الفتاوى

  • تواشيح قبل أذان الفجر

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فإن الله تعالى قد شرع الأذان بألفاظه المعلومة؛ إعلاماً بدخول وقت الصلاة وحثاً للمسلمين على السعي إليها في بيوت الله، وشرع نبينا صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح أذاناً يكون قبل دخول الوقت؛ وذلك إذا بقي سدس الليل الآخر، وثبت عنه في الحديث أنه قال لأصحابه “إن بلالاً يؤذن بليل؛ فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم” وهذا الأذان الأول الذي يكون بالليل قد شرع لحكم منها: أن يوتر المتهجد، ويتناول سحوره من نوى صياما، ويغتسل من كان جنبا؛ إلى غير ذلك من الحكم، أما ما اعتاده بعض الناس في المساجد من تلاوة قرآن أو إذاعة أدعية وتواشيح قبل دخول الوقت مضافة إلى الأذان أو مستقلة عنه فإنها لا تشرع، وذلك لأمور:

    أولها: أنها زيادة لم يأت بها الشرع، وقد قال النبي صلى الله عليه  وسلم “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد”

    ثانيها: أنها أمر محدث لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وقال عليه الصلاة والسلام “وإياكم ومحدثات؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل ضلالة في النار”

    ثالثها: ما يترتب عليها من التشويش على الناس وإزعاجهم بغير مبرر شرعي في وقت راحتهم، وفيهم المريض والشيخ الكبير والطالب الذي يراجع دروسه، ولا شك أن في ذلك أذية للمسلمين، وقد قال سبحانه {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبينا}

    رابعها: أنها قد تبغِّض شعائر الدين لبعض الناس، ونحن مأمورون بأن نحبب الناس في الدين ونقربهم إليه لا العكس.

    إلى غير ذلك من المفاسد التي لا تخفى، ولذلك يجب على المؤذنين أن يتذكروا دائماً أنهم داخلون دخولاً أولياً في قوله تعالى {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين} وقول النبي صلى الله عليه وسلم “المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة” وقوله عليه الصلاة والسلام “الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن؛ اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين” وأن هذا الأجر العظيم مشروط بإخلاص النية، ومتابعة الشرع من غير زيادة، والعلم عند الله تعالى

  • التهجد الجماعي في غير رمضان

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فلا حرج في هذا العمل إن شاء الله؛ لأن فيه جملة من المصالح الشرعية التي ينبغي مراعاتها، ومن ذلك:

    • التعاون على البر والتقوى، إذ المرء بطبعه يندفع في فعل الخير إذا وجد من يشجعه ويعينه عليه، ومن هنا كانت العبادات في شريعتنا جماعية غالبا
    • إحياء السنة؛ لأن قليلاً من الناس في زماننا من يحافظ على سنة قيام الليل؛ لا أقول عامة الناس بل خاصتهم من طلبة العلم وغيرهم
    • تعليم الناس هذه السنة العظيمة؛ فإن قليلاً من الناس من يعرف الكيفية المشروعة في قيام الليل، فلو اتخذ ذلك سبيلاً للتعليم لكان خيرا

     وأما اختيارهم لليلة ما فليس لاعتقاد في فضلها بل من أجل موافقة الناس فيما ارتأوه من مصلحة تخصيصها لكون اليوم الذي يليها عطلة رسمية.

    وهذا الأمر قد نص عليه أهل العلم المعروفون باتباع السنة، ومن ذلك ما نقله صاحب المدونة عن مالك رحمه الله تعالى قال (لا بأس أن يصلي القوم جماعة النافلة في ليل أو نهار، قال: وكذلك الرجل يجمع الصلاة النافلة بأهل بيته وغيرهم لا بأس بذلك) وقال النووي رحمه الله تعالى في المجموع: قد سبق أن النوافل لا تُشرع الجماعة فيها إلا في العيدين والكسوفين والاستسقاء وكذا التراويح والوتر بعدها إذا قلنا بالأصح: إن الجماعة فيها أفضل، وأما باقي النوافل كالسنن الراتبة مع الفرائض والضحى والنوافل المطلقة فلا تُشرع فيها الجماعة, أي لا تُستحب, لكن لو صلاها جماعة جاز, ولا يقال: إنه مكروه، وقد نص الشافعي رحمه الله في مختصري البويطي والربيع على أنه لا بأس بالجماعة في النافلة ودليل جوازها جماعة أحاديث كثيرة في الصحيح منها حديث عتبان بن مالك رضي الله عنه “أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه في بيته بعدما اشتد النهار ومعه أبو بكر رضي الله عنه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أين تحب أن أصلي من بيتك؟ فأشرت إلى المكان الذي أحب أن يصلي فيه فقام وصفَّنا خلفه ثم سلَّم وسلَّمنا حين سلَّم” رواه البخاري ومسلم. وثبتت الجماعة في النافلة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من رواية ابن عباس وأنس بن مالك وابن مسعود وحذيفة رضي الله عنهم، وأحاديثهم كلها في الصحيحين إلا حديث حذيفة ففي مسلم فقط، والله أعلم. وقال ابن قدامة في المغني: (يجوز التطوع جماعة وفرادى، لأن النبي صلى الله عليه وسـلم فعل الأمرين كليهما، وكان أكثر تطوعه منفرداً، وصلى بحذيفة مرة، وبابن عباس مرة، وبأنس وأمه واليتيم مرة، وأمَّ أصحابه في بيت عتبان مرة، وأمهم في ليالي رمضان ثلاثاً، وكلها ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم).ا.هــــ وعليه فلا حرج فيما فعله هؤلاء الإخوة بالنظر إلى المصالح المذكورة آنفاً، وهم مأجورون إن شاء الله، والله تعالى أعلم.
  • حكم التطبيع

