صلى الجماعة في المسجد، ودخلت مع الإخوة، فهل يجوز أن يصلوا جماعة أيضاً أم منفرداً؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
فالذي أفهمه من السؤال أن السائل قد صلى مع الجماعة الراتبة في المسجد، ثم وجد ناساً يصلون فهل يعيد معهم الصلاة؟ أقول: قد ثبت من حديث جابر بن يزيد بن الأسود العامري عن أبيه قال: شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم حجته؛ فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف؛ قال: فلما قضى صلاته وانحرف، إذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا معه؛ فقال {عليَّ بهما} فجيء بهما ترعد فرائصهما؛ فقال {ما منعكما أن تصليا معنا؟} فقالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في رحالنا. قال {فلا تفعلا؛ إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة} رواه أبوو داود والنسائي والترمذي وقال: حسن صحيح، وهو قول غير واحد من أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحق قالوا: إذا صلى الرجل وحده ثم أدرك الجماعة فإنه يعيد الصلوات كلها في الجماعة، وإذا صلى الرجل المغرب وحده ثم أدرك الجماعة قالوا: فإنه يصليها معهم ويشفع بركعة والتي صلى وحده هي المكتوبة عندهم.ا.هـ
قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: قال جمهور الفقهاء: إنما يعيد الصلاة مع الإمام من صلى وحده في بيته أو في غير بيته، وأما من صلى في جماعة ـ وإن قلت ـ فلا يعيد في أخرى ـ قلت أو كثرت ـ ولو أعاد في جماعة أخرى لأعاد في ثالثة ورابعة إلى ما لا نهاية له، وهذا لا يخفى فساده، قال: وممن قال بهذا القول مالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم، ومن حجتهم قوله {لا تصلى صلاة في يوم مرتين}
وعليه فإن السائل الذي صلى مع الجماعة الراتبة في المسجد لا يصلي ثانية مع هؤلاء لأمرين: أولهما أنه قد أدى الفريضة مع الجماعة، وثانيهما: أن هذه الجماعة الثانية ـ كما يظهر من السؤال ـ ليست جماعة المسجد الراتبة وظاهر التقييد بقوله صلى الله عليه وسلم {ثم أتيتما مسجد جماعة} أن ذلك مختص بالجماعات التي تقام في المساجد لا التي تقام في غيرها فيحمل المطلق من ألفاظ الحديث على المقيَّد بمسجد الجماعة. قاله الشوكاني رحمه الله، والله تعالى أعلم.