الفتاوى

  • إعادة تدوير كتب منهج التربية الإسلامية

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فهذه الكتب كما ورد في السؤال قد انتفت الغاية التي من أجلها طبعت، حيث غيرت المناهج، وهذه الكتب تحوي نصوصاً محترمة من الآيات قرآنية والأحاديث النبوية، وهي في المخازن منذ أمد بعيد، ومالكوها ينوون الدفع بها إلى من يعملون في تصنيع الأوراق ومشتقاتها ليعيدوها خاماً كما كانت ويستفاد منها في ضروب أخرى، وجواباً على ذلك أقول:

    أولاً: تعظيم شعائر الله تعالى مما اتفق عليه المسلمون؛ عملاً بقول ربنا سبحانه ((ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)) ومن أجل هذه الشعائر كلام الله عز وجل وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم؛ فلا يجوز تعريضهما للامتهان ولا التحقير ولا الأذى، بل الواجب التعامل معهما بالصيانة والحفظ والإجلال، وهذا قدر لا خلاف عليه بين المسلمين

    ثانياً: هذه الكتب التي تحوي نصوصاً مقدسة، إما أن نقول بإحراقها، وفي ذلك تضييع للمال وإفساد له ((والله لا يحب الفساد)) وإما أن تبقى مخزَّنة مما يضر بأهلها من حيث شغل تلك المخازن بها، وتفويت فرص الانتفاع بتلك الأوراق حالاً، وإما أن نقول بجواز إعادة فرمها وتأهيلها ليستفاد منها في أعمال أخرى نافعة بشروط خلاصتها:

    • أن تتخذ كافة أسباب الحياطة؛ لئلا يتسرب من تلك الأوراق شيء بحيث يلقى في المزابل أو تدوسه الأقدام
    • أن تكون عملية الفرم والتأهيل في مكان مغلق بحيث نضمن ألا يتسرب منها شيء
    • أن تكون إعادة التأهيل مشروطة بأن تطبع عليها مواد نافعة لا مواد محرمة شرعاً أو ضارة بالأخلاق أو الآداب
    • أن يجتنب تأهيلها بحيث تستعمل كأوراق تواليت أو مناديل ورقية، ونحو ذلك من الأغراض التي يراد بها إزالة الأدناس والأرجاس، والله تعالى أعلم.
  • صلاة النساء أمام الإمام

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فإن النظر في هذه المسألة يتعلق به أمور ثلاثة:

    أولها: حكم الائتمام بمن يفصله عن المأموم فاصل

    ثانيها: حكم الصلاة أمام الإمام

    ثالثها: حكم صلاة النساء أمام الرجال

    وفي حكم المسألة الأولى أعني وجود فاصل بين الإمام والمأموم وهو شارع بمساحة خمسة أمتار؛ فلا حرج فيه ما دام أولئك النسوة يسمعن صوت الإمام ويستطعن متابعته في أفعال الصلاة؛ وقد نص علماؤنا المالكية على جواز ذلك؛ قال الشيخ عليش رحمه الله تعالى في منح الجليل: وجاز فصل مأموم عن إمامه بنهر صغير أي غير مانع من سماع أقوال الإمام أو مأموميه أو رؤية أفعاله أو أفعال مأموميه… أو طريق صغير كذلك، اللخمي: يجوز لأهل الأسواق أن يصلوا جماعة، وإن فرقت الطريق بينهم وبين إمامهم. 1/375

    وفي حكم المسألة الثانية أعني صلاة المأموم أمام الإمام؛ فقد نص أهل العلم على المنع من ذلك وأنه معدود في مكروهات الجماعة؛ إلا لضرورة كازدحام أو ضيق مكان؛ فإنه يجوز من غير كراهة؛ جاء في الشرح الكبير: (و) كرهت للجماعة (صلاة بين الأساطين) أي الأعمدة (أو) صلاة (أمام) أي قدام (الإمام) أو بمحاذاته (بلا ضرورة). وقال الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير: قوله: أو أمام الإمام، أي ولو تقدم الجميع؛ لأن مخالفة الرتبة لا تفسد الصلاة كما لو وقف على يسار الإمام، فإن صلاة المأموم لا تبطل.