      الحمد لله القائل : [ وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ]( البقرة : 120 ) .

      ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً .. أما بعد :  فإن اليهود أمة غضب الله عليهم ولعنهم على لسان أنبيائهم ، كما قال سبحانه : [ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ]( المائدة : 78 ) .

      وقال سبحانه : [ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ ]( المائدة : 60 ) .

      وقد وصفهم الله تعالى في كتابه بما لا يخفى على أحد من المسلمين ؛ فهم الذين يطعنون في ذات الرب سبحانه وتعالى كما قال سبحانه : [ وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ]( المائدة : 64 ) ، وقال سبحانه في اليهود : [ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ]( آل عمران : 181 ) .

      ومن جرائمهم أنهم كفروا بالله تعالى وكذبوا رسله ، وقتلوا الأنبياء والمصلحين، كما قال سبحانه : [ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ]( البقرة : 61 ) .

      بل إنهم لا يتركون مُصلحاً أو آمراً بالقسط إلا قتلوه وتآمروا عليه ، كما أخبر الله عنهم ، فقال سبحانه : [ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ]( آل عمران : 21 ).

      ولقد تآمروا على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فَهَمُّوا بقتله ، ووضعوا له السم ، وآذوه بأنواع الإيذاء في حياته ، ولا يزالون يتطاولون عليه ويسيئون إليه بعد مماته صلى الله عليه وسلم .

      واليهود أشد الناس فساداً في الأرض ؛ فهم يستبيحون الأمم الأخرى ، كما قال سبحانه : [ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ]( آل عمران : 75 ) .

      وجرائم اليهود في حق الله تعالى وفي حق الأنبياء ، وإفسادهم في الأرض ، وتحريفهم للتوراة ، وعداوتهم للأنبياء والمصلحين ، وغير ذلك من الجرائم لا تخفى على أحد .

      ولا يزال اليهود متصفين بنقض العهود ، كما أخبر عنهم سبحانه بقوله : [ أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ]( البقرة : 100 ) .

      والمعلوم من تاريخ اليهود أنهم نقضوا العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم وتآمروا على قتاله مع المشركين والمنافقين ، ومعلوم حقدهم على الإسلام والمسلمين، وحرصهم على بث الفرقة وإثارة الفتن بينهم ، وهم يسعون اليوم لإقامة دولة اليهود الكبرى على أنقاض الدول العربية وفي أرضها !  لقد احتل اليهود أرض فلسطين بعد أن قتلوا أبناءها ، وأخرجوهم من ديارهم، وسلبوا ممتلكاتهم ، وحاربوا العرب من أجل ذلك ، واستعانوا بالقوى الدولية على تحقيق أهدافهم ، ولا يزالون يسعون لإقامة دولة اليهود الكبرى من النيل إلى الفرات ومن الإسكندرية إلى المدينة المنورة ، وإلحاقها بفلسطين المحتلة ، ويسعون في هذه الفترة مع من يعينهم من القوى الدولية لتحطيم مقومات العرب من دين وأخلاق ، وقوة واقتصاد ، وجيش وأمن ، ووحدة سياسية ، ويفرضون على العرب اليوم التسليم بكل ما فعلوا ضدهم وضد إخوانهم في فلسطين ، ويطلبون منهم الرضا بالأمر الواقع ، واعتبار ذلك أمراً طبيعياً ، بينما هم لا يتوقفون عن تنفيذ بقية مخططاتهم المدمرة للعرب والمسلمين ومقوماتهم .

      واليوم نسمع عن عودة هؤلاء اليهود إلى اليمن ، باسم الزيارة لأهليهم ، أو السياحة ، بعد أن نبذوا الجنسية اليمنية ، وخرجوا من البلاد خروجاً نهائياً ، فخرجوا محاربين الجيوش العربية ، ومنها جيش اليمن ، ونحن نحذر من أن الهدف الحقيقي لهم هو إعادة استيطانهم في اليمن ، وتمكينهم من شراء الأراضي اليمنية والعقارات ، وادعاء الملكية ، وتشكيل أقلية يهودية تعيش تحت الحماية الأجنبية ، وتُعَرِّض اليمن لضغوط دولية إن لم يسلموا لها ولخططها الماكرة ، كما يهدفون في هذه المرحلة إلى إعادة معابدهم ، وابتزاز ثروات اليمن ، والتملك في البلاد .

