الفتاوى

  • عقيقة وأضحية

    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

    السؤال الأول: وضعت زوجتي مولودنا الأول بالمملكة العربية السعودية، وقد أرسلت مبلغاً مالياً لخالها في السودان لشراء خروفين عملا ً بالسُنة النبوية مع المولود الذكر، ولكن البعض ذكر لي بأن العقيقة يجب أن تكون في مكان الولادة، أفتونا؟

    السؤال الثاني: هل يجوز لي إرسال قيمة الأضحية لأهلي بالسودان من أجل ذبحها هناك؛ مع العلم بأني مقيم في السعودية؟

    السؤال الثالث: طلب مني زميلي في الشركة شراء مكيف له على أن يسدد لي قيمة المكيف بالأقساط، فذهبت معه للمحل واشترينا المكيف بمبلغ 1200 ريال، واتفقنا أن يسددها لي 1400 ريال على 4 أقساط، فهل يعتبر هذا ربا أم مرابحة؟ مع العلم بأني ذهبت معه للمحل وتركته يستلم المكيف بنفسه لأني لا أملك محلاً للبيع ولا أعمل في مجال التجارة.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فلا يشترط في العقيقة أن تكون في مكان الولادة، بل المقصود إهراق الدم شكراً لله على نعمته سواء كان في مكان الولادة أو غيره. ولا حرج عليك أن ترسل قيمة الأضحية وتوكل غيرك في أن يذبح عنك في السودان إذا رأيت أن ذلك أنفع للناس وأوصل لرحمك.

    ولا حرج عليك أن تشتري السلعة لمن طلبها ثم تبيعها عليه بالتقسيط بالثمن الذي تتراضيان عليه، ولا يشترط في غير الطعام قبضه ولا نقله، والله تعالى أعلم.

  • مشاكل عائلية

    السلام عليكم نحن ثلاث إخوة. والدي يحب أخي الصغير ويجيب طلباته ويزعل لزعله ويفرح لفرحه . وأمي تحب أخي الكبير. وأنا لا أحب هذا الحال، بقيت دايماً قاعد لوحدي، وأمي وأبي لا يعرفون أي شيء عن العدل والمساواة، وأمي لا تصلى ووالدي بدأ يصلى من 2006، ووالدته توفيت وهى لا تريد أن تراه، ووالدي في مشاكل مع والدتي، ويقول لها أنت طالق بالثلاثة وظهرك محرم عليّ كظهر أمي وأختي، وبعد فترة يكلموا بعض تاني. أنا حاسس أنهم السبب في فشل هذه الأسرة. أنا قررت أن أبعد عنهم وأواصلهم في نفس الوقت كل فترة، لكني خايف أن أعيش العيشة التي عاشها أبي لما ترك والدته وسافر إلى القاهرة وماتت وهى لا تريد أن تراه. وفى نفس الوقت خايف أن أقعد معهم أفضل طول عمري لوحدي والمشاكل هي هي أرجو الإفادة.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فيا أخي سلْ ربَّك العافية، وأكثرْ من شكره وحمده على ما أفاء عليك من نعم، ولا تحصرْ تفكيرك في المصائب التي تحيط بك، بل فكِّر في نعم الله عليك لتزداد له حباً، وبه تعلقاً، واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وتذكر هذه النقاط جيداً:

    أولاً: المشاكل العائلية لا يكاد يخلو منها بيت، لكنها قد تقلُّ في بعض البيوت وتكثر في أخرى، والأصل أن الإنسان في الدنيا مبتلى؛ كما قال سبحانه ((كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون)) والواجب عليك أن تتعامل مع هذا القدر بالشرع

    ثانياً: عليك ببرِّ والديك كليهما مهما كان منهما من ظلم أو تقصير؛ واستعن بالله تعالى على برهما والإحسان إليهما، وأكثر من الدعاء لهما فهذا حقهما عليك، وما صدر منهما من ظلم أو معصية فالله جل جلاله هو وحده من يحاسب عليه ويجازي

    ثالثاً: الواجب على الوالدين العدل بين الأولاد، وعدم إظهار الميل إلى أحدهم؛ لئلا يوغروا صدور بعضهم على بعض، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم} وهذا العدل يكون في الأمور المادية والمعنوية، اللهم إلا المحبة القلبية فإن الإنسان لا يملكها، وإنما هي بيد الله، لكن على الوالدين عدم إظهار ذلك للأولاد

    رابعاً: عليك أن تبذل جهدك في دعوة والديك إلى الصلاة؛ لأن التهاون بالصلاة منذر بسوء الخاتمة عياذاً بالله تعالى؛ ويمكنك أن تستعين على ذلك بكل وسيلة مشروعة من ترغيب وترهيب واستعانة بالغير، وأهم وسيلة في ذلك الإكثار من الدعاء لهما بالهداية

    خامساً: على الوالد أن يجتهد في الدعاء لأمه والصدقة عنها وصلة أرحامها؛ لعل الله يغفر له ما كان من تقصير في حقها حال حياتها؛ فإن البر لا يعدله شيء؛ كما أن العقوق من كبائر الذنوب

