الفتاوى

  • بناء قبة على القبر

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فالسنة في القبر أن يرفع قدر شبر فقط ويسنَّم ليُعرف أنه قبر فلا يمتهن ولا يوطأ ولا يُجلس عليه، وهذا الذي فُعل بقبر رسول الله صلى الله علـيه وسلم؛ كما روى البخاري في صحيحه عن سفيان التمار رحمه الله تعالى قال: رأيت قبر رسول الله صلى الله علـيه وسلم مسنما. يعني مرتفعاً عن الأرض مثل سنام البعير. وروى أبو داود عن القاسم بن محمد قال: قلت لعائشة: يا أماه، اكشفي لي عن قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء. قال الحافظ رحمه الله تعالى في الفتح: وَهَذَا كَانَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ فَكَأَنَّهَا كَانَتْ فِي الْأَوَّلِ مُسَطَّحَةً ثُمَّ لَمَّا بُنِيَ جِدَارُ الْقَبْرِ فِي إِمَارَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ قِبَلِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ صَيَّرُوهَا مُرْتَفِعَةً.ا.هـــــ

    وإذا ارتفع القبر عن هذا المقدار ببناء أو غيره فالمشروع تسويته بالأرض لما رواه مسلم في صحيحه أن علياً رضي الله عنه بعث أبا الهياج الأسدي وقال: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله علـيه وسلم: لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته. قال الإمام الشوكاني يرحمه الله: وفي هذا أعظم دلالة على أن تسوية كل قبر مشرف، بحيث يرتفع زيادة على القدر المشروع، واجبة متحتمة، فمن إشراف القبور أن يرفع سمكها، أو يجعل عليها القباب أو المساجد؛ فإن ذلك من المنهي عنه بلا شك ولا شبهة؛ ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعث لهدمها أمير المؤمنين علياً، ثم أمير المؤمنين بعث لهدمها أبا الهياج الأسدي في أيام خلافته.ا.هـــــ

    والبناء على القبور محظور؛ لما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: نهى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجصَّص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه.

    قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى في نيل الأوطار: والظاهر أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرم، وقد صرح بذلك أصحاب أحمد وجماعة من أصحاب الشافعي ومالك، ومن رفع القبور الداخل تحت الحديث دخولاً أولياً القبب والمشاهد المعمورة على القبور، وأيضاً هو من اتخاذ القبور مساجد، وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم فاعل ذلك، وكم قد سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام، منها: اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام وعظم ذلك، فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضر فجعلوه مقصداً لطلب قضاء الحوائج وملجأً لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم، وشدوا إليها الرحال، وتمسحوا بها واستغاثوا، وبالجملة إنهم لم يدعوا شيئاً مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا لله وإنا إليه راجعون.ا.هــــــ

    وقال الإمام أبو عبد الله بن القيم رحمه الله تعالى في كتابه (زاد المعاد) 1/505: فَصْلٌ: وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – تَعْلِيَةُ الْقُبُورِ وَلَا بِنَاؤُهَا بِآجُرٍّ، وَلَا بِحَجَرٍ وَلَبَنٍ وَلَاتَشْيِيدُهَا، وَلَا تَطْيِينُهَا، وَلَا بِنَاءُ الْقِبَابِ عَلَيْهَا، فَكُلُّ هَذَا بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ، مُخَالِفَةٌ لِهَدْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ «بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – إِلَى الْيَمَنِ، أَلَّا يَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّاهُ» ، فَسُنَّتُهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – تَسْوِيَةُ هَذِهِ الْقُبُورِ الْمُشْرِفَةِ كُلِّهَا، «وَنَهَى أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ».

    وَكَانَتْ قُبُورُ أَصْحَابِهِ لَا مُشْرِفَةً، وَلَا لَاطِئَةً، وَهَكَذَا كَانَ قَبْرُهُ الْكَرِيمُ، وَقَبْرُ صَاحِبَيْهِ، فَقَبْرُهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مُسَنَّمٌ مَبْطُوحٌ بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ لَا مَبْنِيَّ وَلَا مُطَيَّنَ، وَهَكَذَا كَانَ قَبْرُ صَاحِبَيْهِ. وَكَانَ يُعَلِّمَ قَبْرَ مَنْ يُرِيدُ تَعَرُّفَ قَبْرِهِ بِصَخْرَةٍ. ثم قال: فَصْلٌ: وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَنِ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ، وَإِيقَادِ السُّرُجِ عَلَيْهَا، وَاشْتَدَّ نَهْيُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى لَعَنَ فَاعِلَهُ. وَنَهَى عَنِ الصَّلَاةِ إِلَى الْقُبُورِ، وَنَهَى أُمَّتَهُ أَنْ يَتَّخِذُوا قَبْرَهُ عِيدًا، وَلَعَنَ زُوَّرَاتِ الْقُبُورِ.

    وكَانَ هَدْيُهُ أَنْ لَا تُهَانَ الْقُبُورُ وَتُوطَأَ، وَأَلَّا يُجْلَسَ عَلَيْهَا، وَيُتَّكَأَ عَلَيْهَا، وَلَا تُعَظَّمَ بِحَيْثُ تُتَّخَذُ مَسَاجِدَ فَيُصَلَّى عِنْدَهَا وَإِلَيْهَا، وَتُتَّخَذَ أَعْيَادًا وَأَوْثَانًا.ا.هــــــ

    وغير خاف على أحد ما يحدث في تلك القباب من ضروب البدع وأنواع المخالفات، من دعاء الأموات والاستغاثة بهم وبذل النذور لهم، والتمسح بجدران تلك القباب وتعليق الخِرَق عليها، وقد نص السائل في سؤاله على أن بعض الناس قد اتخذها وسيلة للتكسب وجمع الأموال من الناس.

    قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ:

    كَانَ إِذَا زَارَ قُبُورَ أَصْحَابِهِ يَزُورُهَا لِلدُّعَاءِ لَهُمْ، وَالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِمْ، وَالِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ، وَهَذِهِ هِيَ الزِّيَارَةُ الَّتِي سَنَّهَا لِأُمَّتِهِ، وَشَرَعَهَا لَهُمْ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَقُولُوا إِذَا زَارُوهَا: ( «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ» ) .

    وَكَانَ هَدْيُهُ أَنْ يَقُولَ وَيَفْعَلَ عِنْدَ زِيَارَتِهَا، مِنْ جِنْسِ مَا يَقُولُهُ عِنْدَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ، مِنَ الدُّعَاءِ وَالتَّرَحُّمِ وَالِاسْتِغْفَارِ. فَأَبَى الْمُشْرِكُونَ إِلَّا دُعَاءَ الْمَيِّتِ وَالْإِشْرَاكَ بِهِ، وَالْإِقْسَامَ عَلَى اللَّهِ بِهِ، وَسُؤَالَهُ الْحَوَائِجَ، وَالِاسْتِعَانَةَ بِهِ، وَالتَّوَجُّهَ إِلَيْهِ، بِعَكْسِ هَدْيِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَإِنَّهُ هَدْيُ تَوْحِيدٍ وَإِحْسَانٍ إِلَى الْمَيِّتِ، وَهَدْيُ هَؤُلَاءِ شِرْكٌ وَإِسَاءَةٌ إِلَى نَفُوسِهِمْ، وَإِلَى الْمَيِّتِ، وَهُمْ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: إِمَّا أَنْ يَدْعُوَا الْمَيِّتَ، أَوْ يَدْعُوَا بِهِ، أَوْ عِنْدَهُ، وَيَرَوْنَ الدُّعَاءَ عِنْدَهُ أَوْجَبَ وَأَوْلَى مِنَ الدُّعَاءِ فِي الْمَسَاجِدِ،وَمَنْ تَأَمَّلَ هَدْيَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَصْحَابِهِ، تَبَيَّنَ لَهُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.ا.هـــــ

    وفي شرح المواق عند قول خليل (وَتَطْيِينُ قَبْرٍ أَوْ تَبْيِيضُهُ وَبِنَاءٌ عَلَيْهِ أَوْ تَحْوِيزٌ وَإِنْ بُوهِيَ بِهِ حَرُمَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: كَرِهَ مَالِكٌ تَجْصِيصَ الْقُبُورِ وَالْبِنَاءَ عَلَيْهَا لِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ تَجْصِيصِهَا. الْمَازِرِيُّ: مَعْنَاهُ تَبْيَضُّ بِالْجِيرِ أَوْ بِالتُّرَابِ الْأَبْيَضِ وَالْقَصَّةُ الْجِيرُ وَهُوَ الْجَصُّ. انْتَهَى نَصُّ الْمَازِرِيِّ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا. ابْنُ رُشْدٍ: الْبِنَاءُ عَلَى نَفْسِ الْقَبْرِ مَكْرُوهٌ وَأَمَّا الْبِنَاءُ حَوَالَيْهِ فَإِنَّمَا يُكْرَهُ مِنْ جِهَةِ التَّضْيِيقِ عَلَى النَّاسِ وَلَا بَأْسَ بِهِ فِي الْأَمْلَاكِ.

    وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: لَا بَأْسَ بِالْحَائِطِ الْيَسِيرِ الِارْتِفَاعِ لِيَكُونَ حَاجِزًا بَيْنَ الْقُبُورِ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ عَلَى النَّاسِ مَوْتَاهُمْ مَعَ غَيْرِهِ لِيُتَرَحَّمَ عَلَيْهِمْ وَيُجْمَعَ إلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ. وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْفِنَ فِي مَقْبَرَةِ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَضْطَرَّ فَلَا يُمْنَعُ لِأَنَّ الْجَبَّانَةَ أَحْبَاسٌ لَا يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ فِيهَا شَيْئًا. وَأَفْتَى ابْنُ رُشْدٍ بِهَدْمِ مَا بُنِيَ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الرَّوْضَاتِ وَالْقِبَابِ إلَّا إنْ كَانَ فِي مِلْكِ بَانِيهَا فَلَا يُمْنَعُ. ابْنُ عَرَفَةَ: إنْ كَانَتْ حَيْثُ لَا يَأْوِي إلَيْهَا أَهْلُ الْفَسَادِ.

    (وَجَازَ لِلتَّمْيِيزِ كَحَجَرٍ أَوْ خَشَبَةٍ بِلَا نَقْشٍ) ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ: لَا بَأْسَ أَنْ يُجْعَلَ عَلَى الْقَبْرِ حَجَرٌ أَوْ خَشَبَةٌ أَوْ عُودٌ يَعْرِفُ بِهِ الرَّجُلُ قَبْرَ وَلِيِّهِ مَا لَمْ يُكْتَبْ فِي ذَلِكَ، وَلَا أَرَى قَوْلَ عُمَرَ: ” لَا تَجْعَلُوا عَلَى قَبْرِي حَجَرًا ” إلَّا أَنَّهُ أَرَادَ مِنْ فَوْقِهِ عَلَى مَعْنَى الْبِنَاءِ. ابْنُ حَبِيبٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يُجْعَلَ فِي طَرَفِ الْقَبْرِ الْحَجَرُ الْوَاحِدُ لِئَلَّا يَخْفَى مَوْضِعُهُ إذَا عَفَا أَثَرُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ الْحَاكِمُ: لَيْسَ، الْعَمَلُ عَلَى أَحَادِيثِ النَّهْيِ عَنْ الْبِنَاءِ وَالْكَتْبِ عَلَى الْقَبْرِ فَإِنَّ أَئِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ شَرْقًا وَغَرْبًا مَكْتُوبٌ عَلَى قُبُورِهِمْ وَهُوَ عَمَلٌ أَخَذَهُ الْخَلَفُ عَنْ السَّلَفِ.ا.هــــــ التاج والإكليل لمختصر خليل 2/66

