الفتاوى

  • تدوين السنة

    كيف نرد على من ينكر السنة بدعوى أنها لم تدون إلا بعد مئتي سنة من موت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد

    فمقولة بعضهم من أن السنة لم تدون إلا بعد مائتي سنة من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم هو قول مجاف للحقيقة؛ إذ في الأمر تفصيل يحسن الإحاطة به؛ حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم قد منع من ذلك في بداية الأمر حيث روى أبو سيعد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن، ومن كتب عني شيئاً سوى القرآن فليمحه” رواه مسلم. ثم أباحه بعد ذلك بدليل قصة  أبي شاهٍ اليمني – التي رواها أبو هريرة رضي الله عنه – حين التمس من النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب له شيئاً سمعه في خطبته عام فتح مكة” فقال صلى الله عليه وسلم ” اكتبوا لأبي شاة” متفق عليه، ويدل على أن الكتابة قد حصلت من زمان النبي صلى الله عليه وسلم حديث علي رضي الله عنه في الصحيحين حين سئل: هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء من الوحي؟ فقال: “لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهماً يؤتيه الله رجلاً في كتابه وما في هذه الصحيفة” ثم ذكر أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم مكتوبة فيها. وفي البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: “لم يكن أحد أكثر حديثاً عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب” وفي رواية: “استأذن رسول الله في الكتابة فأذن له” وفي السنن: أن عبد الله بن عمرو قال يا رسول الله: أكتب عنك في الرضا والغضب؟ فقال اكتب فو الذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق” وأشار بيده إلى فيه.

    وليس في ذلك غرابة فإن أموراً أخرى من جنس ذلك قد نهي عنها ثم أبيحت؛ كنهيه صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور ثم ترخيصه فيها، ونهيه عن القراءة في كتب أهل الكتاب ثم إباحته ذلك، فلعل النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك أولاً خشية اختلاط كلامه بالقرآن حين يكون في الصحف؛ ثم إذن حين أمن ذلك. أو لعله أذن في الكتابة عنه لمن خشي عليه النسيان، ونهى عن الكتابة عنه لمن وثق بحفظه مخافة الاتكال على الكتابة، ثم زال الاختلاف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته، ولولا التدوين لدرس في الأعصر الأخيرة.

    وقد كان الصحابة يكتب بعضهم لبعض؛ ففي مسند الإمام أحمد عن أبي عثمان النَّهدي قال: كنا مع عتبة بن فَرقَد فكتب إليه عمر بأشياء يحدثه عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكان فيما كتب إليه أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “لا يَلبَسُ الحريرَ في الدنيا إلا من ليس له في الآخرة منه شيء، إلا هكذا” وقال بإصبعيه السبابة والوسطى. قال أبو عثمان: فرأيت أنها أزرار الطيالسة، وكذلك التابعون لهم بإحسان؛ فهذا عروة بن الزبير ـ رضي الله عنهما ـ ينقل عن خالته السيدة عائشة رضوان الله عليها فتقول له: يا بنيَّ، بلغني أنك تكتب عنِّي الحديث ثم تعود فتكتبه. فقال لها: أسمعه منك على شيء ثم أعود فأسمعه على غيره. فقالت: هل تسمع في المعنى خلافًا؟ قال: لا. قالت: لا بأس بذلك. وهذا عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يرسل إلى أبي بكر بن حزم عامله وقاضيه على المدينة قائلاً: (انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء) وأمره أن يكتب ما عند عمرة بنت عبد الرحمن، والقاسم بن محمد. ورغب إلى محمد بن مسلم الزهري أن يكتب بقية حديث أهل المدينة. بل أرسل إلى ولاة الأمصار كلها وكبار علمائها يطلب منهم مثل هذا، فقد أخرج أبو نعيم في تاريخ أصبهان أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أهل الآفاق (انظروا إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجمعوه)

    يقول الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله تعالى: فلما كان عهد عثمان سُمح للصحابة أن يتفرقوا في الأمصار واحتاج الناس إلى الصحابة، وخاصة صغارهم، بعد أن أخذ الكبار يتناقصون يومًا بعد يوم، فاجتهد صغار الصحابة بجمع الحديث من كبارهم فكانوا يأخذونه عنهم. كما كان يرحل بعضهم إلى بعض من أجل طلب الحديث، فقد أخرج البخاري في الأدب المفرد، وأحمد والطبراني والبيهقي، واللفظ له، عن جابر بن عبد الله قال: بلغني حديث عن رجل من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم أسمعه، فابتَعتُ بعيرًا فشددتُ عليه رَحلي ثم سرت إليه شهرًا حتى قدمت الشام، فإذا هو عبد الله بن أُنيس الأنصاري، فأتيته فقلت له: حديثٌ بلغنى عنك أنك سمعته من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المظالم لم أسمعه، فخشيت أن أموت أو تموت قبل أن أسمعه. فقال: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: “يُحشر الناس غُرْلًا بُهْمًا” قلنا: وما بُهْمٌ؟ قال: “ليس معهم شيء، فيناديهم نداء يَسمعه من بعُد كما يَسمعه من قرُب: أنا الدَّيَّان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحدٌ من أهل الجنة عنده مَظلَمة حتى أقتَصَّها منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحدٌ من أهل النار يطلبه بمَظلَمة حتى أقتَصَّها منه حتى اللطمة. قلنا: كيف وإنما نأتي عُراةً غُرْلًا بُهْمًا؟ قال: “بالحسنات والسيئات”.