    سادساً: قول الوالد لأمك: أنت طالق!! يقع به الطلاق، نواه أو لم ينوه، وقوله لها: أنت علي كظهر أمي؛ منكر من القول وزور، وعليه أن يتوب إلى الله منه، ويكفِّر بصيام شهرين متتابعين؛ فإن لم يك مستطيعا أطعم ستين مسكينا

    سابعاً: اجتهد في البقاء مع والديك وإخوانك لعل الله يجعلك سبباً في صلاحهم؛ فإن خشيت على دينك فلا حرج عليك أن تبتعد عنهم؛ بشرط أن تستمر في صلتهم والإحسان إليهم ما استطعت، والله الهادي إلى سواء السبيل،،،،

  • حب المرأة لغير زوجها

    هل يجوز للمرأة المتزوجة أن تحب غير زوجها؟ وإذا لم يكن لها ذلك فما ذنبها وقلب الإنسان ليس ملك يديه؟ حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقسم بين زوجاته ويقول: “اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك، ولا أملك” يعني أمر القلب.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فيلزم التنبيه أولاً إلى وجوب الاحتياط عند إيراد نصوص الكتاب والسنة، والاستشهاد بهما على أمر ما؛ حذراً من الدخول تحت طائلة قوله تعالى {إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا} وقوله سبحانه {إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون} والحديث الوارد في السؤال «اللهم هذا قسمي فيما أملك» إنما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في بيان أن العدل بين الزوجات في المحبة القلبية ليس بواجب لأنه خارج عن وسع العبد؛ وهو المقصود بقوله تعالى {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} لكن لا يصح الاستشهاد به في سبيل إقرار أن يتبع العبد هواه ويساير نفسه فيما تهواه؛ ولو كان في ذلك انتهاك للحرمات أو تعد للحدود.

    هذا والواجب على المرأة المسلمة أن تحفظ عرضها وتغض بصرها وترضى بما قسم الله لها؛ فتحسن عشرة زوجها وتقوم نحوه بما أوجب الله عليها من حسن التبعل وأداء الحقوق، وولو حصل أن مال قلبها نحو رجل غير زوجها فإنها تزمُّ نفسها بزمام الشرع، وتلتزم حدود الله عز وجل؛ ولا تفتح على نفسها باباً يلج منه الشيطان فيؤزها على معصية الله أزا، والخاطر الذي مر بقلبها من ذلك الميل الطارئ فإنها لا تؤاخذ به؛ لأنه خارج عن وسعها، والله تعالى أعلم.

  • النعاس حال التلاوة

    التلاوة في الثلث الأخير من الليل إذا شعرت بأن النعاس قد تغلب عليَّ هل أوقف التلاوة؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد؛ حتى يذهب عنه النوم؛ فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري؛ لعله يستغفر فيسب نفسه} رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها، وفي رواية أنس رضي الله عنه {إذا نعس أحدكم في الصلاة فلينم حتى يعلم ما يقرأ} قال الحافظ رحمه الله تعالى: وفيه الأخذ بالاحتياط لأنه علل بأمر محتمل، والحث على الخشوع وحضور القلب للعبادة، واجتناب المكروهات في الطاعات.

    وعليه فإن الواجب عليك أن تقرأ حال نشاطك وانشراح صدرك، ولا تكلف نفسك ما لا تطيق خشية الملل والسآمة؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم {مه، عليكم ما تطيقون من الأعمال فإن الله لا يمل حتى تملوا} رواه البخاري، ومتى ما غلب عليك النعاس فعليك أن توقف التلاوة حتى يرجع إليك نشاطك، والله تعالى أعلم.

  • بم ندرك أجر الجماعة؟

    وصلت متأخراً للمسجد ووجدت الإمام في الجلوس الأخير، هل أدخل معه في الصلاة ويكون لي فضل الجماعة، أم أنتظر حتى أجد جماعة أخرى أصلي معها الصلاة كاملة؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فأنا لك ناصح بأن تبادر إلى الصلاة متى ما سمعت النداء؛ ولا تتأخر لأن الله تعالى أمرك بالمسارعة في الخيرات والمسابقة في الطاعات فقال سبحانه {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم} وقال {سابقوا إلى مغفرة من ربكم} وأثنى على أنبيائه بأنهم {كانوا يسارعون في الخيرات} وما زال الصالحون من عباد الله حريصين على إدراك تكبيرة الإحرام لأنهم علموا أنها خير من الدنيا وما فيها.

