الفتاوى

  • حكم النقاب

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد أوجبت الشريعة على المرأة ألا تخرج من بيتها أو تبدو أمام غير زوجها ومحارمها إلا وقد سترت زينتها وأخذت حجابها، ولم تفرض عليها زياً بعينه بحيث يقال: إنه هو المجزئ وما عداه فلا، وعليه نقول: إذا كان الثوب السوداني الذي ترتديه المرأة تتوافر فيه الشروط الشرعية من حيث كونه ساتراً فضفاضاً صفيقاً لا يشف عن لون البشرة غير زينة في نفسه فهو ثوب شرعي، ومتى ما تخلف شرط مما مضى ذكره فليس شرعياً، وأما النقاب فالعلماء رحمهم الله مختلفون في وجوبه واستحبابه بناء على اختلافهم في وجه المرأة أعورة هو أم لا؟ وهو خلاف سائغ ولكلٍ دليله، والله تعالى أعلم

  • الصلاة بين السواري

    الصلاة بين السواري فهي مكروهة في حال السعة؛ لقول أنس بن مالك رضي الله عنه “كنا نتقي هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسـلم” رواه أبو داود والترمذي، قال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن، وقد كره قوم من أهل العلم أن يُصَفَّ بين السواري، وبه يقول أحمد وإسحاق، وقد رخص قوم من أهل العلم في ذلك. والله تعالى أعلم.

  • التنبؤ بالمستقبل

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فإن كان هذا الشخص يعتقد أنه يعلم الغيب، وهو مصر على ذلك بعد بيان الحق له فليس هو من أهل الإسلام، بل هو كافر كفراً أكبر يخرجه من الملة؛ لأن من اعتقد أن أحداً سوى الله تعالى يعلم الغيب فقد خرج من الإسلام؛ لقوله تعالى {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} وقوله سبحانه {قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله} وقوله سبحانه {قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير} وقوله سبحانه {فلما خرَّ تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين}

    وعليه فإن الواجب اللجوء إلى المحكمة لإقامة الحجة عليه ثم أخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود إن أصر على ما هو عليه من ضلال

    هذا والواجب على من بسط الله يده وولاه أمر المسلمين أن يصون دينهم من عبث العابثين، وأن يأخذ على أيدي السفهاء الذين يلبسون الحق بالباطل ويشوشون على الناس دينهم، وعلى رأس هؤلاء الكهان والمنجمون والمشعوذون، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “فأما الغش والتدليس في الديانات، فمثل البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة من الأقوال والأفعال، مثل إظهار المكاء والتصدية  في مساجد المسلمين، ومثل سب جمهور الصحابة وجمهور المسلمين أو سب أئمة المسلمين ومشايخهم وولاة أمورهم المشهورين عند عموم الأمة بالخير، ومثل التكذيب بأحاديث النبي صلى الله عليه وسـلم التي تلقاها أهل العلم بالقبول، ومثل رواية الأحاديث الموضوعة المفتراة على رسول الله صلى الله عليه وسـلم، ومثل الغلو في الدين بأن ينزل البشر منزلة الإله، ومثل تجويز الخروج عن شريعة النبي صلى الله عليه وسـلم، ومثل الإلحاد في أسماء الله وآياته، وتحريف الكلم عن مواضعه، والتكذيب بقدر الله، ومعارضة أمره ونهيه بقضائه وقدره،  ومثل إظهار الخزعبلات السحرية والشعوذة الطبيعية وغيرها التي يضاهي بها ما للأنبياء والأولياء من المعجزات والكرامات، ليصد بها عن سبيل الله، أو يظن بها الخير فيمن ليس من أهله، وهذا الباب واسع يطول وصفه، فمن ظهر منه شيء من هذه المنكرات وجب منعه من ذلك وعقوبته عليها إذا لم يتب حتى قدر عليه، بحسب ما جاءت به الشريعة من قتل أو جلد أو غير ذلك”

    هذا ولا يحل لمسلم إتيان هؤلاء ولا سؤالهم ولا تصديقهم في شيء مما يخبرون به، بل الواجب هجرهم والإنكار عليهم وبغضهم في الله تعالى؛ لما رواه مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسـلم أنه قال “من أتى عرافاً فسأله عن شيء فصدقه بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين يوما” قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: ظاهر الحديث أن مجرد سؤاله يوجب عدم قبول صلاته أربعين يوما، ولكنه ليس على إطلاقه; فسؤال العراف ونحوه ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: أن يسأله سؤالاً مجردا; فهذا حرام لقول النبي صلى الله عليه وسلم “من أتى عرافا”؛ فإثبات العقوبة على سؤاله يدل على تحريمه; إذ لا عقوبة إلا على فعل محرم.