    وعليه فإنه لا يشرع لك عمارة تلك القبة ولا إعادة بنائها، بل الواجب على من قدر أن يسعى في هدمها رعاية لحق الدفين ولئلا يرتكب في قبره ما يخالف ما أمر به رسول الله صلى الله علـيه وسلم.

    هذا ويستحب أن يجعل عند رأس الميت علامة شاخصة يعلم بها أنه قبر؛ لفعل رسول الله صلى عليه وسلم ذلك عند دفن عثمان بن مظعون رضي الله عنه كما في سنن أبي داود، والعلم عند الله تعالى

  • حكم بعض الأدعية والألفاظ

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالذي يحسن التنبيه عليه في هذا المقام أنه يستحب للمسلم إذا دعا ربه أو ذكره أن يتقيد – ما استطاع – بالوارد المأثور؛ لأنه أفضل الذكر والدعاء وأطيبه؛ إذ العلماء رحمهم الله متفقون على أن أفضل ذلك ما كان في القرآن ثم ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته؛ فإنه لا أحد أعظم ذكراً لله ولا أطيب دعاء له من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والجواب على ما ذكر في سؤالك:

    أولاً: قول القائل (اللهم أحسن إلى فلان بقدر ما قدم) ما ينبغي الدعاء به؛ إذ إحسان ربنا جل جلاله لا حدود له، وكرمه لا مثيل له، وقد كان من مناجاة نبينا عليه الصلاة والسلام أن يقول في خطاب ربه {يا خير المسئولين ويا خير المعطين} ولو عامل الرب سبحانه عبده بما قدم لما نال شيئاً؛ لما ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال {لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله} قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال {ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل} وفي القرآن الكريم نقرأ )ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة( )ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة( وبدلاً من ذلك ندعو بالدعاء المأثور الذي دعا به خير البشر صلى الله عليه وسلم حين مات صاحبه أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي رضي الله عنه فقال {اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، اللهم أفسح له في قبره ونوِّر له فيه}

    ثانياً: قول القائل (المغفور له بإذن الله) لا حرج فيه إن شاء الله إذا قيل على سبيل التفاؤل لا الجزم؛ فمن مات على الإيمان فهو مغفور له إن شاء الله؛ لقوله سبحانه )إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء( ومثله أيضاً قولهم (المرحوم) ونحوها من الألفاظ، ولا يدخل هذا في النهي الوارد في قوله عليه الصلاة والسلام {إذا دعاء أحدكم فليعزم المسألة ولا يقولن: اللهم اغفر لي إن شئت فإنه لا مستكره له} لأن غرض القائل الخبر لا الدعاء؛ فهو لم يقل: اللهم اغفر لفلان إن شئت، بل قال: المغفور له بإذن الله.

  • حكم الشعر المستعار

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم النهي عن أن يصل الآدمي شعره بشعر غيره؛ وهذا النهي ورد في جملة من الأحاديث، منها:

    • ما ثبت في الصحيحين عن معاوية رضي الله عنه أنه خطب الناس على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتناول قصة من شعر[1]؛ كانت بيد حرسي؛ فقال: أين علماؤكم يا أهل المدينة؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذه، ويقول: “إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم” وفي لفظ لمسلم: “إنما عذب بنو إسرائيل لما اتخذ هذه نساؤهم”
    • ما ثبت في الصحيحين، واللفظ لمسلم، عن سعيد بن المسيب قال: (قدم معاوية المدينة فخطبنا، وأخرج كبة[2] من شعر فقال: ما كنت أرى أن أحداً يفعله إلا اليهود، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه فسماه: الزور).
    • في صحيح مسلم: أن معاوية رضي الله عنه قال ذات يوم: (إنكم قد أحدثتم زي سوء، وإن نبي الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الزور).
    • ما ثبت في الصحيحين أن امرأة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إِنَّ لِى ابْنَةً عُرَيِّسًا[3] أَصَابَتْهَا حَصْبَةٌ فَتَمَرَّقَ[4] شَعْرُهَا أَفَأَصِلُهُ فَقَالَ «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ».
    • جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (أيما امرأة أدخلت في شعرها من شعر غيرها فإنما تدخله زوراً) قال الألباني في السلسلة الصحيحة 3/7: أخرجه أحمد من حديث معاوية

    فهذه الأحاديث صريحة في تحريم اتخاذ الشعر، وهي شاملة بعمومها لما كان طبيعياً أو صناعياً، ووجوه التحريم ظاهرة من منطوق هذه الأحاديث، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى، والأصل في النهي التحريم، وقد قال الله عز وجل َ{ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} وقال النبي صلى الله عليه وسلم “ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم” متفق عليه، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قد سماه زوراً، والزور حرام، وذكر أنه من فعل اليهود، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن من تشبه بقوم فهو منهم، وذكر أنه من موجبات العذاب والهلاك؛ فقال “إنما هلكت بنو إسرائيل لما اتخذ مثل هذه نساؤهم”

    ومعلوم أنه إذا كان وصل المرأة شعرها بما يطوله أو يكثره حراماً تستحق عليه اللعنة؛ لما يتضمنه ذلك من الخداع والغش والتدليس، فاتخاذ رأس كامل مزور – وهو المعروف في لسان الناس اليوم بالباروكة – أشد في التدليس وأعظم في الزور والخداع، فيكون حراماً من باب أولى، وإذا كان هذا اللعن في حق النساء مع حاجتهن إلى التزين والتجمل، فهو في حق الرجال أولى.