    ثم إذا وصلت إلى المسجد مسبوقاً فعليك أن تدخل مع الإمام حيث كان؛ وما ينبغي لك الانتظار حتى تصلي مع جماعة أخرى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسـلم قال “إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الصَّلاَةَ وَالإِمَامُ عَلَى حَالٍ فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ” رواه الترمذي وقال: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لاَ نَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ إِلاَّ مَا رُوِيَ مِنْ هَذَا الوَجْهِ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ. قَالُوا: إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ وَالإِمَامُ سَاجِدٌ فَلْيَسْجُدْ وَلاَ تُجْزِئُهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ إِذَا فَاتَهُ الرُّكُوعُ مَعَ الإِمَامِ. وَاخْتَارَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ أَنْ يَسْجُدَ مَعَ الإِمَامِ. وَذَكَرَ عَنْ بَعْضِهِمْ فَقَالَ: لَعَلَّهُ لاَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فِي تِلْكَ السَّجْدَةِ حَتَّى يُغْفَرَ لَهُ.ا.هــ وهذا الحديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في صحيح الجامع الصغير وزيادته، والله الموفق والمستعان.

  • صلاة العشاء خلف من يصلي التراويح

    إذا دخل شخص أو أشخاص والإمام والمصلون قد صلوا العشاء، وهم في صلاة التراويح، هل على المتأخرين أن يصلوا العشاء لوحدهم ثم يدخلوا معهم، أم يدخلون معهم بنية العشاء ثم يكملوا ما بقي من الصلاة وحدهم؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالأفضل لهؤلاء أن يدخلوا في صلاة التراويح بنية العشاء، وبعد سلام الإمام يكملوا ما بقي عليهم من الصلاة؛ لأنه لا مانع من صلاة المفترض خلف المتنفل؛ لما ثبت في الحديث أن معاذ بن جبل رضي الله عنه كان يصلي العشاء مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يذهب فيصلي بقومه، ومعلوم أن الصلاة الثانية لمعاذ تكون نفلاً، ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ثم إن هؤلاء لو صلوا وحدهم أفضى ذلك إلى التشويش من كل من الجماعتين على الأخرى، ثم إن العلماء رحمهم الله مختلفون في إقامة جماعة أخرى بعد الجماعة الراتبة، وعليه فإن الأولى دخولهم مع المصلين التراويح بنية العشاء، والله تعالى أعلم.

  • فضائية تهاجم الإخوان

    دكتور وأستاذ عقيدة في إحدى الجامعات ومشرف على قناة إسلامية؛ يتناول في أكثر برامجه التي يقدمها في قناته إن لم يكن كلها الحديث عن جماعة الإخوان المسلمين بالسب والشتم ووصفهم بأنهم خوارج العصر؛ يصفهم في مصر بأنهم يسعون لتدمير الدين الإسلامي هناك؛ ويقول عن مؤسس الحركة حسن البنا بأنه كان صوفياً؛ وسيد قطب كان تكفيرياً ويصفهم جميعاً بأنهم تكفيريون ويدعو عليهم ويحمد الله على أن الله خلصهم من شرهم؛ ويتناول الجماعة في السعودية ويقول إنهم يسعون لتغيير عقيدة الشيخ/ محمد بن عبد الوهاب ليفسحوا المجال لمذهبهم أن يسود ويذكرهم بالأسماء كبار المشايخ الذين شهد لهم بالعلم والتقي والباع الطويل في مجال الدعوة داخل السعودية وخارجها، ويتكلم عن السلفية والسلفيين في مصر ويصف بعضهم بالمبتدعة ويسميهم بأسمائهم، ومن سلم منهم منه يعتب عليه ويلومه علي أنه إما مؤيد للديمقراطية أو خرج وشارك في المظاهرات ضد النظام السابق أو لم يقل كلمة الحق عن الانقلاب الذي حصل أخيراً وهو (أي هذا الدكتور يؤيد الانقلاب)

    يؤيد هذا الشيخ ويؤازره في دعوته تلك شيخ سوداني مدير معهد بأم درمان ويقول عنه – ويصفه بشيخ التوحيد في السودان ويعرض له محاضرات علي شاشة قناته تلك بحيث يتناول هذا الشيخ جماعة انصار السنة بالهجوم الكاسح والألفاظ المسيئة، ويقول عنهم إنهم ليسوا على العقيدة الصحيحة وأنهم مبتدعة ويتكلم بعبارات وألفاظ يتنزه عنها إنسان عادي فضلاً عن أن يكون من أهل العلم، مع إبراز عضلات وفتوة حيث حباه الله بسطة في الجسم, ويصف بعض المشايخ من أهل العلم والفضل والمشهود لهم بذلك بأنهم سرورية ويذكرهم بالاسم الدكتور فلان وفلان ….إلخ.

