الفتاوى

  • أعمال دعوية من أوقاف المسجد

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فجواباً على سؤال حول إمكانية تنفيذ برنامج دعوي بمساجد أخرى خصماً على ريع أوقاف المسجد الكبير أقول والله المستعان:

    إن الذي عليه علماء المالكية والشافعية وغيرهم أن المال المرصود كوقف لمسجد لا يجوز صرفه في غير المسجد الموقوف عليه؛ لأن الأصل في أموال الوقف عموماً أنها لا تصرف إلا للجهة التي حددها الواقف باعتبار أن شرط الواقف كنص الشارع.

    قال ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى في الفتاوى الكبرى؛ إن قصد الواقف يراعى بحيث إذا حدد طريقة صرف الوقف فإن ذلك يعتبر، أو عرف مقصده بأن جرت العادة في زمنه بأشياء مخصوصة، فينزل عليها لفظ الواقف. اهـ

    وبعض أهل العلم – ومنهم أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى – جواز صرف الوقف فيما هو أكثر مصلحة ولو خالف شرط الواقف.  قال مصطفى الرحيباني الحنبلي في مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى: قال الشيخ تقي الدين – يعني ابن تيمية -: يجوز تغيير شرط واقف لما هو أصلح منه، فلو وقف على فقهاء أو صوفية واحتيج للجهاد صرف للجند. اهـ.

    ولعل هذا المذهب الأخير هو الراجح -إن شاء الله تعالى- لموافقته لغرض الواقف؛ لأنه إنما يقصد كثرة الثواب، فكلما عظمت المصلحة كان ذلك أقرب إلى قصده.

    وعليه فإذا كانت هذه الأموال الناتجة من ريع أوقاف المسجد الكبير فاضلة عن حاجة المسجد واحتيج إليها في تنفيذ برامج دعوية في مساجد أخرى؛ فإنه لا بأس من صرفها في تلك البرامج تكثيراً لثواب الواقف وتحقيقاً لمراده.

    وقد سئل شيخ الإسلام عن الوقف إذا فضل من ريعه واستغني عنه؟ فأجاب بأنه: يصرف في نظير تلك الجهة، كالمسجد إذا فضل عن مصالحه صرف في مسجد آخر، لأن الواقف غرضه في الجنس، والجنس واحد، فلو قدر أن المسجد الأول خرب ولم ينتفع به أحد صرف ريعه في مسجد آخر.ا.هـــــــــــــــــــــــــــ والعلم عند الله تعالى.

  • تكفير الأعيان

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد نهت الشريعة عن إطلاق اللسان بتكفير المسلم؛ لما ثبت في الصحيحين عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال {إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر؛ فقد باء بها أحدهما} وفي الحديث الآخر في الصحيحين كذلك {ومن دعا رجلاً بالكفر أو قال: عدو الله، وليس كذلك إلا حار عليه} أي رجع عليه ما قاله. قال الحافظ رحمه الله في الفتح: والتحقيق أن الحديث سيق لزجر المسلم عن أن يقول ذلك لأخيه المسلم، وقيل: الراجع هو التكفير لا الكفر.ا.هــ والواجب على المسلم أن يتورع عن إطلاق هذا اللفظ الخطير على أخيه المسلم؛ فضلاً عن التكفير بالجملة لأن ذلك من ورطات الأمور التي لا مخرج منها، قال الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله، ولا بخطأ أخطأ فيه كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة.ا.هــ قال: إني دائماً ـ ومن جالسني يعلم ذلك مني ـ من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معيَّنٌ إلى تكفير وتفسيق ومعصية إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة وفاسقاً أخرى وعاصياً أخرى، وإني أقرر أن الله -تعالى -قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية، وما زال السلف يتنازعون في كثير من المسائل، ولم يشهد أحدٌ منهم على أحد لا بكفر، ولا بفسق، ولا بمعصية … إلى أن قال: وكنت أبيِّن أن ما نُقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضاً حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين… إلى أن قال: والتكفير هو من الوعيد؛ فإنه وإن كان القول تكذيباً لما قاله الرسول e لكن الرجل قد يكون حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئاً.ا.هـــ

    والتكفير حكم شرعيٌّ خطير تترتب عليه أحكام خطيرة منها: أن المحكوم بكفره لا يحل لزوجته البقاء معه؛ لقوله تعالى }لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن{ ولا يجوز لأولاده البقاء تحت سلطانه لقوله تعالى }ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا{ وتنقطع الولاية بينه وبين مجتمع المؤمنين؛ لقوله تعالى }لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء{ ويجب تقديمه للقضاء ليقيم فيه حكم الله؛ لقوله e {من بدل دينه فاقتلوه} وبعد موته لا تجرى عليه أحكام موتى المسلمين؛ فلا يُغسَّل، ولا يُكفَّن، ولا يُصلَّى عليه، ولا يُدفَن في مقابر المسلمين، ولا يورث ماله، ولا يُدعَى له بالرحمة والمغفرة؛ لقوله تعالى }ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون{ ويستوجب الخلود في جهنم مع لعنة الله تعالى وغضبه.

    فالتكفير أخطر الأحكام وأشدُّها؛ والأصل فيمن ينتسب للإسلام بقاء إسلامه حتى يتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي، ولا يجوز التساهل في تكفيره لأن في ذلك محذورين عظيمين: أحدهما: افتراء الكذب على الله تعالى في الحكم، والثاني: افتراء الكذب على المحكوم عليه في الوصف الذي نبزه به. أما الأول فواضح حيث حكم بالكفر على من لم يكفِّره الله تعالي فهو كمن حرَّم ما أحل الله؛ لأن الحكم بالتكفير أو عدمه إلى الله وحده كالحكم بالتحريم أو عدمه. وأما الثاني فلأنه وصف المسلم بوصف مضاد، فقال: إنه كافر، مع أنه بريء من ذلك، وحريٌّ به أن يعود وصف الكفر عليه لما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال {إذا كفَّر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما} وفي رواية {إن كان كما قال وإلا رجعت عليه} وله من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال {ومن دعا رجلاً بالكفر أو قال: عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه} يعني رجع عليه. وقوله في حديث ابن عمر {إن كان كما قال} يعني في حكم الله-تعالى- وكذلك قوله في حديث أبي ذر رضي الله عنه {وليس كذلك} يعني في حكم الله تعالى.