      وقياماً بواجب البيان الذي أخذ الله ميثاقه على العلماء ونصحاً للأمة ، وإبراءاً للذمة نفتي بما يلي :  أولاً : إن موالاة أعداء الإسلام محرمة شرعاً وبخاصة هؤلاء اليهود ؛ لأنهم في حالة حرب مع العرب والمسلمين ، واغتصاب لأراضيهم ومقدساتهم ، ويخططون لإقامة دولتهم اليهودية الكبرى على أراضي المسلمين ، وعليه فيحرم شرعاً التطبيع معهم كما يدل على ذلك قوله تعالى : [ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ]( الممتحنة : 9 ) .

      وكما قال سبحانه : [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ ]( المائدة : 51 ) .

      وكما قرر ذلك علماء المسلمين في فتواهم منذ بداية تكالب اليهود على أرض فلسطين عام 1935م إلى يومنا هذا .

      ثانياً : يحرم التعامل مع هؤلاء اليهود الحربيين بيعاً أو شراءاً أو استثماراً أو تمليكاً للأراضي حتى لا يكون سبباً في توطينهم وادعائهم الإقامة حيث يملكون ، وحتى لا يكون ذريعة لإعادة استيطانهم في اليمن .

      ثالثاً : يوصي العلماءُ المسلمين جميعاً والشعبَ اليمني خصوصاً حكاماً ومحكومين بالتنبه لخطر موالاة اليهود ، والحذر من خططهم الماكرة ، والوقوف صفاً واحداً أمام هذا الخطر الداهم الذي يهدف إلى حرب الإسلام والمسلمين ؛ مما يستوجب الوقوف أمام المخططات التي تسير في هذا الاتجاه وتشجع على موالاة اليهود المحاربين للإسلام والمسلمين وإقامة العلاقات معهم .

      نسأل الله أن يوفق الأمة الإسلامية لما فيه خيرها وصلاحها .

     وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

  • التسمّي بإسم ملكـ

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فهذا الاسم أقل أحواله الكراهة، بل حكم بعض أهل العلم بحرمة التسمي به؛ وذلك من وجوه: أولها مضاهاة المشركين الذين كانوا يجعلون الملائكة إناثاً ويقولون: هم بنات الله؛ قال تعالى ((وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً)) وقال ((ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون)) وثانياً: مضاهاة النصارى الذين يتسمون بهذا الاسم. وثالثاً: المبالغة في مدح المسمَّى به، وعليه فإن استطعتم تغييره فهو أفضل،

    هذا مع الظن بأن من يسمي بنته بهذا الاسم من المسلمين إنما يفعل ذلك تفاؤلاً بطهر ابنته ونقائها وعفتها واستقامتها على أمر الله تعالى، لكن ينبغي تحاشي هذه التسمية حذراً من التشبه بالمشركين في معتقدهم الفاسد الذي كانوا عليه والله تعالى أعلم.

  • التداوي بعلم الحرف

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    أولاً: لا يعلم الغيب إلا الله، قال الله تعالى {قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون} وأمر نبيه صلى الله عليه وسـلم  ـ وهو أشرف الخلق ـ أن يقول {لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب} وأن يقول {لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} وكذلك الجن لا يعلمون الغيب كما قال سبحانه في قصة نبيه سليمان u {فلما خرَّ تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين}

    ثانياً: على المسلم أن يسعى لدنياه بالأسباب المباحة من الضرب في الأرض كما قال سبحانه {فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور} وأن يمارس من العمل ما يحصِّل به رزقاً حلالاً من احتطاب أو احتشاش أو رعي أو زرع أو اتجار أو صناعة أو غير   ذلك من أنواع العقود والتصرفات، وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسـلم “أي الكسب أطيب؟ فقال: عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور” رواه ابن حبان والحاكم

    ثالثاً: على من ابتلي بداء في جسده أن يسعى للتداوي بالأسباب المشروعة من الرقية بالقرآن والأدعية النبوية، وكذلك عليه أن يلتمس الطب عند حذاق الأطباء ويتناول من الدواء ما لا يشتمل على محرم؛ لأن التداوي مشروع باتفاق العلماء لما ثبت في ذلك من السنة القولية والعملية، كحديث أَبي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ اللَّهَ أَنْزَل الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ، وَجَعَل لِكُل دَاءٍ دَوَاءً، فَتَدَاوَوْا، وَلاَ تَتَدَاوَوْا بِالْحَرَامِ” رواه أبو داود، وَحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: قَالَتِ الأَْعْرَابُ يَا رَسُول اللَّهِ أَلاَ نَتَدَاوَى؟ قَال: “نَعَمْ عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاَّ وَضَعَ لَهُ شِفَاءً إِلاَّ دَاءً وَاحِدًا” قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ وَمَا هُوَ؟ قَال: “الْهَرَمُ” رواه الترمذي، وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الرُّقَى، فَجَاءَ آل عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فَقَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّهُ كَانَتْ عِنْدَنَا رُقْيَةٌ نَرْقِي بِهَا مِنَ الْعَقْرَبِ: فَإِنَّكَ نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَى فَعَرَضُوهَا عَلَيْهِ، فَقَال: “مَا أَرَى بِهَا بَأْسًا، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَل”. رواه مسلم

