الفتاوى

  • تركيب إطارات لسيارات يُقاتَل بها المسلمون

    جواباً على الاستفتاء المقدم من معاذ عمر حسين عن حكم العمل في تركيب إطارات العربات والطائرات بشركة أجنبية يُظن أنها تصنّع طائرات حربية يمكن أن تستخدم في قتال المسلمين.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالنصوص الشرعية دالة على أن وجوب التعاون على البر والتقوى، وحرمة التعاون على الإثم والعدوان؛ فقال تعالى {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} ومن أعظم العدوان ما يجري من أمم الكفر من سفك دماء المسلمين والاجتراء على حرماتهم، ومن أعظم الإثم إعانتهم على ذلك؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم “المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله ولا يحقره” وقال عليه الصلاة والسلام “كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه”

    وعليه فلا يجوز لمسلم أن يعمل في مصنع تركيب إطارات لعربات أو طائرات يغلب على ظنه أنها قد تستخدم في قتال المسلمين؛ أو شن عدوان عليهم، اللهم إلا إذا كانت نيته أن يكون ذلك لمدة موقوتة يتعلم فيها فنون الصنعة وأسرارها ليعود نفعه على المسلمين بعدها؛ وقد تقرر عند فقهائنا أن الأمور بمقاصدها؛ أخذاً من قول النبي صلى الله عليه وسلم “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى” والله تعالى أعلم.

  • ترك واجبا أو اثنين في الحج

    ما حكم من ترك واجباً أو واجبين من جنس واحد؟ هل يلزمه دم أم دمان؟ مثلاً ترك الرمي والمبيت، أو ترك الحلق والرمي، أو ترك رمى جمرة العقبة وأيام التشريق

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى فيما يجب على من ترك المبيت بمنى في أحد ليالي أيام التشريق الثلاثة؛ فذهب المالكية رحمهم الله إلى أنه يجب عليه دم؛ قال خليل في المختصر: وإن ترك جل ليلة فدم.ا.هــــــــــ وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه يجب عليه في كل ليلة لم يبت فيها معظم الليل مد من طعام؛ فإن ترك المبيت في كل أيام التشريق كان عليه دم؛ قال النووي رحمه الله تعالى في المجموع: وإن ترك ليلتين فعلى الأصح يجب مدان.ا.هـــــ قال في الموسوعة الفقهية: وَأَوْجَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَكَذَا الْحَنَابِلَةُ فِي تَرْكِ الْمَبِيتِ كُلِّهِ دَمًا وَاحِدًا، وَفِي تَرْكِ لَيْلَةٍ مُدًّا مِنَ الطَّعَامِ، وَفِي تَرْكِ لَيْلَتَيْنِ مُدَّيْنِ، إِذَا بَاتَ لَيْلَةً وَاحِدَةً، إِلاَّ إِذَا تَرَكَ الْمَبِيتَ لِعُذْرٍ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، كَأَهْل سِقَايَةِ الْعَبَّاسِ، وَرِعَاءِ الإْبِل فَلَهُمْ تَرْكُ الْمَبِيتِ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ غَيْرِ دَمٍ، وَمِثْلُهُمْ مَنْ يَخَافُ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، أَوْ ضَيَاعِ مَرِيضٍ بِلاَ مُتَعَهِّدٍ، أَوْ مَوْتِ نَحْوِ قَرِيبٍ فِي غَيْبَتِهِ. اهــ.
    وقد استبان بهذا أن المد أو الدم إنما هو في حق من لم يكن له عذر، أما من كان معذورا كمن قصد المبيت بمنى ثم تعطل به السير لشدة الزحام فلا شيء عليه، وكذلك لا شيء على من ترك المبيت لاشتغاله بخدمة الحجيج كالأطباء والممرضين ونحوهم، قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى:
    إن النبي صلى الله عليه وسلم رخَّص للعباس أن يبيت في مكة من أجل سقاية الحاج، وهذا عمل عام، وكذلك رخص للرعاة أن يتركوا المبيت بمنى … ويشبه هؤلاء من يترك المبيت لرعاية مصالح الناس كالأطباء، وجنود الإطفاء، وما أشبه ذلك، فهؤلاء ليس عليهم مبيت، لأن الناس في حاجة إليهم، وأما من بهم عذر خاص كالمريض، والممرض له، وما أشبه ذلك، فهل يلحقون بهؤلاء؟ على قولين للعلماء:  فمن العلماء من يقول: إنهم يلحقون؛ لوجود العذر.  ومن العلماء من يقول: إنهم لا يلحقون؛ لأن عذر هؤلاء خاص، وعذر أولئك عام. والذي يظهر لي: أن أصحاب الأعذار يلحقون بهؤلاء… اهــ.

    أما من ترك الرمي أيام التشريق فإنه يلزمه دم عند جمهور العلماء؛ جاء في الموسوعة الفقهية: مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ يَجِبُ الدَّمُ عَلَى مَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ كُلَّهُ أَوْ تَرَكَ رَمْيَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ تَرَكَ ثَلاَثَ حَصَيَاتٍ مِنْ رَمْيِ أَيِّ جَمْرَةٍ…. اهــ.

  • تربية الحمير وتصديرها

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

    فالكلام في هذه المسألة يتناول البحث في ثلاثة أمور:

    أولها: حكم أكل لحم الحمير

     حيث ذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم رحمهم الله تعالى إلى تحريم أكلها؛ وذلك للنصوص الثابتة في النهي عن أكلها، ومن ذلك:

    1/ حديث سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا أَمْسَى الْيَوْمُ الَّذِي فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ خَيْبَرُ أَوْقَدُوا نِيرَانًا كَثِيرَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا هَذِهِ النَّارُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ؟ قَالُوا: عَلَى لَحْمٍ، قَالَ: عَلَى أَيِّ لَحْمٍ؟ قَالُوا: عَلَى لَحْمِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ، فَقَالَ: أَهْرِيقُوهَا وَاكْسِرُوهَا فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْ نُهْرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا؟ فَقَالَ: أَوْ ذَاكَ» متفق عليه

    2/ حديث أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: أَصَبْنَا مِنْ لَحْمِ الْحُمُرِ يَعْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ فَإِنَّهَا رِجْسٌ أَوْ نَجِسٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