    والذي يحكم بردة المسلم وكفره هم الراسخون في العلم من أهل الاختصاص الذين يميِّزون بين القطعي والظني، وبين المحكم والمتشابه، وبين ما يقبل التأويل وما لا يقبل التأويل، فلا يكفّرون إلا بما لا يجدون له مخرجًا، مثل: إنكار المعلوم من الدين بالضرورة، أو وضعه موضع السخرية من عقيدة أو شريعة، ومثل سبِّ الله تعالى ورسوله، أو كتابة ذلك السبِّ علانية، ونحو ذلك. ثم إن الذي يناط به تنفيذ حكم الردة هو ولي الأمر الشرعي، بعد حكم القضاء الإسلامي المختص؛ الذي لا يحتكم إلا إلى شرع الله عز وجل، ولا يرجع إلا إلى المُحْكمات البَيِّنات من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهما المرجعان اللذان يُرجَعُ إليهما إذا اختلف الناس، وهو الأمر الذي أكَّد عليه الله تعالى بقوله }فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً{ فليس الحكم بالردة والكفر موكولاً إلى آحاد الناس وصغار الطلبة؛ بل الأمر في ذلك عظيم، وحريٌّ بالعاقل أن يتورع عن إطلاق القول فيه. والله الموفق والمستعان.

  • تعدد الجمعة في الحي الواحد

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالأصل الذي دلت عليه نصوص الشريعة وعمل السلف رحمهم الله تعالى أن تقام جمعة واحدة فى مكان واحد ، لسماع الخطبة الموحَّدة من الإمام؛ حيث كان العمل على ذلك أيام الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين رضي الله عنهم فى المدينة، وذلك حين كان المسجد النبوي يسع المصلين وكان الخليفة الراشد هو الذي يخطب فيهم ويؤمهم، وما أقيمت جمعة أخرى في مصر من الأمصار إلا حين دعت لذلك حاجة من ضيق المكان أو كثرة الناس ونحو ذلك من الأعذار.

    وذلك لأن المقصود من الجمعة هو اجتماع المسلمين في مكان واحد؛ يستمعون إلى خطبة الإمام التي فيها تذكير الناسي وهدية الضال وإرشاد الغافل، ويتعارفون فيما بينهم وهم يشعرون أنهم جسد واحد تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم، وكلما كان عدد هؤلاء المجتمعين أكثر كان أثره فى إدراك هذه المقاصد أجل وأعظم، فاذا تعددت الاجتماعات بتعدد المساجد لغير ضرورة لا يشعر المجتمعون بفائدة الاجتماع كشعورهم فى الأول ولا تتأثر نفوسهم بهذه المعانى كتأثرها عند كثرة المجتمعين، ومن هنا نص علماء المذاهب رحمهم الله تعالى على عدم جواز تعدد الجمعة في البلد الواحد إلا لعذر

    فقال الشافعية – كما في حاشية البيجرمي على شرح المنهاج: إذا تعددت الأمكنة التى تصلح فيها الجمعة لا يخلو – إما أن يكون تعدد هذه الأماكن لحاجة أو ضرورة كأن يضيق المسجد الواحد عن أهل البلدة، وإما أن يكون تعدد هذه الأماكن لغير حاجة أو ضرورة – ففى الحالة الأولى وهى ما إذا كان التعدد للحاجة أو الضرورة فإن الجمعة تصلى فى جميعها ويندب أن يصلى الناس الظهر بعد الجمعة – أما فى الحالة الثانية وهى ما إذا كان التعدد لغير حاجة أو ضرورة فإن الجمعة لمن سبق بالصلاة بشرط أن يثبت يقينا أن الجماعة التى صلت فى هذا المكان سبقت غيرها بتكبيرة الإحرام، أما إذا لم يثبت ذلك بأن يثبت بأنهم صلوا فى جميع المساجد فى وقت واحد بأن كبروا تكبيرة الإحرام معا فى لحظة واحدة أو وقع الشك فى أنهم كبروا معا أو فى سبق أحدهم بالتكبير فإن الصلاة تبطل فى جميع المساجد، ويجب عليهم أن يجتمعوا جميعا فى مكان واحد ويعيدوها جمعة إن أمكن ذلك، وإن لم يمكن صلوها ظهرا .

    وذهب المالكية – كما في الشرح الكبير للعلامة الدردير – إلى أن الجمعة إنما تصح فى المسجد العتيق وهو ما أقيمت فيه الجمعة أولاً ولو تأخر أداؤها فيه عن أدائها فى غيره ولو كان بناؤه متأخرا، وتصح فى الجديد فى أحوال منها:

    • أن يهجر العتيق كلية وينقلها الناس إلى الجديد
    • أن يحكم حاكم بصحتها فى الجديد
    • أن يكون القديم ضيقا ولا يمكن توسعته فيحتاج الناس إلى الجديد
    • أن تكون هناك عداوة بين طائفتين بالبلد الواحد ويخشى من اجتماعهما فى مسجد واحد حدوث ضرر لإحداهما من الأخرى فانه يجوز لأيهما اتخاذ مسجد فى ناحية يصلون فيه الجمعة ما دامت العداوة قائمة – وذهب يحيى بن عمر إلى جواز تعداد الجمعة إذا كان البلد كبيرا