    وقد يستثنى من ذلك المرأة المتزوجة التي ليس على رأسها شعر أصلاً، بأن كانت قرعاء، أو أصابها داء أو تناولت دواء تسبب في تساقط شعرها وذهابه؛ فإنه قد يؤذن لها – والله أعلم – في اتخاذ باروكة تستر به هذا العيب؛ لأن فعلها ليس من تغيير خلق الله ولا من باب الغش والتدليس؛ بل من باب إزالة العيب، وقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم لمن قطعت أنفه أن يتخذ أنفاً من ذهب؛ فروى أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ طَرَفَةَ أَنَّ جَدَّهُ عَرْفَجَةَ بْنَ أَسْعَدَ قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلاَبِ فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ فَأَمَرَهُ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ. والعلم عند الله تعالى.

    [1] قال النووي رحمه الله تعالى: قال الأصمعي وغيره: هي شعر مقدم الرأس المقبل على الجبهة، وقيل: شعر الناصية

    [2] قال النووي رحمه الله تعالى: بضم الكاف وتشديد الباء، هي شعر مكفوف بعضه على بعض

    [3] تصغير عروس

    [4] تساقط

  • انحراف المسجد عن القبلة

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فاستقبال القبلة شرط في صحة الصلاة بإجماع أهل العلم، لقول ربنا سبحانه )فول وجهك شطر المسجد الحرام( ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: بينما الناس بقباء إذ جاءهم آت فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلمقد أنزل عليه الليلة قرآن؛ وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها؛ وكانت وجوههم إلى الشام؛ فاستداروها إلى الكعبة} رواه مالك والشيخان، وفي حديث المسيء صلاته {فإذا قمت إلى الصلاة فاسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة}ومن كان داخل المسجد الحرام ففرضه استقبال عين الكعبة، ومن كان في مكة ـ شرَّفها الله ـ ففرضه استقبال الحرم، وأما من كان خارج مكة ففرضه استقبال جهة الكعبة؛ للحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال {ما بين المشرق والمغرب قبلة}يعني بذلك أهل المدينة والشام، وأما من كان في جهة المشرق ـ كحالنا في السودان ـ ففرضنا استقبال ما بين الشمال والجنوب، وأما الإجماع فقد حكى ابن حزم رحمه الله تعالى الاتفاق على أن من تحول عن القبلة عمداً لغير قتال ونحوه من الأعذار فإن صلاته فاسدة.ا.هـــــ[1]

    وقد قال أهل العلم: إن الانحراف اليسير عن القبلة لا يضر ما دام المصلي مستقبلاً جهتها، وأما إذا كان الانحراف فاحشاً بحيث يستدبر القلة أو صار شمال الكعبة أو جنوبها مثلاً؛ أو انحرف انحرافاً يبلغ خمساً وأربعين درجة فأكثر فالصلاة لا تصح على تلك الحال، في المدونة: قال مالك: فيمن استدبر القبلة أو شرق أو غرب، فصلى وهو يظن أن تلك القبلة، ثم تبين له أنه على غير القبلة، فقال: يقطع ما هو فيه ويبتدئ الصلاة.ا.هــــــ[2]

    هذا وإنا لنوصي القائمين على تشييد المساجد بأن بتحروا القبلة قبل الشروع في البناء؛ وذلك بالاستعانة بأهل الخبرة والاختصاص من هيئة المساحة ووزارات التخطيط العمراني؛ وذلك حتى تسلم صلاة الناس من البطلان أو الشك، والعلم عند الله تعالى.

    [1]مراتب الإجماع 28

    [2]المدونة 1/92 والتشريق والتغريب المذكور في المدونة إنما هما بالنسبة لمن في المدينة؛ ومن في سمتها؛ أو من كان جنوب مكة، كأهل اليمن والحبشة، أما من كانوا غرب مكة – كما هو الحال في السودان – فإن الشمال والجنوب بالنسبة لهم بمنزلة الشرق والغرب لأهل المدينة

  • انتقض وضوءه في الطواف

    ما حكم من انتقض وضوؤه في الطواف من شدة الزحام؟

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فإن الطواف شرط لصحة الطواف عند جمهور العلماء؛ لما رواه الترمذي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسـلم قال (الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَحَلَّ فِيهِ الْمَنْطِقَ، فَمَنْ نَطَقَ، فَلَا يَنْطِقُ إِلَّا بِخَيْرٍ) وهذا الحديث صححه الألباني.