    3/ حَدِيثِ عَلِيٍّ وجابر وابن عمر وابن عباس والبراء وأبي ثعلبة وعبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهم بِلَفْظِ «نَهَى عَامَ خَيْبَرَ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ» متفق عليه

    4/ حديث ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ» رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ

    وقد ذهب بعض أهل العلم منهم عبد الله بن عباس رضي الله عنه ومالك في إحدى الروايات، إلى عدم تحريمها استدلالا بأحاديث منها:

    1/ ما رواه الشيخانِ عن الشَّعْبِيِّ عن ابن عباس قال (لَا أَدْرِي أَنَهَى عَنْهَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا كَانَتْ حَمُولَةَ النَّاسِ أَوْ حُرِّمَتْ)

    2/ ما رواه البخاري عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ قَالَ: قَدْ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ عِنْدَنَا بِالْبَصْرَةِ وَلَكِنْ أَبَى ذَلِكَ الْبَحْرُ يَعْنِي ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقَرَأَ: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا}

    3/ أن التحريم كان لمعنى خاص لا للتأبيد؛ حيث روى ابن ماجه والطبراني عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّمَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُمُرَ الْأَهْلِيَّةِ مَخَافَةَ قِلَّةِ الظَّهْرِ» قال الشوكاني: وإسناده ضعيف، وعن بعضهم: إنَّمَا نَهَى عَنْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى “فَقَالَ نَاسٌ: إنَّمَا نَهَى عَنْهَا لِأَنَّهَا لَمْ تُخَمَّسْ”

    4/ وبما أَخْرَجَه أَبُو دَاوُد عَنْ غَالِبِ بْنِ أَبْجَرَ قَالَ «أَصَابَتْنَا سَنَةٌ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي مَا أُطْعِمُ أَهْلِي إلَّا سِمَانُ حُمُرٍ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: إنَّك حَرَّمْت لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَقَدْ أَصَابَتْنَا سَنَةٌ، قَالَ: أَطْعِمْ أَهْلَكَ مِنْ سَمِينِ حُمُرِك، فَإِنَّمَا حَرَّمْتُهَا مِنْ أَجْلِ جَوَالِّ الْقَرْيَةِ» بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ جَمْعُ جَالَّةٍ، مِثْلُ سَوَامِّ جَمْعِ سَامَّةٍ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَهَوَامِّ جَمْعِ هَامَّةٍ: يَعْنِي الْجَلَّالَةَ وَهِيَ الَّتِي تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ.

    5/ وبما أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أُمِّ نَصْرٍ الْمُحَارِبِيَّةِ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَقَالَ: أَلَيْسَ تَرْعَى الْكَلَأَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ: قَالَ: فَأَصِبْ مِنْ لُحُومِهَا» وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي مُرَّةَ قَالَ: سَأَلْتُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.

    وقد أجاب الجمهور على حجج القائلين بالإباحة بأجوبة منها:

    أولاً: أن الاستدلال بآية الأنعام {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما} إنَّمَا يَتِمُّ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَمْ يَرِدْ النَّصُّ بِتَحْرِيمِهَا، وَأَمَّا الْحُمُرُ الْإِنْسِيَّةُ فَقَدْ تَوَاتَرَتْ النُّصُوصُ عَلَى ذَلِكَ، وَالتَّنْصِيصُ عَلَى التَّحْرِيمِ مُقَدَّمُ عَلَى عُمُومِ التَّحْلِيلِ وَعَلَى الْقِيَاسِ.

    ثانياً: أن آية الأنعام مَكِّيَّةٌ، والتحريم إنما كان بعد ذلك في يوم خيبر

    ثالثاً: المعنى الخاص الذي ذكروه من كونها ركوبة الناس، أو أنها تأكل العذرة، أو أنها لم تخمس، أجاب عن ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح حيث قال: وَقَدْ أَزَالَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ مِنْ كَوْنِهَا لَمْ تُخَمَّسْ أَوْ كَانَتْ جَلَّالَةً أَوْ غَيْرَهُمَا حَدِيثُ أَنَسٍ حَيْثُ جَاءَ فِيهِ “فَإِنَّهَا رِجْسٌ” وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ فِي حَدِيثِ سَلَمَةَ.ا.هـــــــــــــــ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ظَاهِرُهُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي إنَّهَا رِجْسٌ عَائِدٌ عَلَى الْحُمُرِ لِأَنَّهَا الْمُتَحَدَّثُ عَنْهَا الْمَأْمُورُ بِإِكْفَائِهَا مِنْ الْقُدُورِ وَغَسْلِهَا، وَهَذَا حُكْمُ النَّجَسِ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ تَحْرِيمُ أَكْلِهَا لِعَيْنِهَا لَا لِمَعْنًى خَارِجٍ.ا.هــــــــ وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْأَمْرُ بِإِكْفَاءِ الْقُدُورِ ظَاهِرُ أَنَّهُ بِسَبَبِ تَحْرِيمِ لَحْمِ الْحُمُرِ. قَالَ الْحَافِظُ: وَقَدْ وَرَدَتْ عِلَلٌ أُخَرُ إنْ صَحَّ رَفْعُ شَيْءٍ مِنْهَا وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ، لَكِنْ لَا مَانِعَ أَنْ يُعَلَّلَ الْحُكْمُ بِأَكْثَرَ مِنْ عِلَّةٍ. وَحَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ صَرِيحٌ فِي التَّحْرِيمِ فَلَا مُعَدَّلَ عَنْهُ.

    وَأُمَّا التَّعْلِيلُ بِخَشْيَةِ قِلَّةِ الظَّهْرِ فَأَجَابَ عَنْهُ الطَّحَاوِيُّ بِالْمُعَارَضَةِ بِالْخَيْلِ، فَإِنَّ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ النَّهْيَ عَنْ الْحُمُرِ وَالْإِذْنَ فِي الْخَيْلِ مَقْرُونَانِ – يعني بذلك ما رواه الشيخان من قول جابر رضي الله عنه “نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية, وأذن في لحوم الخيل” –  فَلَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ لِأَجْلِ الْحُمُولَةِ لَكَانَتْ الْخَيْلُ أَوْلَى بِالْمَنْعِ لِقِلَّتِهَا عِنْدَهُمْ وَعِزَّتِهَا وَشِدَّةِ حَاجَتِهِمْ إلَيْهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ بِتَحْرِيمِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَلَمْ نَجِدْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا إلَّا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِنْدَ مَالِكٍ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ ثَالِثُهَا الْكَرَاهَةُ.