    وقال تقي الدين السبكي في فتاويه: والمقصود بالجمعة اجتماع المؤمنين كلهم، وموعظتهم، وأكمل وجوه ذلك أن يكون في مكان واحد لتجتمع كلمتهم، وتحصل الألفة بينهم، وقال: وفي الجمعة ثلاثة مقاصد: أحدها: ظهور الشعار، والثاني: الموعظة، والثالث: تأليف بعض المؤمنين ببعض لتراحمهم وتوادهم، ولما كانت هذه المقاصد الثلاثة من أحسن المقاصد، واستمر العمل عليها، وكان الاقتصار على جمعة واحدة أدعى إليها استمر العمل عليه، وعلم ذلك من دين الإسلام بالضرورة، وإن لم يأت في ذلك نص من الشارع بأمر ولا نهي، ولكن قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ}. وقد أتانا فعله صلى الله عليه وسلم، وسنته، وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، ومن محاسن الإسلام اجتماع المؤمنين كل طائفة في مسجدهم في الصلوات الخمس، ثم اجتماع جميع أهل البلد في الجمعة، ثم اجتماع أهل البلد وما قرب منها من العوالي في العيدين لتحصل الألفة بينهم. ثم قال: وانقرض عصر الصحابة رضوان الله عليهم على ذلك، وجاء التابعون فلم أعلم أحداً منهم تكلم في هذه المسِألة أيضاً، ولا قال بجواز جمعتين في بلد إلا رواية عبد الرازق عن ابن جريج قال: قلت: لعطاء: أرأيت أهل البصرة لا يسعهم المسجد الأكبر كيف يصنعون؟ قال: لكل قوم مسجد يجمعون فيه ثم يجزئ ذلك عنهم قال ابن جريج: وأنكر الناس أن يجمعوا إلا في المسجد الأكبر هذا لفظ عبد الرزاق في مصنفه، ثم قال الإمام تقي الدين السبكي: فالرجوع إلى قول سائر الناس مع الصحابة جميعهم أولى، ويصير مذهب عطاء في ذلك من المذاهب الشاذة التي لم يعلم بها الناس

    وعليه فإن الأصل هو الصلاة في المسجد العتيق ما دام يسع الناس؛ اللهم إلا إذا حكم ولي الأمر بصحة الصلاة في المسجد الآخر، أو رؤي أن مفسدة عظيمة تحصل باجتماع الناس في المسجد العتيق نسبة لاستحكام العداوة بين الطائفتين المختلفتين، والله تعالى أعلم.

  • تصنيع الصليب

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالصليب شعار أهل الكفر من النصارى الذين يعتقدون أن المسيح عليه السلام قد صُلب؛ فداء للبشر وتخليصاً لهم من الخطايا، وقد كذبهم القرآن في هذا الظن وأخبر عن إفكهم؛ فقال سبحانه {وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيما} فهم يعلقونه على صدورهم أو على معاصمهم، ولربما نقشوه – وشماً – على جباههم؛ تعبداً لله وتقرباً إليه بزعمهم، وهم كذلك يرسمونه على صدورهم حال حدوث نعمة لأحدهم؛ كما هو مشاهد من حال لاعبي الكرة حين يحرز أحدهم هدفا، أو يحول دون حصول هدف لخصمه

    وهذا الصليب لا يجوز لمسلم تصنيعه ولا تعليقه ولا الإعانة على ذلك بحال؛ لعموم قوله تعالى {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لنصارى نجران “يمنعكم من الإسلام ثلاث عبادتكم الصليب وأكلكم لحم الخنزير وزعمكم أن لله ولدا”[1]  فعلم بذلك أنه معبود عندهم من دون الله.

    [1] السيرة الحلبية 3/265

  • تسمية المسجد بإسم شخص

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فلا حرج في تسمية المسجد باسم شخص أو جماعة من الناس، وهذا الذي عليه جماهير العلماء، وفائدة ذلك أن من صلى في المسجد فإنه يدعو لواقفه باسمه. قال ابن حجر: والجمهور على الجواز، والمخالف في ذلك إبراهيم النخعي.ا.هـ  ومن الأدلة على جواز ذلك:  قوله صلى الله عليه وسـلم “صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام” الشاهد: {مسجدي هذا} وجه الدلالة: أن الرسول صلى الله عليه وسـلم نسب المسجد الذي بناه في المدينة إلى نفسه الشريفة؛ مما يدل على جواز ذلك، وما رواه البخاري حديث ابن عمر رضي الله عنهما “أن رسول الله صلى الله عليه وسـلم سابق بين الخيل التي لم تُضَمّرْ من الثنية إلى  مسجد بني زريق”. والشاهد قوله “مسجد بني زريق” حيث إن ابن عمر رضي الله عنهما ذكر اسم المسجد الذي عرف به على عهد النبي صلى الله عليه وسـلم وقد كانت المساجد تسمى بأسماء  أشخاص، والصحابة رضوان الله عليهم يعلمون ذلك، ولم يثبت عن أحد منهم إنكار لهذه  التسميات. وقد روى ابن أبي شيبة عن زر بن حبيش والربيع بن خيثم أنهما يقولان: مسجد بني فلان، وأن جابراً قال “فأتى مسجد معاذ”

    قال أهل العلم: وإضافتها إليهم لا تفيد التمليك، وأما إضافتها إلى الله تعالى فهي إضافة تشريف وتكريم، وأما إضافتها إلى المخلوقين فهي إضافة تمييز بين المساجد، والعلم عند الله تعالى.

