الفتاوى

  • التبرع بالمال لغير المسلمين

    السؤال: هل يجوز التبرع بمال المسلمين شرعاً لغير المسلمين؟ كما حدث مؤخراً في تسوناما وأطفالنا في العراق وفلسطين والصومال يعيشون ظروفاً قاسية بما خلفته الحرب من دمار وتشريد وانهيار كامل للبنية التحتية؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالأصل هو أن المسلمين أمة واحدة تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم، وأن المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله، وأن المسلم إذا وقع في ضائقة أو حلَّت به قارعة وجب على المسلمين أن يغيثوه وأن يقوم كل مسلم بواجب الأخوة من نصر المظلوم وإعانة المحتاج وغوث الملهوف وفكِّ الأسير ونحو ذلك من حقوق بيَّنتها الشريعة.

    ومنذ أن سقطت دولة الخلافة وتفرَّق المسلمون دويلات وشيعاً وأحزاباً، ضعفت أواصر الأخوة بينهم حتى صرت تسمع حين يحيق بالمسلمين ظلم في بلد ما أن أهل البلد الآخر يقولون: هذا شأن داخلي، وما ذكرته خير مثال مما يحدث في فلسطين أو العراق أو الصومال، بَلْهَ البلاد الأخرى التي يعيش المسلمون فيها كأقليات مثل الهند وتايلاند والصين الشعبية وغيرها حيث يُصَبُّ العذاب على المسلمين صباً، والأمة في غفلتها وغيها ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    أما ما سألت عنه فالجواب أن مال المسلمين ينبغي أن تقضى به حاجات المسلمين في إطعام جائعهم وكسوة عاريهم ومداواة مريضهم وفك أسيرهم وإيواء مشردهم، ثم إن كان في المال بقية فلا بأس بإعانة غير المسلم منه فإن في كل كبد رطبة أجراً كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، أما أن يكون في الأمة الجائع الضائع والأسير المقهور وغيرهم من ذوي الحاجات ثم تذهب الأموال لغيرهم من غير أهل دينهم فلا شك أن ذلك لا يجوز ولا يعقل، ونسأل الله أن يهدي الرعاة والرعية، والله تعالى أعلم.

  • رشوة عمال الحكومة

    السؤال: ما قولكم في الأموال التي تجمع من المواطنين بواسطة اللجان الشعبية للتعجيل بإنجاز بعض المشروعات التي تقوم بها الحكومة والتي يعود نفعها لعموم الناس، وهذه الأموال تدفع للعمال القائمين على تنفيذ تلك الأعمال، حتى يسرعوا في العمل؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فإن الله تعالى يقول )ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون( وقد ذكر أهل التفسير من بين أنواع أكل أموال الناس بالباطل أخذ الرشوة قلَّت أو كثرت. قال القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية: اتفق أهل السنة على أن من أخذ ما وقع عليه اسم مال قلَّ أو كثر أنه يفسق بذلك، وأنه محرم عليه أخذه.أ.هـ وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من رواية أبي هريرة رضي الله عنه أنه {لعن الراشي والمرتشي} رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وفي رواية ثوبان زاد {والرائش يعني الذي يمشي بينهما} رواه أحمد، قال ابن الأثير في النهاية: الرِّشوة والرُّشوة: الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة، وأصله من الرشا الذي يتوصل به إلى الماء؛ فالراشي من يعطي الذي يعينه على الباطل، والمرتشي الآخذ، والرائش الذي يسعى بينهما يستزيد لهذا أو يستنقص لهذا.

    إذا عُلم هذا من أقوال أهل العلم رحمهم الله تعالى فلا بد من بيان أمور يتضح بها الجواب عن المسألة:

    أولها: أن الأصل في الرشوة أنه حرام على المعطي دفعها وعلى الآخذ قبضها أو الانتفاع بها؛ لعموم اللعن في حديث النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ الواجب على من كُلِّف بعمل وتقاضى عليه أجراً أن يؤديه على الصفة المطلوبة في الوقت المطلوب دون أن يطلب زيادة أو يتحايل على أخذ شيء من الناس؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {من استعملناه على عمل فرزقناه رزقاً فما أخذ بعد ذلك فهو غلول} رواه أبو داود