    رابعاً: وأما حَدِيثُ غالب بن أبجر فلَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ. قَالَ الْحَافِظُ: إسْنَادُهُ ضَعِيفٌ: وَالْمَتْنُ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فَلَا اعْتِمَادَ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: اُخْتُلِفَ فِي إسْنَادِهِ كَثِيرًا. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إسْنَادُهُ مُضْطَرِبٌ. قَالَ الحافظ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ رحمه الله تعالى: رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْرِيمَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَمْرٍو وَجَابِرٌ وَالْبَرَاءُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى وَأَنَسٌ وَزَاهِرٌ الْأَسْلَمِيُّ بِأَسَانِيدَ صِحَاحٍ وَحِسَانٍ. وَحَدِيثُ غَالِبِ بْنِ أَبْجَرَ لَا يُعَرَّجُ عَلَى مِثْلِهِ مَعَ مَا يُعَارِضُهُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ لَهُمْ فِي مَجَاعَتِهِمْ وَبَيَّنَ عِلَّةَ تَحْرِيمِهَا الْمُطْلَقِ بِكَوْنِهَا تَأْكُلُ الْعَذِرَاتِ.

    خامساً: وأما حديث أم نصر المحاربية فقد قال الحافظ رحمه الله تعالى: فِي السَّنَدَيْنِ مَقَالٌ، وَلَوْ ثَبَتَا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ.

    قَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَوْلَا تَوَاتُرُ الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَحْرِيمِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ لَكَانَ النَّظَرُ يَقْتَضِي حَلَّهَا، لِأَنَّ كُلَّ مَا حُرِّمَ مِنْ الْأَهْلِيِّ أُجْمِعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ إذَا كَانَ وَحْشِيًّا كَالْخِنْزِيرِ، وَقَدْ أَجْمَعَ عَلَى حِلِّ الْوَحْشِيِّ فَكَانَ النَّظَرُ يَقْتَضِي حِلَّ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَمَا ادَّعَاهُ مِنْ الْإِجْمَاعِ مَرْدُودٌ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْحَيَوَانِ الْأَهْلِيِّ مُخْتَلَفٌ فِي نَظِيرِهِ الْحَيَوَانُ الْوَحْشِيُّ كَالْهِرِّ.

    ثانيها: حكم التداوي بألبانها:

    حيث اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في حكم شرب لبن الحمير للتداوي بمنعه بعضهم وأباحه آخرون؛ حيث ذكر الحطاب في مواهب الجليل عن ابن رشد عن مالك: إنه لا بأس بالتداوي بلبن الأتان مراعاة للخلاف في جواز أكلها، حكى ذلك ابن حبيب عن مالك وسعيد  والقاسم وعطاء، وروي إباحة التداوي بها عن النبي صلى الله عليه وسـلم وإلى إجازة ذلك ذهب ابن المواز.ا.هـــــــــــــــــــــــــ قال ابن ما يابى الشنقيطي في نظمه لنوازل العلوي مشيراً إلى قول مالك فيها:

    ولبن الحمير للدواء… أجازه الإمام ذو اللواء

    ومثله في لبن الخيول.. مع البغال قاله الجزولي

    وكذا أجازه الشافعية بناء على قاعدتهم في جواز التداوي بالنجس من الأبوال؛ قال النووي رحمه الله تعالى: وإن كان ينتفع بالتداوي به حل التداوي به أي النجس.

    وكذلك الأحناف رحمهم الله تعالى اختلفوا فيه – كما ذكر الزيلعي في تبيين الحقائق – فمنهم من أجازه ومنهم من منعه لأن الاستشفاء بالحرام حرام.

    وأما الحنابلة فقد قال ابن مفلح في الآداب الشرعية: وقال في رواية حنبل في ألبان الأتن: لا تشر ولا لضرورة، ونقل عنه ابن منصور وجماعة في مريض وصف له دواء يشربه مع ألبان الأتن: لا تشربه.

    قال ابن مفلح: قد ذكر الأطباء أن لبن الأتن قليل الدسومة رقيق يشد الأسنان واللثة إذا تمضمض به بخلاف غيره من الألبان، جيد للسعال والسل ونفث الدم إذا شرب حليباً حين يخرج من الضرع، وينفع من الأدوية القتالة والزحير وقروح الأمعاء، وهو غير موافق لأصحاب الصداع والطنين والدود.ا.هــــــ

    ثالثها: حكم بيعها

    لا حرج في تربية الحمير وبيعها؛ وذلك لعموم المنافع التي فيها، وكل ما جاز الانتفاع به جاز بيعه إلا ما ورد النص في المنع منه كالكلب ونحوه؛ حيث ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسـلم أنه نهى عن ثمن الكلب، أما الحمير فقد ذكرها ربنا جل جلالـه في معرض الامتنان على العباد بما سخر لهم حيث قال سبحانه {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون}

    ومن هنا تكلم أهل العلم رحمهم الله تعالى في زكاتها إذا اتخذت للتجارة؛ حيث قال النووي رحمه الله تعالى في المجموع: وأما الخيل والبغال والحمير والمتولِّد بين الغنم والظباء فلا زكاة فيها كلها عندنا بلا خلاف، وسواء كانت الخيل إناثاً أو ذكوراً أو ذكوراً وإناثا، وسواء في المتولدين كانت الإناث ظباء أو غنماً فلا زكاة في الجميع مطلقاً، وهذا إذا لم تكن للتجارة فإن كانت لها وجبت زكاتها.ا.ه