    وعند غير المالكية كذلك؛ قال أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى مبيِّناً أن في حكم صلاة المأموم قدام إمامه ثلاثة أقوال للعلماء هي: الصحة مطلقا، وعدم الصحة مطلقا، وصحتها مع العذر وعدم صحتها مع غيره، قال: وهذا قول طائفة من العلماء وهو قول في مذهب الإمام أحمد وغيره، وهو أعدل الأقوال وأصحها، وذلك لأن ترك التقدم على الإمام غايته أن يكون واجباً من واجبات الصلاة في الجماعة، والواجبات كلها تسقط بالعذر.ا.هــــــ

    وفي حكم المسألة الثالثة أعني صلاة النساء أمام الرجال؛ فقد نص أهل العلم على منع المرأة من الصلاة وسط الرجال أو أمامهم لما في ذلك من الفتنة، ومن تفعل ذلك فهي من شرار النساء؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها} لكن مع العذر تصح الصلاة؛ قال صاحب كفاية الطالب الرباني من المالكية: إلا أن المرأة إذا تقدمت إلى مرتبة الرجل أو أمام الإمام فكالرجل يتقدم، فيكره له ذلك من غير عذر، ولا تفسد صلاته ولا صلاة من معه.ا.هـــــ

  • صلاة الجنازة في المقابر

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فصلاة الجنازة من فروض الكفايات، وفيها من الأجر العظيم ما لا يقدره إلا الله، وقد ثبت في السنة عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال “مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَها حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ” قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: “مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ” رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، زاد مسلم: قَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّى عَلَيْهَا ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَلَمَّا بَلَغَهُ حَدِيثُ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ لَقَدْ ضَيَّعْنَا قَرَارِيطَ كَثِيرَةً.

    وصلاة الجنازة على مسافة من المقابر لا حرج فيها إن شاء الله، وإنما الخلاف بين أهل العلم في الصلاة على الجنازة وسط المقابر؛ حيث أجازها بعضهم – وهم الحنفية والإمام أحمد في رواية – استدلالاً بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر المرأة التي كانت تقم المسجد بعدما دفنت؛  فعن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ – أَوْ شَابًّا – فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَسَأَلَ عَنْهَا – أَوْ عَنْهُ – فَقَالُوا مَاتَ. قَالَ «أَفَلاَ كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِى». قَالَ فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا – أَوْ أَمْرَهُ – فَقَالَ «دُلُّونِى عَلَى قَبْرِهِ». فَدَلُّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَ «إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلاَتِى عَلَيْهِمْ». قال القرطبي رحمه الله تعالى في المفهم: قلت: قال بعض مَن لم يُجِز الصلاة على القبر: إنّ القبرَ الرَّطْبَ الذي في حديث ابن عباس، يحتمل أن يكون قبر السوداء التي كانت تقمّ المسجد، وكانت صلاتُه عليه خاصةٌ به؛ لأنه قد قال: “إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإنّ الله ينوّرها بصلاتي عليهم”، فقد علم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وغيره لا يعلم ذلك، فكان ذلك خصوصًا به. قال: وهذا ليس بشيء؛ لثلاثة أوجه:

    أحدها: أنّا وإن لم نعلم ذلك، لكنّا نظنّه، ونرجو فضل الله سبحانه، ودعاء المسلمين لمن صلّوا عليه.

    وثانيها: أنه صلى الله عليه وسلم قد قال: “من صلّى عليه مائة، أو أربعون من المسلمين، شفعوا فيه”، فقد أعلمنا أنّ ذلك يكون من غيره.

    وثالثها: أنه كان يلزم منه ألا يصلّى على ميِّتٍ بعد النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لإمكان الخصوصية فيمن صلّى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا باطل.

    وأشبه ما قيل في حديث السوداء: أنّه صلى الله عليه وسلم صلَّى على قبرها؛ لأنه لم يصلِّ عليها صلاةً جائزة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو الإمام ولم يستخلف، بل قد روي أنه صلى الله عليه وسلم أمَرهم أن يُعلِموه بموتها، فلم يُعلِموه بذلك؛ كراهية أن يشقّوا عليه.ا.هـــــ

    واستدلالاً بفعل السلف رضوان الله عليهم؛ قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: ذكر نافع أنه صلي على عائشة وأم سلمة وسط قبور البقيع، صلى على عائشة أبو هريرة، وحضر ذلك ابن عمر، وفعل ذلك عمر بن عبد العزيز.

