الفتاوى

  • القيئ في نهار رمضان

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فإنه ينظر في حال هذا الصائم هل وقع القيء منه غلبة أو اختياراً؟ وذلك لما رواه أصحاب السنن إلا النسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال {من ذرعه قيء وهو صائم فليس عليه قضاء وإن استقاء فليقض} رواه الخمسة إلا النسائي؛ فدلَّ الحديث على التفريق بين من غلبه القيء وهجم عليه دون تعمد، ومن استقاء عامداً قاصداً، حيث نفى القضاء عن الأول وحكم بعدم فساد صومه، وأوجبه على الثاني لأنه قد فعل ذلك مختاراً، وقد حكى ابن المنذر الإجماع على أن تعمد القيء يفسد الصوم، والعلم عند الله تعالى.

  • متى ندفع فدية الصيام؟

    فدية الصيام هل تدفع يومياً أم أسبوعياً أم جملة؟ وهل تعطى لشخص واحد أم مجموعة من الأشخاص؟ وهل تجوز رقية الحائض دون أن تمس المصحف؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالأصل وجوب الصيام على المسلم البالغ العاقل الصحيح المقيم؛ فإن كان مريضاً مرضاً يرجى برؤه {فعدة من أيام أخر} أما إن كان مرضه مزمناً وعرف بإخبار الطبيب الحاذق أنه لا يرجى برؤه، أو كان عاجزاً عن الصيام لشيخوخته فإنه ينتقل إلى الإطعام؛ لقوله تعالى {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} وقوله {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} وقوله {وما جعل عليكم في الدين من حرج}

    والواجب عليه إطعام مسكين عن كل يوم في قول جمهور العلماء ومنهم علي وابن عباس وأبو هريرة وأنس وسعيد بن جبير وطاوس وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد رحمهم الله، وهو الأصح عند الشافعية؛ لقوله تعالى {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} لكل مسكين نصف صاع من غالب قوت أهل البلد، وهو يعادل كيلو وربع تقريباً. استدلالاً بتفسير ابن عباس رضي الله عنهما للآية حيث روى عطاء أنه سمع ابن عباس يقرأ {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} فقال: “ليست بمنسوخة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينا” رواه البخاري. وعنه رضي الله عنه قال “رُخِّصَ للشيخ الكبير أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً، ولا قضاء عليه” رواه الدارقطني والحاكم وصححاه. أما المالكية رحمهم الله فيرون الفدية في  حق الشيخ الكبير مندوبة لا واجبة، وهو قول مكحول وأبي ثور وربيعة وابن المنذر؛ قياساً له على الصبي والمجنون.

    هذا ولا يجزئ إخراج القيمة ـ عند جماهير العلماء ـ بل الواجب إخراج الفدية طعاماً كما هو نص الآية الكريمة {فدية طعام مسكين} ومن كان عاجزاً عن إخراج الفدية فلا شيء عليه؛ لعموم قوله تعالى {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها}

    ويجزئ إخراجها لمسكين واحد، في يوم واحد أو ايام متفرقة؛ قال الإمام النووي رحمه الله: فيجوز صرف أمداد كثيرة عن الشخص الواحد والشهر الواحد إلى مسكين واحد أو فقير واحد.ا.هــــ قال في الإنصاف: يجوز صرف الإطعام إلى مسكين واحد جملة واحدة.ا.هــــ. والأحوط أن تدفع بها إلى ثلاثين مسكيناً؛ اقتداء بفعل السلف رحمهم الله فقد أخرج الدارقطني أن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه ضعف عاماً عن الصوم؛ فصنع جفنة من ثريد فدعا ثلاثين مسكيناً فأشبعهم.

    وأما الحائض فلا حرج عليها – عند المالكية رحمهم الله تعالى – في أن تقرأ القرآن إن تعبداً أو تحصناً او استشفاء؛ لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم نهي لها عن قراءة القرآن؛ كما هو الحال في الجنب مثلاً، ولأن الحائض تفارق الجنب في كونها محكومة بأيام لا تملك رفع الحدث عن نفسها قبل انقضائها، وإذا جاز لها أن تقرأ جاز من باب أولى أن يقرأ عليها غيرها، والعلم عند الله تعالى.