    وأما السنة العملية فقد تداوى النبي صلى الله عليه وسـلم ووسف الدواء لكثير من الناس؛ وقد روى الإمام أحمد في مسنده أن عروة بن الزبير رضي الله عنهما كان يقول لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: يَا أُمَّتَاهُ، لاَ أَعْجَبُ مِنْ فِقْهِك، أَقُول: زَوْجَةُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ، وَلاَ أَعْجَبُ مِنْ عِلْمِكِ بِالشِّعْرِ وَأَيَّامِ النَّاسِ، أَقُول: ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ أَعْلَمَ النَّاسِ أَوْ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ، وَلَكِنْ أَعْجَبُ مِنْ عِلْمِكِ بِالطِّبِّ، كَيْفَ هُوَ؟ وَمِنْ أَيْنَ هُوَ؟ قَال: فَضَرَبَتْ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، وَقَالَتْ: “أَيْ عُرَيَّةُ؟ إِنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْقَمُ عِنْدَ آخِرِ عُمْرِهِ، وَكَانَتْ تَقْدَمُ عَلَيْهِ وُفُودُ الْعَرَبِ مِنْ كُل وَجْهٍ، فَكَانَتْ تَنْعَتُ لَهُ الأْنْعَاتَ، وَكُنْتُ أُعَالِجُهَا لَهُ، فَمِنْ ثَمَّ عَلِمْتُ” وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثُرَتْ أَسَقَامُهُ، فَكَانَ يَقْدَمُ عَلَيْهِ أَطِبَّاءُ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، فَيَصِفُونَ لَهُ فَنُعَالِجُهُ. رواه احمد

    وقد اختلف العلماء في الحكم التكليفي للعلاج؛ فذهب الحنفية والمالكية إلى أنه مباح؛ قال المالكية: لا بأس بالتداوي. وذهب الشافعية وبعض الحنابلة إلى القول باستحبابه لما مضى ذكره من الأحاديث التي فيها الأمر بالتداوي، ومحل الاستحباب عند الشافعية عند عدم القطع بإفادته، أما لو قطع بإفادته كعصْب محل الفصد فإنه واجب.  وذهب الحنابلة إلى أن تركه أفضل، ونص على ذلك الإمام أحمد. قالوا: لأن ذلك أقرب إلى التوكل.

    قَال ابْنُ الْقَيِّمِ رحمه الله تعالى في زاد المعاد: فِي الأْحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الأَْمْرُ بِالتَّدَاوِي، وَأَنَّهُ لاَ يُنَافِي التَّوَكُّل، كَمَا لاَ يُنَافِيهِ دَفْعُ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ بِأَضْدَادِهَا، بَل لاَ تَتِمُّ حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ إِلاَّ بِمُبَاشَرَةِ الأَْسْبَابِ الَّتِي نَصَبَهَا اللَّهُ مُقْتَضِيَاتٍ لِمُسَبَّبَاتِهَا قَدَرًا وَشَرْعًا، وَأَنَّ تَعْطِيلَهَا يَقْدَحُ فِي نَفْسِ التَّوَكُّل، كَمَا يَقْدَحُ فِي الأَْمْرِ وَالْحِكْمَةِ، وَيُضْعِفُهُ مِنْ حَيْثُ يَظُنُّ مُعَطِّلُهَا أَنَّ تَرْكَهَا أَقْوَى فِي التَّوَكُّل، فَإِنَّ تَرْكَهَا عَجْزٌ يُنَافِي التَّوَكُّل الَّذِي حَقِيقَتُهُ اعْتِمَادُ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ فِي حُصُول مَا يَنْفَعُ الْعَبْدَ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَدَفْعِ مَا يَضُرُّهُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَلاَ بُدَّ مَعَ هَذَا الاِعْتِمَادِ مِنْ مُبَاشَرَةِ الأَْسْبَابِ، وَإِلاَّ كَانَ مُعَطِّلاً لِلْحِكْمَةِ وَالشَّرْعِ، فَلاَ يَجْعَل الْعَبْدُ عَجْزَهُ تَوَكُّلاً، وَلاَ تَوَكُّلُهُ عَجْزًا.ا.هــــــــــــــــــــــ

    رابعاً: علم الحرف  أو علم الحرف الروحاني كما يسمونه هو من ضروب الدجل وادعاء معرفة الغيب وقد نص أهل العلم على تحريمه وأنه باب للضلال كبير، وممن نص على ذلك الإمام الذهبي رحمه الله، ولذا أنصحك أيها السائل أن تأخذ بالأسباب المشروعة وتدع ما سوى ذلك والعلم عند الله تعالى.