    هذا: ومحل البحث فيما لو غلب على ظن البائع أو المصدِّر لتلك الحمر، أن طالبها إنما يشتريها أو يستوردها لا لاستعمالها في غرض مباح – من ركوبها أو الحمل عليها – وإنما هو من آكليها، وهذا هو الغالب من حال أهل الصين مثلاً؛ حيث لا يتورع غير المسلمين منهم عن أكل لحوم الحمر وغيرها من الدواب – حلالاً كانت أو حراماً في شرع المسلمين – فهل يجوز للمسلم في تلك الحال البيع أو التصدير لهؤلاء؟؟

    الذي يظهر من قواعد  الشريعة أن ذلك لا يجوز؛ لما فيه من التعاون على الإثم والعدوان، وقد قال سبحانه {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} خاصة مع ترجيح القول بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة استدلالا ًبقوله تعالى {ما سلككم في سقر. قالوا لم نك من المصلين. ولم نك نطعم المسكين. وكنا نخوض مع الخائضين. وكنا نكذب بيوم الدين} ولأن بائع تلك الحمير ومصدرها – والحال ما ذكر – معين على الباطل، والمعين على الباطل مشارك لفاعليه. والعلم عند الله تعالى.

  • تخصيص مكان معين في المسجد

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد نهى النبي صلى الله عليه وسـلم عن أن أن يتخذ الرجل مكاناً معيناً للصلاة لا يتجاوزه، بل عليه أن يصلي حيثما تيسر له لأن ذلك أبعد من الرياء وأقرب إلى الإخلاص؛ ففي سنن أبي داود وابن ماجه عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ، قَالَ: “نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ، وَعَنْ فِرْشَةِ السَّبُعِ، وَأَنْ يُوَطِّنَ الرَّجُلُ الْمَكَانَ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ كَمَا يُوَطِّنُ الْبَعِيرُ” قال الملا علي القاري في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: يُقَالُ: أَوْطَنَ الْأَرْضَ وَوَطَّنَهَا وَاسْتَوْطَنَهَا إِذَا اتَّخَذَهَا وَطَنًا، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ فِي النِّهَايَةِ، عَنِ الْحُلْوَانِيِّ: أَنَّهُ ذُكِرَ فِي الصَّوْمِ عَنْ أَصْحَابِنَا، يُكْرَهُ أَنْ يَتَّخِذَ فِي الْمَسْجِدِ مَكَانًا مُعَيَّنًا يُصَلِّي فِيهِ ; لِأَنَّ الْعِبَادَةَ تَصِيرُ لَهُ طَبْعًا فِيهِ، وَتَثْقُلُ فِي غَيْرِهِ، وَالْعِبَادَةُ إِذَا صَارَتْ طَبْعًا فَسَبِيلُهَا التَّرْكُ، وَلِذَا كُرِهَ صَوْمُ الْأَبَدِ اهـ، فَكَيْفَ مَنِ اتَّخَذَهُ لِغَرَضٍ آخَرَ فَاسِدٍ؟ اهـ. وقال الخطابي في معالم السنن: وأما إيطان البعير ففيه وجهان أحدهما أن يألف الرجل مكانا معلوماً من المسجد لا يصلي إلاّ فيه كالبعير لا يأوي من عطنه إلاّ إلى مبرك دمث قد أوطنه واتخذه مناخا لا يبرك إلاّ فيه. والوجه الآخر أن يبرك على ركبتيه قبل يديه إذا أراد السجود بروك البعير على المكان الذي أوطنه وأن لا يهوي في سجوده فيثني ركبتيه حتى يضعهما بالأرض على سكون ومهل.ا.هــــ قال العيني في شرحه لسنن أبي داود: ولا دلالة في الحديث على الوجه الثاني فافهم.ا.هــــ وقال السيوطي في شرحه لسنن ابن ماجه: لِأَن التوطين يَسْتَدْعِي التَّمَلُّك وَلَيْسَ الْمَسْجِد مَحل التَّمَلُّك بِخِلَاف مَا لَو تحرى الْمَكَان المتبرك بِلَا إِرَادَة التوطن فَإِن بَينهمَا بونا بَعيدا أَو جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات ان الصَّحَابَة قَالُوا: يَا رَسُول الله الا نَبْنِي لَك بِنَاء فِي منى؟ فَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “لَا منى مناخ من سبق” وَهَكَذَا فِي جَمِيع مجَالِس الْخَيْر من الذّكر والوعظ، وَكَثِيرًا مَا نشاهد فِي زَمَاننَا من الجهلة الْعَوام أنهم يُقَاتلُون على الْمَكَان الْمَخْصُوص فِي الْجَامِع ومجالس الذّكر والوعظ، وَأعظم من ذَلِك أنهم يأتونه مُتَأَخِّرًا ويقدمون خدمهم لحراسة الْمَكَان؛ فَمَا أجهله!! أما لَو قصدُوا أَو سبقوا إلى الْمَكَان المتبرك بِلَا جِدَال وَلَا نزاع فَمَا أحسن هَذَا؛ قَالَ الله تَعَالَى {وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى} وَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “لَو يعلمُونَ مَا فِي الصَّفّ الأول لاستهموا”.ا.هـــــــــــــــــــــــــــ

    وأما حجز المكان في المسجد بواسطة سجادة ونحوها؛ فقد منع من ذلك المالكية رحمهم الله تعالى، قال الشيخ عليش  رحمه الله تعالى في منح الجليل: ونص في المدخل على أنه لا يستحق السابق إلى المسجد بإرسال سجادته إليه وأنه غاصب لذلك المحل. قال… فإن بعث سجادته إلى المسجد في أول الوقت أو قبله ففرشت فيه وتأخر إلى أن يمتلئ المسجد بالناس، ثم يأتي يتخطى رقابهم فيقع في محذورات جملة منها: غصبه ذلك الموضع الذي فرشت به السجادة لأنه ليس له حجره، وليس لأحد فيه إلا موضع صلاته، ومن سبق فهو أولى، ولم أعلم أحداً قال إن السبق للسجادات، وإنما هو لبني آدم، فوقع في الغصب لمنعه السابق إلى ذلك المكان، ومنها تخطي رقاب المسلمين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسراً إلى جهنم. رواه الإمام أحمد، وقال عليه الصلاة والسلام: من تخطى رقبة أخيه جعله الله جسراً. رواه الإمام أحمد، وظاهر كلام القرطبي في تفسيره في سورة المجادلة أنه يستحق السبق بذلك، فإنه قال: إذا أمر إنسان أن يبكر إلى الجامع فيأخذ له مكاناً يقعد فيه، فإذا جاء الآمر يقوم له منه المأمور ويقعد الآمر فيه فلا يكره، لما روي أن ابن سيرين كان يرسل غلامه إلى مجلس له يوم الجمعة فيجلس فيه، فإذا جاء قام له منه. ثم قال: وعلى هذا من أرسل بساطاً أو سجادة لتبسط له في موضع من المسجد. انتهى.ونقله ابن فرحون في تاريخ المدينة محتجاً به.. وتخريجه إرسال سجادة على إرسال الغلام غير ظاهر، فالصواب ما تقدم عن صاحب المدخل من أن السبق بالفرش لا يعتبر.