    وأخرج البيهقي وابن عبد البر عن عطاء بن أبي رباح أن أبا أيوب الأنصاريَّ رحل إلى عتبة ابن عامر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يبق أحد سمعه منه غيره، فلما قدم إلى منزل مَسلَمة بن مَخلَد الأنصارى، وهو أمير مصر، فخرج إليه فعانقه ثم قال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ قال: حديث سمعته من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ستر المؤمن. فقال: نعم، سمعتُ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: “من ستر مؤمنًا في الدنيا على كُربته ستره الله يوم القيامة” ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته، فركبها راجعًا إلى المدينة، فما أدركته جائزة مَسلَمة إلا بعريش مصر.

    وخلاصة القول أن السنة قد بدأ تدوينها من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم استكمل الصحابة ذلك بعد وفاته، والعلم عند الله تعالى.

  • خصم الدين الهالك من الزكاة

    إذا كان لي دين على شخص ما وحل أجله ولم يسدده وغلب على ظني أنه لن يسدده أبدا فهل يمكن حسابه من الزكاة إذا كان هذا الشخص فقير ومحتاج؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد

    فلا يجوز خصم الدين الهالك من الزكاة؛ لأن في ذلك وقاية لمالك على حساب نصيب الفقراء فيه، والواجب عليك إنظار هذا المدين أو التصدق عليه؛ قال تعالى {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون} والله تعالى أعلم.

  • سداد الدين بعملة أخرى

    سلام عليكم ورحمة الله تعالي وبركاته، أنا مقيم الآن خارج السودان ولقد استدان مني شخص مبلغا من المال، وهو يعمل من ذلك الزمن معي في نفس الشركة قبل 3 سنوات. وهذا الشخص هو الآن في السودان كيف أطالب بهذا المبلغ بالعملة السودانية أم بالعملة الأجنبية (عملة البلد التي استدان منها) علما بان هناك فرق العملة منذ 3 سنوات إلى الآن؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فالواجب على المدين أن يسدد الدين بعين العملة التي أخذها؛ فإن كان قد اقترض منك دولارات أو ريالات أو دراهم فعليه أن يرد عينها سواء زادت قيمتها أو نقصت، ويمكنك  مطالبته بذلك؛ فإن أراد ردها بالعملة المحلية فليكن ذلك بسعر يوم السداد؛ استدلالاً بحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال “كُنْتُ أَبِيعُ الإبل بِالْبَقِيعِ فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ آخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ وَأُعْطِى هَذِهِ مِنْ هَذِهِ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ رُوَيْدَكَ أَسْأَلُكَ إِنِّي أَبِيعُ الإِبِلَ بِالْبَقِيعِ فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ آخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ وَأُعْطِى هَذِهِ مِنْ هَذِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «لاَ بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسَعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيءٌ». رواه أبو داود والنسائي والترمذي. والله تعالى أعلم.

  • الإيمان باليوم الآخر

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كيف يتكون عند الإنسان يقين جازم باليوم الآخر يكون دافعاً له للطاعات رادعاً عن المعاصي مهوناً للمصائب؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد.

    فالإيمان باليوم الآخر سبب لاستقامة العبد على أمر الله عز وجل؛ كما قال سبحانه عن الصلاة {وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون} وقد أشار إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم حين قال “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت” وأما اليقين الجازم فيكون بالإكثار من تلاوة القرآن والنظر في أدلته، ومن ذلك:

    1ـ قياس النشأة الثانية على الأولى كما قال سبحانه {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة} وقال {أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا} وقال {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه}

    2ـ قياس خلق الإنسان على ما هو أعظم {لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون} {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة}

    3ـ النظر في ملكوت الله تعالى كيف يحي الأرض بعد موتها {إن الذي أحياها لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير}

    4ـ التأمل في أموات أحياهم الله كأهل الكهف {وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها} وكذلك طير إبراهيم والذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، والذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله {موتوا ثم أحياهم} وهكذا

    5ـ قياس الموتة الكبرى على الصغرى (النوم) والاستيقاظ منه ينبئ عن البعث الأكبر. والله ولي التوفيق.