    القسم الثاني: أن يسأله فيصدقه، ويعتبر قوله; فهذا كفر لأن تصديقه في علم الغيب تكذيب للقرآن، حيث قال تعالى: { قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ }.

    القسم الثالث: أن يسأله ليختبره: هل هو صادق أو كاذب، لا لأجل أن يأخذ بقوله; فهذا لا بأس به، ولا يدخل في الحديث. وقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم ابن صياد; فقال: “ماذا خبأت لك؟ قال: الدخ. فقال: اخسأ; فلن تعدو قدرك” رواه البخاري؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم سأله عن شيء أضمره له; لأجل أن يختبره، فأخبره به.

    القسم الرابع: أن يسأله ليظهر عجزه وكذبه، فيمتحنه في أمور يتبين بها كذبه وعجزه، وهذا مطلوب، وقد يكون واجبا. وإبطال قول الكهنة لا شك أنه أمر مطلوب، وقد يكود واجبا، فصار السؤال هنا ليس على إطلاقه، بل يفصل فيه هذا التفصيل على حسب ما دلت عليه الأدلة الشرعية الأخرى.ا.هــــ  والعلم عند الله تعالى.

  • زوج يتعالج بالسحر

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فعلى من ابتلي بالسحر أن يعلم يقيناً أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الله تعالى جاعل لمن اتقاه فرجاً ومخرجاً؛ فعليه أن يستعين بالله ولا يعجز، وأن يكثر من ذكر الله تعالى والاستغفار، ويبتغي فيما ابتلي به أجراً وثواباً؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسـلم “ما يصيب المؤمن من هم ولا غم ولا نصب ولا وصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّر الله بها من ذنوبه وخطاياه” وأن يأخذ بالأسباب في طلب العلاج بالأسلوب الشرعي المباح؛ مقتدياً برسول الله صلى الله عليه وسـلم الذي قال “ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء علمه من علمه وجهله من جهله”

    هذا، ولا يجوز للمسحور الذهاب إلى ساحر  ليفك عنه السحر؛ لأن الدم لا يطهره البول، وإتيان الساحر في ذاته معصية لله تستوجب توبة؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسـلم “من أتى عرافاً، أو ساحراً، أو كاهنا فسأله، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد” رواه أبو يعلى والبزار ورجاله ثقات. والتماس العلاج مقيد بألا يكون بمحرم؛ لقوله صلى الله عليه وسـلم “تداووا ولا تداووا بحرام” رواه أبو داود في سننه، وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال “إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرَّم عليكم” ومن أعظم المحرمات السحر فلا يجوز التداوي به ولا حلُّ السحر به، لأن حَلَّ السحر بسحر مثله قد جعله النبي صلى الله عليه وسـلم من عمل الشيطان؛ ففي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود من حديث جابر t أن النبي صلى الله عليه وسـلم سئل عن النُّشرة فقال “إنها من عمل الشيطان” وقال أبو داود: سئل أحمد عنها فقال: ابن مسعود يكره هذا كله. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: النشرة حل السحر عن المسحور، وهي نوعان: حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن “لا يحل السحر إلا ساحر” فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب؛ فيبطل عمله عن المسحور. والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والأدوية والدعوات المباحة فهذا جائز.ا.هــــ

    وعلى الزوجة أن تبين لزوجها ذلك وترشده وتحثه على طلب العلاج بالأسباب المشروعة، من استعمال الرقية الشرعية؛ وحبذا لو اقتدى بالنبي الأكرم صلى الله عليه وسـلم فرقى نفسه بنفسه؛ مع عدم الغفلة عن الدعاء؛ فإن الله يجيب دعوة من دعاه خاصة إذا كان مضطراً، وقد قال سبحانه {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء}

    وأما زواجها من ذلك الشخص – ابتداء وبقاء – فإنه صحيح، ولم يطرأ على العقد ما ينقضه؛ خاصة وأن في المسألة خلافاً يسيراً بين أهل العلم حيث قال بحل النشرة بعضهم ؛ فقد رخص بعض الحنابلة في حل السحر بالسحر للضرورة، كما قال الحجاوي في الإقناع :وإن كان ـ يعني حل السحر ـ بشيء من السحر، فقد توقف فيه أحمد، والمذهب جوازه ضرورة. اهـ.  والعلم عند الله تعالى.