    وقال أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: ليس لأحد أن يتحجر من المسجد شيئاً، لا سجادة يفرشها قبل حضوره ولا بساطاً ولا غير ذلك، وليس لغيره أن يصلي عليها بغير إذنه، لكن يرفعها ويصلي مكانها في أصح قولي العلماء. انتهى.

    وقال رحمه الله في موطن آخر: فمن سبق إلى بقعة من المسجد لصلاة أو قراءة أو ذكر أو تعلم علم أو اعتكاف ونحو ذلك، فهو أحق به حتى يقضي ذلك العمل، ليس لأحد إقامته منه، فإن النبي صلى الله عليه وسـلم نهى أن يقام الرجل من مجلسه، ولكن يوسع ويفسح، وإذا انتقض وضوؤه ثم عاد، فهو أحق بمكانه، فإن النبي صلى الله عليه وسـلم  سن ذلك، قال: “إذا قام الرجل من مجلسه ثم عاد إليه، فهو أحق به”.

    وقال رحمه الله في موطن آخر: ليس لأحد أن يفرش شيئاً ويختص به مع غيبته، ويمنع به غيره، هذا غصب لتلك البعقة، ومنع للمسلمين مما أمر الله تعالى به من الصلاة، والسنة أن يتقدم الرجل بنفسه، وأما من يتقدم بسجادة فهو ظالم إن لم ينته عنه، ويجب رفع تلك السجاجيد، ويمكن الناس من مكانها، هذا مع أن أصل الفرش بدعة، لا سيما في مسجد النبي صلى الله عليه وسـلم، ولما قدم عبد الرحمن بن مهدي من العراق وفرش في المسجد أمر مالك بن أنس بحبسه تعزيراً له حتى روجع في ذلك، فذكر أن فعل هذا في مثل هذا المسجد بدعة يؤدب صاحبها. وعلى الناس الإنكار على من يفعل ذلك والمنع منه، لا سيما ولاة الأمر الذين لهم ولاية على المسجد، فإنه يتعين عليهم رفع هذه السجاجيد، ولو عوقب أصحابه بالصدقة بها لكان هذا مما يسوغ في الاجتهاد. انتهى

  • تأهيل أوراق الكتب الدينية

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فلا يجوز إعادة تأهيل تلك الأوراق لتستعمل فيما يمتهن كأوراق التواليت والمناديل الورقية وغيرها مما يكون محلاً للنجاسات والقاذورات؛ ولا مانع شرعاً من إعادة تأهيل تلك الأوراق التي تحوي نصوصاً من الكتاب والسنة؛ للاستفادة منها في أغراض مشروعة؛ وذلك عن طريق تقطيعها بآلات طاهرة، ثم تبييضها وكتابة مواد أخرى نافعة عليها، وذلك للآتي:

    أولاً: أنه قد انتفت الفائدة من استعمالها بالصورة التي كانت عليها؛ ولم يبق إلا أحد احتمالين إما بإتلافها وإحراقها، وإما إعادة تأهيلها لتستعمل في أغراض مشروعة؛ ومعلوم أن في إتلافها وإحراقها إهداراً للمال، ((والله لا يحب الفساد)) وقد كره لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال

    ثانياً: أنه ليس في التعامل معها بتلك الوسيلة امتهان لها ولا انتقاص لقدسيتها بل إحاطة لها بكل وسائل الرعاية والتوقير والاحترام ((ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه)) ((ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب))

    ثالثاً: أنه قد عُهد عن العلماء العاملين والأئمة الربانيين رحمهم الله – كالإمام النووي – التعامل بمثل ذلك ولنا فيهم أسوة حسنة، والله تعالى أعلم

  • تأخير زكاة الفطر عن يوم العيد

    ما حكم من لم يخرج زكاة الفطر حتى ذهب موعدها، أي أتى العيد وهو لم يخرجها؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فزكاة الفطر فريضة أوجبها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كما في صحيح البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال {فَرَضَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم صَدَقَةَ الْفِطْرِ، أَوْ قَالَ رَمَضَانَ – عَلَى الذَّكَرِ وَالأُنْثَى وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُعْطِي التَّمْرَ فَأَعْوَزَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنَ التَّمْرِ فَأَعْطَى شَعِيرًا فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي، عَنِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ حَتَّي إِنْ كَانَ يُعْطِي عَنْ بَنِيَّ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُعْطِيهَا الَّذِينَ يَقْبَلُونَهَا وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ، أَوْ يَوْمَيْنِ} وفي صحيح مسلم عنه رضي الله عنه {فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ أَوْ حُرٍّ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ} وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما بيان لوقتها مع بيان الحكمة من فرضها حيث قال {فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاَةِ فَهِي زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاَةِ فَهِي صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ} رواه أبو داود، وفي سنن الترمذي

    فيجب على المسلم إخراج هذه الصدقة عن نفسه وعمن يعولهم من المسلمين في وقتها المشروع، وهو يوم العيد قبل صلاة العيد، أو قبل العيد بيوم أو يومين؛ أو بالقدر الذي تصل فيه إلى مستحقيها إذا كانوا خارج بلد المزكّي؛ ولا ينبغي له تأخيرها عن ذلك الوقت عامداً ذاكراً؛ فإن فعل أثم وعليه التوبة إلى الله ويلزمه قضاؤها؛ لأنها عبادة فلم تسقط بخروج الوقت كالصلاة ، ولأنها دَيْن ثابت للفقراء في ذمته؛ أما إذا كان تأخيرها نسياناً أو عجزاً فلا إثم عليه؛ لقوله تعالى ((ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) وعليه  قضاؤها، والله تعالى أعلم.