  • تركيب إطارات لسيارات يُقاتَل بها المسلمون

    جواباً على الاستفتاء المقدم من معاذ عمر حسين عن حكم العمل في تركيب إطارات العربات والطائرات بشركة أجنبية يُظن أنها تصنّع طائرات حربية يمكن أن تستخدم في قتال المسلمين.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالنصوص الشرعية دالة على أن وجوب التعاون على البر والتقوى، وحرمة التعاون على الإثم والعدوان؛ فقال تعالى {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} ومن أعظم العدوان ما يجري من أمم الكفر من سفك دماء المسلمين والاجتراء على حرماتهم، ومن أعظم الإثم إعانتهم على ذلك؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم “المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله ولا يحقره” وقال عليه الصلاة والسلام “كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه”

    وعليه فلا يجوز لمسلم أن يعمل في مصنع تركيب إطارات لعربات أو طائرات يغلب على ظنه أنها قد تستخدم في قتال المسلمين؛ أو شن عدوان عليهم، اللهم إلا إذا كانت نيته أن يكون ذلك لمدة موقوتة يتعلم فيها فنون الصنعة وأسرارها ليعود نفعه على المسلمين بعدها؛ وقد تقرر عند فقهائنا أن الأمور بمقاصدها؛ أخذاً من قول النبي صلى الله عليه وسلم “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى” والله تعالى أعلم.

  • ترك واجبا أو اثنين في الحج

    ما حكم من ترك واجباً أو واجبين من جنس واحد؟ هل يلزمه دم أم دمان؟ مثلاً ترك الرمي والمبيت، أو ترك الحلق والرمي، أو ترك رمى جمرة العقبة وأيام التشريق

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى فيما يجب على من ترك المبيت بمنى في أحد ليالي أيام التشريق الثلاثة؛ فذهب المالكية رحمهم الله إلى أنه يجب عليه دم؛ قال خليل في المختصر: وإن ترك جل ليلة فدم.ا.هــــــــــ وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه يجب عليه في كل ليلة لم يبت فيها معظم الليل مد من طعام؛ فإن ترك المبيت في كل أيام التشريق كان عليه دم؛ قال النووي رحمه الله تعالى في المجموع: وإن ترك ليلتين فعلى الأصح يجب مدان.ا.هـــــ قال في الموسوعة الفقهية: وَأَوْجَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَكَذَا الْحَنَابِلَةُ فِي تَرْكِ الْمَبِيتِ كُلِّهِ دَمًا وَاحِدًا، وَفِي تَرْكِ لَيْلَةٍ مُدًّا مِنَ الطَّعَامِ، وَفِي تَرْكِ لَيْلَتَيْنِ مُدَّيْنِ، إِذَا بَاتَ لَيْلَةً وَاحِدَةً، إِلاَّ إِذَا تَرَكَ الْمَبِيتَ لِعُذْرٍ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، كَأَهْل سِقَايَةِ الْعَبَّاسِ، وَرِعَاءِ الإْبِل فَلَهُمْ تَرْكُ الْمَبِيتِ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ غَيْرِ دَمٍ، وَمِثْلُهُمْ مَنْ يَخَافُ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، أَوْ ضَيَاعِ مَرِيضٍ بِلاَ مُتَعَهِّدٍ، أَوْ مَوْتِ نَحْوِ قَرِيبٍ فِي غَيْبَتِهِ. اهــ.
    وقد استبان بهذا أن المد أو الدم إنما هو في حق من لم يكن له عذر، أما من كان معذورا كمن قصد المبيت بمنى ثم تعطل به السير لشدة الزحام فلا شيء عليه، وكذلك لا شيء على من ترك المبيت لاشتغاله بخدمة الحجيج كالأطباء والممرضين ونحوهم، قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى:
    إن النبي صلى الله عليه وسلم رخَّص للعباس أن يبيت في مكة من أجل سقاية الحاج، وهذا عمل عام، وكذلك رخص للرعاة أن يتركوا المبيت بمنى … ويشبه هؤلاء من يترك المبيت لرعاية مصالح الناس كالأطباء، وجنود الإطفاء، وما أشبه ذلك، فهؤلاء ليس عليهم مبيت، لأن الناس في حاجة إليهم، وأما من بهم عذر خاص كالمريض، والممرض له، وما أشبه ذلك، فهل يلحقون بهؤلاء؟ على قولين للعلماء:  فمن العلماء من يقول: إنهم يلحقون؛ لوجود العذر.  ومن العلماء من يقول: إنهم لا يلحقون؛ لأن عذر هؤلاء خاص، وعذر أولئك عام. والذي يظهر لي: أن أصحاب الأعذار يلحقون بهؤلاء… اهــ.

    أما من ترك الرمي أيام التشريق فإنه يلزمه دم عند جمهور العلماء؛ جاء في الموسوعة الفقهية: مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ يَجِبُ الدَّمُ عَلَى مَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ كُلَّهُ أَوْ تَرَكَ رَمْيَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ تَرَكَ ثَلاَثَ حَصَيَاتٍ مِنْ رَمْيِ أَيِّ جَمْرَةٍ…. اهــ.

  • تربية الحمير وتصديرها

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فالكلام في هذه المسألة يتناول البحث في ثلاثة أمور:

    أولها: حكم أكل لحم الحمير

     حيث ذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم رحمهم الله تعالى إلى تحريم أكلها؛ وذلك للنصوص الثابتة في النهي عن أكلها، ومن ذلك:

    1/ حديث سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا أَمْسَى الْيَوْمُ الَّذِي فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ خَيْبَرُ أَوْقَدُوا نِيرَانًا كَثِيرَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا هَذِهِ النَّارُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ؟ قَالُوا: عَلَى لَحْمٍ، قَالَ: عَلَى أَيِّ لَحْمٍ؟ قَالُوا: عَلَى لَحْمِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ، فَقَالَ: أَهْرِيقُوهَا وَاكْسِرُوهَا فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْ نُهْرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا؟ فَقَالَ: أَوْ ذَاكَ» متفق عليه