    ثانيها: أنه يستثنى من هذا الأصل أحوال الضرورة التي تتعين فيها الرشوة سبيلاً وحيداً للحصول على الحق أو الخلاص من ظلم. قال الإمام الخطابي رحمه الله تعالى: الراشي المعطي، والمرتشي الآخذ، وإنما تلحقهما العقوبة معاً إذا استويا في القصد والإرادة، فرشا المعطي لينال به باطلاً ويتوصل به إلى ظلم، فأما إذا أعطى ليتوصل به إلى حق أو يدفع به عن نفسه ظلماً فإنه غير داخل في هذا الوعيد. وقد روي أن ابن مسعود t أخذ في سبي وهو بأرض الحبشة فأعطى دينارين حتى خلي عن سبيله.أ.هـ ثم قال: وكذلك الآخذ إنما يستحق الوعيد إذا كان ما يأخذه على حق يلزمه، فلا يفعل ذلك حتى يُرشى، أو عمل باطل يجب عليه تركه، فلا يتركه حتى يصانع أو يرشى.أ.هـ وقال ابن الأثير رحمه الله: فالراشي من يعطي الذي يعينه على الباطل، والمرتشي الآخذ والرائش الذي يسعى بينهما يستزيد لهذا أو يستنقص لهذا، فأما ما يعطى توصلاً إلى أخذ حق أو دفع ظلم فغير داخل فيه.. ثم ذكر الرواية عن ابن مسعود وقال: وروي عن جماعة من أئمة التابعين قالوا: لا بأس أن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم.أ.هـ

    ثالثها: أنه يمكن لمن أراد من الناس استعجال قضاء حاجته من رصف طريق أو توصيل كهرباء أو مياه أو غير ذلك من المصالح الحاجية التي تُنزَّل منزلة الضرورة أن يكون بينهم وبين العمال عقد إجارة بعوض معلوم على أن يقوموا بإنجاز هذا العمل في غير الوقت المخصص لإنجاز العمل من قبل الجهة المخدِّمة،[1] وعلى ألا يتعمد أولئك العمال أن يبطئوا في العمل رجاء الدخول في عقد إجارة مع السكان؛ لأنهم في تلك الحال يكونون قد تحايلوا على أخذ الحرام، والعلم عند الله تعالى.

    [1]  قال إمام الحرمين: الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة في حق آحاد الأشخاص. البرهان/931

  • طالت فترة الخطبة ونريد فسخها

    السؤال: الالتزام بالخطبة من جانب المخطوبة هل هو إلزام كالعقد لا يجوز لها فسخه أم أن لها حق الفسخ؟ والخاطب ذو خلق ودين ولكن طالت مدة الخطبة مما سبب ضجراً للمخطوبة ففكرت بفسخها؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالخطبة ليست إلا وعداً بالزواج ويملك أي من طرفيه حق فسخه متى ما رأى المصلحة الشرعية في ذلك، وإذا كان الخاطب ذا خلق ودين ـ كما ورد في السؤال ـ فإنه يعطى فرصة كافية من أجل تنجيز العقد؛ فإذا تعذر عليه ذلك وتضررت المخطوبة من طول الانتظار فلا حرج عليها في فسخ الخطبة لعل الله يرزقها خيراً منه ويرزقه خيراً منها، والله تعالى أعلم.

  • الكلام مع النساء

    هل يكون آثماً من نظر أو تكلم مع نساء من أرحامه مع وجود محارمهن؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فلا إثم على من تكلم مع نسوة من أرحامه كلاماً بقدر الحاجة من غير ريبة؛ إذ لم يرد في الشرع ما يمنع من ذلك، وقد ثبت في الأحاديث الصحاح أن النسوة كن يكلمن رسول الله صلى الله عليه وسـلم ويكلمهن وذلك بمحضر من الصحابة أحيانا.

    أما النظر فالواجب الاجتهاد في غض البصر قدر الاستطاعة وذلك لقوله تعالى }قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون{ والله تعالى أعلم.

  • طلاق الحائض

    السؤال: هل الطلاق أثناء الحيض يقع أم لا؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، على آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فطلاق الحائض مخالف للسُّنة وفاعله آثم؛ لكنه يقع عند جمهور العلماء ومنهم الأئمة الأربعة؛ لما رواه الشيخان أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما طلق امرأة له وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي صلى الله عليه وسلم فتغيظ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: {ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها قبل أن يمسها، فتلك العدة كما أمر الله تعالى} متفق عليه، وفي رواية متفق عليها: وكان عبد الله طلق تطليقة حسبت من طلاقها. وفي رواية الدارقطني عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هي واحدة. قال الحافظ: وهو نص في محل النزاع يجب المصير إليه. والله تعالى أعلم.

  • هل يعيد المتيمم الصلاة؟

    السؤال: في حالة ما لو صلى الجنب صلاة بالتيمم هل يعيدها بعد وجود الماء أو زوال البرد؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فليس على من صلى بتيمم لوجود عذر من عدم ماء أو تعذر استعماله إعادة عند زوال العذر وذلك لعموم قوله تعالى ((فاتقوا الله ما استطعتم)) ولأن النبي صلى الله عليه وسلم  لم يأمر من صلى بالتيمم أن يعيد الصلاة بعد زوال عذره، ولأن ذلك ينافي سماحة الإسلام ويسره، قال تعالى ((ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون)) والله تعالى أعلم.