    وذهب بعض أهل العلم – منهم الشافعي وأحمد في رواية – إلى كراهة الصلاة على الجنازة وسط المقابر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم “الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام” رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي. وفي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال “اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورا” قال ابن حجر رحمه الله تعالى: نقل ابن المنذر عن أكثر أهل العلم أنهم استدلوا بهذا الحديث على أن المقبرة ليست بموضوع للصلاة.ا.هــــ

    وخلاصة الكلام أنه لا حرج عليكم في الصلاة على الجنازة على مسافة من المقابر أو في الساحة الملحقة بها، والعلم عند الله تعالى.

  • صالة أفراح على أرض وقف

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالأصول التي يُبنى عليها الجواب عن هذا الاستفتاء هي:

    أولاً: قوله تعالى {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}

    ثانياً: قوله صلى الله عليه وسلم “إن الله تعالى إذا حرم شيئاً حرم ثمنه” رواه ابن حبان والدارقطني من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وقد صححه الألباني والأرناؤوط

    ثالثاً: القاعدة الفقهية بأن العبرة للأعم الأغلب لا للشاذ النادر

    إذا تبين هذا يكون الجواب عن جملة من الأسئلة محدداً للفتوى:

    أولاً: ما هي طبيعة عمل تلك الصالة؟

    ثانياً: هل تمارس أنشطة مباحة أم محرمة؟

    ثالثاً: ما الذي يغلب على أعمال تلك الصالة من حيث الحل والحرمة؟

    ومبلغ العلم – بحسب الواقع المشهود – أن عمل تلك الصالات قائم على تأجيرها من جماعات من الناس لمقاصد مختلفة؛ فمنهم من يستأجرها لمناسبات الأعراس، ومنهم من يستأجرها لعقد مؤتمرات أو اجتماعات لأغراض مختلفة سياسية واجتماعية وفنية – كحفلات التخريج – وأغلب هذه الأنشطة لا تخلو من أمور محرمة تتمثل في:

    أولاً: الاختلاط المشين بين الرجال والنساء بغير ضوابط شرعية ولا آداب مرعية

    ثانياً: ما يكون فيها أحياناً كثيرة من رقص مختلط لا يقره الشرع

    ثالثاً: ما يحصل فيها من غناء ماجن وما يصحبه من موسيقى مزعجة

    رابعاً: ما يكون من تأجيرها أحياناً لبعض الجهات التي تحمل أفكاراً مخالفة للدين، كالأحزاب الداعية للأفكار الإلحادية والعلمانية

    خامساً: قد تؤجر لبعض المنظمات والجمعيات العاملة على تدمير المجتمع وتعريته من الفضائل والمكارم

    عليه: فإن المطلوب أولاً الاستيثاق من أن بناء تلك الصالة كان وفق شرط الواقف؛ لأن شرطه كنص الشارع لا يجوز إهماله ولا تجاوزه، فإذا كان موافقاً لشرطه فلا بد من قصر أنشطتها على المباح دون الممنوع؛ استصحاباً للأدلة التي سبق إيرادها، أما إذا كانت مبنية بالمخالفة لشرط الواقف فلا بد حينئذ من تحويل نشاطها إلى ما يحقق شرطه ويفي بالغرض الذي من أجله حصل الوقف، والعلم عند الله تعالى.

  • حكم شرب ماء المحاية بغرض الإستشفاء

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فمما لا شك فيه أن الله تعالى جعل في القرآن الكريم شفاء وهدى ورحمة؛ كما قال سبحانه )وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين( وقال سبحانه )قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء( وقال سبحانه )يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين( وما زال المسلمون قديماً وحديثاً يستشفون بالقرآن ويرجون بركته في إذهاب الأمراض حسية بدنية – كالصداع ووجع البطن – ومعنوية قلبية – كالشك والوسواس والحقد وما أشبه ذلك