    2/ حديث أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: أَصَبْنَا مِنْ لَحْمِ الْحُمُرِ يَعْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ فَإِنَّهَا رِجْسٌ أَوْ نَجِسٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

    3/ حَدِيثِ عَلِيٍّ وجابر وابن عمر وابن عباس والبراء وأبي ثعلبة وعبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهم بِلَفْظِ «نَهَى عَامَ خَيْبَرَ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ» متفق عليه

    4/ حديث ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ» رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ

    وقد ذهب بعض أهل العلم منهم عبد الله بن عباس رضي الله عنه ومالك في إحدى الروايات، إلى عدم تحريمها استدلالا بأحاديث منها:

    1/ ما رواه الشيخانِ عن الشَّعْبِيِّ عن ابن عباس قال (لَا أَدْرِي أَنَهَى عَنْهَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا كَانَتْ حَمُولَةَ النَّاسِ أَوْ حُرِّمَتْ)

    2/ ما رواه البخاري عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ قَالَ: قَدْ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ عِنْدَنَا بِالْبَصْرَةِ وَلَكِنْ أَبَى ذَلِكَ الْبَحْرُ يَعْنِي ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقَرَأَ: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا}

    3/ أن التحريم كان لمعنى خاص لا للتأبيد؛ حيث روى ابن ماجه والطبراني عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّمَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُمُرَ الْأَهْلِيَّةِ مَخَافَةَ قِلَّةِ الظَّهْرِ» قال الشوكاني: وإسناده ضعيف، وعن بعضهم: إنَّمَا نَهَى عَنْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى “فَقَالَ نَاسٌ: إنَّمَا نَهَى عَنْهَا لِأَنَّهَا لَمْ تُخَمَّسْ”

    4/ وبما أَخْرَجَه أَبُو دَاوُد عَنْ غَالِبِ بْنِ أَبْجَرَ قَالَ «أَصَابَتْنَا سَنَةٌ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي مَا أُطْعِمُ أَهْلِي إلَّا سِمَانُ حُمُرٍ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: إنَّك حَرَّمْت لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَقَدْ أَصَابَتْنَا سَنَةٌ، قَالَ: أَطْعِمْ أَهْلَكَ مِنْ سَمِينِ حُمُرِك، فَإِنَّمَا حَرَّمْتُهَا مِنْ أَجْلِ جَوَالِّ الْقَرْيَةِ» بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ جَمْعُ جَالَّةٍ، مِثْلُ سَوَامِّ جَمْعِ سَامَّةٍ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَهَوَامِّ جَمْعِ هَامَّةٍ: يَعْنِي الْجَلَّالَةَ وَهِيَ الَّتِي تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ.

    5/ وبما أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أُمِّ نَصْرٍ الْمُحَارِبِيَّةِ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَقَالَ: أَلَيْسَ تَرْعَى الْكَلَأَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ: قَالَ: فَأَصِبْ مِنْ لُحُومِهَا» وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي مُرَّةَ قَالَ: سَأَلْتُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.

    وقد أجاب الجمهور على حجج القائلين بالإباحة بأجوبة منها:

    أولاً: أن الاستدلال بآية الأنعام {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما} إنَّمَا يَتِمُّ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَمْ يَرِدْ النَّصُّ بِتَحْرِيمِهَا، وَأَمَّا الْحُمُرُ الْإِنْسِيَّةُ فَقَدْ تَوَاتَرَتْ النُّصُوصُ عَلَى ذَلِكَ، وَالتَّنْصِيصُ عَلَى التَّحْرِيمِ مُقَدَّمُ عَلَى عُمُومِ التَّحْلِيلِ وَعَلَى الْقِيَاسِ.

    ثانياً: أن آية الأنعام مَكِّيَّةٌ، والتحريم إنما كان بعد ذلك في يوم خيبر

    ثالثاً: المعنى الخاص الذي ذكروه من كونها ركوبة الناس، أو أنها تأكل العذرة، أو أنها لم تخمس، أجاب عن ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح حيث قال: وَقَدْ أَزَالَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ مِنْ كَوْنِهَا لَمْ تُخَمَّسْ أَوْ كَانَتْ جَلَّالَةً أَوْ غَيْرَهُمَا حَدِيثُ أَنَسٍ حَيْثُ جَاءَ فِيهِ “فَإِنَّهَا رِجْسٌ” وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ فِي حَدِيثِ سَلَمَةَ.ا.هـــــــــــــــ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ظَاهِرُهُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي إنَّهَا رِجْسٌ عَائِدٌ عَلَى الْحُمُرِ لِأَنَّهَا الْمُتَحَدَّثُ عَنْهَا الْمَأْمُورُ بِإِكْفَائِهَا مِنْ الْقُدُورِ وَغَسْلِهَا، وَهَذَا حُكْمُ النَّجَسِ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ تَحْرِيمُ أَكْلِهَا لِعَيْنِهَا لَا لِمَعْنًى خَارِجٍ.ا.هــــــــ وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْأَمْرُ بِإِكْفَاءِ الْقُدُورِ ظَاهِرُ أَنَّهُ بِسَبَبِ تَحْرِيمِ لَحْمِ الْحُمُرِ. قَالَ الْحَافِظُ: وَقَدْ وَرَدَتْ عِلَلٌ أُخَرُ إنْ صَحَّ رَفْعُ شَيْءٍ مِنْهَا وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ، لَكِنْ لَا مَانِعَ أَنْ يُعَلَّلَ الْحُكْمُ بِأَكْثَرَ مِنْ عِلَّةٍ. وَحَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ صَرِيحٌ فِي التَّحْرِيمِ فَلَا مُعَدَّلَ عَنْهُ.