  • اسم الله الأعظم

    السلام عليكم، ما المقصود بقوله تعالى “كل عمل ابن ادم له إلا الصوم فهو لي وأنا أجزي به”؟ ما هي الأعمال التي تقرب إلى الله ويحبها عز وجل؟

    ما هو اسم الجلالة الذي إذا سئل به الله سبحانه أجاب؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد

    فالحديث القدسي معناه – والله تعالى أعلم – أن أعمال بني آدم كلها معلومة حسناتها معروف أجرها؛ إلا الصوم فإن الله تعالى قد خص نفسه بعلمه دون سائر خلقه، وذلك لمعنيين: أولهما: أن الصوم سر بين العبد وربه لا يطلع عليه غيره سبحانه، وثانيهما: أن الصوم يقطع عبده عن الشهوات بما لا تفعل سائر العبادات، وأما الأعمال التي يحبها الله عز وجل فيجمعها قوله سبحانه (وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه) فخير ما يتقرب به العبد إلى الله فرائضه ثم النوافل، وما كان نفعه متعدياً فهو أحب إلى الله تعالى مما كان نفعه قاصرا، وأما الاسم الأعظم الذي إذا دعي به جل جلاله أجاب وإذا سئل به أعطى؛ فهو أن تدعوه باسمه: الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، ثم تقول: يا منان يا بديع السموات والأرض يا رحمن الدنيا والآخرة يا حي يا قيوم. فيرجى أن يجيبك ربك سبحانه، والله تعالى أعلم. 

  • قضاء الدين وأداء الزكاة

    شخص عليه ديون، وستحل مواعيد زكاة أمواله في رمضان بمشيئة الله وهو ينوي أن يتصدق بمبالغ مالية خلال شهر رمضان. السؤال: ماهو الترتيب الأفضل فيما يخص سداد الدين وأداء الزكاة والتصدق؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد

    فكلا الأمرين واجب؛ أعني إخراج الزكاة وسداد الدين، فالزكاة حق الله تعالى، وأداء الدين من حقوق الناس، ودين الله أحقُّ أن يُقضى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، اللهم إلا إذا كان الدين حالّا وقد وجب أداؤه، وكان ذلك مستغرقاً للمال كله بحيث لا يبقى منه ما يبلغ نصاباً فعندئذ تقدم قضاء الدين على أداء الزكاة، والله تعالى أعلم

  • حلفت بالطلاق وانا غضبان

    حلفت بالطلاق نسأل الله المغفرة والرحمة .. قبل سنتين في حالة انفعال شديد وغضب على أن لا تدخل زوجتي بيت خالي نسبة لما لاقت من مكروه ومشاكل من زوجة خالي .. والآن خوفا من قطيعة الرحم قررت أن تدخل.. مع العلم بأنني لم أقاطع خالي .. فماذا أفعل .. أفدني أفادك الله.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد

    فإن كانت نيتك من تلك اليمين منع زوجتك من الذهاب إلى بيت خالك فعليك كفارة يمين بعد ذهابها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم “من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه” وإن كانت نيتك طلاقاً فالظاهر أنه لا يقع لكونك – كما ورد في سؤالك – كنت في حال من الغضب والانفعال الشديد، لكن الذي أنصحك به – أخي – أن تنزه لسانك عن اللفظ بالطلاق؛ لأن شأن الزوجية عند الله عظيم، والله الموفق والمستعان.

  • وقَف منزله

    شخص يملك منزلاً، ويريد أن يكون هذا المنزل وقفاً لله تعالى، وليس لديه أبناء، وقد توفي والداه، وليس له زوجة، ولديه إخوان وأخوات؛ فهل يجوز له أن يوقف هذا المنزل لله تعالى في حياته قبل مماته؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالوقف في اصطلاح أهل العلم: هو حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح موجود. انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 44/108 والأصل في مشروعيته حديث ابن عمر في الصحيحين أن عمر رضي الله عنه أصاب أرضاً بخيبر؛ فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ قال {إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها} قال: فتصدق بها عمر أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول، وفي لفظ: غير متأثل مالا.

    وروى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: {إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له} وقال جابر رضي الله عنه {ما أعلم أحداً كان له مال من المهاجرين والأنصار إلا حبس مالاً من صدقة مؤبدة لا تشترى أبداً ولا توهب ولا تورث} قال ابن قدامة رحمه الله تعالى في المغنى 5/599: وهذا إجماع من الصحابة رضوان الله عليهم فإن الذي قدر منهم على الوقف وقف واشتهر ذلك فلم ينكره أحد فكان إجماعا.

    وعليه فلا حرج على هذا الشخص في فعله الذي نواه ما دام قد قصد بذلك القربة والطاعة ورجا ما عند الله من أجر وثواب، ولم تكن متجهة إلى حرمان الورثة من ذلك المنزل، والله تعالى أعلم.