    ومن صور الاستشفاء بالقرآن أن يكتب بشيء طاهر – كالزعفران ونحوه – على شيء نظيف – كصحن أو قرطاس – ثم يغسل بالماء، وتُشرب تلك الغسالة؛ وهو ما يسميه علماؤنا بالمحو، ويسميه الناس – بلسانهم – المحاية، وقد فعله كثير من السلف والخلف، وهو داخل في عموم الرقية التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم {لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا} قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد (4/156): ورأى جماعة من السلف أن تكتب له الآيات من القرآن ثم يشربها. قال مجاهد: لا بأس أن يُكتب القرآن ويغسله ويسقيه المريض، ومثله عن أبي قلابة، ويُذكر عن ابن عباس: أنه أمر أن يكتب لامرأة تعسر عليها ولدها أثر من القرآن ثم يغسل وتسقى. وقال أيوب: رأيت أبا قلابة كتب كتاباً من القرآن ثم غسله بماء وسقاه رجلاً كان به وجع.ا.ه

    وقال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره (الجامع لأحكام القرآن) (16/222): وقال ابن عباس: إذا عسر على المرأة ولدها تكتب هاتين الآيتين والكلمتين في صحيفة ثم تغسل وتسقى منها، وهي: {بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله العظيم الحليم الكريم، سبحان الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم” )كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها( )كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون(

    فلا حرج في كتابة القرآن وشرب غسالته شريطة أن تكون المادة التي يكتب بها غير سامة ولا ضارة؛ ومتى ما ثبت ضررها حرم استعمالها؛ لأن التحريم يدور مع الضرر؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {لا ضرر ولا ضرار}

    والواجب أن تكون هذه الغسالة في مكان نظيف لا في حوض متسخ؛ لأن القرآن الكريم من أجلِّ الشعائر التي أمرنا بتعظيمها؛ قال تعالى )ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب( وقال سبحانه )ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه( والعلم عند الله تعالى.

  • معصية كبيرة لا يستطيع تركها

    شخص لديه معصية كبيرة وهو مصر عليها، ويجاهد نفسه في تركها ولا يستطيع، رغم ذلك يقوم بأداء كل الفرائض الإسلامية من صلاة وصيام وزكاة ونوافل؛ فما هو حكم ذلك شرعا؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالشخص المذكور ممن قال الله فيهم )وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم( وعدل ربنا سبحانه قد اقتضى أن الإنسان مجزي بالصالح والسيئ من عمله؛ قال سبحانه )من يعمل سوء يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيرا ^ ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا( وقال سبحانه )فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ^ ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره(

    والذي ينبغي أن ينصح به هذا الشخص جملة أمور:

    أولها: أن يواصل في أعماله الصالحة التي اعتادها مفروضة ومسنونة؛ فإن الحساب يوم القيامة إنما هو بالحسنات والسيئات

    ثانيها: ألا ييأس من رحمة الله سبحانه؛ فإنه جل جلاله )غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى(

    ثالثها: ألا يأمن مكر الله عز وجل ويتمادى في ذنبه اعتماداً على عمله الصالح؛ فإنه لا يدري متى يفجؤه الموت، وعليه أن يعلم أن للمعصية سواداً في القلب وظلمة في الوجه وضيقاً في الرزق وبغضاً في قلوب الخلق؛ كما قال ابن عباس L

    رابعها: عليه أن يجاهد نفسه في ترك ذلك الذنب، ويأخذ في ذلك بالأسباب المشروعة من تغيير بيئته والعمل على زيادة إيمانه بتلاوة القرآن والإكثار من ذكر الله وصحبة الصالحين وزيارة المقابر وتذكر الموت، والله الموفق والمستعان

  • سهو في صلاة المغرب

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فمن قام إلى ركعة رابعة في صلاة المغرب مع يقينه بكونها رابعة فإن صلاته تبطل؛ لأنه متعمد للزيادة في الصلاة، وقد ذكر أهل العلم في مبطلات الصلاة أن يتعمد زيادة ركن فعلي كسجود أو ركوع؛ فكيف بمن زاد ـ متعمداً ـ ركعة كاملة مع اشتمالها على أركان كثيرة. وقد كان الواجب على من استيقن تمام صلاته أن يجلس حتى إذا فرغ الإمام من ركعته الزائدة وسلَّم سلَّم معه؛ قال المواق المالكي رحمه الله تعالى في التاج والإكليل: قال ابن القاسم: إن صلى إمام خامسة فسها قوم كسهوه، وجلس قوم واتبعه قوم عامدون فصلاة الإمام ومن سها معه أو جلس تامةٌ، ويسجدون معه لسهوه، وتفسد صلاة العامدين.ا.هـــــ[1]