    وسؤالي جزاكم الله خيراً بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل هذا من أخلاق أهل العلم؟ وما هي السرورية التي تحدث عنها هذا الشيخ ووصف بها هؤلاء المشايخ الفضلاء؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

            فيا أخي الكريم: شكر الله لك غيرتك على عرض إخوانك من أهل العلم والدعوة، وشكر الله لك غضبتك على ما يشوِّه جمال هذا الدين وما يكون سبباً في العداوة بين المؤمنين، “والمسلم من سَلِم المسلمون من لسانه ويده”، وإني قائل لك: “احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز”، واعلم بأن العمر قصير والعمل المطلوب منك كثير، والعاقل من صرف وقته فيما يعود عليه بالنفع في دينه ودنياه، والأحمق من ضيَّع زمانه في تتبع ما قال فلان وما قال فلان ممن لا يُرجَى نفعُهم ولا يؤمَن شرُّهم، وما زال أهل العلم يحذرون من قيلَ وقال؛ “وبئس مطية القوم زعموا”، “وكفى بالمرء إثماً أن يحدِّث بكل ما سمع”. وأنصحك ـ أخي في الله ـ بأن تدعو ربَّك جل جلالـه بما كانوا يدعو به النبي الأكرم صلى الله عليه وسـلم “اللهم ربَّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطرَ السموات والأرض، عالمَ الغيب والشهادة،، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم” وأكثِر من الدعاء الشريف “يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك” {اللهم اجعلني لك ذكاراً، لك شكاراً، لك مطواعاً، لك مخبتاً، إليك أواهاً منيبا، اللهم تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، واهد قلبي، واسلل سخيمة صدري”

            وأما ما يحصل من أذية لأهل العلم والفضل فليس بجديد؛ فإن الله تعالى قد قال في ساداتهم {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ} وقال سبحانه {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} فإذا كان الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وهم سادة الناس وخيرهم وأتقاهم وأبرُّهم وأخشاهم لله ما سلموا من الناس فما ظنك بمن دونهم؟! ويكفيك قول ربنا جل جلالـه {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} وكذلك الملائكة عليهم السلام الذين {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} عاداهم شرار الناس حتى أنزل الله تعالى قوله {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} ومن بعدهم أولياء الله الصالحون وعباده المقربون – وعلى رأسهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما – ما زال أوباش البشر يسبونهما ويلعنونهما، وهم بزعمهم يتعبدون لله بذلك {سبحانك هذا بهتان عظيم}. ولنا في هؤلاء أسوة وقدوة وقد قال الله عز وجل {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا}

            وهذه فتنة زماننا يا أخي تحركها أجهزة مخابرات ويعمل فيها رجال ونساء، بعضهم بعلم وكثير منهم بغير علم، لكنها تُغَذَّى في كل مكان – في المشرق والمغرب – حيث يُفَرَّغ رجال في سمت أهل الدين، يستدلون بالآيات القرآنية، ويقولون من قول خير البرية صلى الله عليه وسـلم، ولا همَّ لهم إلا الحديث عن الدعاة وأهل العلم ممن نفع الله بهم وأجرى على أيديهم الخير الكثير، وبعض هؤلاء المتكلَّم فيهم قد سلخ من عمره ستين أو سبعين سنة يدعو إلى الله ويبشر وينذر؛ وما علم الناس منه إلا الخير وما هو بالمعصوم بل بشر يخطئ ويصيب؛ فيأتي غرٌ من حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام ليرميه بكل نقيصة ويلصق به كل عيب ويصوِّر للناس أنه أخطر من اليهود والنصارى‼ {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} فيشتغل البعض بالرد على هؤلاء المفترين – وقد لسعته تلك الافتراءات وضاق صدره بهاتيك الترهات – ثم يكون على الرد ردود، وهكذا تتناكر القلوب ويُشغَل الناس ببعضهم، ويفرك الأعداء أيديهم طربا، فترى بعض الشباب ممن هداه الله إلى غشيان المساجد والجلوس في حِلَق العلم، عما قريب ينفر من المساجد وأهلها حين يرى تلك الصراعات ويسمع من الألفاظ ما لم يكن يسمع من رفقائه في مجالس اللهو واللعب، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

            ومن أجل أن تعلم صحة ما أقول: تأمل في حال هؤلاء المشائين بالنميمة، المتكلمين بالباطل في عباد الله، الملتمسين للبرآء العيب تجدهم صماً بكماً عن الكلام في أهل الإلحاد والعلمنة والضلال، عمياً عن رؤية الجرائم التي يبصرها كل ذي عينين، والتي يقترفها الطغاة الظالمون من جنس ما فعله الانقلابيون في مصر من سفك للدماء وانتهاك للحرمات وتضييق على الدعوة وأهلها وسعي بالفساد في الأرض؛ وقد سلم منهم اليهود والنصارى وأهل الضلال طُراً، لكن ضاق عَطَنُهم عن أن يمسكوا ألسنتهم ويكفوا أذاهم عن الدعاة إلى الله وطلبة العلم، فهم – واللهِ – أجدر بالوصف الذي رموا به مخالفيهم حين قالوا عنهم بأنهم خوارج، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسـلم من صفة الخوارج أنهم “يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان” { فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}