  • أوصى بعدم العفو عن قاتل ابنه

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فإن الله تعالى قد جعل لأولياء الدم الحق في أن يقتصوا أو يعفوا فقال جل من قائل {كتب عليكم القصاص في القتلى} إلى قوله سبحانه {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسـلم أنه قال: «ومن قتل له قتيل فهو بخير النّظرين، إمّا أن يعفو وإمّا أن يقتل» رواه أصحاب السنن إلا ابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

    وقد رغبت الشريعة أولياء الدم في العفو فقال سبحانه {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} ورغَّب في ذلك ربنا جل جلالـه بقوله {فمن تصدق به فهو كفارة له} قال ابن جزي رحمه الله تعالى: فيه تأويلان: أحدهما: من تصدق من أصحاب الحق بالقصاص وعفا عنه، فذلك كفارة له يكفر الله ذنوبه لعفوه وإسقاطه حقه، والثاني: من تصدق وعفا فهو كفارة للقاتل والجارح بعفو الله عنه في ذلك لأن صاحب الحق قد عفا عنه، فالضمير في له على التأويل الأول يعود على التي هي كفاية عن المقتول أو المجروح، أو الولي، وعلى الثاني يعود على القاتل أو الجارح وإن لم يجر له ذكر، ولكن سياق الكلام يقتضيه، والأول أرجح لعود الضمير على مذكور، وهو {من} ومعناها واحد على التأويلين، إلا أن التأويل الأول بيان لأجر من عفا، وترغيب في العفو، والتأويل: بيان لسقوط الإثم عن القاتل أو الجارح إذا عُفي عنه.ا.هــــ

    وقال ابن عاشور رحمه الله تعالى: وَقَوْلُهُ: فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ هُوَ مِنْ بَقِيَّةِ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَالْمُرَاد ب فَمَنْ تَصَدَّقَ مَنْ تَصَدَّقَ مِنْهُمْ، وَضَمِيرُ بِهِ عَائِدٌ إِلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ بَاءُ الْعِوَضِ فِي قَوْلِهِ بِالنَّفْسِ إِلَخْ، أَيْ مَنْ تَصَدَّقَ بِالْحَقِّ الَّذِي لَهُ، أَيْ تَنَازَلَ عَنِ الْعِوَضِ. وَضَمِيرُ لَهُ عَائِد إِلَى فَمَنْ تَصَدَّقَ. وَالْمُرَادُ مِنَ التَّصَدُّقِ الْعَفْوُ، لِأَنَّ الْعَفْوَ لَمَّا كَانَ عَنْ حَقٍّ ثَابِتٍ بِيَدِ مُسْتَحِقِّ الْأَخْذِ بِالْقِصَاصِ جُعِلَ إِسْقَاطُهُ كَالْعَطِيَّةِ لِيُشِيرَ إِلَى فَرْطِ ثَوَابِهِ، وَبِذَلِكَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَعْنَى كَفَّارَةٌ لَهُ أَنَّهُ يُكَفِّرُ عَنْهُ ذُنُوبًا عَظِيمَةً، لِأَجْلِ مَا فِي هَذَا الْعَفْوِ مِنْ جَلْبِ الْقُلُوبِ وَإِزَالَةِ الْإِحَنِ وَاسْتِبْقَاءِ نُفُوسِ وَأَعْضَاءِ الْأُمَّةِ.ا.هـــــ

    وقال ابن عطية رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: {فمن تصدق به فهو كفارة له} يحتمل ثلاثة معان، أحدها أن تكون {فمن} للمجروح أو ولي القتيل. ويعود الضمير في قوله: {له} عليه أيضاً ، ويكون المعنى أن من تصدق بجرحه أو دم وليه فعفا عن حقه في ذلك فإن ذلك العفو كفارة له عن ذنوبه ويعظم الله أجره بذلك ويكفر عنه، وقال بهذا التأويل عبد الله بن عمر وجابر بن زيد وأبو الدرداء وذكر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيهبه إلا رفعه الله بذلك درجة وحط عنه خطيئة) وذكر مكي حديثاً من طريق الشعبي أنه يحط من ذنوبه بقدر ما عفا من الدية والله أعلم. وقال به أيضاً قتادة والحسن ، والمعنى الثاني أن تكون {فمن} للجروح أو ولي القتيل، والضمير في {له} يعود على الجارح أو القاتل إذا تصدق المجروح أو على الجارح بجرحه وصح عنه: فذلك العفو كفارة للجارح عن ذلك الذنب، فكما أن القصاص كفارة فكذلك العفو كفارة، وأما أجر العافي فعلى الله تعالى، وعاد الضمير على من لم يتقدم له ذكر لأن المعنى يقتضيه، قال بهذا التأويل ابن عباس وأبو إسحاق السبيعي ومجاهد وإبراهيم وعامر الشعبي وزيد بن أسلم، والمعنى الثالث أن تكون للجارح أو القاتل والضمير في {له} يعود عليه أيضاً، والمعنى إذا جنى جان فجهل وخفي أمره فتصدق هو بأن عرف بذلك ومكن الحق من نفسه فذلك الفعل كفارة لذنبه، وذهب القائلون بهذا التأويل إلى الاحتجاج بأن مجاهداً قال إذا أصاب رجل رجلاً ولم يعلم المصاب من أصابه فاعترف له المصيب فهو كفارة للمصيب، وروي أن عروة بن الزبير أصاب عين إنسان عند الركن وهم يستلمون فلم يدر المصاب من أصابه فقال له عروة أنا أصبتك وأنا عروة بن الزبير. فإن كان بعينك بأس فإنها بها.