  • التخلص من تجارة التبغ

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد صدرت فتوى مجمع الفقه الإسلامي بالسودان قبل سنوات مبيِّنة حرمة الاتجار في التبغ وأن المال الناتج منه يأكله صاحبه سحتاً؛ استدلالاً بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من أن الله تعالى إذا حرَّم شيئاً حرَّم ثمنه، وأنه لا يجوز الاتجار فيما كان محرماً؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من لعنه اليهود حين قال “قاتل الله اليهود لما حرم الله عليهم شحوم الميتة جملوه، ثم باعوه وأكلوا ثمنه” والمكتسب مالاً من الاتجار في التبغ أو السعوط لا يخلو من حالين:

    أولاهما: أن يعتقد حل هذه الاشياء وجواز الاتجار فيها؛ وهذا حال كثير من الناس ممن راج بينهم أن التبغ والسعوط مكروهان لا محرمان، حتى غدا هذا القول مسلماً به عند كثيرين منهم ولربما ظنوا أن القول بالتحريم مسلك طائفة من الفقهاء المتشددين؛  ومن كان كذلك فإنه يملك ما قبضه من الاتجار في تلك المواد إذا كان يجهل التحريم؛ بخلاف ما لم يقبضه فلا يثبت ملكه له؛ استدلالاً بقوله تعالى {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله}. فمن لم يبلغه التحريم فلا إثم عليه، وله ما قبض. قال العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى مقرراً هذا المعنى: ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن الله لا يؤاخذ الإنسان بفعل أمر إلا بعد أن يحرمه عليه، وقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة؛ فقد قال في الذين كانوا يشربون الخمر، ويأكلون مال الميسر قبل نزول التحريم {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} وقال في الذين كانوا يتزوجون أزواج آبائهم قبل التحريم: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف}  أي: لكن ما سلف قبل التحريم، فلا جناح عليكم فيه. ونظيره قوله تعالى {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف} وقال في الصيد قبل التحريم {عفا الله عما سلف} قَالَ فِي الصَّلَاةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ نَسْخِ اسْتِقْبَالِهِ {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} أَيْ: صَلَاتَكُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ النَّسْخِ.

    وَمِنْ أَصْرَحِ الْأَدِلَّةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ لَمَّا اسْتَغْفَرُوا لِقُرَبَائِهِمُ الْمَوْتَى مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} وَنَدِمُوا عَلَى اسْتِغْفَارِهِمْ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} فَصَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا يُضِلُّهُمْ بِفِعْلِ أَمْرٍ إِلَّا بَعْدَ بَيَانِ اتِّقَائِهِ.ا.هـــــ

    وقال أبو بكر الجصاص في معنى الآية: {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف} فالمعنى فيه أن من انزجر بعد النهي فله ما سلف من المقبوض قبل نزول تحريم الربا، ولم يرد به ما لم يقبض؛ لأنه قد ذكر في نسق التلاوة حظر ما لم يقبض منه، وإبطاله بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا} فأبطل الله من الربا مالم يكن مقبوضًا، وإن كان معقودا قبل نزول التحريم، ولم يتعقب بالفسخ ما كان منه مقبوضا بقوله تعالى: {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف}. وقد روي ذلك عن السدي وغيره من المفسرين.

    وقال تعالى: {وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين}، فأبطل منه ما بقي مما لم يقبض ولم يبطل المقبوض، ثم قال تعالى: {وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم}، وهو تأكيد لإبطال مالم يقبض منه، وأخذ رأس المال الذي لا ربا فيه، ولا زيادة.

    وروي عن ابن عمر وجابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في خطبته يوم حجة الوداع بمكة، وقال جابر بعرفات: ((إن كل ربا في الجاهلية، فهو موضوع. وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبدالمطلب)). فكان فعله صلى الله عليه وسلم مواطئًا لمعنى الآية في إبطال الله تعالى الربا، مالم يكن مقبوضًا، وإمضائه ما كان مقبوضًا)).ا.هــــــ