  • فاتته صلوات فهل يصلي المغرب مع الجماعة؟

    كنا مجموعة من الإخوة نتأهب لصلاة المغرب وقد دخل وقتها، فاجأنا أحد الحاضرين بأنه قد حضر من سفر، ولديه فوائت؛ فهل يصلي معنا المغرب أم يصلي منفرداً؟ وقد اختلف قول الناس في ذلك. عليه نرجو الإفادة في هذه المسألة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فبداية لا بد من التنبيه على أنه لا يحل لعبد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤخر صلاة حتى يخرج وقتها؛ مهما كانت حاله، بل الواجب عليه أن يبادر إلى أدائها على الكيفية التي يستطيعها؛ كما قال النبي صلى الله عليه  وسلم لعمران بن حصين رضي الله عنه {صل قائماً؛ فإن لم تستطع فقاعداً؛ فإن لم تستطع فعلى جنب} إن استطاع فعليه أن يتطهر الطهارة المائية؛ وإلا فالترابية؛ فإن عجز عن الاثنتين صلى بغير طهور؛ لقوله تعالى ((لا يكلف الله نفساً إلا وسعها)) ومن أخر صلاة  ـ ذاكراً عامداً ـ حتى خرج وقتها فقد أثم إثماً مبيناً، والواجب عليه التوبة إلى الله تعالى أولاً، ثم قضاء ما فاته ثانياً.

    وبخصوص هذه المسألة فإن الأصل فيها قوله صلى الله عليه وسلم {إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة} وعليه فإن الداخل حال إقامة صلاة المغرب يجب عليه أن يشرع مع الناس فيها؛ ثم بعد ذلك يقضي ما عليه من الفوائت مرتبة؛ فإذا فاتته الظهر والعصر فإنه يأتي بهما قضاء؛ ثم يعيد صلاة المغرب في قول بعض أهل العلم تحصيلاً للترتيب، وعند بعضهم لا يعيدها؛ لعموم قوله تعالى ((فاتقوا الله ما استطعتم)) وهو  قد اتقى الله ما استطاع. والعلم عند الله تعالى.

  • حكم المشاركة في حرب اليمن

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فقد ورد سؤال لمجمع الفقه الإسلامي عن مشروعية المشاركة في الحرب التي تدور رحاها في اليمن منذ خمس سنوات أو تزيد، وجواباً على ذلك نقول:

    إن القتال في شريعة الإسلام إنما يكون لأهداف سامية وحكم عالية؛ إعلاء لكلمة الله عز وجل ونشراً لدينه ورداً لعادية الظلم ومنعاً للبغي، ونحو ذلك من الأمور التي يهون دونها بذل النفس والنفيس

    أولاها: حرب عبثية لا يُدرى ما يراد منها؛ حيث كان الشعار المرفوع أولا حين شُنَّت هو حماية الحرمين الشريفين، ثم كان حماية الشرعية، لكن مع مرور الأيام اختفت تلك الشعارات، وحلَّ مكانها أخرى

    ثانيها: الحامل لأكثر الناس على خوض غمارها إنما هو البحث عن المال، وليس ذلك من الغايات الشريفة التي من أجلها يشرع القتال، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (من غزا ولم ينوِ إلا عقالاً فليس له إلا ما نوى) وسئل صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، والرجل يقاتل حمية، والرجل يقاتل ليرى مكانه، والرجل يقاتل للمغنم أي ذلك في سبيل الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)

    ثالثها: تواتر الشهادات من أهل اليمن على عظيم الضرر الذي حاق بهم من جراء تلك الحرب؛ حيث تورطت بعض الدول المشاركة فيها في قتل الأئمة وأهل الخير ودعاة الإسلام، مع

    رابعها: ما حصل من احتلال لبعض المناطق وإخراج أهلها منها – ظلماً وعدواناً – استئثاراً بثرواتها أو لكونها من مناطق النفوذ التي يحرص عليها، والدول التي فعلت ذلك ما فعلته باسم الإسلام ولا سعياً لعودة الخلافة ولا بسطاً لحكم الله في الأرض بل هو محض الظلم والعدوان

  • حد القذف

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالقذف هو الرمي بفاحشة توجب حداً أو بما يستلزم ذلك وهو نفي النسب، وهو من كبائر الذنوب؛ لقوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ . يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} وقول النبي صلى الله عليه وسلم “اجتنبوا السبع الموبقات. قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات”