    قال القاضي أبو محمد: وانظر أن {تصدق} على هذا التأويل يحتمل أن يكون من الصدقة ومن الصدق، وذكر مكي بن أبي طالب وغيره أن قوماً تأولوا الآية أن المعنى {والجروح قصاص} فمن أعطى دية الجرح وتصدق بذلك فهو كفارة له إذا رضيت منه وقبلت. قال القاضي أبو محمد: وهذا تأويل قلق.ا.هــــــ

    والنصوص الحاثة على العفو كثيرة كقوله تعالى {فمن عفا وأصلح فأجره على الله} وقوله تعالى {وليعفوا وليصفحوا} وقوله سبحانه وتعالى {وأن تعفوا أقرب للتقوى} وقوله جل جلالـه {وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وقوله تعالى {وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}

    وقد ثبتت الأحاديث الكثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسـلم مرغِّبةً في العفو حاثة عليه؛ كقوله عليه الصلاة والسلام (ما ظلم عبد مظلمة فعفا إلا زاده الله بها عزا) وقوله صلى الله عليه وسـلم (من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور العين شاء) وفي الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه أنّ الرّبيّع- وهي ابنة النّضر- كسرت ثنيّة جارية فطلبوا الأرش، وطلبوا العفو فأبوا، فأتوا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأمرهم بالقصاص. فقال أنس بن النّضر: أتكسر ثنيّة الرّبيّع يا رسول الله؟ لا والّذي بعثك بالحقّ لا تكسر ثنيّتها!! فقال: «يا أنس، كتاب الله القصاص» فرضي القوم وعفوا، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرّه»

    وعليه فإن هذه الوصية من الوالد ليست بملزمة لأوليائه بعد موته؛ بل هم بخير النظرين إن شاءوا اقتصوا وإن شاءوا عفوا؛ لأن قضاء الله أسبق وشرط الله أوثق، ورضا الله جل جلاله قبل رضا الوالد، والله تعالى أعلم

  • وصول ثواب القرآن للميت

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    ففي وصول ثواب قراءة القرآن إلى الميت خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى؛ حيث ذهب بعضهم ـ وهم أحمد بن حنبل وكثير من أصحاب مالك والشافعي ـ إلى وصولها، ونسب ذلك السيوطي للأئمة الثلاثة ـ أبي حنيفة ومالك وأحمد ـ حيث قال: الأئمة الثلاثة على وصول ثواب القراءة للميت، ومذهبنا خلافه لقوله تعالى )وأن ليس للإنسان إلا ما سعى( انظر: الإتقان 1/132، وقد استدلوا على ما ذهبوا إليه بأدلة منها:

    أولاً: قياساً على ما ثبت نصاً كالحج والعمرة والدعاء، حيث وردت الأحاديث الصحيحة بجواز إهداء ثواب بعض الأعمال كالحج، والصدقة والصوم إلى الميت، ولم تذكر هذه الأحاديث كل الأعمال، فألحقوا ما لم يُذكر بما ذُكر وهذا من باب إلحاق النظير بنظيره لوضوح علته، وهو أن من ملك شيئاً جاز له إهداؤه، فقالوا: يجوز أن يهدي القارئ ثواب قراءته رجاء قبولها للميت المسلم، وهذا نوع من الاستنباط الذي جرى عليه العلماء، منهم العلامة ابن القيم في كتاب الروح.