    وَأُمَّا التَّعْلِيلُ بِخَشْيَةِ قِلَّةِ الظَّهْرِ فَأَجَابَ عَنْهُ الطَّحَاوِيُّ بِالْمُعَارَضَةِ بِالْخَيْلِ، فَإِنَّ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ النَّهْيَ عَنْ الْحُمُرِ وَالْإِذْنَ فِي الْخَيْلِ مَقْرُونَانِ – يعني بذلك ما رواه الشيخان من قول جابر رضي الله عنه “نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية, وأذن في لحوم الخيل” –  فَلَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ لِأَجْلِ الْحُمُولَةِ لَكَانَتْ الْخَيْلُ أَوْلَى بِالْمَنْعِ لِقِلَّتِهَا عِنْدَهُمْ وَعِزَّتِهَا وَشِدَّةِ حَاجَتِهِمْ إلَيْهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ بِتَحْرِيمِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَلَمْ نَجِدْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا إلَّا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِنْدَ مَالِكٍ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ ثَالِثُهَا الْكَرَاهَةُ.

    رابعاً: وأما حَدِيثُ غالب بن أبجر فلَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ. قَالَ الْحَافِظُ: إسْنَادُهُ ضَعِيفٌ: وَالْمَتْنُ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فَلَا اعْتِمَادَ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: اُخْتُلِفَ فِي إسْنَادِهِ كَثِيرًا. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إسْنَادُهُ مُضْطَرِبٌ. قَالَ الحافظ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ رحمه الله تعالى: رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْرِيمَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَمْرٍو وَجَابِرٌ وَالْبَرَاءُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى وَأَنَسٌ وَزَاهِرٌ الْأَسْلَمِيُّ بِأَسَانِيدَ صِحَاحٍ وَحِسَانٍ. وَحَدِيثُ غَالِبِ بْنِ أَبْجَرَ لَا يُعَرَّجُ عَلَى مِثْلِهِ مَعَ مَا يُعَارِضُهُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ لَهُمْ فِي مَجَاعَتِهِمْ وَبَيَّنَ عِلَّةَ تَحْرِيمِهَا الْمُطْلَقِ بِكَوْنِهَا تَأْكُلُ الْعَذِرَاتِ.

    خامساً: وأما حديث أم نصر المحاربية فقد قال الحافظ رحمه الله تعالى: فِي السَّنَدَيْنِ مَقَالٌ، وَلَوْ ثَبَتَا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ.

    قَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَوْلَا تَوَاتُرُ الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَحْرِيمِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ لَكَانَ النَّظَرُ يَقْتَضِي حَلَّهَا، لِأَنَّ كُلَّ مَا حُرِّمَ مِنْ الْأَهْلِيِّ أُجْمِعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ إذَا كَانَ وَحْشِيًّا كَالْخِنْزِيرِ، وَقَدْ أَجْمَعَ عَلَى حِلِّ الْوَحْشِيِّ فَكَانَ النَّظَرُ يَقْتَضِي حِلَّ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَمَا ادَّعَاهُ مِنْ الْإِجْمَاعِ مَرْدُودٌ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْحَيَوَانِ الْأَهْلِيِّ مُخْتَلَفٌ فِي نَظِيرِهِ الْحَيَوَانُ الْوَحْشِيُّ كَالْهِرِّ.

    ثانيها: حكم التداوي بألبانها:

    حيث اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في حكم شرب لبن الحمير للتداوي بمنعه بعضهم وأباحه آخرون؛ حيث ذكر الحطاب في مواهب الجليل عن ابن رشد عن مالك: إنه لا بأس بالتداوي بلبن الأتان مراعاة للخلاف في جواز أكلها، حكى ذلك ابن حبيب عن مالك وسعيد  والقاسم وعطاء، وروي إباحة التداوي بها عن النبي صلى الله عليه وسـلم وإلى إجازة ذلك ذهب ابن المواز.ا.هـــــــــــــــــــــــــ قال ابن ما يابى الشنقيطي في نظمه لنوازل العلوي مشيراً إلى قول مالك فيها:

    ولبن الحمير للدواء… أجازه الإمام ذو اللواء

    ومثله في لبن الخيول.. مع البغال قاله الجزولي

    وكذا أجازه الشافعية بناء على قاعدتهم في جواز التداوي بالنجس من الأبوال؛ قال النووي رحمه الله تعالى: وإن كان ينتفع بالتداوي به حل التداوي به أي النجس.

    وكذلك الأحناف رحمهم الله تعالى اختلفوا فيه – كما ذكر الزيلعي في تبيين الحقائق – فمنهم من أجازه ومنهم من منعه لأن الاستشفاء بالحرام حرام.

    وأما الحنابلة فقد قال ابن مفلح في الآداب الشرعية: وقال في رواية حنبل في ألبان الأتن: لا تشر ولا لضرورة، ونقل عنه ابن منصور وجماعة في مريض وصف له دواء يشربه مع ألبان الأتن: لا تشربه.

    قال ابن مفلح: قد ذكر الأطباء أن لبن الأتن قليل الدسومة رقيق يشد الأسنان واللثة إذا تمضمض به بخلاف غيره من الألبان، جيد للسعال والسل ونفث الدم إذا شرب حليباً حين يخرج من الضرع، وينفع من الأدوية القتالة والزحير وقروح الأمعاء، وهو غير موافق لأصحاب الصداع والطنين والدود.ا.هــــــ

    ثالثها: حكم بيعها

    لا حرج في تربية الحمير وبيعها؛ وذلك لعموم المنافع التي فيها، وكل ما جاز الانتفاع به جاز بيعه إلا ما ورد النص في المنع منه كالكلب ونحوه؛ حيث ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسـلم أنه نهى عن ثمن الكلب، أما الحمير فقد ذكرها ربنا جل جلالـه في معرض الامتنان على العباد بما سخر لهم حيث قال سبحانه {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون}