    وعليه فمن انتقضت طهارته أثناء الطواف قطع الطواف وتوضأ، وقد اختلف أهل العلم هل يبني على طوافه من حيث توقف -أي الموضع الذي وصل إليه- أم يبتدئ الطواف من جديد؟
    فالشافعية ذهبوا إلى أنه يبني ولا يبتدئ، قال الشيرازي رحمه الله تعالى في المهذب: وإن أحدث وهو في الطواف توضأ ويبني؛ لأنه يجوز إفراد بعضه عن بعض، فإذا بطل ما صادفه الحدث منه لم يبطل الباقي فجاز له البناء عليه.ا.هـــــــــ
    قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في المجموع: فرع:  حيث قطع الطواف في أثنائه بحدث أو غيره وقلنا يبني على الماضي، فظاهر عبارة جمهور الأصحاب أنه يبني من الموضع الذي كان وصل إليه.ا.هـــــــــــ وقد وافقهم الإمام مالك رحمه الله تعالى على ذلك في رواية عنه، وكذلك الحنابلة
    وعليه؛ فالراجح فيمن وقع منه الحدث أثناء طوافه أن يبني ويبتدئ من حيث وصل؛ لأن الموالاة في الطواف تسقط بالعذر، ومن وقع منه الحدث في طوافه معذور يجوز له البناء.

    وذهب بعض أهل العلم- كأبي العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى ومن وافقه- إلى أن من أحدث أثناء الطواف، لا يلزمه الذهاب للوضوء، بل يصح له أن يكمل طوافه وهو محدث؛ مستدلًا بعدم وجود دليل صريح صحيح على أن الطهارة شرط لصحة الطواف، وهو ما يراه ابن عثيمين -رحمه الله- حيث قال في مجموع فتاواه بعد نقاش هذا الموضوع: ولهذا نرى أن الإنسان إذا أحدث في طوافه، لا سيما في هذه الأوقات الضنكة، أنه يستمر في طوافه، وطوافه صحيح، وليس عند الإنسان دليل يلاقي به ربه إذا شق على عباده. اهـ.

  • يسلّم تسليمة واحدة في الصلاة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالفرض هو التسليمة الواحدة، وقد نقل ابن حزم رحمه الله الإجماع على أن من اقتصر عليها أجزأته، ويشترط في السلام أن يكون معرفاً بأل، وأن يكون بهذا اللفظ {السلام عليكم} والدليل على الاقتصار على التسليمة الواحدة ما رواه الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل قالت: ثم يجلس فيتشهد ويدعو، ثم يسلم تسليمة واحدة {السلام عليكم} يرفع بها صوته. ورواه النسائي وابن حبان وغيرهما، وقد أخرج نحوه الترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم والدارقطني بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه} وقال الحاكم: هو صحيح على شرط البخاري ومسلم. وقال آخرون: هو ضعيف، وقال البغوي في شرح السنة: في إسناده مقال. وقال الترمذي: لا نعرفه مرفوعاً من هذا الوجه. قال العلامة الشيباني رحمه الله تعالى في تبيين المسالك شرح تدريب السالك لأقرب المسالك: وإذا كانت أحاديث التسليمة الواحدة لم تصح؛ فإن عمل أهل المدينة بها يقويها؛ فقد ذكر ابن عبد البر أن الاقتصار على التسليمة الواحدة روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث سعد بن أبي وقاص، ومن حديث عائشة ومن حديث أنس، إلا أنها معلولة لا يصححها أهل العلم بالحديث، ونقل عن الليث بن سعد قوله: أدركت الأئمة والناس يسلمون تسليمة واحدة: السلام عليكم. قال ابن عبد البر: والعمل المشهور بالمدينة التسليمة الواحدة، وهو عمل توارثه أهل المدينة كابراً عن كابر، ومثله يصح فيه الاحتجاج بالعمل في كل بلد لأنه لا يخفى، لوقوعه في كل يوم مراراً، وكذلك العمل بالكوفة وغيرها مستفيض عندهم بالتسليمتين متوارث عندهم أيضا.ا.هـ

    وعليه فلا حرج على هذا الإمام الذي يقتصر على تسليمة واحدة باستمرار، ولعمله وجه في السنة، والله تعالى أعلم.

  • يرقي الناس في المسجد

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالرقية الشرعية للمريض مشروعة، وقد فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده؛ ويُسَنُّ لكل مسلم يقدر عليها أن يبذلها لإخوانه طيبةً بذلك نفسه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم “من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل” وهذه الرقية تراعى فيها الضوابط الشرعية، ومن ذلك:

    أولاً: أن يبتغي الراقي وجه الله تعالى ونفع إخوانه المسلمين؛ لا التكثر من أموالهم بفرض المبالغ الكبيرة عليهم؛ ولا بأس بأن يأخذ أجر المثل من غير وكس ولا شطط؛ استدلالاً بما ترجم له الإمام البخاري رحمه الله تعالى بقوله: باب مَا يُعْطَى فِي الرُّقْيَةِ عَلَى أَحْيَاءِ الْعَرَبِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ.

    وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ.وَقَالَ الشَّعْبِيُّ لاَ يَشْتَرِطُ الْمُعَلِّمُ إِلاَّ أَنْ يُعْطَى شَيْئًا فَلْيَقْبَلْهُ. ثم أورد حديث أبي سعيد رضي الله عنه قَالَ: انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَىِّ فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لاَ يَنْفَعُهُ شَيْءٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلاَءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لاَ يَنْفَعُهُ فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَعَمْ وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْقِي وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضِيِّفُونَا فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلاً فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ!! قَالَ فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمُ: اقْسِمُوا. فَقَالَ الَّذِي رَقَى: لاَ تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا. فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرُوا لَهُ؛ فَقَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ ثُمَّ قَالَ: قَدْ أَصَبْتُمُ اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. وقد أورده الإمام مسلم في صحيحه تحت عنوان: باب جَوَازِ أَخْذِ الأُجْرَةِ عَلَى الرُّقْيَةِ بِالْقُرْآنِ وَالأَذْكَارِ