    ثانياً: بما ورد في حديث عائشة رضي الله عنها قالت {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوّذ نفسه بالمعوذات؛ فلما ثقل به المرض كنت أنا أُعوذه بهما وأضَع يده على جسده رجاء بركتها} قال السيوطي رحمه الله تعالى: فهل قراءة المعوذتين إلا نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان يفعله بنفسه؟ فإذا صحت النيابة في التعوذ والتبرك بالقرآن فلماذا لا تصح في ثواب القراءة؟

    ثالثاً: أن الأمر لا يعدو كونه دعاء، وذلك أن القارئ يقرأ ثم يدعو الله بأن يجعل ثواب ما قرأ لفلان من الناس. قَالَ ابن الحاج المالكي رحمه الله تعالى فِي الْمَدْخَلِ: مَنْ أَرَادَ وُصُولَ ثَوَابِ الْقِرَاءَةِ بِلَا نِزَاعٍ فَلْيَجْعَلْ ذَلِكَ دُعَاءً بِأَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ صِلْ ثَوَابَ ذَلِكَ. انظر: شرح مختصر خليل للخرشي (ج 5/ص468) قال النفراوي رحمه الله تعالى: وَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ لِلْمَيِّتِ ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ وَلِلْقَارِئِ ثَوَابُ الدُّعَاءِ. انظر: الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني  (ج 3/ ص283)

    رابعاً: قياساً على انتفاع الحي بالقرآن، قال السبكي رحمه الله تعالى: الذي دلَّ عليه الخبر بالاستنباط أن بعض القرآن إذا قصد به نفع الميت وتخفيف ما هو فيه، نفعه، إذ ثبت أن الفاتحة لما قصد بها القارئ نفع الملدوغ نفعته، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: وما يدريك أنها رقية؟ وإذا نفعت الحي بالقصد كان نفع الميت بها أولى ا.هــ. انظر: إعانة الطالبين (ج 3/ ص258) ورُدَّ عليه بأن الكلام ليس في مطلق النفع، بل في حصول ثوابها له، وهذا لا يدل عليه حديث الملدوغ.

    خامساً: الاستدلال بعمل المسلمين في سائر الأمصار من غير نكير. ففي المغني لابن قدامة المقدسي: قال أحمد بن حنبل: الميت يصل إليه كل شيء من الخير، للنصوص الواردة فيه، و لأن المسلمين يجتمعون في كل مصر، و يقرؤون، و يُهدون لموتاهم من غير نكير، فكان إجماعاً. ا.هـ .

    سادساً: أن من عمل عملاً ملك ثوابه ومن ملك شيئا فله أن يهبه ما لم يقم بالموهوب له مانع من الانتفاع بالثواب ولا يمنع منه إلا الكفر والموت ليس بمانع بدليل وصول الدعاء

    وهذا هو مذهب الحنفية والحنابلة وبعض متأخري المالكية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما، وهو اختيار المحب الطبري وابن الصلاح والنووي من الشافعية، وقد أفتى به من المتأخرين العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمهم الله جميعاً

    وها هنا لا بد من التنبيه إلى أن الرواية عن مالك رحمه الله تعالى في هذه المسألة مختلفة؛ قال العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى: وحكى ابن الفرس عن مذهب مالك أن من قرأ ووهب ثواب قراءته لميت جاز ذلك ووصل للميت أجرُه ونفعُه. فما ينسب إلى مالك من عدم جواز إهداء ثواب القراءة في كتب المخالفين غير محرر. انظر: التحرير والتنوير 14/199

    وذهب آخرون ـ وعلى رأسهم الإمام الشافعي ـ إلى عدم وصول ثوابها، واستدلوا على ذلك بما يلي:

    أولاً: قوله تعالى )وأن ليس للإنسان إلا ما سعى( حيث إن دلالة الآية ظاهرة في أن الإنسان لا ينتفع إلا بسعي نفسه ما تسبب به في حياته.

    ورد عليه بأن ظاهر الآية لا يدل على أن الميت لا ينتفع بالثواب؛ فإن الله تعالى قال )ليس للإنسان إلا ما سعى( وهذا حق، فإنه إنما يستحق سعيه، فهو الذي يملكه، كما أنه لا يملك من المكاسب إلا ما اكتسبه هو، وأما سعي غيره فهو حق وملك لذلك الغير لا له، ولهذا الغير أن يهدي سعيه لمن شاء. فإنه ليس كل ما ينتفع به الحي أو الميت من سعيه، بل قد يكون من سعيه فيستحقه لأنه من كسبه، وقد يكون من سعي غيره فينتفع به بإذن صاحبه، كالدين الذي يوفيه الإنسان عن غيره فتبرأ ذمته. قال الشيخ تقى الدين أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع، وذلك باطل من وجوه كثيرة:

    أحدها: أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره، وهو انتفاع بعمل الغير. ثانيها: أن النبي e يشفع لأهل الموقف في الحساب؛ ثم لأهل الجنة في دخولها. ثالثها: أنه e يشفع لأهل الكبائر في الخروج من النار، وهذا انتفاع بسعي الغير. رابعها: أن الملائكة يستغفرون ويدعون لمن في الأرض، وذلك منفعة بعمل الغير. خامسها: أن الله تعالى يخرج من النار من لم يعمل خيراً قط – أي من المؤمنين – بمحض رحمته، وهذا انتفاع بغير عملهم. سادسها: أن أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم، وذلك انتفاع بمحض عمل الغير. سابعها: قال الله تعالى في قصة الغلامين اليتيمين )وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً( فانتفعا بصلاح أبيهما، وليس من سعيهما. ثامنها: أن الميت ينتفع بالصدقة عنه، وبالعتق، بنص السنة والإجماع، وهو من عمل الغير. تاسعها: أن الحج المفروض يسقط عن الميت، بحج وليه بنص السنة، وهو انتفاع بعمل الغير. حادي عشر: المدين قد امتنع e من الصلاة عليه حتى قضى دينه أبو قتادة،  وقضى دين الآخر على بن أبى طالب، وانتفع بصلاة النبي e وهو من عمل الغير. ثاني عشر: أن النبي e قال لمن صلى وحده {ألا رجل يتصدق على هذا فيصلى معه} فقد حصل له فضل الجماعة بفعل  الغير. ثالث عشر: أن الإنسان تبرأ ذمته من ديون الغير، إذا قضاها عنه قاض، وذلك انتفاع بعمل الغير. رابع عشر: أن من عليه تبعات ومظالم، إذا حلل منها سقطت عنه، وهذا انتفاع بعمل الغير. خامس عشر: أن الجار الصالح ينفع في المحيا وفى الممات – كما جاء في الأثر – وهذا انتفاع بعمل الغير. سادس عشر: أن جليس أهل الذكر يُرحم بهم، وهو لم يكن معهم، ولم يجلس لذلك بل لحاجة عرضت له، والأعمال بالنيات، فقد انتفع بعمل غيره. سابع عشر: الصلاة على الميت، والدعاء له في الصلاة، انتفاع للميت بصلاة الحي عليه وهو عمل غيره. ثامن عشر: أن الجمعة تحصل باجتماع العدد، وكذا الجماعة بكثرة العدد وهو انتفاع للبعض بالبعض. تاسع عشر: أن الله تعالى قال لنبيه )وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ( وقال تعالى )وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ..( فقد رفع الله تعالى العذاب عن بعض الناس بسبب بعض، وذلك انتفاع بعمل الغير. تمام العشرين: أن صدقة الفطر تجب على الصغير وغيره ممن يمونه الرجل، فإنه ينتفع بذلك من يُخرِج عنه، ولا سعى له فيها.

    ثم قال رحمه الله: ومن تأمل العلم وجد انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى، فكيف يجوز أن تتأول الآية الكريمة، على خلاف صريح الكتاب والسنة، وإجماع الأمة.ا.هـ

    ثانياً: أن ذلك لم ينقل من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولا من فعل خلفائه الراشدين ولا أصحابه الطيبين رضوان الله عليهم والخير كل الخير في اتباعهم. قال الإمام ابن كثير – رحمه الله – في “تفسيره” (4/401) معللاً سبب المنع من وصول ثواب القراءة “إنه ليس من عملهم، ولا كسبهم، ولهذا لم يندُب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته، ولا حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم ولو كان خيراً؛ لسبقونا إليه. وباب القربات يُقتصر فيه على النصوص، ولا يُتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء”

    وقد أطال الإمام ابن القيم رحمه الله النفس في الرد على هذا فقال: فإن قيل فرسول الله صلى الله عليه وسلم أرشدهم إلى الصوم والصدقة والحج دون القراءة!! قيل: هو لم يبتدئهم بذلك، بل خرج ذلك منه مخرج الجواب لهم، فهذا سأله عن الحج عن ميته فإذن له، وهذا سأله عن الصيام عنه فإذن له، وهذا سأله عن الصدقة فإذن له ولم يمنعهم مما سوى ذلك، وأي فرق بين وصول ثواب الصوم الذي هو مجرد نية وإمساك بين وصول ثواب القراءة والذكر؟ فإن قيل: فهذا لم يكن معروفاً في السلف ولا يمكن نقله عن واحد منهم مع شدة حرصهم على الخير ولا أرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم وقد أرشدهم إلى الدعاء والاستغفار والصدقة والحج والصيام فلو كان ثواب القراءة يصل لأرشدهم إليه ولكانوا يفعلونه!!