    ومن هنا تكلم أهل العلم رحمهم الله تعالى في زكاتها إذا اتخذت للتجارة؛ حيث قال النووي رحمه الله تعالى في المجموع: وأما الخيل والبغال والحمير والمتولِّد بين الغنم والظباء فلا زكاة فيها كلها عندنا بلا خلاف، وسواء كانت الخيل إناثاً أو ذكوراً أو ذكوراً وإناثا، وسواء في المتولدين كانت الإناث ظباء أو غنماً فلا زكاة في الجميع مطلقاً، وهذا إذا لم تكن للتجارة فإن كانت لها وجبت زكاتها.ا.ه

    هذا: ومحل البحث فيما لو غلب على ظن البائع أو المصدِّر لتلك الحمر، أن طالبها إنما يشتريها أو يستوردها لا لاستعمالها في غرض مباح – من ركوبها أو الحمل عليها – وإنما هو من آكليها، وهذا هو الغالب من حال أهل الصين مثلاً؛ حيث لا يتورع غير المسلمين منهم عن أكل لحوم الحمر وغيرها من الدواب – حلالاً كانت أو حراماً في شرع المسلمين – فهل يجوز للمسلم في تلك الحال البيع أو التصدير لهؤلاء؟؟

    الذي يظهر من قواعد  الشريعة أن ذلك لا يجوز؛ لما فيه من التعاون على الإثم والعدوان، وقد قال سبحانه {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} خاصة مع ترجيح القول بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة استدلالا ًبقوله تعالى {ما سلككم في سقر. قالوا لم نك من المصلين. ولم نك نطعم المسكين. وكنا نخوض مع الخائضين. وكنا نكذب بيوم الدين} ولأن بائع تلك الحمير ومصدرها – والحال ما ذكر – معين على الباطل، والمعين على الباطل مشارك لفاعليه. والعلم عند الله تعالى.

  • تخصيص مكان معين في المسجد

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد نهى النبي صلى الله عليه وسـلم عن أن أن يتخذ الرجل مكاناً معيناً للصلاة لا يتجاوزه، بل عليه أن يصلي حيثما تيسر له لأن ذلك أبعد من الرياء وأقرب إلى الإخلاص؛ ففي سنن أبي داود وابن ماجه عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ، قَالَ: “نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ، وَعَنْ فِرْشَةِ السَّبُعِ، وَأَنْ يُوَطِّنَ الرَّجُلُ الْمَكَانَ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ كَمَا يُوَطِّنُ الْبَعِيرُ” قال الملا علي القاري في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: يُقَالُ: أَوْطَنَ الْأَرْضَ وَوَطَّنَهَا وَاسْتَوْطَنَهَا إِذَا اتَّخَذَهَا وَطَنًا، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ فِي النِّهَايَةِ، عَنِ الْحُلْوَانِيِّ: أَنَّهُ ذُكِرَ فِي الصَّوْمِ عَنْ أَصْحَابِنَا، يُكْرَهُ أَنْ يَتَّخِذَ فِي الْمَسْجِدِ مَكَانًا مُعَيَّنًا يُصَلِّي فِيهِ ; لِأَنَّ الْعِبَادَةَ تَصِيرُ لَهُ طَبْعًا فِيهِ، وَتَثْقُلُ فِي غَيْرِهِ، وَالْعِبَادَةُ إِذَا صَارَتْ طَبْعًا فَسَبِيلُهَا التَّرْكُ، وَلِذَا كُرِهَ صَوْمُ الْأَبَدِ اهـ، فَكَيْفَ مَنِ اتَّخَذَهُ لِغَرَضٍ آخَرَ فَاسِدٍ؟ اهـ. وقال الخطابي في معالم السنن: وأما إيطان البعير ففيه وجهان أحدهما أن يألف الرجل مكانا معلوماً من المسجد لا يصلي إلاّ فيه كالبعير لا يأوي من عطنه إلاّ إلى مبرك دمث قد أوطنه واتخذه مناخا لا يبرك إلاّ فيه. والوجه الآخر أن يبرك على ركبتيه قبل يديه إذا أراد السجود بروك البعير على المكان الذي أوطنه وأن لا يهوي في سجوده فيثني ركبتيه حتى يضعهما بالأرض على سكون ومهل.ا.هــــ قال العيني في شرحه لسنن أبي داود: ولا دلالة في الحديث على الوجه الثاني فافهم.ا.هــــ وقال السيوطي في شرحه لسنن ابن ماجه: لِأَن التوطين يَسْتَدْعِي التَّمَلُّك وَلَيْسَ الْمَسْجِد مَحل التَّمَلُّك بِخِلَاف مَا لَو تحرى الْمَكَان المتبرك بِلَا إِرَادَة التوطن فَإِن بَينهمَا بونا بَعيدا أَو جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات ان الصَّحَابَة قَالُوا: يَا رَسُول الله الا نَبْنِي لَك بِنَاء فِي منى؟ فَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “لَا منى مناخ من سبق” وَهَكَذَا فِي جَمِيع مجَالِس الْخَيْر من الذّكر والوعظ، وَكَثِيرًا مَا نشاهد فِي زَمَاننَا من الجهلة الْعَوام أنهم يُقَاتلُون على الْمَكَان الْمَخْصُوص فِي الْجَامِع ومجالس الذّكر والوعظ، وَأعظم من ذَلِك أنهم يأتونه مُتَأَخِّرًا ويقدمون خدمهم لحراسة الْمَكَان؛ فَمَا أجهله!! أما لَو قصدُوا أَو سبقوا إلى الْمَكَان المتبرك بِلَا جِدَال وَلَا نزاع فَمَا أحسن هَذَا؛ قَالَ الله تَعَالَى {وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى} وَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “لَو يعلمُونَ مَا فِي الصَّفّ الأول لاستهموا”.ا.هـــــــــــــــــــــــــــ