    الحالة الثانية: أن يكون عالماً بالتحريم إما استدلالاً بنفسه وإما بسؤال من يثق به من أهل العلم والدين، لكنه تمادى في غيه حتى تأثل من تلك التجارة مالاً، فهذا الصنف تلزمه التوبة إلى الله تعالى مما كان مع التخلص من هذه المكاسب، فإن كان عنده ما يغنيه سواها من تجارة في أعيان مباحة أو غيرها من أنواع الكسب الحلال فعليه الاكتفاء بها، وإن لم يكن له مصدر آخر جاز له أن يمسك ما تدعو إليه ضرورة حياته وحياة من يعول من زوجة وعيال، قال الإمام أبو بكر الجصاص رحمه الله تعالى: الكاسب في هذه الحال لا يستفيد الملك من كل وجه ككاسب الحلال، إذ لا يمكن أن يستوي الخبيث والطيب. لذلك كان لزامًا على كاسب المحرم في هذا النوع من المكاسب أن يتصرف بالتخلص منه بالتصدق، فهو نوع من الملك الخاص لا المطلق، فإن التخلص نوع تصرف لا يثبت إلا لمن كان له نوع ملك، إذ حقيقة الملك هي التصرف.ا.هـــــــ والدليل على ذلك ما رواه الشيخان من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا من الأزد. يقال له: ابن الأتبية على الصدقة. فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا أهدي لي. قال: “فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر يهدى له أم لا” قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: فالنبي صلى الله عليه وسلم – لم يردها على من أهداها بل جعلها في بيت المال.ا.هـــــ

    وقال الإمام أبو زكريا النووي رحمه الله تعالى فيما نقله عن كلام الغزالي في التصرف في الكسب الحرام: ((وله أن يتصدق به على نفسه وعياله إذا كان فقيرًا؛ لأن عياله إذا كانوا فقراء، فالوصف موجود فيهم, بل هم أولى من يتصدق عليه, وله هو أن يأخذ منه قدر حاجته لأنه أيضا فقير. قال النووي: وهذا الذي قاله الغزالي في هذا الفرع ذكره آخرون من الأصحاب, وهو كما قالوه.ا.هــــ

    وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: ((وتمام التوبة بالصدقة به. فإن كان محتاجًا إليه فله أن يأخذ قدر حاجته، ويتصدق بالباقي. فهذا حكم كل كسب خبيث لخبث عوضه عينًا كان أو منفعة.ا.هــــــــــــــ وقال شيخه أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى:  فإن تابت هذه البغي، وهذا الخمار، وكانوا فقراء جاز أن يصرف إليهم من هذا المال مقدار حاجتهم. فإن كان يقدر أن يتجر أو يعمل صنعة كالنسيج والغزل أعطي ما يكون له رأس مال. وإن اقترضوا منه شيئًا؛ ليكتسبوا به، ولم يردوا عوض القرض كان أحسن، وأما إذا تصدق به لاعتقاده أنه يحل له أن يتصدق به فهذا يثاب على ذلك.ا.هـــــــــــــــــــــــــــــــ

  • التجسس على المكالمات الهاتفية

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالأصل حرمة التجسس لما في ذلك من تتبع عورات الناس والتعرض لأمورهم الخاصة، وقد قال سبحانه {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} قال ابن عبّاس رضي اللّه عنهما في تفسيرها: نهى اللّه المؤمن أن يتّبع عورات أخيه المؤمن.ا.هــــ

    وثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسـلم في تحريم ذلك والنهي عنه؛ فعن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: (إيّاكم والظّنّ، فإنّ الظّنّ أكذب الحديث، ولا تجسّسوا، ولا تحسّسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد اللّه إخوانا) وعن المقدام بن معد يكرب وأبي أمامة رضي اللّه عنهما عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: (إنّ الأمير إذا ابتغى الرّيبة في النّاس أفسدهم) وعن معاوية رضي اللّه عنه قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: (إنّك إن اتّبعت عورات النّاس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم) وعن أبي برزة الأسلميّ رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتّبعوا عوراتهم فإنّه من اتّبع عوراتهم يتّبع اللّه عورته، ومن يتّبع اللّه عورته يفضحه في بيته)

    وقد كانت هذه المعاني مستقرة في نفوس السلف رضي الله عنهم أجمعين، فعن عبد الرّحمن بن عوف رضي اللّه عنه أنّه حرس مع عمر بن الخطّاب ليلة المدينة، فبينما هم يمشون شبّ لهم سراج في بيت فانطلقوا يؤمّونه»، فلمّا دنوا منه إذا باب مجاف على قوم لهم فيه أصوات مرتفعة ولغط، فقال عمر وأخذ بيد عبد الرّحمن بن عوف: أتدري بيت من هذا؟ قال: هذا بيت ربيعة بن أميّة بن خلف وهم الآن شرب، فما ترى؟ قال: أرى أن قد أتينا ما نهى اللّه عنه، قال اللّه {وَلا تَجَسَّسُوا} فقد تجسّسنا، فانصرف عنهم وتركهم) وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ: حُدِّثَ عُمَرُ ابن الْخَطَّابِ أَنَّ أَبَا مِحْجَنٍ الثَّقَفِيَّ يَشْرَبُ الْخَمْرَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ فِي بَيْتِهِ، فَانْطَلَقَ عُمَرُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ، فَإِذَا لَيْسَ عِنْدَهُ إِلَّا رَجُلٌ، فَقَالَ أَبُو مِحْجَنٍ: إِنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ لَكَ! قَدْ نَهَاكَ اللَّهُ عَنِ التَّجَسُّسِ، فَخَرَجَ عُمَرُ وَتَرَكَهُ. ولما قيل لابن مسعود رضي الله عنه هَلْ لَكَ فِي الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْرًا؟ قَالَ: (إِنَّا قَدْ نُهِينَا عَنِ التَّجَسُّسِ، فَإِنْ يَظْهَرْ لَنَا شيئا نَأْخُذْهُ بِهِ).