    وفي الفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر الهيتمي الشافعي رحمه الله تعالى: وسئل -فسح الله في مدته- عما إذا قام إمامه لخامسة هل الأولى انتظاره أو فراقه، وفيما إذا كان مسبوقاً هل هو كغيره أو لا حتى تجوز مفارقته؟ فأجاب بقوله: الأولى انتظاره وسواء المسبوق وغيره، وعبارة شرحي للعباب: لو قام الإمام لزيادة كخامسة سهواً لم يجز له متابعته، وإن كان شاكاً في فعل ركعة أو مسبوقاً علم ذلك أو ظنه، فإن تابعه بطلت صلاته إن علم وتعمد .ا.هـــــ[2]

    وفي مجموع الفتاوى لأبي العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: وسئل رحمه الله عن إمام قام إلى خامسة فسبح به فلم يلتفت لقولهم، وظن أنه لم يسه فهل يقومون معه أم لا؟

    فأجاب: إن قاموا معه جاهلين لم تبطل صلاتهم، لكن مع العلم لا ينبغي لهم أن يتابعوه، بل ينتظرونه حتى يسلم بهم أو يسلموا قبله والانتظار أحسن.ا.هـــ

    وأما عند الحنفية فإنه إذا قام الإمام إلى الخامسة ولم يقعد للتشهد في الرابعة، فسدت فريضته وتصير نفلاً ويستحب له أن يشفع الركعة الخامسة بركعة سادسة. ويلزمه إعادة الفريضة بعد ذلك، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد صاحب أبي حنيفة تبطل مطلقاً. وأما إذا كان قعد للتشهد ثم قام الخامسة سهواً لم تفسد صلاته ويشفع الخامسة بسادسة وإن لم يفعل فلا شيء عليه. والله أعلم.

    وعلى كل حال فإن من تابع هذا الإمام جهلاً منه بالحكم الشرعي؛ أو جهلاً بأنها زائدة فصلاته صحيحة، والعلم عند الله تعالى.

    [1] التاج والإكليل لمختصر خليل 2/69

    [2] الفتاوى الفقهية الكبرى 1/214

  • زكاة أرض سكنية

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد

    ففي سؤالكم شق يتعلق بالوالد رحمه الله وشق يتعلق بكم؛ أما ما يخص الوالد فمحصور في القطعة التي حصل عليها في الخطة الإسكانية والقطعة التي اشتراها، ومعلوم أن الزكاة لا تجب ـ شرعاً ـ إلا في المال الذي أعد للنماء؛ كعروض التجارة والمدخرات وما أشبهها، للحديث الذي رواه أبو داود عن سمرة بن جندب t قال {كان رسول الله يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع} أما ما كان للاستعمال الشخصي ـ من عقار أو لباس أو مركوب ـ فليس فيه زكاة؛ مهما بلغت قيمته، فإذا كانت تلك القطع قد اشتراها الوالد ولم يكن قد نوى المتاجرة بها وإنما اتخذها لاستغلالها أو بيعها بقصد الحصول على ثمنها للاستهلاك، أو استبدالها بغيرها للاستغلال فلا زكاة فيها. وأما إذا كان قد اشتراها الوالد على نية بيعها فهي كعروض التجارة؛ تقوَّم بحلول حولها وتزكَّى تلك القيمة بنسبة 2.5% لكل سنة.

    والحكم نفسه يصدق على قطعتي الأرض اللتين حصل شراؤهما بعد وفاة الوالد؛ فإن كانت للاستعمال الشخصي فلا زكاة فيهما ولو بيعتا إلا بعد حلول الحول على ثمنهما إذا كان بالغاً نصاباً، وأما إذا كانت للاتجار فزكاتها كزكاة عروض التجارة، والعلم عند الله تعالى.