    وأما حجز المكان في المسجد بواسطة سجادة ونحوها؛ فقد منع من ذلك المالكية رحمهم الله تعالى، قال الشيخ عليش  رحمه الله تعالى في منح الجليل: ونص في المدخل على أنه لا يستحق السابق إلى المسجد بإرسال سجادته إليه وأنه غاصب لذلك المحل. قال… فإن بعث سجادته إلى المسجد في أول الوقت أو قبله ففرشت فيه وتأخر إلى أن يمتلئ المسجد بالناس، ثم يأتي يتخطى رقابهم فيقع في محذورات جملة منها: غصبه ذلك الموضع الذي فرشت به السجادة لأنه ليس له حجره، وليس لأحد فيه إلا موضع صلاته، ومن سبق فهو أولى، ولم أعلم أحداً قال إن السبق للسجادات، وإنما هو لبني آدم، فوقع في الغصب لمنعه السابق إلى ذلك المكان، ومنها تخطي رقاب المسلمين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسراً إلى جهنم. رواه الإمام أحمد، وقال عليه الصلاة والسلام: من تخطى رقبة أخيه جعله الله جسراً. رواه الإمام أحمد، وظاهر كلام القرطبي في تفسيره في سورة المجادلة أنه يستحق السبق بذلك، فإنه قال: إذا أمر إنسان أن يبكر إلى الجامع فيأخذ له مكاناً يقعد فيه، فإذا جاء الآمر يقوم له منه المأمور ويقعد الآمر فيه فلا يكره، لما روي أن ابن سيرين كان يرسل غلامه إلى مجلس له يوم الجمعة فيجلس فيه، فإذا جاء قام له منه. ثم قال: وعلى هذا من أرسل بساطاً أو سجادة لتبسط له في موضع من المسجد. انتهى.ونقله ابن فرحون في تاريخ المدينة محتجاً به.. وتخريجه إرسال سجادة على إرسال الغلام غير ظاهر، فالصواب ما تقدم عن صاحب المدخل من أن السبق بالفرش لا يعتبر.

    وقال أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: ليس لأحد أن يتحجر من المسجد شيئاً، لا سجادة يفرشها قبل حضوره ولا بساطاً ولا غير ذلك، وليس لغيره أن يصلي عليها بغير إذنه، لكن يرفعها ويصلي مكانها في أصح قولي العلماء. انتهى.

    وقال رحمه الله في موطن آخر: فمن سبق إلى بقعة من المسجد لصلاة أو قراءة أو ذكر أو تعلم علم أو اعتكاف ونحو ذلك، فهو أحق به حتى يقضي ذلك العمل، ليس لأحد إقامته منه، فإن النبي صلى الله عليه وسـلم نهى أن يقام الرجل من مجلسه، ولكن يوسع ويفسح، وإذا انتقض وضوؤه ثم عاد، فهو أحق بمكانه، فإن النبي صلى الله عليه وسـلم  سن ذلك، قال: “إذا قام الرجل من مجلسه ثم عاد إليه، فهو أحق به”.

    وقال رحمه الله في موطن آخر: ليس لأحد أن يفرش شيئاً ويختص به مع غيبته، ويمنع به غيره، هذا غصب لتلك البعقة، ومنع للمسلمين مما أمر الله تعالى به من الصلاة، والسنة أن يتقدم الرجل بنفسه، وأما من يتقدم بسجادة فهو ظالم إن لم ينته عنه، ويجب رفع تلك السجاجيد، ويمكن الناس من مكانها، هذا مع أن أصل الفرش بدعة، لا سيما في مسجد النبي صلى الله عليه وسـلم، ولما قدم عبد الرحمن بن مهدي من العراق وفرش في المسجد أمر مالك بن أنس بحبسه تعزيراً له حتى روجع في ذلك، فذكر أن فعل هذا في مثل هذا المسجد بدعة يؤدب صاحبها. وعلى الناس الإنكار على من يفعل ذلك والمنع منه، لا سيما ولاة الأمر الذين لهم ولاية على المسجد، فإنه يتعين عليهم رفع هذه السجاجيد، ولو عوقب أصحابه بالصدقة بها لكان هذا مما يسوغ في الاجتهاد. انتهى

  • تأهيل أوراق الكتب الدينية

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فلا يجوز إعادة تأهيل تلك الأوراق لتستعمل فيما يمتهن كأوراق التواليت والمناديل الورقية وغيرها مما يكون محلاً للنجاسات والقاذورات؛ ولا مانع شرعاً من إعادة تأهيل تلك الأوراق التي تحوي نصوصاً من الكتاب والسنة؛ للاستفادة منها في أغراض مشروعة؛ وذلك عن طريق تقطيعها بآلات طاهرة، ثم تبييضها وكتابة مواد أخرى نافعة عليها، وذلك للآتي:

    أولاً: أنه قد انتفت الفائدة من استعمالها بالصورة التي كانت عليها؛ ولم يبق إلا أحد احتمالين إما بإتلافها وإحراقها، وإما إعادة تأهيلها لتستعمل في أغراض مشروعة؛ ومعلوم أن في إتلافها وإحراقها إهداراً للمال، ((والله لا يحب الفساد)) وقد كره لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال

    ثانياً: أنه ليس في التعامل معها بتلك الوسيلة امتهان لها ولا انتقاص لقدسيتها بل إحاطة لها بكل وسائل الرعاية والتوقير والاحترام ((ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه)) ((ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب))

    ثالثاً: أنه قد عُهد عن العلماء العاملين والأئمة الربانيين رحمهم الله – كالإمام النووي – التعامل بمثل ذلك ولنا فيهم أسوة حسنة، والله تعالى أعلم

زر الذهاب إلى الأعلى