    ومن هنا قال أهل العلم: إِنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لأِحَدٍ أَنْ يَتَجَسَّسَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ يَتَتَبَّعَ عَوْرَاتِهِ، ولا يستثنى من ذلك إلا من حامت حوله شبهة قوية في كونه من أرباب الفساد أو الداعين إلى فاحشة. قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَمَحَلُّ التَّحْذِيرِ وَالنَّهْيِ إِنَّمَا هُوَ تُهْمَةٌ لَا سَبَبَ لَهَا يُوجِبُهَا، كَمَنْ يُتَّهَمُ بِالْفَاحِشَةِ أَوْ بِشُرْبِ الْخَمْرِ مَثَلًا وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ. وَدَلِيلُ كَوْنِ الظَّنِّ هُنَا بمعنى التهمة قول تَعَالَى:” وَلا تَجَسَّسُوا” وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَقَعُ لَهُ خَاطِرُ التُّهْمَةِ ابْتِدَاءً وَيُرِيدُ أَنْ يَتَجَسَّسَ خبر ذلك ويبحث عنه، ويتبصر ويستمع لتحقق مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ تِلْكَ التُّهْمَةِ. فَنَهَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ. وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: وَالَّذِي يُمَيِّزُ الظُّنُونَ الَّتِي يَجِبُ اجْتِنَابُهَا عَمَّا سِوَاهَا، أَنَّ كُلَّ مَا لَمْ تُعْرَفْ لَهُ أَمَارَةٌ صَحِيحَةٌ وَسَبَبٌ ظَاهِرٌ كان حراماً واجب الاجتناب.ا.هــــــ والعلم عند الله تعالى.

  • التبليغ خلف الإمام

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فالثابت في السنة أن التبليغ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسـلم لم يكن سوى مرتين مرة صرع النبي صلى الله عليه وسـلم عن فرس ركبه؛ فصلى في بيته قاعداً؛ فبلَّغ أبو بكر عنه مع التكبير. كذا رواه مسلم في صحيحه، ومرة أخرى في مرض موته بلَّغ عنه أبو بكر، ولم يذكر أحد من العلماء تبليغاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسـلم إلا هاتين المرتين.

    وعليه فإن التبليغ بعد الإمام يُشرع إذا كانت بالناس إليه حاجة؛ كأن يكون صوت الإمام لا يُسمع إما لعلة بالإمام أو لكون المسجد كبيراً ولا توجد مكبرات للصوت، أو لا تعمل بشكل جيد، ونحو ذلك من الأعذار؛ أما إذا انتفى هذا كله فلا يشرع التبليغ بعد الإمام بل يكون مكروهاً؛ لما فيه من إذهاب الخشوع أو بعضه، وإذهاب السكينة والوقار أيضاً وإيقاع التشويش والتخليط؛ كما بيّن ذلك أهل العلم كابن الحاج المالكي رحمه الله تعالى حيث قال في كتاب المدخل: وقد اختلف العلماء في صحة صلاة المسمِّع الواحد وبطلانها على أربعة أقوال: تصح، لا تصح، الفرق بين أن يأذن الإمام فتصح أو لا يأذن فلا تصح، والفرق بين أن يكون صوت الإمام يعمهم فلا تصح أو لا يعمهم فتصح. وفي فتح العلي المالك للشيخ عليش رحمه الله: سمع ابن وهب من مالك رحمه الله تعالى: لو جهر المأموم بالتكبير وبربنا لك الحمد جهراً يسمع به من يليه فلا بأس وتركه أحب أليّ.ا.هــ وعليه فالواجب على كل مصل أن يصون صلاته من العبث والبطلان وأن يحرص على اتباع السنة ليكمل له الأجر والثواب وأن يخرج من الخلاف ما استطاع إلى ذلك سبيلاً،

    وقد قال أهل العلم: إن التبليغ لغير حاجة ليس بمستحب، بل صرح كثير منهم أنه مكروه، قال في تبيين المسالك: والجهر بتكبيرة الإحرام عندنا ـ أي المالكية ـ مستحب للإمام والفذ والمأموم، أما غيرها من التكبير فيستحب الجهر به للإمام فقط، وأما الفذ والمأموم فيندب لهما الإسرار به، ونظم ذلك أحد فقهائنا فقال:

    الجهرُ في تكبيرة الإحرامِ                    يُندَب مطلقاً وللإمـامِ

    يُندب فيما غيرُها وغيرُه                    يُندبُ سرُّه وكُرِه جهرُه

     وأما عند الحاجة فلا بأس به، كما لو كان المسجد كبيراً وصوت الإمام لا يسمع لمن كان بعيداً عنه، أو كان في مكبر الصوت خلل؛ فاحتاج الناس إلى شخص أو أكثر يبلغون صوت الإمام لهم فلا حرج في ذلك إن شاء الله؛ اقتداءً بفعل الصديق أبي بكر  رضي الله عنه، والعلم  عند الله تعالى.