  • التيمم لقراءة القرآن

    هل يجوز التيمم في حال البرد لقراءة القرآن مع وجود الماء؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فيجوز للجنب الذي يخشى من استعمال الماء حدوث مرض أو زيادته أو تأخر برء أن يتيمم لقراءة القرآن؛ إذ التيمم يُقصد به استباحة ما كان ممنوعاً على الجنب من صلاة أو دخول مسجد أو مس مصحف أو قراءة قرآن أو طواف بالبيت العتيق، والله تعالى أعلم.

  • التيمم في البرد الشديد

    السؤال: هل يجوز التيمم للصلاة في حال الجنابة مع وجود الماء لكن البرد شديد؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالواجب على الجنب أن يغتسل لعموم قوله تعالى ((وإن كنتم جنباً فاطهروا)) وإذا كان البرد شديداً ويخشى على نفسه من استعمال الماء البارد فالواجب عليه أن يبذل الأسباب بتسخين الماء فإذا تعذر عليه ذلك فلا حرج عليه لو تيمم لما ثبت من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه لما كان في غزوة ذات السلاسل واحتلم في يوم بارد فتيمم ثم صلى بأصحابه فلما ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: أصليت بأصحابك جنباً؟ قال: يا رسول الله ذكرت قوله تعالى ((ولا تقتلوا أنفسكم)) فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه.

  • الإعتكاف في الزواية

    السؤال: هل يجوز الاعتكاف في الزاوية؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فلا حرج في الاعتكاف بالزاوية لأنها في واقع الأمر مسجد متخذ للعبادة لكن لا تقام فيه جمعة، فاصطلح الناس على تسميتها زاوية للتفريق بينها وبين المسجد الجامع، وعليه فلا حرج في الاعتكاف بها، شريطة ألا يكون في أيام الاعتكاف يوم جمعة؛ لأن الجمعة واجبة على المعتكف ولو تركها أثم ولو خرج إليها بطل اعتكافه، والله تعالى أعلم.

  • نغمات الجوال

    السؤال: ما حكم النغمات في الجوال؛ خصوصاً تلك التي تصاغ على شكل عبارات إسلامية مثل (الله أكبر) أو تلك التي تعزف مع الأناشيد التي يسمونها إسلامية؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالجواب عن هذا السؤال فرع عن معرفة حكم المعازف وقد علمنا من نصوص القرآن والسنة أن المعازف محرمة وذلك في قوله تعالى ((واستفزز من استطعت منهم بصوتك)) قال مجاهد: الغناء والمزامير واللهو، وقال الضحاك: صوت المزمار. وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال {ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف} رواه البخاري تعليقا. قال ابن الصلاح رحمه الله تعالى: والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح.  قال الشوكاني رحمه الله تعالى: قد اختلف في الغناء مع آلة من آلات الملاهي وبدونها، فذهب الجمهور إلى التحريم، وذهب أهل المدينة ومن وافقهم من علماء الظاهر وجماعة من الصوفية إلى الترخيص في السماع ولو مع العود واليراع.. إلى أن قال: وإذا تقرر جميع ما حررناه من حجج الفريقين فلا يخفى على الناظر أن محل النزاع إذا خرج عن دائرة الحرام لم يخرج عن دائرة الاشتباه، والمؤمنون وقافون عند الشبهات كما صرح به الحديث الصحيح، ومن تركها فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن حام حول الحمى  يوشك أن يقع فيه، ولا سيما إذا كان مشتملاً على ذكر القدود والخدود والجمال والدلال والهجر والوصال فإن سامع ما كان كذلك لا يخلو عن بلية وإن كان منت التصلب في ذات الله على حد يقصر عنه الوصف، وكم لهذه الوسيلة الشيطانية من قتيل دمه مطلول وأسير بهموم غرامه وهيامه مكبول نسأل الله السداد والثبات.أ.هـ

    وعليه نقول: إن الواجب على المسلم أن يحتاط لدينه ويمتنع عن إدخال تلك النغمات إلى جواله ويكتفي ـ بدلاً عن ذلك ـ بالجرس المعتاد أو أذان الديك أو غيرها مما لا يشتمل على محظور، وليحذر من تلك النغمات التي تجره لحب الغناء الذي ينبت النفاق في القلب، خاصة حال دخوله إلى بيوت الله لما تسببه تلك النغمات من إذهاب الخشوع وصرف الناس عن تدبر ما يتلى من آيات وغير ذلك من مفاسد عظيمة، والله الهادي إلى سواء السبيل.

زر الذهاب إلى الأعلى