            ولو كان لذلك المدَّعي على الإخوان بالباطل شيء من مروءة لسعى في تنفيس كربتهم والوقوف معهم في محنتهم، فإن لم يفعل فلا أقل من أن يُمسك لسانه عنهم؛ حتى إذا حصل الفرج – بإذن الله – ناقشهم فيما يجد عليهم إن كان باغياً للإنصاف طالباً الوصول إلى الحق، لكن: وإذا ما خلا الجبان بأرضٍ … طلب الطعن وحده والنزالا‼ وقد قيل: وإذا الجبان رأى الأسنة شُرَّعاً … عاف الثباتَ فإن تفرد أقدما‼

            وأما التهم التي ساقها ظاناً أنها تنقص من قدر أولئك الأخيار – أعني حسن البنا وسيدا – فليست بشيء إذا ما وضعت في ميزان الاعتدال والإنصاف؛ فإن الشيخ البنا – رحمه الله تعالى – ما تخفَّى ولا دلَّس بل سرد في مذكراته أنه حين كان شاباً يافعاً كان تابعاً لطريقة صوفية تسمى الطريقة الحصافية، والعاقل يسأل: هل الصوفية شرٌّ كلها؟ ثم هذه كلمات البنا مدوَّنة وهذه مؤلفاته بلغت الآفاق فأين الخرافة فيها أو الشعوذة؟ إن أهل الإنصاف يعلمون أنها قد حوت خيراً كثيراً وعلماً غزيراً، وقد كانت للرجل رحمه الله مجاهداته واجتهاداته فجزاه الله عن الإسلام وأهله خيراً وبارك في علمه وتلامذته، وكذلك سيد قطب رحمه الله وغفر له مؤلفاته فيها من الحماس للإسلام والعاطفة الجياشة في الدفاع عنه أمام غارات الملاحدة والعلمانيين، ما ينبئ عن قلب مليء بحب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسـلم، خاصةً في قضايا الحكم بما أنزل الله وبيان محاسن الإسلام والرد على منتقديه من شياطين الإنس دعاة الضلالة، وما هو بالمعصوم، بل هو كغيره من أهل العلم والفضل لا يسلم من الخطأ، لكن خطأه في بحر فضله مغمور، حيث كانت له ـ رحمه الله ـ مواقف وأقوال وكتابات تبيِّض وجهه – إن شاء الله – يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، وقد أفضى إلى ما قدم، وليس من الدين ولا من الأدب ولا من الإنصاف أن يتتبع بعض الناس عثراته فيشيعونها في كل مجلس، وينسون حسناته وفضائله فيسترونها ويغمطون الرجل حقه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسـلم {الكبر بطر الحق وغمط الناس} رواه مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. وقد أنصف سيداً – رحمه الله تعالى – من الدعاة الثقات والأئمة الأثبات ما يغني عن قول أولئك المرجفين المجترئين على أعراض الأحياء والميتين. وقد ذكروا أن سيداً رحمه الله من الدعاة الذين ظهر صدقهم في الدعوة ونصرتهم للدين وغيرتهم على محارمه، ونحسبه مات شهيداً في سبيل كلمة الحق والله حسيبه، وإن كانت له أخطاء في بعض كتبه ـ شأن عامة من كتب وألَّف ـ فإنه لا يتابع عليها ولا يُقلَّد فيها ولا يُشنَّع عليه بها، وإنما يُبيَّن الحق من الباطل، والصواب من الخطأ بالحجة والبرهان. مع الانتباه إلى أن مثل هذه الأخطاء مغمورة إلى جانب حسناته العظيمة في بيان معاني كتاب الله عز وجل وتجلية الحق لطالبيه في عصر قلَّ فيه من ينطق بالحق ويدعو إليه.

            أما حديث هذا المفتري هو أو غيره عن السرورية فلا أعلم جماعة على وجه الأرض تتسمى بهذا الاسم، بل هذا لقب قد انتحلوه للتنفير من الدعاة الناصحين للأمة المجاهرين بالحق الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، الكاشفين عن أهل الضلال والخبال؛ وقد علمت أجهزة المخابرات التي تجندهم وتستعملهم في تحقيق مآربها أنهم لو قالوا عن أولئك الدعاة بأنهم لصوص أو ملاحدة أو دجاجلة أو أهل فحش لما صدَّقهم أحد؛ فاخترعوا تلك التهمة وألصقوها بهم تنفيراً لعامة الناس منهم؛ فهم – في حقيقة الأمر – قُطّاع طرق على من يرومون الهداية ويبحثون عن أسبابها حين يشككونهم في جمهور الدعاة إلى الله تعالى بدعوى أن هذا إخواني وذاك تبليغي وفلان سروري وفلان خارجي.. وهكذا في قائمة تطول، وكأنهم بلسان حالهم يقولون: ليس على وجه الأرض ناج سوانا‼ “ومن قال هلك الناس فهو أهلكهم”. ولو جاز لنا أن نجهر بالسوء من القول لأسميناهم رداً على فحشهم: المخابراتية أو العملاء أو الجواسيس أو المأجورين أو غير ذلك مما يصور للناس حقيقة أمرهم بعدما ضاقت صدور الطيبين بعظيم أذاهم وافترائهم على المسلمين أحياء وأمواتا؛ حتى ما يكاد يسلم منهم أحد.