    وقد أجمع أهل العلم على أن الرجل والمرأة في ذلك سواء؛ فمن قذف مسلماً فحكمه كحكم من قذف مسلمة، قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْآيَةِ النِّسَاءَ مِنْ حَيْثُ هُنَّ أَهَمُّ، وَرَمْيُهُنَّ بِالْفَاحِشَةِ أَشْنَعُ وَأَنْكَى لِلنُّفُوسِ. وَقَذْفُ الرِّجَالِ دَاخِلٌ فِي حُكْمِ الْآيَةِ بِالْمَعْنَى، وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى ذَلِكَ. وَهَذَا نَحْوُ نَصِّهِ عَلَى تَحْرِيمِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَدَخَلَ شَحْمُهُ وَغَضَارِيفُهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ بِالْمَعْنَى وَالْإِجْمَاعِ. وَحَكَى الزَّهْرَاوِيُّ أَنَّ الْمَعْنَى: وَالْأَنْفُسُ الْمُحْصَنَاتُ، فَهِيَ بِلَفْظِهَا تَعُمُّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ} وَقَالَ قَوْمٌ: أَرَادَ بِالْمُحْصَنَاتِ الْفُرُوجَ، كَمَا قال تعالى: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها} فَيَدْخُلُ فِيهِ فُرُوجُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا ذَكَرَ الْمَرْأَةَ الْأَجْنَبِيَّةَ إِذَا قُذِفَتْ لِيَعْطِفَ عَلَيْهَا قَذْفَ الرَّجُلِ زَوْجَتَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.ا.هــــــــ وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى: وَقَدْ أَجْمَعَ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ قَذْفَ الذُّكُورِ لِلذُّكُورِ، أَوِ الْإِنَاثِ لِلْإِنَاثِ، أَوِ الْإِنَاثِ لِلذُّكُورِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا نَصَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ، مِنْ قَذْفِ الذُّكُورِ لِلْإِنَاثِ; لِلْجَزْمِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ بَيْنَ الْجَمِيعِ.ا.هـــــــ

    والقذف قد يكون صراحة كأن يقول له: يا زاني، أو ليس فلان أباك، وهذا يوجب الحد إجماعاً، وقد يكون تعريضاً يفهم منه أنه يريد قذفه؛ كما لو قال له: لست بزاني ولا أبي زاني ولا أمي زانية، فَهذا محل خلاف بين أهل العلم حيث ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ التَّعْرِيضَ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَلَوْ فُهِمَ مِنْهُ إِرَادَةُ الْقَذْفِ، إِلَّا أَنْ يُقِرَّ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْقَذْفَ.

    قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي «الْمُغْنِي»: وَاحْتَجَّ أَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ بِكِتَابٍ وَسُنَّةٍ. أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} فَفَرَّقَ تَعَالَى بَيْنَ التَّصْرِيحِ لِلْمُعْتَدَّةِ وَالتَّعْرِيضِ، قَالُوا: وَلَمْ يُفَرِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا فِي كِتَابِهِ، إِلَّا لِأَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا، وَلَوْ كَانَا سَوَاءً لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا فِي كِتَابِهِ. وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَالْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ فِي الرَّجُلِ الَّذِي جَاءَ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَالَ لَهُ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ وَهُوَ تَعْرِيضٌ بِنَفْيِهِ، وَلَمْ يَجْعَلِ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – هَذَا قَذْفًا ، وَلَمْ يَدْعُهُمَا لِلِعَانٍ بَلْ قَالَ لِلرَّجُلِ:  “أَلَكَ إِبِلٌ”؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ «فَمَا أَلْوَانُهَا»؟ قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ «هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ»؟ قَالَ: إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا، قَالَ «وَمِنْ أَيْنَ جَاءَهَا ذَلِكَ»؟ قَالَ: لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَهُ، قَالَ «وَهَذَا الْغُلَامُ الْأَسْوَدُ لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَهُ»، قَالُوا: وَلِأَنَّ التَّعْرِيضَ مُحْتَمِلٌ لِمَعْنًى آخَرَ غَيْرِ الْقَذْفِ، وَكُلُّ كَلَامٍ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ لَمْ يَكُنْ قَذْفًا، هَذَا هُوَ حَاصِلُ حُجَّةِ مَنْ قَالُوا بِأَنَّ التَّعْرِيضَ بِالْقَذْفِ، لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْحَدُّ بِالتَّصْرِيحِ بِالْقَذْفِ.