  • رسم الصليب

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالمسلم يعتقد أن الدين عند الله الإسلام، وأنه الدين الذي لا يقبل الله سواه؛ كما قال سبحانه {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} ولا ينجو يوم القيامة أحد إلا إذا وافى ربه بهذا الدين؛ كما قال صلى الله عليه وسلم «لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم لا يؤمن بالذي جئت به إلا دخل النار» ونعتقد كذلك أن القرآن الكريم جاء مصدقاً للكتب التي قبله ومهيمناً عليها؛ كما قال سبحانه {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه} فلا يلتمس هداية ولا رشاداً إلا من القرآن، ولذلك لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم صحيفة من التوراة بيد عمر رضي الله عنه قال «أمتهوكون يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي»

    وعلاقة المسلم بغير المسلم قائمة على البر والقسط؛ فلا يتعدى على أموالهم ولا أعراضهم ولا دمائهم، ولا يؤذيهم في دينهم ولا يكرههم على الدخول في دين الإسلام، لكنه في الوقت نفسه لا يداهنهم ولا يجاملهم على حساب الملة والمعتقد؛ فلا يحل له أن يكتب من كتبهم ولا أن يرسم صلبانهم ولا أن يشاركهم طقوسهم، ولا أن يتعدى حدود الشرع في التعامل معهم؛ بل يقتدي بالنبي الأكرم  صلى الله عليه وسلم الذي كان أبر الناس وأرحم الناس، وبلغ من بره بغير المسلمين أن يعود جاره اليهودي حين مرض ويأكل من طعام يهودية ويتوضأ من مزادة مشركة، وتسرى بمارية بنت شمعون القبطية رضي الله عنها قبل أن تسلم، وفي الوقت نفسه واجه أهل الكتاب بما هم عليه من الباطل؛ حين قال لنصارى نجران: أسلموا. فقالوا: قد كنا مسلمين قبلك. قال: كذبتم!! يمنعكم من الإسلام ثلاثة: عبادتكم الصليب، وأكلكم الخنزير، وقولكم: اتخذ الله ولدا.

    وهكذا ينبغي أن نكون فنبر بهم ونقسط إليهم، وفي الوقت نفسه ندعوهم إلى ديننا بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا نداهن أحداً، وعليه فلا يجوز لك أيها السائل أن تكتب من الإنجيل كلمات ولا أن ترسم صليباً؛ لأن هذا كله من التعاون على الإثم والعدوان، وقد قال سبحانه {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} والله الموفق والمستعان.

  • ذكر الله بعدد مخصوص

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فذكر الله عز وجل من أفضل الطاعات وأعظم القربات، وهو يرضي الرحمن ويطرد الشيطان، وقد أمر به ربنا جل جلاله ونبيه صلى الله عليه وسلم في كثير من نصوص القرآن والسنة، وليس من شرط الذكر أن يكون عن طريق شيخ، بل قضاء الله أسبق وأمر الله أوثق، وقد قال سبحانه {فاذكروني أذكركم} وقال {اذكروا الله ذكراً كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا} وقال النبي صلى الله عليه وسلم «ألا أدلكم على خير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوهم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟» قالوا: بلى يا رسول الله؟ قال «ذكر الله»

    وأما التحديد بعدد فقد قال أهل العلم بأن ذكر الله على خمسة أنواع وهي: ذكر الله عند أمره ـ ذكر الله عند نهيه ـ ذكر الله عند المناسبات – ذكر الله ذكراً عددياً – ذكر الله ذكراً مطلقا. يعنون بذلك أن من الأذكار ما هو محدد بعدد من الشرع كالأذكار التي تكون دبر الصلوات المكتوبات، وكذلك أذكار الصباح والمساء، وهناك ذكر مطلق يشمله قول النبي صلى الله عليه وسلم «لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله» فلا مانع من أن يذكر المسلم ربه بغير عدد؛ كأن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، أو حسبي الله ونعم الوكيل، أو لا إله إلا الله، أو يستغفر، أو يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بغير عدد، ولا مانع كذلك من أن يرتب لنفسه عدداً معيناً بحسب طاقته فيجعل لنفسه ورداً يومياً لا يخل له، استدلالاً بعموم النصوص الآمرة بالذكر مما سبق ذكره، والله تعالى أعلم.

زر الذهاب إلى الأعلى