            ومن عظيم تلبيسهم على الناس تمسُّحهم بالأخيار ممن شهدت لهم الأمة بالاستقامة والفضل من العلماء العاملين، وعلى رأسهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز – رحمه الله تعالى – فكثيراً ما يصورون لمن لا يعلم حقيقتهم أنهم على سَنَن الشيخ سائرون، والشيخ بريء منهم وممن كان على مشربهم، وقد أنكر على أسلافهم الذين أحدثوا تلك البدعة حال حياته، وكاتبهم محذراً إياهم من الوقيعة في الدعاة إلى الله لكنهم ما انتصحوا ولا ألقوا لقوله سمعاً، بل – بلسان حالهم – قالوا {سمعنا وعصينا} وإلا فالشيخ رحمه الله كان من أعف الناس لساناً عن الوقيعة في أعراض الدعاة أو إشاعة قالة السوء عنهم؛ بل كان يلتمس لهم أحسن المخارج ويتأول لهم فيما أخطئوا فيه، ويناصحهم شفاهة وكتابة؛ عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسـلم “الدين النصيحة” وفي الوقت نفسه كان يثني على جهودهم ويرشد الناس إلى الاستفادة منهم، صنيع الطيبين المنصفين، والشيخ رحمه الله تعالى كان رئيساً للجنة الدائمة للإفتاء وقد صدر عنها حال رئاسته لها فتاوى ممهورة بتوقيع الشيخ رحمه الله فيها بيان أن جماعة التبليغ وجماعة الإخوان المسلمين من الفرقة الناجية، وذلك في المجلد الثاني صفحة/234ـ 236ـ 237ـ 238

            وبعد. فليلعم هؤلاء الطاعنون في حسن البنا وسيد قطب وغيرهما من أهل الدعوة والجهاد أنهم ـ قصدوا أو لم يقصدوا ـ إنما يخدمون هدفاً بعيداً لأعداء الملة، الذين يرومون الطعن في كل من عُهد عنه تأثير في الصحوة المعاصرة التي أقضت مضاجع اليهود والصليبيين والملاحدة، فيعمدون إلى انتقاصهم ورميهم بالتهم الباطلة تنفيراً للناشئة منهم، وإشاعة لقالة السوء عنهم؛ ابتداء بشيخ الإسلام ابن تيمية مروراً بالشيخ محمد بن عبد الوهاب وانتهاء بالأستاذ سيد قطب رحمهم الله جميعاً.

    وقد روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسـلم أنه قال “إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط” رواه أبو داود، فثبت بهذا الحديث وجوب توقير العلماء وإحسان الظن بهم وحمل أقوالهم على أحسن المحامل، ولا يعني هذا اعتقاد عصمتهم وأنهم لا يخطئون، بل هم بشر معرَّضون للخطأ والصواب؛ فلا مانع من التنبيه على أخطائهم بما يُحق الحق ويُبطل الباطل، وذلك دون أن نتعمد تتبع عثراتهم وإحصاء هفواتهم، بل الواجب علينا أن نحفظ لأهل العلم حرمتهم وأن نعرف لهم فضلهم، وإن أخطأ الواحد منهم فإننا نعتقد أن ذلك الخطأ أو تلك الهفوة مغمورة في بحر فضائله.

            أما إدمان الحديث عنهم بالسوء وتتبع ما وقعوا فيه من أخطاء فهو مسلك أهل الضلالة والهوى؛ فتجد الواحد من هؤلاء لا همَّ له إلا الطعن في العلماء ـ أحياءً وأمواتاً ـ بدعوى أن مقصد ذلك الداعية خبيث، وأنه ذو نية خبيثة، وأنه صاحب فتنة عدو للسنة، أو أن فلاناً لا يحب الرسول صلى الله عليه وسـلم، وكذلك التندر عليهم في المجالس وطباعة الأشرطة في التشنيع عليهم والتحذير منهم بزعم أن خطرهم يفوق خطر اليهود والنصارى ونحو ذلك من الدعاوى العارية عن الدليل، والتي تشي بقلة الورع والخوف من الله تعالى.