  • العمل في صالات المناسبات

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فالأصول التي يُبنى عليها الجواب عن هذا الاستفتاء هي:

    أولاً: قوله تعالى {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}

    ثانياً: قوله صلى الله عليه وسلم “إن الله تعالى إذا حرم شيئاً حرم ثمنه” رواه ابن حبان والدارقطني من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وقد صححه الألباني والأرناؤوط

    ثالثاً: القاعدة الفقهية بأن العبرة للأعم الأغلب لا للشاذ النادر

    إذا تبين هذا يكون الجواب عن جملة من الأسئلة محدداً للفتوى:

    أولاً: ما هي طبيعة عمل تلك الصالات؟

    ثانياً: هل تمارس أنشطة مباحة أم محرمة؟

    ثالثاً: ما الذي يغلب على أعمال تلك الصالات من حيث الحل والحرمة؟

    رابعاً: هل عمل تلك المنشأة الاستثمارية قاصر على تأجير الصالات أم لها نشاطات أخرى؟

    ومبلغ علمي أن عمل تلك الصالات قائم على تأجيرها من جماعات من الناس لمقاصد مختلفة؛ فمنهم من يستأجرها لمناسبات الأعراس، ومنهم من يستأجرها لعقد مؤتمرات أو اجتماعات لأغراض مختلفة سياسية واجتماعية وفنية – كحفلات التخريج – وأغلب هذه الأنشطة لا تخلو من أمور محرمة تتمثل في:

    أولاً: الاختلاط المشين بين الرجال والنساء بغير ضوابط شرعية ولا آداب مرعية

    ثانياً: ما يكون فيها أحياناً كثيرة من رقص مختلط لا يقره الشرع

    ثالثاً: ما يحصل فيها من غناء ماجن وما يصحبه من موسيقى مزعجة

    رابعاً: ما يكون من تأجيرها أحياناً لبعض الجهات التي تحمل أفكاراً مخالفة للدين، كالأحزاب الداعية للأفكار الإلحادية والعلمانية

    خامساً: قد تؤجر لبعض المنظمات والجمعيات العاملة على تدمير المجتمع وتعريته من الفضائل والمكارم

    عليه: إذا كان عمل تلك المنشأة الاستثمارية قائماً على تأجير تلك القاعات فقط؛ أو كان ذلك هو الغالب على عملها فخير لك أن تبحث عن مكان آخر لتعمل فيه وتقتات حلالاً طيباً، والعلم عند الله تعالى.

  • الأضحية بالتقسيط

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد اتفق أهل العلم على أن الأضحية لا تجب على من لا يملك ثمنها، بل وجوبها ـ عند من يقول بالوجوب ـ أو سنيتها على قول الجمهور مقيدة بالاستطاعة؛ لعموم قوله تعالى )لا يكلف الله نفساً إلا وسعها( وقول النبي صلى الله عليه وسلم {ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم}

    والواقع أن بعض المؤسسات أو الجهات ـ حكومية أو خاصة ـ قد تتيح لمنسوبيها أن يتملكوا الأضحية عن طريق القرض؛ بمعنى أن يضحوا ثم يُقسَّط ثمن الأضحية عليهم بأقساط معلومة؛ وهذه معاملة مشروعة، وهم مأجورون على ذلك ـ أعني المقرض والمقترض ـ إن كانت نيتهم إحياء السنة وإظهار هذه الشعيرة الإسلامية العظيمة، والتوسعة على الأهل والعيال والفقراء والمساكين. قال أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: ويضحي المدين إن لم يطالب بالوفاء، ويتدين ويضحي إذا كان له وفاء.[1] والعلم عند الله تعالى

    [1] مجموع الفتاوى 26/305

  • حكم الطاعنين في العلماء والجماعات الإسلامية

            الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

            فإن الدعوة إلى الله هي أشرف المهام وأفضلها،  قال تعالى {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين} والمشتغلون بها هم السائرون على خطى النبيين والمرسلين؛ قال تعالى {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى وسبحان الله وما أنا من المشركين} وما زالت جماهير المسلمين للدعاة موقرين ولجهودهم مقدِّرين، ولا تجد من بين الناس من يشنؤهم وبالشر يذكرهم إلا مريض قلب أو مشيع فاحشة أو ساع بفساد من عتاة العلمانيين وجحافل الملحدين، ممن صار دينهم وديدنهم التشنيع على الدعاة وإلصاق التهم بهم وتنفير الناس منهم وإطلاق الأكاذيب والشائعات عنهم، وقد قال رسول الله صلى الله علـيه وسلم: أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «فَإِنَّ شِرَارَكُمُ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفْسِدُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، الْبَاغُونَ الْبُرَءَاءَ الْعَنَتَ» رواه أحمد من حديث أسماء بنت يزيد رضي الله عنها.

            وما زال المسلمون يظنون ظن السَّوء بمن كان همُّه الطعنَ في الدعاة إلى الله تعالى؛ حتى نبتت في بلادهم نابتة تتظاهر بسمت الدين وتستدل بنصوصه وهم يصبحون ويُمسون في هتك أستار الدعاة إلى الله تعالى ونشر الترهات عنهم وتربية فئام من الشباب على الحطِّ من قدرهم والدعوة إلى بغضهم والبراءة منهم، وكل ذلك – ولا حول ولا قوة إلا بالله – باسم التوحيد والسنة وحمل لواء الجرح والتعديل، وقد يستخدمون في ذلك الخطابة في الساحات العامة أو الكتابة على وسائل التواصل والصحف السيارة أو تسجيل مواد وبثها على شبكة المعلومات، وقد سلم من ألسنة هؤلاء اليهود والنصارى ودهاقنة العلمانيين وأعداء الدين، وأعملوها بالليل والنهار – طعناً وتجريحاً – فيمن يصبحون ويمسون وهم يعلِّمون الناس كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله علـيه وسلم ويدعونهم إلى التمسك بهما والدعوة إليهما.