     فالجواب أن مُورد هذا السؤال إن كان معترفاً بوصول ثواب الحج والصيام والدعاء والاستغفار، قيل له: ما هذه الخاصية التي منعت وصول ثواب القرآن واقتضت وصول ثواب هذه الأعمال؟ وهل هذا إلا تفريق بين المتماثلات؟ وإن لم يعترف بوصول تلك الأشياء إلى الميت فهو محجوج بالكتاب والسنة والإجماع وقواعد الشرع… ثم قال:  وأما السبب الذي لأجله لم يظهر ذلك في السلف فهو أنهم لم يكن لهم أوقاف على من يقرأ ويهدي إلى الموتى، ولا كانوا يعرفون ذلك البتة، ولا كانوا يقصدون القبر للقراءة عنده كما يفعله الناس اليوم، ولا كان أحدهم يُشهد من حضره من الناس على أن ثواب هذه القراءة لفلان الميت، ثم يقال لهذا القائل: لو كُلِّفت أن تنقل عن واحد من السلف أنه قال: اللهم اجعل ثواب هذا الصوم لفلان، لعجزت فإن القوم كانوا أحرص شيء على كتمان أعمال البر فلم يكونوا ليشهدوا على الله بإيصال ثوابها إلى أمواتهم. انظر: الروح/143 وقال في موضع آخر: والقائل إن أحداً من السلف لم يفعل ذلك قائل مالا علم له به؛ فإن هذه شهادة على نفي ما لم يعلمه؛ فما يدريه أن السلف كانوا يفعلون ذلك ولا يُشهدون من حضرهم عليه؛ بل يكفي اطلاع علام الغيوب على نياتهم ومقاصدهم لا سيما والتلفظ بنية الإهداء لا يشترط كما تقدم.ا.هــ

    ثالثاً: قوله صلى الله عليه وسلم {إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له}

    ورُدَّ عليه بأن ذكر الولد ودعائه له خاصان، لأن الولد من كسبه كما قال تعالى )ما أغنى عنه ما له وما كسب( فقد فسر الكسب هنا بالولد، ويؤيد هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم {إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه} رواه أصحاب السنن. فلما كان الأب هو الساعي في وجود الولد كان عمل الولد من كسب أبيه، بخلاف الأخ والعم والأب ونحوهم فإنه ينتفع بدعائهم بل بدعاء الأجانب، لكن ليس ذلك من عمله. والنبي صلى الله عليه وسلم قال {انقطع عمله إلا من ثلاث..} ولم يقل أنه لا ينتفع بعمل غيره، فإذا دعا له ولده كان هذا من عمله الذي لم ينقطع وإن دعا له غيره لم يكن من عمل الوالد ولكنه ينتفع به

    ومن هنا يعلم أن في المسألة خلافاً قوياً بين أهل العلم، وأن الذي عليه جمهورهم هو القول بوصول ثواب القراءة للميت؛ وعليه فما ينبغي النكير على من فعله ولا على من أفتى به؛ بل لعل هذا هو الراجح والله أعلم.

    وأما عمل الختمة بما جرت عليه عادة الناس اليوم من اجتماعهم في بيت الميت، وإمساك كل واحد بجزء من القرآن يقرأ سراً، ويعتبرون ذلك ختمة للميت مع ما يتبع ذلك من صناعة الطعام؛ فإنه بدعة محدثة اشتملت على عدة محاذير منها:

    1. أنه لم يكن من فعل السلف رحمهم الله أنهم يجتمعون في بيت الميت على هذه الصفة، ولو كان لنقل
    2. أن الاجتماع في بيت الميت معدود في النياحة المنهي عنها؛ كما في حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه {كنا نعد الاجتماع في بيت الميت وصناعة الطعام من النياحة} رواه أحمد وابن ماجه
    3. أن هذا العمل لا يخلو من رياء ومجاملة، ومعلوم أن شرط القربة ـ لتقع من الله بموقع القبول ـ أن يبتغى بها وجه الله
    4. ما يقع من التكلف من قبل أهل الميت في صناعة الطعام وإثقال كاهلهم بتلك المصاريف الباهظة واعتقاد ذلك كله سُنَّةً

    وأما قراءة سورة الإخلاص بعدد معين بصوت جماعي ـ كالذي يحصل من بعض الناس في المقابر ـ فلم يكن عليه هدي سلفنا، ولم يثبت في ذلك حديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم، وعمدتهم حديث {من مر بالمقابر فقرأ {قل هو الله أحد} إحدى عشرة مرة ، ثم وهب أجره للأموات، أعطي من الأجر بعدد الأموات} قال الألباني رحمه الله في السلسلة الضعيفة 3/292: موضوع، أخرجه أبو محمد الخلال في “فضائل الإخلاص” (ق 201/2) والديلمي في “مسند الفردوس ” عن عبد الله بن أحمد بن عامر : حدثنا أبي : حدثنا علي بن موسى عن أبي موسى بن جعفر بن محمد عن أبيه عن أبيه محمد بن علي عن أبيه عن أبيه الحسين عن أبيه علي مرفوعا. إلى أن قال: وهو موضوع بشهادة الحافظين السيوطي والسخاوي؛ ذكره السيوطي في “ذيل الأحاديث الموضوعة” وكذلك الحافظ السخاوي في “الفتاوى الحديثية”

زر الذهاب إلى الأعلى