    وعلى كل مسلم – منتسباً إلى تلك الجماعات أو غير منتسب – أن يعلم أنه لا أحدَ معصومٌ بعد رسول الله صلى الله عليه وسـلم كما قال مالك رحمه الله (كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسـلم) ويقول ابن القيم رحمه الله (فلو كان كل من أخطأ أو غلط تُرِكَ جملةً، وأُهدرت محاسنه لفسدت العلوم والصناعات والحكم وتعطلت معالمها) ويقول كذلك رحمه الله (ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعًا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدمٌ صالح، وآثارٌ حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل مأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يتبع فيها ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته في قلوب المسلمين). ويقول رحمه الله: (من قواعد الشرع والحكمة أيضًا أن من كثرت حسناته وعظمت، وكان له في الإسلام تأثير ظاهر، فإنه يحتمل له ما لا يحتمل لغيره، ويعفى عنها ما لا يعفى عن غيره) وقال الإمام الذهبي ملتمسًا العذر لقتادة في مسألة خالف فيها الصواب: (لعل الله يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه، وبذل وسعه، والله حكم عدل لطيف بعباده، ولا يُسأل عما يفعل. ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كَثُرَ صوابه، وعُلم تحريه للحق واتسع علمه وظهر ذكاؤه، وعُرِف صلاحُه وورعُه واتباعُه، يغفر له زللـه ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك).ا.هـــــ

            وعليه أن يعلم أن الأمور التي تُنتقد على بعض الدعاة أو العلماء أمور اجتهادية يسوغ فيها الخلاف، وقد يكون الخلاف فيها قد حصل بين أسلافنا ولم ينكر بعضهم على بعض؛ فيأتي بعض هؤلاء محذِّراً بأن فلاناً قد خالف السنة وانحرف عن المنهج؛ إلى آخر تلك التهويلات التي غايتها صرف الناس عن أولئك الدعاة. إن الواجب على هؤلاء أن يتقوا الله عز وجل وأن يعلموا أن لحوم العلماء مسمومة، وأن سنة الله في أخذ من انتقصهم معلومة، ومن وقع في أعراض العلماء بالثلب، ابتلاه الله قبل موته بموت القلب، وأذكِّر الجميع بقوله تعالى {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبينا} والله الهادي إلى سواء السبيل.

  • العصر قصرا بعد الجمعة

    صليت العصر قصراً وأنا مسافر وذلك بعد صلاة الجمعة لأن السفر للعودة بعد الجمعة مباشرة، فهل في ذلك بأس؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فلا بأس من فعلك هذا لأن الجمع بين الصلاتين المشتركتين في الوقت كالظهر مع العصر والمغرب مع العشاء من الرخص الثابتة في السفر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل يجمع بينهما، فإن زاغت قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب} متفق عليه، وفي رواية لمسلم {كان إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر يؤخِّر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر، ثم يجمع بينهما} وفي حديث أنس رضي الله عنه {كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما} رواه مسلم، ولما كانت صلاة الجمعة هي الأصل في يوم الجمعة جاز لك أن تجمع العصر معها متى ما وجد سبب الجمع، والله تعالى أعلم.

  • القنوت في الركعة الأخيرة من التراويح

    لوحظ في صلاة التراويح لهذا العام أن بعض الأئمة يعمدون إلى الدعاء بعد الرفع من الركوع في الركعة الأخيرة من صلاة التراويح، ويؤخرون الوتر إلى صلاة التهجد؛ فما رأيكم في ذلك؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فاجتماع الناس بهذه الأعداد المهولة في المساجد؛ لإحياء سنة قيام الليل في رمضان إنما هو أمر يسر كل مؤمن، وينشرح له صدر كل غيور، وهؤلاء مبشَّرون ـ إن شاء الله ـ بقول نبينا صلى الله عليه وسلم {من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه} ومما يثلج الصدر أن هذه السنة المحمودة قد تتابع في إحيائها الرجال والنساء والشيب والشباب، نسأل الله أن يُكثِّر سوادهم، وأن يتقبل عملهم، وأن يجزي خيراً من أعان على ذلك بتهيئة المساجد أو إطعام المصلين، وأن يبارك لهم فيما آتاهم وأن يزيدهم إيماناً وهدى وتوفيقاً.

    وأما القنوت في الصلاة فللعلماء رحمهم الله فيه قولان:

    الأول: ذهب بعض أهل العلم ـ كالحنفية والحنابلة ـ إلى أن القنوت في الوتر مسنون في السنة كلها، وذهب بعضهم إلى استحبابه في النصف الثاني من شهر رمضان، وهذا مذهب الشافعي ورواية عن مالك وأحمد رحمهم الله تعالى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وأما القنوت في الوتر فجائز وليس بلازم؛ فمن أصحابه – أي النبي صلى الله عليه وسلم – من لم يقنت، ومنهم من قنت في النصف الأخير من رمضان، ومنهم من قنت السنة كلها، والعلماء منهم من يستحب الأول كمالك، ومنهم من يستحب الثاني كالشافعي وأحمد في رواية، ومنهم من يستحب الثالث كأبي حنيفة والإمام أحمد في رواية، والجميع جائز فمن فعل شيئاً من ذلك فلا لوم عليه.ا.هـ  وروى أحمد والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم علَّم الحسن رضي الله عنه الدعاء في القنوت، قال: {علَّمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في قنوت الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت……الحديث