  • حكم علاج السحر بالسحر

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فاعلم ـ أخي ـ أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن الله تعالى جاعل لمن اتقاه فرجاً ومخرجاً؛ فاستعن بالله ولا تعجز، وأكثر من ذكر الله تعالى والاستغفار، وابتغ فيما ابتليت به أجراً وثواباً؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {ما يصيب المؤمن من هم ولا غم ولا نصب ولا وصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّر الله بها من ذنوبه وخطاياه} وخذ بالأسباب في طلب العلاج بالأسلوب الشرعي المباح؛ مقتدياً برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال {ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء علمه من علمه وجهله من جهله}

    واعلم ـ أخي ـ أنه لا يجوز لك الذهاب إلى ساحر  ليفك عنك السحر؛ لأن الدم لا يطهره البول، وإتيان الساحر في ذاته معصية لله تستوجب توبة؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {من أتى ساحراً أو عرافاً فسأله فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم} والتماس العلاج مقيد بألا يكون بمحرم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم {تداووا ولا تداووا بحرام} رواه أبو داود في سننه، وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال {إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرَّم عليكم}ومن أعظم المحرمات السحر فلا يجوز التداوي به ولا حل السحر به، لأن حل السحر بسحر مثله قد جعله النبي صلى الله عليه وسلم من عمل الشيطان؛ ففي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن النشرة فقال {إنها من عمل الشيطان} وقال أبو داود: سئل أحمد عنها فقال: ابن مسعود يكره هذا كله. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: النشرة حل السحر عن المسحور، وهي نوعان: حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن {لا يحل السحر إلا ساحر} فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب؛ فيبطل عمله عن المسحور. والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والأدوية والدعوات المباحة فهذا جائز.ا.هــــ

    وبدلاً من ذلك واصل في العلاج الشرعي باستعمال الرقية الشرعية؛ وحبذا لو رقيت نفسك بنفسك اقتداء بالنبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، ولا تغفل عن الدعاء فإن الله يجيب دعوة من دعاه خاصة إذا كان مضطراً، قد قال سبحانه )أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء( وأسأل الله لك شفاء عاجلاً غير آجل.

  • عرض الأزياء

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فعرض الأزياء عبر التلفاز – حسب ما ورد في السؤال محل الفتوى – يلزم منه الوقوع في جملة من المحاذير الشرعية، ومنها:

    أولها: التبرج بالزينة، حيث إن هذه العروض قائمة في أصلها على أن ترتدي المرأة أحسن ما عندها وتظهر به أمام الناس – رجالاً ونساء – وقد قال الله تعالى {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى}

    ثانيها: إطلاق البصر؛ إذ لا يتأتى للجمهور الحكم إلا بنظر وتدقيق للثوب ومن تلبسه، وقد قال تعالى {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون} وقال النبي صلى الله عليه وسلم “لا تتبع النظرة النظرة؛ فإنما لك الأولى وعليك الثانية”

    ثالثها: هذه العروض إنما هي تقليد محض للعادات الغربية الغريبة على مجتمعنا البعيدة عن تعاليم ديننا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم “ومن تشبه بقوم فهو منهم”

    وعليه فإن هذه المسابقة لا يجوز شرعاً تنظيمها ولا تمويلها ولا الترويج لها، ويجب على من بسط الله يده – من الولاة والمسؤولين – المنع منها والحيلولة دون قيامها؛ عملاً بقول ربنا سبحانه {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} والله تعالى أعلم.