    وَذَهَبَتْ جَمَاعَةٌ آخَرُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ التَّعْرِيضَ بِالْقَذْفِ يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي «الْمُغْنِي»: وَرَوَى الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ، عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ، يَعْنِي الْمُعَرِّضَ بِالْقَذْفِ، قَالَ: وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ إِلَى أَنْ قَالَ: وَقَالَ مَعْمَرٌ: إِنَّ عُمَرَ كَانَ يَجْلِدُ الْحَدَّ فِي التَّعْرِيضِ، اهـ.

    وَاحْتَجَّ أَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ، قَالَ: وَالدَّلِيلُ لِمَا قَالَهُ مَالِكٌ هُوَ أَنَّ مَوْضُوعَ الْحَدِّ فِي الْقَذْفِ، إِنَّمَا هُوَ لِإِزَالَةِ الْمَعَرَّةِ الَّتِي أَوْقَعَهَا الْقَاذِفُ بِالْمَقْذُوفِ، وَإِذَا حَصَلَتِ الْمَعَرَّةُ بِالتَّعْرِيضِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَذْفًا كَالتَّصْرِيحِ وَالْمُعَوَّلُ عَلَى الْفَهْمِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ أَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ {إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} أَيِ السَّفِيهُ الضَّالُّ، فَعَرَضُوا لَهُ بِالسَّبِّ بِكَلَامٍ ظَاهِرُهُ الْمَدْحُ فِي أَحَدِ التَّأْوِيلَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى فِي أَبِي جَهْلٍ {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ}، وَقَالَ تَعَالَى فِي الَّذِينَ قَذَفُوا مَرْيَمَ أَنَّهُمْ قَالُوا: {يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا}، فَمَدَحُوا أَبَاهَا، وَنَفَوْا عَنْ أُمِّهَا الْبِغَاءَ، أَيِ: الزِّنَى وَعَرَّضُوا لِمَرْيَمَ بِذَلِكَ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا} وَكُفْرُهُمْ مَعْرُوفٌ وَالْبُهْتَانُ الْعَظِيمُ هُوَ التَّعْرِيضُ لَهَا، أَيْ: مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا أَيْ: أَنْتِ بِخِلَافِهِمَا وَقَدْ أَتَيْتِ بِهَذَا الْوَلَدِ، وَقَالَ تَعَالَى {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} فَهَذَا اللَّفْظُ قَدْ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّ الْكُفَّارَ عَلَى غَيْرِ هُدًى، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى الْهُدَى، فَفُهِمَ مِنْ هَذَا التَّعْرِيضِ مَا يُفْهَمُ مِنْ صَرِيحِهِ.ا.هـــــــــــــ

    وقول هذه المرأة إن فلاناً مصاب بمرض الإيدز، لا يدل على القذف تصريحاً ولا تعريضا؛ لأنه لا يلزم من الإصابة بهذا المرض أن يكون المبتلى به قد قارف فاحشة أو أتى ما يوجب الحد، بل قد علم الناس طراً أن هذا المرض قد يكون عن طريق نقل الدم أو انتقال العدوى بسبب من الأسباب التي يقررها أهل الاختصاص.

    وعليه: فإن هذا الكلام لا يوجب أن يقام على قائله حد القذف، لكن لو أن من قيل في حقه لحقه ضرر فإن هذا الضرر يُجبر بما يراه القاضي مناسباً، والله تعالى أعلم.

  • حكم الشرع في الشواذ

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالسؤال يتعلق بأربع مسائل: أولها حكم الإسلام فيمن يمارس الشذوذ، وثانيها: حكم صلة الرحم مع هذا الرجل الشاذ إن كان رحما، وثالثها: افتراض أن جميع أهل الزوج قد تفشى فيهم هذا المرض، رابعها: هل يجوز منع الزوج من اصطحاب الأطفال إلى أهله؟