            وهذه النابتة – وقى الله المسلمين شرها – لهم علامات يُعرفون بها وشارات تدل عليهم وعلى سوء مسلكهم وفساد منهجهم، {ولتعرفنهم في لحن القول} ومن ذلك:

    1- أنهم لا يتورعون عن رمي كل من لم يوافقهم – في سوء مشربهم – بالبدعة أو الفسق أو غير ذلك، وما تزال تلك الصفة بهم حتى رمى بعضهم بعضاً بما رموا به غيرهم بالأمس، بل تمادى بهم الحال حتى كفَّر بعضهم بعضا، وحذَّر بعضهم من بعض

    2- يعمدون إلى رمي الجماعات الدعوية العاملة للإسلام بكل نقيصة بدعوى (الحرب على الحزبية) في حين أن الحزبية متجذِّرة فيهم بل عملهم في الحرب على الدعاة عمل حزبي منظَّم ودقيق

    3- يشوشون على الشباب بتهم جاهزة يلصقونها بالدعاة إلى الله تعالى؛ ففلان خارجي، وفلان سروري، وفلان حزبي، وفلان الآخر مبتدع، وفلان مداهن، وفلان مهيِّج، وفلان ضال مضل، أما فلان فهو أخطر من اليهود والنصارى، ويقولون: يجب تقديم حربهم على حرب اليهود!!

    4- كل من أمر بمعروف أو نهى عن منكر أو نبَّه على أمر يهم جماهير المسلمين فهو – بميزانهم المطفِّف الجائر – داعيةُ فتنة ورأس ضلالة لا يجوز السلام عليه ولا الجلوس معه ولا الاستماع إليه ولا أخذ العلم عنه، بل التحذير منه واجب

    5- لم يعرف عن هذه الشرذمة نشرٌ للعلم بتفسير للقرآن ولا شرح للسنة ولا بيان لأحكام الفقه ولا دعوة إلى هدي السيرة النبوية بل جل همِّهم في السخرية من عباد الله – خاصتهم وعامته – والهمز واللمز والطعن واللعن

    6- يتهمون النيات بلا دليل؛ حين يتلقفون كلاماً مكتوباً أو مسموعاً فيحملونه على أسوأ المحامل، بل يعمدون في كثير من الأحيان إلى الكذب الفاضح والإفك المبين

    7- سوء الأدب والتنابز بالألقاب سمة ظاهرة في خطابهم، بل إنهم ليستخدمون من الألفاظ والتعبيرات والإيحاءات ما يترفَّع عنه عوامُّ المسلمين ممن تربَّوا على مكارم الأخلاق في توقير الكبير وإنزال الناس منازلهم

    8- مناصرة الطغاة في كل مكان؛ فتجد أقرانهم وأضرابهم ممن أشربوا المنهج المعوج نفسه في ليبيا مناصرين للقذافي عدو الله ورسوله، ثم بعد هلاكه هم مناصرون لخليفته حفتر حين يصفونه بالإمام ويصمون مخالفيه بأنهم خوارج بل لا يتورعون عن القتال معه، وهم في مصر مع حسني مبارك فلما دالت دولته هم مع السيسي، وهكذا

    9- مبالغتهم في مدح شيوخهم – وأغلبُهم نكرات – فيصفون الواحد منهم بالعلامة والإمام وأسد السنة وقامع البدعة وشيخ الإسلام، وفي الوقت نفسه يمتحنون الناس بمن لا يحبون من أهل العلم والفضل فمن كان يسمع لفلان أو فلان فهو على شفا هلكة وباب ضلال!!

    10- سلوكهم مسلك الخوارج الضالين حين يعمدون إلى آيات نازلة في الكفار فيطبقونها على المسلمين، ويحملون أقوال أئمة السلف في التحذير من أهل البدع على الدعاة المنتسبين إلى أهل السنة الحاملين لواءها

            وليس شر تلك الطائفة قاصراً على هذه البلاد بل ممتد إلى بلاد شتى ومناطق كثيرة في بلاد المسلمين وغيرها، وهم يسعون بالفساد في الأرض وصرف الناس عن الدعاة إلى الله في كل مكان بما يثيرون من شبهات ويختلقون من اتهامات يلصقونها بأولئك الأخيار، مما يشي بأن جهة ما توجههم وتموِّلهم وتسعى في نشر باطلهم والترويج لإفكهم شغلاً للناس بالباطل عن الحق

            وإن مجمع الفقه الإسلامي يودُّ بيان جملة من الحقائق في هذه النازلة التي أقضت مضاجع المصلحين وأرقت نفوس الطيبين:

    أولاً: أن واجبا على كل مسلم توقير أهل العلم والفضل؛ عملاً بقول رسول الله صلى الله علـيه وسلم فيما رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه (إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط) رواه أبو داود، ومن توقيرهم إحسان الظن بهم وحمل أقوالهم على أحسن المحامل، والتماس العذر لهم فيما اجتهدوا فيه من قول أو فعل أو استدلال.

    ثانياً: على كل مسلم أن يعلم أنه لا أحدَ معصومٌ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال مالك رحمه الله (كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم) ويقول ابن القيم رحمه الله “فلو كان كل من أخطأ أو غلط تُرِكَ جملةً، وأُهدرت محاسنه لفسدت العلوم والصناعات والحِكَم وتعطلت معالمها” ويقول كذلك رحمه الله “ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعًا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدمٌ صالح، وآثارٌ حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل مأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يُتبع فيها ولا يجوز أن تُهدر مكانته وإمامته في قلوب المسلمين.ويقول رحمه الله: “من قواعد الشرع والحكمة أيضًا أن من كثرت حسناته وعظمت، وكان له في الإسلام تأثير ظاهر، فإنه يُحتمل له ما لا يُحتمل لغيره، ويُعفى عنها ما لا يُعفى عن غيره” وقال الإمام الذهبي ملتمسًا العذر لقتادة في مسألة خالف فيها الصواب: “لعل الله يعذر أمثاله ممن تلبَّس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه، وبذل وسعه، والله حكمٌ عدلٌ لطيفٌ بعباده، ولا يُسأل عما يفعل. ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كَثُرَ صوابه، وعُلم تحريه للحق واتسع علمه وظهر ذكاؤه، وعُرِف صلاحُه وورعُه واتباعُه، يغفر له زللـه ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك”