  • قضاء المرضع

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالواجب على المرأة المسلمة الإتيان بفرض الله في صيام شهرها؛ لعموم قوله تعالى )فمن شهد منكم الشهر فليصمه( وهذا يشمل المرضعة وغيرها، اللهم إلا إذا تحققت أو غلب على ظنها حصول الضرر عليها أو على طفلها أو عليهما معاً، وليس صحيحاً أن كل حامل أو مرضع لزاماً عليها أن تفطر، والذي عليه جمهور العلماء أن الحامل والمرضع عليهما القضاء؛ لأنهما عذران طارئان يزولان بزوال سببهما، ولأن الله تعالى قال في المريض والمسافر ـ وهما من أصحاب الأعذار الطارئة ـ )فعدة من أيام أخر( وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن المرضع وكذلك الحامل ليس عليهما سوى الإطعام ولا قضاء؛ استدلالاً بما رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أنس بن مالك ـ أحد بني قشير ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال {إن الله وضع الصيام عن الحبلى والمرضع} وما رواه أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى )وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين( قال {كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام يفطران ويطعمان عن كل يوم مسكيناً، والمرضع والحبلى إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا} وهو مروي كذلك عن ابن عمر رضي الله عنهم.

    وقد أجاب جمهور العلماء عن هذه الأدلة بأن حديث {إن الله وضع الصيام عن الحبلى والمرضع} مراد به وجوب الأداء، ويبقى في ذمتهما القضاء، وأما سكوت ابن عباس عن القضاء فلأنه معلوم مشهور، وعليه فإن الواجب على المرأة التي أفطرت بسبب الحمل أو الرضاع أن تقضي الأيام التي أفطرتها مهما بلغت كثرة، والعلم عند الله تعالى.

  • إعادة تدوير كتب منهج التربية الإسلامية

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فهذه الكتب كما ورد في السؤال قد انتفت الغاية التي من أجلها طبعت، حيث غيرت المناهج، وهذه الكتب تحوي نصوصاً محترمة من الآيات قرآنية والأحاديث النبوية، وهي في المخازن منذ أمد بعيد، ومالكوها ينوون الدفع بها إلى من يعملون في تصنيع الأوراق ومشتقاتها ليعيدوها خاماً كما كانت ويستفاد منها في ضروب أخرى، وجواباً على ذلك أقول:

    أولاً: تعظيم شعائر الله تعالى مما اتفق عليه المسلمون؛ عملاً بقول ربنا سبحانه ((ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)) ومن أجل هذه الشعائر كلام الله عز وجل وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم؛ فلا يجوز تعريضهما للامتهان ولا التحقير ولا الأذى، بل الواجب التعامل معهما بالصيانة والحفظ والإجلال، وهذا قدر لا خلاف عليه بين المسلمين

    ثانياً: هذه الكتب التي تحوي نصوصاً مقدسة، إما أن نقول بإحراقها، وفي ذلك تضييع للمال وإفساد له ((والله لا يحب الفساد)) وإما أن تبقى مخزَّنة مما يضر بأهلها من حيث شغل تلك المخازن بها، وتفويت فرص الانتفاع بتلك الأوراق حالاً، وإما أن نقول بجواز إعادة فرمها وتأهيلها ليستفاد منها في أعمال أخرى نافعة بشروط خلاصتها:

    • أن تتخذ كافة أسباب الحياطة؛ لئلا يتسرب من تلك الأوراق شيء بحيث يلقى في المزابل أو تدوسه الأقدام
    • أن تكون عملية الفرم والتأهيل في مكان مغلق بحيث نضمن ألا يتسرب منها شيء
    • أن تكون إعادة التأهيل مشروطة بأن تطبع عليها مواد نافعة لا مواد محرمة شرعاً أو ضارة بالأخلاق أو الآداب
    • أن يجتنب تأهيلها بحيث تستعمل كأوراق تواليت أو مناديل ورقية، ونحو ذلك من الأغراض التي يراد بها إزالة الأدناس والأرجاس، والله تعالى أعلم.
  • صلاة النساء أمام الإمام

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فإن النظر في هذه المسألة يتعلق به أمور ثلاثة:

    أولها: حكم الائتمام بمن يفصله عن المأموم فاصل

    ثانيها: حكم الصلاة أمام الإمام

    ثالثها: حكم صلاة النساء أمام الرجال

    وفي حكم المسألة الأولى أعني وجود فاصل بين الإمام والمأموم وهو شارع بمساحة خمسة أمتار؛ فلا حرج فيه ما دام أولئك النسوة يسمعن صوت الإمام ويستطعن متابعته في أفعال الصلاة؛ وقد نص علماؤنا المالكية على جواز ذلك؛ قال الشيخ عليش رحمه الله تعالى في منح الجليل: وجاز فصل مأموم عن إمامه بنهر صغير أي غير مانع من سماع أقوال الإمام أو مأموميه أو رؤية أفعاله أو أفعال مأموميه… أو طريق صغير كذلك، اللخمي: يجوز لأهل الأسواق أن يصلوا جماعة، وإن فرقت الطريق بينهم وبين إمامهم. 1/375

    وفي حكم المسألة الثانية أعني صلاة المأموم أمام الإمام؛ فقد نص أهل العلم على المنع من ذلك وأنه معدود في مكروهات الجماعة؛ إلا لضرورة كازدحام أو ضيق مكان؛ فإنه يجوز من غير كراهة؛ جاء في الشرح الكبير: (و) كرهت للجماعة (صلاة بين الأساطين) أي الأعمدة (أو) صلاة (أمام) أي قدام (الإمام) أو بمحاذاته (بلا ضرورة). وقال الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير: قوله: أو أمام الإمام، أي ولو تقدم الجميع؛ لأن مخالفة الرتبة لا تفسد الصلاة كما لو وقف على يسار الإمام، فإن صلاة المأموم لا تبطل.

    وعند غير المالكية كذلك؛ قال أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى مبيِّناً أن في حكم صلاة المأموم قدام إمامه ثلاثة أقوال للعلماء هي: الصحة مطلقا، وعدم الصحة مطلقا، وصحتها مع العذر وعدم صحتها مع غيره، قال: وهذا قول طائفة من العلماء وهو قول في مذهب الإمام أحمد وغيره، وهو أعدل الأقوال وأصحها، وذلك لأن ترك التقدم على الإمام غايته أن يكون واجباً من واجبات الصلاة في الجماعة، والواجبات كلها تسقط بالعذر.ا.هــــــ

    وفي حكم المسألة الثالثة أعني صلاة النساء أمام الرجال؛ فقد نص أهل العلم على منع المرأة من الصلاة وسط الرجال أو أمامهم لما في ذلك من الفتنة، ومن تفعل ذلك فهي من شرار النساء؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها} لكن مع العذر تصح الصلاة؛ قال صاحب كفاية الطالب الرباني من المالكية: إلا أن المرأة إذا تقدمت إلى مرتبة الرجل أو أمام الإمام فكالرجل يتقدم، فيكره له ذلك من غير عذر، ولا تفسد صلاته ولا صلاة من معه.ا.هـــــ

  • صلاة الجنازة في المقابر

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فصلاة الجنازة من فروض الكفايات، وفيها من الأجر العظيم ما لا يقدره إلا الله، وقد ثبت في السنة عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال “مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَها حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ” قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: “مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ” رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، زاد مسلم: قَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّى عَلَيْهَا ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَلَمَّا بَلَغَهُ حَدِيثُ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ لَقَدْ ضَيَّعْنَا قَرَارِيطَ كَثِيرَةً.