    الثاني: مذهب الشافعي والمالكية رحمهم الله هو القنوت في صلاة الصبح؛ استدلالاً بحديث أنسٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ما زال يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا، والحديث صححه بعض أهل العلم، واستدلوا به على القنوت في صلاة الصبح. قال الإمام النووي رحمه الله في المجموع: مذهبنا أنه يستحب القنوت فيها ـ أي الصبح ـ سواء نزلت نازلة أو لم تنزل، وبهذا قال أكثر السلف ومن بعدهم أو كثير منهم، وممن قال به أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي وابن عباس والبراء بن عازب رضي الله عنهم رواه البيهقي بأسانيد صحيحة، وقال به من التابعين فمن بعدهم خلائق، وهو مذهب ابن أبي ليلي والحسن بن صالح ومالك وداود وقال عبد الله بن مسعود وأصحابه وأبو حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري وأحمد: لا قنوت في الصبح.ا.هـ

    وعليه فما ينبغي الإنكار على من قنت في صلاة الصبح أو في صلاة الوتر؛ لأن في المسألة خلافاً بين الأئمة المتقدمين رحمهم الله، وهم أكثر علماً وأعظم ورعاً، وما وسعهم يسعنا إن شاء الله. وعلى الناس أن يتابعوا الإمام فيما يصنع فإن قنت قنتوا معه، وإن ترك القنوت تركوه؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم {إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه}

    وأما صنيع بعض الأئمة الآن من القنوت في الركعة الأخيرة من صلاة التراويح فلا يشرع من جهتين:

    الأولى: أن للعلماء رحمهم الله ـ قولين في محل القنوت ـ كما تقدم ـ هل في الوتر أم في صلاة الصبح، ولم يقل أحدهم أن الركعة الأخيرة من صلاة التراويح محلٌ للقنوت، فمن فعل ذلك فقد أحدث قولاً لم يُسبق إليه، ويُخشى لو تتابع الناس على ذلك أن يعتقد بعضهم مشروعيته أو سُنيته؛ فتتغير بذلك صفة الصلاة التي تناقلها المسلمون بالتواتر منذ عهد نبيهم صلى الله عليه وسلم

    الثانية: أن القنوت في غير الصبح والوتر ـ لغير نازلة ـ لا يشرع

    وعليه فإنني أنصح إخواننا الأئمة ـ وفقهم الله ـ أن يُعنَوا بإحياء السنة، وأن يعملوا على جمع كلمة المسلمين، وأن يحرصوا على تجنب ما يثير الخلاف بين الناس، خاصة في هذا الشهر المبارك؛ حيث تجتمع القلوب عليهم، ويصطف الناس من ورائهم رجاء ما عند الله من أجر وثواب. وإذا كان الإمام لا يرغب في أن يأتي بالوتر عقيب التراويح فيمكنه أن يستخلف على الناس من يوتر بهم ويدعو لهم، ويؤجل الإمام وتره ودعاءه إلى ما بعد التهجد، فنكون بذلك قد أصبنا السنة، والعلم عند الله تعالى.

  • زوجة أخي تخونه

    السلام عليكم، علمت أن زوجت أخي الأكبر تخونه وهو مسافر خارج السودان فماذا علي أن أفعل؟ لدينا دليل بالرسائل فقط وليس لديهم أطفال والزوجة تعتبر من الأهل البعيدين. وجزاكم الله خيرا

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فعليك أولاً التثبت والتأكد قبل إطلاق التهمة، فإن غلب على ظنك أن ثمة سلوكاً مشيناً فعليك بذل النصح لتلك المرأة دون مواجهتها، ويمكن أن يكون ذلك عن طريق وسيط، أو برسالة أو بغير ذلك مما يمكن إيصال النصح به إليها وتذكيرها بأن الواجب على المرأة المسلمة أن تحفظ عهد الله تعالى مع زوجها، ولا تأت بما يشينه مما يجلب عليه أو عليها عاراً أو قالة سوء، وما وقعت فيه هذه المرأة معصية لله تعالى وخيانة لحق الزوجية؛ فالصالحة هي التي تحفظ غيبة زوجها وتقصر طرفها عليه وترضى بما قسم الله لها، وإن كان ثمة تقصير أو قصور فعليها أن تتدارك ذلك بما شرع الله عز وجل من النقاش الهادئ والقول الجميل، أو لربما يصل الأمر إلى الفرقة بوجه ما، إن طلاقاً أو خلعاً لكنها لا تتصل بغيره بدعوى أن ثمة إهمالاً عاطفياً قد وقع من قبل زوجها؛ فما كل البيوت يبنى على الحب، وإنما يتعاشر الناس بالأنساب؛ ولو فتح هذا الباب لقامت علاقات آثمة كثيرة؛ لأن التقصير قد يقع من الزوج أو من الزوجة؛ فعلى هذه المرأة أن تتوب إلى الله تعالى مما جنت، وتطلب من زوجها السماح والصفح، ((والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيما)) وإذا تبين أن هذه المرأة عياذاً بالله مصرة على سوء مسلكها فيمكنكم حينها إخبار زوجها من أجل أن يحتاط لفراشه، والله الموفق والمستعان.

زر الذهاب إلى الأعلى