    أما المسألة الأولى فقد أجمع المسلمون على تحريم اللواط وأنه من كبائر الذنوب؛ استدلالاً بالأحاديث المتواترة في تحريمه ولعن فاعله؛ ثم اختلفوا في عقوبته فالذي عليه جماهير أهل العلم من الصحابة والتابعين والأئمة مالك والشافعي وأحمد أن حكمه القتل؛ استدلالاً بما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم والبيهقي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم “من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به” قال ابن حجر: رجاله موثوقون. وبما رواه أبو داود عن سعيد بن جبير ومجاهد عن ابن عباس “في البكر يوجد على اللوطية يرجم” وأخرج البيهقي عن علي رضي الله عنه لوطياً. فقال الشافعي: وبهذا نأخذ يرجم اللوطي محصناً كان أو غير محصن، وأخرج البيهقي أيضاً عن أبي بكر أنه جمع الناس في حق رجل ينكح كما ينكح النساء؛ فسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك؛ فكان أشدهم يومئذ قولاً علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ قال: هذا ذنب لم تعص به أمة من الأمم إلا أمة واحدة صنع الله بها ما قد علمتم نرى أن نحرقه بالنار. فاجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أن يحرقه بالنار فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد يأمره أن يحرقه بالنار. وأخرج البيهقي أيضا عن ابن عباس أنه سئل عن حد اللوطي فقال يُنظر أعلى بناء في القرية فيرمى به منكسا ثم يتبع الحجارة.. والظاهر من هذه الروايات أنهم متفقون على قتله لكنهم مختلفون في كيفية قتله. هل بالسيف أم يُلقى من أعلى بناء في البلد أو يُلقى عليه حائط أو يرجم بالحجارة حتى يموت أو يحرق بالنار؟؟

    قال الشوكاني رحمه الله تعالى: وما أحق مرتكب هذه الجريمة ومقارف هذه الرذيلة الذميمة بأن يعاقب عقوبة يصير بها عبرة للمعتبرين، ويعذب تعذيبا يكسر شهوة الفسقة المتمردين؛ فحقيق بمن أتى بفاحشة قوم ما سبقهم بها من أحد من العالمين أن يصلى من العقوبة بما يكون في الشدة والشناعة مشابهاً لعقوبتهم وقد خسف الله تعالى بهم واستأصل بذلك العذاب بكرهم وثيبهم.ا.هــــــــــــــــ

    وذهب أبو حنيفة والشافعي في قول له إلى أنه يعزَّر اللوطي لأنها جريمة لا تشتهيها الفطرة السوية ولا الطبع النقي؛ وقد أخذ القانون الجنائي السوداني لعام 1991 بهذا القول فنص في المادة 148/أ على أن من يرتكب جريمة اللواط يعاقب بالجلد مائة جلدة كما تجوز معاقبته بالسجن مدة لا تجاوز خمس سنوات. وفي المادة 148/ب إذا أدين الجاني للمرة الثانية يعاقب بالجلد مائة جلدة وبالسجن مدة لا تجاوز خمس سنوات. وفي المادة 148/ج إذا أدين الجاني للمرة الثالثة يعاقب بالإعدام أو السجن المؤبد.

    وأما المسألة الثانية فالواجب بذل النصح لهذا الرجل وتخويفه بالله مع المباعدة بينه وبين من يخاف عليهم من الأطفال اتقاء لشره وقطعاً لدابر فساده، فإن لم يرتدع فالواجب تخويفه بالشرطة والقانون وافتضاح أمره وذيوع خبره مع ما في ذلك من المهانة والخزي في الدنيا والآخرة، ويكون هذا التخويف عن طريق طرف ثالث لا عن طريق ولده ولا زوجة ولده.

    وفي الوقت نفسه على ولده أن يبره ويحسن إليه ما استطاع؛ عملاً بقوله تعالى {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا}

    وأما افتراض السائلة بأن جميع أهل الزوج كذلك؛ فهو مجرد ظن وقد قال الله تعالى {اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم} وقال النبي صلى الله عليه وسلم “إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث” رواه الشيخان، والواجب حمل حال المسلمين على السلامة حتى يبدو ما هو خلاف ذلك، ودخولهم عليك بلا استئذان قد يكون جهلاً منهم بالحكم الشرعي أو جرياً على ما اعتادوه بين أهلهم وذويهم من تقاليد تخالف الشرع، لكن ذلك لا يلزم منه اتهامهم باقتراف تلك الفاحشة المقيتة التي وقع فيها ذلك الجد الظالم لنفسه. فالواجب عليك التوبة إلى الله من هذا الظن السيئ وعدم التمادي فيه.

    ولا يجوز لك تحريض زوجك على عدم اصطحاب أطفالكما لزيارة أهله، بل الواجب حضه على صلة رحمه والإحسان إليهم، مع الاحتياط لعرض أطفالكم بأن تكون هذه الزيارات قصيرة وعلى فترات متباعدة، مع الحرص على وجودهم بين أبويهم أو أحدهما حال الزيارة، والله الموفق والمستعان.

