يركب قبل دخول وقت الظهر فإنه يؤخر الظهر ويصليها مع العصر جمع تأخير. فعن معاذ رضي الله عنه قال: قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا, وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وفي صحيح البخاري من حديث ابن عباس وابن عمر وأنس بن مالك رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسـلم كان يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء إذا أعجله السير في السفر.

    ثانيها: المرض؛ فالمريض الذي يخاف حصول إغماء أو حمى تمنعه أداء الفريضة في وقتها يجوز له تقديم إحدى الصلاتين المشتركتين أو تأخيرها؛ استدلالا بأن النبي صلى الله عليه وسـلم أمر المستحاضة حمنة بنت جحش بتأخير الظهر وتعجيل العصر. رواه الترمذي وقال :حسن صحيح. وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (جمع رسول الله صلى الله عليه وسـلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر). وفي رواية: (في غير خوف ولا سفر)

    ثالثها: الجمع بسبب المطر أو الوحل مع الظلمة؛ فيجوز لأهل المساجد الذين يصلون جماعة أن يجمعو المغرب والعشاء جمع تقديم ليلة المطر في المسجد، وذلك إذا كان هنالك مطر نازل بالفعل وقت صلاة المغرب، أو كان نزوله متوقعاً أو كان هناك وحل وطين في الطرقات مصحوباً بظلمة، استدلالا بما في الموطأ أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم (من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء. قال: وكان يصلي المغرب ثم يمكث هنية ثم يصلي العشاء. رواه ابن عبد البر في التمهيد.

    فالمالكية والحنابلة رحمهم الله تعالى يجيزون الجمع بين العشائين بسبب المطر، لوجود المشقة في العشاء بسبب الظلمة، بخلاف الصلاة النهارية، أما الشافعية فيجيزون الجمع بين الظهر والعصر كذلك بسبب المطر؛ استدلالا بحديث ابن عباس رضي الله عنه (في غير خوف ولا مطر)

    رابعها: الجمع بين الظهرين في عرفة والعشائين في المزدلفة

  • الجمع بين الجمعة والعصر بسبب المطر

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالواجب على كل مسلم أن يعنى بتعلم الأحكام التي تلزمه في عبادته العينية؛ حتى يعبد الله على بصيرة ولا يقع في الخطأ  المؤدي إلى البطلان، وجواباً على هذه الأسئلة أقول:

    أولاً: لا تصح صلاة العصر قصراً لعلة المطر، وقد أجمع أهل العلم على أنه ليس للقصر سوى علة واحدة هي السفر؛ بخلاف الجمع الذي يمكن أن يكون لعلة السفر أو المطر أو الوحل أو المرض أو الخوف أو المشقة، وعليه فإن هذه الصلاة وقعت باطلة؛ حيث صليتموها ركعتين في الحضر وقد فرضها الله عز وجل أربعاً؛ قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها “«فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، فَزِيدَ فِي صَلاةِ الْحَضَرِ، وَأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ» رواه مالك في الموطأ من حديث عروة بن الزبير رضي الله عنهما

    ثانياً: في جمع العصر مع الجمعة خلاف بين أهل العلم؛ حيث أجاز بعضهم الجمع بينهما مثلما يجمع بين الظهر والعصر، لأن الجمعة بدل عن الظهر والبدل يأخذ حكم المبدل منه في جميع أحكامه، وذهب آخرون إلى عدم جواز الجمع بينهما على اعتبار أن الجمعة تفارق الظهر من وجوه كثيرة، لكن القول الأول هو قول الجمهور

    ثالثاً: من أكملوا صلاة العصر أربعاً فقد أصابوا، لكن لو قيل ببطلان صلاة المأموم لبطلان صلاة إمامه فإنه تلزمهم الإعادة كذلك

  • جمع الظهر والعصر بسبب المحاضرات

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالواجبُ أن يُعلم أن الصلاة هي آكدُ أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي الفريضة التي لا تسقط بمرض ولا شيخوخة ولا فقر ولا حرب؛ بل الواجب أداؤها في أوقاتها على كل حال؛ لقول الله تعالى )إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا( وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين رضي الله عنه وقد شكا إليه البواسير {صلِّ قائماً؛ فإن لم تستطع فقاعداً؛ فإن لم تستطع فعلى جنب} وهي أولُ ما يُحاسب عليه العبدُ يوم القيامة من حقوق الله جل جلاله، وقد توعَّد ربنا عز وجل بالويل من تهاون بها أو فرَّط فيها؛ فقال جلَّ من قائل )فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ^ إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا( وقال سبحانه )فويل للمصلين ^ الذين هم عن صلاتهم ساهون( وجعل التكاسل عنها سمةَ أهلِ النفاق فقال )إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا(

    بناء على ما مضى تقريرُه فإن الواجب على المسئولين في المدارس والجامعات أن يراعوا أوقات الصلوات عند وضع الجدول، وأن يكونوا قدوة لطلابهم في المحافظة عليها والحرص على أدائها، وأن يحرصوا – ما استطاعوا – على عدم التعارض بين أوقات الصلوات وزمن المحاضرات؛ لئلا يفتنوا الطلاب في دينهم؛ ولئلا يكون ذلك سبباً لضعاف الإيمان ليتهاونوا بالصلاة.

    فإن كان التعارض قائماً ولا يمكن تلافيه فإن الواجب على الأستاذ المحاضر أن يسمح للطلاب بدقائق معدودة يؤدون فيها صلاتهم، مقتصرين على الفريضة فقط، ويؤجلوا السنة الراتبة – قبلية أو بعدية – إلى وقت آخر؛ ليجمعوا بين الحسنيين من المحافظة على الصلاة في وقتها، والحرص على الأخذ بالأسباب المحصِّلة للعلم النافع.

    وقد قرَّر أهلُ العلم أن الجمع أوسع من القصر؛ بمعنى أن القصر لا يجوز إلا لسبب واحد هو السفر؛ أما الجمع فيجوز للسفر والمرض والمطر والمشقة؛ استدلالاً بحديث ابن عباس L {أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالمدينة سبعاً وثمانياً الظهر والعصر والمغرب والعشاء} متفق عليه. وفي لفظه للجماعة إلا البخاري وابن ماجه {جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر} قيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: {أراد أن لا يحرج أمته} قال الشوكاني رحمه الله تعالى: وقد استدل بحديث الباب القائلون بجواز الجمع مطلقاً بشرط أن لا يتخذ ذلك خلقاً وعادة. قال في الفتح: وممن قال به ابن سيرين وربيعة وابن المنذر والقفال الكبير، وحكاه الخطابي عن جماعة من أصحاب الحديث.ا.هـــ

    فما دام عذر هؤلاء قائماً فلهم مندوحة في الجمع بين العصر والظهر تقديماً متى ما حصل العذر؛ وإلا فالواجب إيقاع كل صلاة في وقتها، والله الهادي إلى سواء السبيل،،

زر الذهاب إلى الأعلى