    ثانياً: عليه أن يراقب نفسه دائماً ويراجع نيته لئلا يكون غرضه من مباشرة الرقية أن يحصل على الشهرة أو يكون ملجأ الناس إليه، أو يطلب بذلك عرضاً من الدنيا

    ثالثاً: أن تكون الرقية بالآيات القرآنية والأدعية النبوية والمفهوم من كلام العرب، ولا يجوز أن تكون بألفاظ موهمة لا يُعرف معناها؛ أخذاً من عموم قوله صلى الله عليه وسلم “لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا”

    رابعاً: ألا يشتط في طلب المال من الناس؛ بل يضع لنفسه أجراً معقولاً بلا وكس ولا شطط؛ وعليه أن يتذكر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم “اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه”

    خامساً: ألا يرتب على ما يكون في حال الرقية حكماً شرعياً؛ بمعنى أنه إذا نطق الجني على لسان المصروع وذكر أنه قد جاء عن طريق فلان أو فلانة؛ فما ينبغي للراقي أن يخبر بذلك، ولو سمع به غيره فعليه تنبيهه إلى أن الأصل في الجن الكذب والعمل على التحريش بين المؤمنين؛ ففي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم” أي بإيقاع العداوة والبغضاء بينهم، وإغراء بعضهم ببعض، كما قال تعالى {إنَّما يريد الشَّيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدَّكم عن ذكر الله وعن الصَّلاة فهل أنتم منتهون}

    هذا وإن على إمام المسجد واجباً عظيماً يتمثل في جمع القلوب على الهدى والسعي بالإصلاح بين الناس، وأن يجعل من نفسه في هذا الباب قدوة ويتقي الله ما استطاع، والله الموفق والمستعان.

  • يتلو القرآن بمكبرات الصوت

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فتلاوة القرآن من أعظم العبادات وأجل القربات، وقد نقل الإمام النووي رحمه الله تعالى إجماع أهل العلم على أن أفضل الذكر تلاوة القرآن، وقد وردت النصوص في القرآن والسنة ناطقة بذلك شاهدة عليه.

    فإذا كان السؤال متعلقاً بتلاوة القرآن بمكبر الصوت في حال إمامته للناس في الصلاة المفروضة فلا حرج في ذلك إن شاء الله؛ لأن في استعمال مكبر الصوت في الصلاة الجهرية جملة من المصالح العظيمة؛ كتذكير الناس بالصلاة وإسماعهم تلاوة القرآن في زمن كثر فيه التشويش واللغو وقلَّ فيه من يذكِّر بالله عز وجل؛ شريطة ألا يؤدي ذلك إلى أذية أهل المساجد الأخرى واختلاط أصوات الأئمة على المأمومين بما يذهب معه الخشوع وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (ولا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة في الصلاة) رواه أحمد.

    أما إذا كانت التلاوة من الإمام خارج الصلاة المفروضة فما ينبغي له ذلك؛ لأن تلاوة القرآن عبادة شأنها شأن سائر العبادات من استطاع أن يستخفي بها فهو أفضل لأنه أبعد عن الرياء وأدعى للإخلاص؛ والإعلان بها يكون وفق المصلحة الشرعية التي يقدرها أهل العلم؛ لما في ذلك من مظنة الرياء والمجاهرة بما سبيله الإسرار؛ ولما فيه من إزعاج الناس وإقلاق المرضى وذوي الحاجات من طلاب يستذكرون دروسهم ونحوهم، ولما فيه كذلك من حصول الشنئان والعداوة وفتنة الناس في دينهم، وقد قال الله عز وجل {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا} والله تعالى أعلم.

  • إمام راتب ادّعى أحقيته بالإمامة وإن كان مسبوقا

    أفتى إمام مسجد بأن الإمام الراتب إن كان مسبوقاً ودخل المسجد فمن حقه أن يتقدم ويصلي بالناس، حتى ولو كان مسبوقاً بثلاث ركعات في صلاة الظهر، وقال في ملخص فتواه بأن المصلين ينتظرونه حتى يكمل صلاته وبعد ذلك يسلمون معه؛ أفتونا مأجورين،،،

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فينبغي للإمام أن يكون حريصاً على تأليف القلوب وجمع الناس من حوله، لا أن يسعى في تفريق جماعتهم وتنفير قلوبهم وضرب بعضهم ببعض، ولذلك أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نقدم للإمامة أكثرنا علماً وأحسننا قرآناً؛ فقال عليه الصلاة والسلام {يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله} رواه مسلم. وفي المدونة: أولى الناس بالإمامة أفقههم إذا كان أفضلهم في أنفسهم لأنه قد يقرأ القرآن من لا خير فيه. المدونة1/85

    وعلى الإمام أن يلتزم بالوقت المحدد لإقامة الصلاة؛ فلا يتأخر عنه ولا يتقدم عليه؛ لئلا يفضي ذلك إلى اختلاف الناس واشتجارهم، وعليه أن يصلي بالناس صلاة معتدلة لا بالطويلة المملة ولا بالقصيرة المخلة، ولْيتذكرْ قول النبي صلى الله عليه وسلم {إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف؛ فإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء}

    وليس من حق الإمام إذا جاء مسبوقاً أن يتقدم ليصلي بالناس؛ فإن للاستخلاف أسباباً تبيحه دون سواها، ومن هذا الأسباب:

    1. إذا خاف الإمام من الاستمرار في الصلاة هلاك نفس محترمة، ولو حيواناً أو خاف تلف مال له بال، ولو كان لغيره
    2. إذا طرأ على الإمام في الصلاة ما يمنعه من مواصلتها؛ كأن يعجز عن القيام أو الركوع أو السجود
    3. إذا انتقض وضوء الإمام في الصلاة دون تعمد، أو تذكر أنه دخل الصلاة بغير وضوء، أو دخلها جنبا
    4. إذا تذكر الإمام أثناء الصلاة أن في ثوبه نجاسة
    5. إذا مات الإمام في الصلاة؛ فيقدم المأمومون من يتم بهم
    6. إذا حصل الضحك – بصوت – من الإمام غلبة أو نسيانا
    7. إذا انكشفت عورة الإمام أثناء الصلاة، مثل أن تسقط ثيابه
    8. إذا حدث رعاف يمنع الإمام من مواصلة الصلاة
    9. إذا نوى الإمام المسافر الإقامة أثناء الصلاة

    وقد ذكروا في شروط صحة الاستخلاف أن يكون المستخلف الذي تقدم ليحل محل الإمام قد دخل الصلاة قبل حصول العذر للإمام؛ لأن من دخل بعد العذر فهو أجنبي عن صلاة الإمام لا يصح استخلافه، وأن يكون الخليفة ممن تصح إمامته.

    وعليه فإنه لا يصح للإمام الراتب إذا جاء متأخراً أن يتقدم ليؤم الناس؛ لما في ذلك من تعريض صلاة الناس للبطلان؛ ولما في صنيعه من إثارة الفتنة والعداوة بينه وبين المصلين، والله الهادي إلى سواء السبيل.

  • عذاب القبر

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فبداية لا بد من تقرير حرمة القول على الله بغير علم؛ سواء  تعلق بالعقائد أو شعائر الإسلام وشرائعه؛ لعموم قوله سبحانه وتعالى )قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون( وقول النبي صلى الله عليه وسلم {أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار} رواه الدارمي

    وقد عدَّ النبي صلى الله عليه وسلم القول على الله بغير علم من أمارات الشر وعلامات الساعة؛ روى البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول {إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يُبق عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا} قال الحافظ: وفيه أن الفتوى هي الرياسة الحقيقية وذم من يقدم عليها بغير علم.أ.هـ وقد حذرنا ربنا تبارك وتعالى من سلوك هذا السبيل بقوله )ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الكذب لا يفلحون ~ متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون(

    ولا يجوز للمسلم أن يجالس من كانت هذه صفته ولا أن يستمع لقوله؛ وقد قال سبحانه {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين}

    والذي عليه جماعة المسلمين – سلفاً وخلفاً – أن عذاب القبر حق؛ وأن القبر إما أن يكون روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، وقد تظاهرت على ذلك أدلة القرآن والسنة، ومن ذلك:

    • قوله تعالى: (إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ) [الأنعام : 93]
    • وقوله تعالى: (سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ) [التوبة : 101] قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: عذاب الدنيا، وعذاب القبر. وقال الطبري رحمه الله تعالى: “والأغلب أن إحدى المرتين عذاب القبر، والأخرى تحتمل أحد ما تقدم ذكره من الجوع أو السبي أو القتل والإذلال أو غير ذلك”.
    • وقوله تعالى: (وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ – النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر : 45-46]. قال القرطبي: “الجمهور على أن هذا العرض يكون في البرزخ، وهو حجة في تثبيت عذاب القبر.
    • وقوله تعالى: (وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون) وقد قال أكثر المفسرين بأن المراد بقوله تعالى (دون ذلك) عذاب القبر
    • ترجم البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه في كتاب الجنائز لعذاب القبر، فقال: باب ما جاء في عذاب القبر، وساق الآيات التي سبق ذكرها
    • ما ثبت عن أمنا عائشة رضي الله عنها: “أن اليهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة الرسول صلى الله عليه وسلم عن عذاب القبر، فقال: نعم، عذاب القبر. قالت عائشة رضي الله عنها: فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلى إلا تعوذ من عذاب القبر” زاد غندر: “عذاب القبر حق” رواه البخاري
    • وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها، قالت: “دخلت عليَّ عجوزان من عُجُز يهود المدينة، فقالتا: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم، قالت: فكذبتهما، ولم أنعم أن أصدقهما، فخرجتا، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: يا رسول الله إن عجوزين من عجز يهود المدينة دخلتا عليَّ، فزعمتا أن أهل القبور يعذبون في قبورهم، فقال: “صدقتا، إنهم يعذبون عذاباً تسمعه البهائم” قالت: فما رأيته بعد في صلاة إلا يتعوذ من عذاب القبر”.
    • ما رواه مسلم في صحيحه عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: “بينما النبي صلى الله عليه وسلم في حائط لبني النجار، على بغلة له، ونحن معه، إذ حادت به، فكادت تلقيه، وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة، فقال: من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ فقال رجل: أنا، قال: فمتى مات هؤلاء؟ قال: ماتوا في الإشراك، فقال: إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا، لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه”.
    • وفي صحيح البخاري ومسلم وسنن النسائي عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: “خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما غربت الشمس، فسمع صوتاً، فقال: يهود تعذب في قبورها”.
    • ما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم مرّ بقبرين، فقال: “إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير ..”
    • وفي صحيح مسلم وجميع السنن عن أبى هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ بالله من أربع من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال”
    • وفي صحيح مسلم أيضا وغيره عن ابن عباس أن النبي كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن اللهم إنى أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال
    • حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما رواه أحمد وأبو داود وابن خزيمة والحاكم بإسناد صحيح أن الملائكة تسأل العبد المؤمن في قبره فيحسن الإجابة وعند ذاك: “ينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مدّ بصره، قال: ويأتيه [وفي رواية: يمثل له] رجل حسن الوجه حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، [أبشر برضوان من الله، وجنات فيها نعيم مقيم] هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: [وأنت فبشرك الله بخير] من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح [فو الله ما علمتك إلا كنت سريعاً في طاعة الله، بطيئاً في معصية الله، فجزاك الله خيراً]، ثم يفتح له باب من الجنة، وباب من النار، فيقال: هذا منزلك لو عصيت الله، أبدلك الله به هذا، فإذا رأى ما في الجنة، قال: ربِّ عجل قيام الساعة، كيما أرجع إلى أهلي ومالي، [فيقال له: اسكن]”. وذكر صلوات الله عليه وسلامه أن العبد الكافر أو الفاجر بعد أن يسيء الإجابة” ينادي منادٍ في السماء أن كذب، فافرشوا له من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه في قبره، حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه (وفي رواية: ويمثل له) رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح،: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: [وأنت فبشرك الله بالشر]، من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، [فوالله ما علمتك إلا كنت بطيئاً عن طاعة الله، سريعاً إلى معصية الله]، [فجزاك الله شراً، ثم يقيض الله له أعمى أصم أبكم في يده مرزبة، لو ضرب بها جبل كان تراباً، فيضربه حتى يصير بها تراباً، ثم يعيده كما كان، فيضربه ضربة أخرى، فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين، ثم يفتح له باب من النار، ويمهد من فرش النار]، فيقول: رب لا تقم الساعة”.
    • وفي حديث أنس رضي الله عنه أن الكافر والمنافق بعد أن يجيب في قبره تلك الإجابة الكاذبة، يقال له: “لا دريت، ولا تليت، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين” أخرجه البخاري ومسلم، ولفظ الحديث للبخاري، ولمسلم: “إن العبد إذا وضع في قبره، ثم ذكر نحواً مما تقدم إلى قوله: وذكر لنا: أنه يفسح فيه سبعين ذراعاً، ويملأ عليه خضراً إلى يوم تبعثون”، وفي رواية لأبي داود أن العبد المؤمن بعد أن يسأل ويجيب: “ينطلق به إلى بيت كان له في النار، فيقول له: هذا كان لك، ولكن الله عصمك، فأبدلك به بيتاً في الجنة، فيراه، فيقول: دعوني حتى أذهب فأبشر أهلي، فيقال له: اسكن”.
    • وفي سنن الترمذي عن أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أن الملكين يقولان للعبد المؤمن بعد أن يجيب الإجابة السديدة: “قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين، ثم ينور له فيه، ثم يقال له: نم، فيقول، أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك”. وأنهما يقولان للمنافق: “قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: التئمي عليه، فتلتئم عليه، فتختلف أضلاعه، فلا يزال معذباً حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك”.

    قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: “قال أبو محمد عبد الحق: اعلم أن عذاب القبر ليس مختصاً بالكافرين، ولا موقوفاً على المنافقين، بل يشاركهم فيه طائفة من المؤمنين، وكل على حاله من عمله، وما استوجبه من خطيئته وزلله.ا.هـــــــ

    وهذه الأحاديث بلغت حد التواتر المعنوي، ومن أنكر ما دلت عليه من إثبات عذاب القبر فهو على خطر عظيم. قال الإمام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: وقد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلا، وسؤال الملكين؛ فيجب اعتقاد ذلك والإيمان به، ولا نتكلم عن كيفيته؛ إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته، لكونه لا عهد له به في هذه الدار، والشرع لا يأتي بما تحيله العقول، ولكن قد يأتي بما تحار فيه العقول.ا.هــــــــــــــــــــــــــــــــ

    أسباب عذاب القبر

    وقد بيَّن أهل العلم رحمهم الله تعالى الذنوب التي تكون سبباً في عذاب القبر، ومن ذلك المشي بالنميمة وعدم الاحتراز من البول؛ فقد روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “مرّ النبي صلى الله عليه وسلم على قبرين، فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى، أمّا أحدهما فكان يسعى بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله، ثم قال: ثم أخذ عوداً رطباً فكسره باثنتين، ثم غرز كل واحد منهما على قبر، ثم قال: لعله يخفف عنهما، ما لم ييبسا”. ومن الذنوب التي يعذب صاحبها في القبر الغلول، وقد صح في ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: أهدى رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلاماً يقال له: مِدْعم، فبينما مدعم يحط رحلاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أصابه سهم عائر، فقتله، فقال الناس: هنيئاً له الجنة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: “كلا، والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم، لتشتعل عليه ناراً” فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك أو شراكين إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: “شراك من نار أو شراكين من نار”  متفق عليه.

    ومن الذنوب المؤدية إلى عذاب القبر كذلك الكذب وهجر القرآن والزنا والربا وقد ثبت ذلك من حديث سمرة بن جندب عند البخاري في الصحيح، وهو حديث طويل

    أقوال الأئمة

    قال المروزي: قال أبو عبد الله: عذاب القبر حق لا ينكره إلا ضال أو مضل.

    وقال حنبل: قلت لأبى عبد الله في عذاب القبر؛ فقال هذه أحاديث صحاح نؤمن بها ونقر بها كلما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم إسناد جيد أقررنا به، إذا لم نقر بما جاء به رسول الله ودفعناه ورددناه على الله أمره قال الله تعالى {وما آتاكم الرسول فخذوه} قلت له: وعذاب القبر حق؟ قال: حقٌ، يعذبون في القبور. قال: وسمعت أبا عبد الله يقول نؤمن بعذاب القبر وبمنكر ونكير وأن العبد يسأل في قبره {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة}

زر الذهاب إلى الأعلى