  • جمعية ثقافية يرأسها نصراني

    نحن الجمعية السودانية للتصميم الداخلي المسجلة بوزارة الثقافة كجمعية ثقافية تعنى بمجال التصميم الداخلي والمصممين، وقد أقامت الجمعية جمعية عمومية لانتخاب اللجنة التنفيذية فاز فيها بمنصب رئيس الجمعية أحد الأعضاء مسيحيي الديانة، ومهام الجمعية تنحصر في نشر ثقافة التصميم الداخلي وتطوير المصممين الأعضاء وإقامة دورات متخصصة، وهي جمعية شرط في الانضمام لها التخصص. نرجو إفتائي في مدى شرعية تولي مسيحي رئاسة الجمعية

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فلا حرج في تولي غير المسلم منصب رئيس جمعية للتصميم الداخلي، لأن هذه المناصب ليست إمامة عظمى ولا في معنى الإمامة العظمى، وقد صرح فقهاؤنا رحمة الله عليهم بجواز تولي غير المسلم وزارة التنفيذ دون وزارة التفويض؛ يقول القاضي الماوردي رحمه الله تعالى في الأحكام السلطانية: وَأَمَّا وَزَارَةُ التَّنْفِيذِ فَحُكْمُهَا أَضْعَفُ وَشُرُوطُهَا أَقَلُّ، لِأَنَّ النَّظَرَ فِيهَا مَقْصُورٌ عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ وَتَدْبِيرِهِ، وَهَذَا الْوَزِيرُ وَسَطٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّعَايَا وَالْوُلَاةِ يُؤَدِّي عَنْهُ مَا أَمَرَ وَيَنْفُذُ عَنْهُ مَا ذَكَرَ وَيُمْضِي مَا حَكَمَ وَيُخْبِرُ بِتَقْلِيدِ الْوُلَاةِ وَتَجْهِيزِ الْجُيُوشِ وَيَعْرِضُ عَلَيْهِ مَا وَرَدَ مِنْ مُهِمٍّ وَتَجَدَّدَ مِنْ حَدَثٍ مُلِمٍّ، لِيَعْمَلَ فِيهِ مَا يُؤْمَرُ بِهِ، فَهُوَ مُعِينٌ فِي تَنْفِيذِ الْأُمُورِ وَلَيْسَ بِوَالٍ عَلَيْهَا وَلَا مُتَقَلِّدًا لَهَا، فَإِنْ شُورِكَ فِي الرَّأْيِ كَانَ بِاسْمِ الْوَزَارَةِ أَخَصَّ، وَإِنْ لَمْ يُشَارَكْ فِيهِ كَانَ بِاسْمِ الْوَاسِطَةِ وَالسِّفَارَةِ أَشْبَهَ، وَأَمَّا وَزَارَةُ التَّنْفِيذِ فَحُكْمُهَا أَضْعَفُ وَشُرُوطُهَا أَقَلُّ، لِأَنَّ النَّظَرَ فِيهَا مَقْصُورٌ عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ وَتَدْبِيرِهِ، وَهَذَا الْوَزِيرُ وَسَطٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّعَايَا وَالْوُلَاةِ يُؤَدِّي عَنْهُ مَا أَمَرَ وَيَنْفُذُ عَنْهُ مَا ذَكَرَ وَيُمْضِي مَا حَكَمَ وَيُخْبِرُ بِتَقْلِيدِ الْوُلَاةِ وَتَجْهِيزِ الْجُيُوشِ وَيَعْرِضُ عَلَيْهِ مَا وَرَدَ مِنْ مُهِمٍّ وَتَجَدَّدَ مِنْ حَدَثٍ مُلِمٍّ، لِيَعْمَلَ فِيهِ مَا يُؤْمَرُ بِهِ، فَهُوَ مُعِينٌ فِي تَنْفِيذِ الْأُمُورِ وَلَيْسَ بِوَالٍ عَلَيْهَا وَلَا مُتَقَلِّدًا لَهَا، فَإِنْ شُورِكَ فِي الرَّأْيِ كَانَ بِاسْمِ الْوَزَارَةِ أَخَصَّ، وَإِنْ لَمْ يُشَارَكْ فِيهِ كَانَ بِاسْمِ الْوَاسِطَةِ وَالسِّفَارَةِ أَشْبَهَ.. إلى أن ذكر رحمه الله الشروط السبعة التي تطلب فيمن يتولاها وخلاصتها: الأمانة، وصدق اللهجة، وقلة الطمع، وأن يسلم فيما بينه وبين الناس من عداوة وشحناء، وأن يكون ذكوراً، ذكياً فطنا، وألا يكون من أهل الأهواء فيخرجه هواه من الحق إلى الباطل.ا. هـــــ