  • حكم البلياردو

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالأصل أنه يجوز للمسلم أن يروح عن نفسه بما لا يشتمل على حرام، وله أن يمارس من الرياضة البدنية أو الذهنية أو الترفيه المباح ما يشاء مما لم ينه الشرع عنه، وعليه فإن هذه اللعبة (البلياردو) الأصل فيها الإباحة، وهذه الإباحة مقيدة بشروط:

    أولها: ألا تشغل عن حق لله واجب كأداء الصلوات المكتوبات في أوقاتها

    ثانيها: ألا تشغل عن حقوق واجبة للخلق كبر الوالدين أو السعي على الكسب الذي يتعفف به الأهل والعيال

    ثالثها: ألا تشتمل على قمار، ومن صور ذلك أن يصير اللاعب المهزوم غارماً فيدفع أجرة لعبه ولعب من غلبه، ومن صورها كذلك أن يسقي المغلوب الغالب عصيراً ونحوه، بناء على قاعدة أن كل عقد يتردد بين الغنم والغرم فهو قمار

    رابعها: أن يلتزم اللاعبون أخلاق الإسلام وآدابه؛ فيجتنبون السباب والشتائم والخصام، وكل ما يثير بينهم العداوة والبغضاء

    خامسها: ألا تخرج عن حد الاعتدال، بل تمارس في أوقات محدودة من غير سرف؛ لأن الإنسان مسئول يوم القيامة عن عمره فيما أفناه، وقد قال صلى الله عليه وسلم “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ” والعلم عند الله تعالى

  • زوج يسب الدين

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فسبُّ دين الإسلام كفر بإجماع المسلمين؛ سواء أكان السابُّ جاداً أم هازلاً؛ لقوله تعالى {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ . لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} وسواء في ذلك أن يكون السب سباً لله عز وجل أو لرسوله صلى الله عليه وسلم أو لواحد من الأنبياء المجمع على نبوتهم؛ أو لواحد من الملائكة المجمع على ملائكيتهم أو استهزاء بشعيرة من شعائر الدين؛ فهذا كله ردة – والعياذ بالله – وإن كان بعضها أفحش من بعض. وقد سئل الشيخ عليش المالكي رحمه الله تعالى: ما قولكم في رجل جرى على لسانه سب الدين من غير قصد، هل يكفر أو لا بد من القصد؟ فأجاب: نعم ارتد؛ لأن السب أشد من الاستخفاف، وقد نصوا على أنه ردة؛ فالسب ردة بالأولى. وفي المجموع: ولا يعذر بجهل وزلل لسان. انتهى من (فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك)

    وقد ورد في السؤال أن هذا الشخص قد تكررت منه الردة حال سكره وحال وعيه؛ ثم إنه لا يقيم الصلاة المفروضة، وعليه فلا يجوز لهذه المرأة البقاء معه ولا استدامة النكاح على تلك الحال؛ ولا يجوز لها تمكينه من نفسها؛ وذلك لعموم قوله تعالى {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} بل هذا النكاح ينفسخ على قول جمهور العلماء بتلك الردة؛ فإن تاب إلى الله توبة صحيحة في أثناء العدة فإنها تُردُّ إليه بالنكاح الأول؛ استدلالاً بقصة صفوان بن أمية رضي الله عنه؛ حيث نقل ابن القيم رحمه الله تعالى في إعلام الموقعين عن الشافعي قوله: ثم رجع صفوان إلى مكة وهي دار الإسلام، وشهد حنيناً وهو كافر، ثم أسلم فاستقرت عنده امرأته بالنكاح الأول، وذلك أنه لم تنقض عدتها، وقد حفظ أهل العلم بالمغازي أن امرأة من الأنصار كانت عند رجل بمكة فأسلمت وهاجرت إلى المدينة؛ فقدم زوجها وهي في العدة، فاستقرا على النكاح الأول.ا.هــــــــــ أما إذا انقضت العدة دون أن يحدث توبة فإنها لا تحل له من بعد توبته إلا بعقد جديد.

    وجمهور العلماء على أن من تكررت ردته فإنه تقبل توبته؛ لعموم قوله تعالى {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} وقول النبي صلى الله عليه وسلم «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله؛ فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» رواه الشيخان.

    لكن بعضهم صرح بأن من تكررت ردته فإنه يعزر بالضرب والحبس ولا يقتل. وذهب الحنابلة لعدم قبول توبة المرتد – قضاء – أما ديانة فالأمر إليه سبحانه؛ وذلك لعموم قوله جل جلاله {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا} والله تعالى أعلم.

زر الذهاب إلى الأعلى