    وصلاة الجنازة على مسافة من المقابر لا حرج فيها إن شاء الله، وإنما الخلاف بين أهل العلم في الصلاة على الجنازة وسط المقابر؛ حيث أجازها بعضهم – وهم الحنفية والإمام أحمد في رواية – استدلالاً بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر المرأة التي كانت تقم المسجد بعدما دفنت؛  فعن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ – أَوْ شَابًّا – فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَسَأَلَ عَنْهَا – أَوْ عَنْهُ – فَقَالُوا مَاتَ. قَالَ «أَفَلاَ كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِى». قَالَ فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا – أَوْ أَمْرَهُ – فَقَالَ «دُلُّونِى عَلَى قَبْرِهِ». فَدَلُّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَ «إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلاَتِى عَلَيْهِمْ». قال القرطبي رحمه الله تعالى في المفهم: قلت: قال بعض مَن لم يُجِز الصلاة على القبر: إنّ القبرَ الرَّطْبَ الذي في حديث ابن عباس، يحتمل أن يكون قبر السوداء التي كانت تقمّ المسجد، وكانت صلاتُه عليه خاصةٌ به؛ لأنه قد قال: “إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإنّ الله ينوّرها بصلاتي عليهم”، فقد علم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وغيره لا يعلم ذلك، فكان ذلك خصوصًا به. قال: وهذا ليس بشيء؛ لثلاثة أوجه:

    أحدها: أنّا وإن لم نعلم ذلك، لكنّا نظنّه، ونرجو فضل الله سبحانه، ودعاء المسلمين لمن صلّوا عليه.

    وثانيها: أنه صلى الله عليه وسلم قد قال: “من صلّى عليه مائة، أو أربعون من المسلمين، شفعوا فيه”، فقد أعلمنا أنّ ذلك يكون من غيره.

    وثالثها: أنه كان يلزم منه ألا يصلّى على ميِّتٍ بعد النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لإمكان الخصوصية فيمن صلّى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا باطل.

    وأشبه ما قيل في حديث السوداء: أنّه صلى الله عليه وسلم صلَّى على قبرها؛ لأنه لم يصلِّ عليها صلاةً جائزة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو الإمام ولم يستخلف، بل قد روي أنه صلى الله عليه وسلم أمَرهم أن يُعلِموه بموتها، فلم يُعلِموه بذلك؛ كراهية أن يشقّوا عليه.ا.هـــــ

    واستدلالاً بفعل السلف رضوان الله عليهم؛ قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: ذكر نافع أنه صلي على عائشة وأم سلمة وسط قبور البقيع، صلى على عائشة أبو هريرة، وحضر ذلك ابن عمر، وفعل ذلك عمر بن عبد العزيز.

    وذهب بعض أهل العلم – منهم الشافعي وأحمد في رواية – إلى كراهة الصلاة على الجنازة وسط المقابر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم “الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام” رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي. وفي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال “اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورا” قال ابن حجر رحمه الله تعالى: نقل ابن المنذر عن أكثر أهل العلم أنهم استدلوا بهذا الحديث على أن المقبرة ليست بموضوع للصلاة.ا.هــــ

    وخلاصة الكلام أنه لا حرج عليكم في الصلاة على الجنازة على مسافة من المقابر أو في الساحة الملحقة بها، والعلم عند الله تعالى.

  • صالة أفراح على أرض وقف

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالأصول التي يُبنى عليها الجواب عن هذا الاستفتاء هي:

    أولاً: قوله تعالى {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}

    ثانياً: قوله صلى الله عليه وسلم “إن الله تعالى إذا حرم شيئاً حرم ثمنه” رواه ابن حبان والدارقطني من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وقد صححه الألباني والأرناؤوط

    ثالثاً: القاعدة الفقهية بأن العبرة للأعم الأغلب لا للشاذ النادر

    إذا تبين هذا يكون الجواب عن جملة من الأسئلة محدداً للفتوى:

    أولاً: ما هي طبيعة عمل تلك الصالة؟

    ثانياً: هل تمارس أنشطة مباحة أم محرمة؟

    ثالثاً: ما الذي يغلب على أعمال تلك الصالة من حيث الحل والحرمة؟

    ومبلغ العلم – بحسب الواقع المشهود – أن عمل تلك الصالات قائم على تأجيرها من جماعات من الناس لمقاصد مختلفة؛ فمنهم من يستأجرها لمناسبات الأعراس، ومنهم من يستأجرها لعقد مؤتمرات أو اجتماعات لأغراض مختلفة سياسية واجتماعية وفنية – كحفلات التخريج – وأغلب هذه الأنشطة لا تخلو من أمور محرمة تتمثل في:

    أولاً: الاختلاط المشين بين الرجال والنساء بغير ضوابط شرعية ولا آداب مرعية

    ثانياً: ما يكون فيها أحياناً كثيرة من رقص مختلط لا يقره الشرع

    ثالثاً: ما يحصل فيها من غناء ماجن وما يصحبه من موسيقى مزعجة

    رابعاً: ما يكون من تأجيرها أحياناً لبعض الجهات التي تحمل أفكاراً مخالفة للدين، كالأحزاب الداعية للأفكار الإلحادية والعلمانية

    خامساً: قد تؤجر لبعض المنظمات والجمعيات العاملة على تدمير المجتمع وتعريته من الفضائل والمكارم

    عليه: فإن المطلوب أولاً الاستيثاق من أن بناء تلك الصالة كان وفق شرط الواقف؛ لأن شرطه كنص الشارع لا يجوز إهماله ولا تجاوزه، فإذا كان موافقاً لشرطه فلا بد من قصر أنشطتها على المباح دون الممنوع؛ استصحاباً للأدلة التي سبق إيرادها، أما إذا كانت مبنية بالمخالفة لشرط الواقف فلا بد حينئذ من تحويل نشاطها إلى ما يحقق شرطه ويفي بالغرض الذي من أجله حصل الوقف، والعلم عند الله تعالى.

  • حكم شرب ماء المحاية بغرض الإستشفاء

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فمما لا شك فيه أن الله تعالى جعل في القرآن الكريم شفاء وهدى ورحمة؛ كما قال سبحانه )وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين( وقال سبحانه )قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء( وقال سبحانه )يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين( وما زال المسلمون قديماً وحديثاً يستشفون بالقرآن ويرجون بركته في إذهاب الأمراض حسية بدنية – كالصداع ووجع البطن – ومعنوية قلبية – كالشك والوسواس والحقد وما أشبه ذلك

    ومن صور الاستشفاء بالقرآن أن يكتب بشيء طاهر – كالزعفران ونحوه – على شيء نظيف – كصحن أو قرطاس – ثم يغسل بالماء، وتُشرب تلك الغسالة؛ وهو ما يسميه علماؤنا بالمحو، ويسميه الناس – بلسانهم – المحاية، وقد فعله كثير من السلف والخلف، وهو داخل في عموم الرقية التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم {لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا} قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد (4/156): ورأى جماعة من السلف أن تكتب له الآيات من القرآن ثم يشربها. قال مجاهد: لا بأس أن يُكتب القرآن ويغسله ويسقيه المريض، ومثله عن أبي قلابة، ويُذكر عن ابن عباس: أنه أمر أن يكتب لامرأة تعسر عليها ولدها أثر من القرآن ثم يغسل وتسقى. وقال أيوب: رأيت أبا قلابة كتب كتاباً من القرآن ثم غسله بماء وسقاه رجلاً كان به وجع.ا.ه

    وقال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره (الجامع لأحكام القرآن) (16/222): وقال ابن عباس: إذا عسر على المرأة ولدها تكتب هاتين الآيتين والكلمتين في صحيفة ثم تغسل وتسقى منها، وهي: {بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله العظيم الحليم الكريم، سبحان الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم” )كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها( )كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون(

    فلا حرج في كتابة القرآن وشرب غسالته شريطة أن تكون المادة التي يكتب بها غير سامة ولا ضارة؛ ومتى ما ثبت ضررها حرم استعمالها؛ لأن التحريم يدور مع الضرر؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {لا ضرر ولا ضرار}

    والواجب أن تكون هذه الغسالة في مكان نظيف لا في حوض متسخ؛ لأن القرآن الكريم من أجلِّ الشعائر التي أمرنا بتعظيمها؛ قال تعالى )ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب( وقال سبحانه )ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه( والعلم عند الله تعالى.

زر الذهاب إلى الأعلى