    وقال القاضي أبو يعلى الفرا: وَذَكَرَ الْخِرَقِيُّ مَا يَدُل عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَزِيرُ التَّنْفِيذِ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ؛ لأَِنَّهُ أَجَازَ إِعْطَاءَهُمْ جُزْءًا مِنَ الزَّكَاةِ إِنْ كَانُوا مِنَ الْعَامِلِينَ فِيهَا، فَيُعْطَوْا بِحَقِّ مَا عَمِلُوا، مِمَّا يَدُل عَلَى جَوَازِ وِلاَيَتِهِمْ وَعِمَالَتِهِمْ.ا.هـــ

    وَخَالَفَهُمُ الْجُوَيْنِيُّ وَقَال: فَإِنَّ الثِّقَةَ لاَ بُدَّ مِنْ رِعَايَتِهَا، وَلَيْسَ الذِّمِّيُّ مَوْثُوقًا فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ وَتَصَارِيفِ أَحْوَالِهِ، وَرِوَايَتُهُ مَرْدُودَةٌ، وَكَذَلِكَ شَهَادَتُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ يُقْبَل قَوْلُهُ فِيمَا يُسْنِدُهُ وَيَعْزُوهُ إِلَى إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ؟

    وَاسْتَدَل الْجُوَيْنِيُّ بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُل مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ، لاَ تَتَرَاءَى نَارَاهُمَا” رواه أبو داود والنسائي، وقال الحافظ في التلخيص: صحح البخاري وأبو داود والترمذي والدارقطني إرساله إلى قيس بن أبي حازم.ا.هــــ وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اشْتَدَّ نَكِيرُهُ عَلَى أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ لَمَّا اتَّخَذَ كَاتِبًا نَصْرَانِيًّا.

    قَال أَبُو يَعْلَى: وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُل عَلَى الْمَنْعِ؛ لأَِنَّهُ قَال فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَقَدْ سُئِل: نَسْتَعْمِل الْيَهُودِيَّ وَالنَّصْرَانِيَّ فِي أَعْمَال الْمُسْلِمِينَ مِثْل الْخَرَاجِ؟ فَقَال: لاَ يُسْتَعَانُ بِهِمْ فِي شَيْءٍ.

    وخلاصة القول أن الجمعية المذكورة لا تستقل بوضع سياسات تؤثر على الدولة أو أوضاع المسلمين بها؛ بل تصرفها محدود في نطاق معين، وعليه فلا حرج أن يتولى أمرها غير مسلم، والله تعالى أعلم.

  • العمل في بئر ذهب بنصف الإيراد

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فهذه المعاملة إن كانت وكالة فلا حرج فيها؛ لأن الوكالة تصح بأجر وبدونه، وهذا باتفاق الفقهاء؛ فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمران؛ حيث وكل صلى الله عليه وسلم أنيساً في إقامة الحد على من زنت، ففي الصحيحين عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالاَ:  كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلاَّ قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ فَقَامَ خَصْمُهُ، وَكَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ – فَقَالَ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ وَأْذَنْ لِي قَالَ قُلْ قَالَ إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِئَةِ شَاةٍ وَخَادِمٍ ثُمَّ سَأَلْتُ رِجَالاً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِئَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَعَلَى امْرَأَتِهِ الرَّجْمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ الْمِائَةُ شَاةٍ وَالْخَادِمُ رَدٌّ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا.

    ووكل عروة البارقي في شراء شاة، ففي سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه عَنْ عُرْوَةَ – يَعْنِى ابْنَ أَبِى الْجَعْدِ الْبَارِقِىِّ – قَالَ: أَعْطَاهُ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- دِينَارًا يَشْتَرِى بِهِ أُضْحِيَةً أَوْ شَاةً فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ فَأَتَاهُ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِى بَيْعِهِ فَكَانَ لَوِ اشْتَرَى تُرَابًا لَرَبِحَ فِيهِ. وكان يبعث عماله لقبض الصدقات ويجعل لهم عمالة، ولهذا قال له ابنا عمه صلى الله عليه وسلم: لو بعثتنا على هذه الصدقات فنؤدي إليك ما يؤدي الناس ونصيب ما يصيبه الناس. يعنيان العمالة أي الأجرة.

    وعليه فلا حرج عليك في أن توكل شخصاً في أن يعمل وردية معلومة في بئر الذهب نظير أن تبذل له نصف الإيراد، والعلم عند الله تعالى.

زر الذهاب إلى الأعلى