    ثالثاً: على المسلم أن يعلم أن الأمور التي تُنتقد على بعض الدعاة أو العلماء أمورٌ اجتهادية يسوغ فيها الخلاف، وقد يكون الخلاف فيها قد حصل بين أسلافنا ولم ينكر بعضهم على بعض؛ فيأتي بعض هؤلاء محذِّراً بأن فلاناً قد خالف السنة وانحرف عن المنهج؛ إلى آخر تلك التهويلات التي غايتها صرف الناس عن أولئك الدعاة. إن الواجب على هؤلاء أن يتقوا الله جل جلاله وأن يعلموا أن لحوم العلماء مسمومة، وأن سنة الله في أخذ من انتقصهم معلومة، ومن وقع في أعراض العلماء بالثلب، ابتلاه الله قبل موته بموت القلب، ونذكِّر الجميع بقوله تعالى {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبينا}

    رابعاً: ما ينبغي للإنسان أن يحسن الظن بنفسه ويسيء الظن بالمسلمين؛ خاصة أئمتهم ودعاتهم وأهل العلم فيهم؛ بل عليه أن يتمثل دائماً قول الله تعالى {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} وقول النبي صلى الله عليه وسلم (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث) وما يقع فيه بعض من يدعو إلى الله من الظن بنفسه خيراً وأنه داعية التوحيد وأسد السنة وقامع البدعة، وفي الوقت نفسه يظن بكثير من الدعاة ـ ممن ليسوا على مشربه ـ أنهم مداهنون في دين الله، ممتنعون عن الجهر بالحق إنما هو من تلبيس إبليس، ويُخشى على هؤلاء أن يكونوا ممن قال الله فيهم {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ^ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} بل على المسلم أن يسيء الظن بنفسه ويحسن الظن بالمسلمين؛ خاصة من كان أكبر منه سناً وأكثر علماً وأعظم سابقة.

    خامساً: إن مسلك هذه الفئة الباغية – في الرد على بعض البدع الاعتقادية أو العملية – ليست من الدعوة إلى الله في قبيل ولا دبير، وطريقتهم هذه لن تهدي ضالاً ولن ترشد حائراً، بل غايتها زرع العداوة والبغضاء في قلوب المؤمنين تجاه بعضهم وتدريب الناشئة على الوقوع في أعراض أهل العلم والفضل، وإثارة الكراهية بين طوائف المسلمين؛ ومفسدة كلامهم تربو على مصلحته إن كان في كلامهم مصلحة؛ فما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه،

    سادساً: على هؤلاء الطاعنين في أهل العلم والدعوة والجهاد أن يعلموا أنهم ـ قصدوا أو لم يقصدوا ـ إنما يخدمون هدفاً بعيداً لأعداء الملة، الذين يرومون الطعن في كل من عُهد عنه تأثير في الصحوة المعاصرة التي أقضت مضاجع اليهود والصليبيين والملاحدة، فيعمدون إلى انتقاصهم ورميهم بالتهم الباطلة تنفيراً للناشئة منهم، وإشاعة لقالة السوء عنهم؛ حتى يغلب سوء الظن على المسلمين وينفضوا أيديهم من الدعاة والمصلحين

    سابعاً: غلب على هؤلاء اتهام من لا يوافقهم في سخريتهم ولمزهم للناس بأنه لا يتكلم في التوحيد، وجعلوا من ذلك مرقاة للطعن في الدعاة، وقد اتخذها بعض الناس سبيلاً للصد عن فلان وفلان من الناس، وما يدري هؤلاء أن الدين كله توحيد، وأن الداعية البصير قد يتناول التوحيد ويشرحه ـ ربما خيراً منهم ـ حين يتحدث عن السيرة أو التفسير أو الحديث أو الفقه، فالعلوم الإسلامية متضافرة يخدم بعضها بعضاً، وليس بالضرورة أن يكون عنوان الدرس (التوحيد) من أجل أن يكون توحيدا؛ فإن الله تعالى ما تعبدنا بالأسماء، والنظر الشرعي إنما يكون في المضامين لا العناوين، ثم إن هذا الداعية الذي رمي بأنه لا يتكلم في التوحيد قد يكون متكلماً فيه مراراً، بل قد ختم فيه متوناً، ولكن القوم يغلب عليهم سوء الظن والإعجاب بالرأي.

    ثامناً: بعضهم يفهم أن التوحيد معناه الاستطالة في أعراض المسلمين وتناول الأحياء منهم والميتين بأسلوب ساقط وقول شائن، ينفِّر القلوب ويورث العداوة والبغضاء، ويلبِّس عليه الشيطان بأن في هذا تحذيراً من البدع وأهلها، وقد علمنا من قطعيات الدين بأن الرفق لا يعدله شيء، وأن لين القول والمجادلة بالحسنى والدفع بالتي هي أحسن أمور مطلوبة مع الكافر الأصلي؛ فكيف بالمسلم الذي تلبَّس بشيء من البدع أو المعاصي؟ فكيف لو كانت تلك التي توصف بالبدع أموراً مختلفاً فيها وقد قال بها من أئمة العلم الأقدمين والمحدثين كثيرون؟ ألا فليعلم المنصفون أنه لا تلازم بين الدعوة إلى ما كان عليه المصطفى صلى الله عليه وسلم من الهدى والنور وبين الوقوع في أعراض الناس، وهمزهم ولمزهم أحياء كانوا أو أمواتا.

    تاسعاً: الانتماء إلى الإخوان المسلمين أو الحركة الإسلامية أو أنصار السنة أو جماعة التبليغ أو غيرها من الجماعات التي تدعو إلى الله ليس تهمة ننفر منها ونتبرأ من تبعاتها؛ بل نقول: إن من انتمى إلى هذه الجماعة أو تلك تعاوناً مع أفرادها على البر والتقوى، واستعصاماً بالجماعة التي تمنع الشذوذ في الفكر أو الضلال في الرأي، وطلباً للأصلح له في دينه ودنياه، ولم يكن تعصبه للجماعة وشيوخها، بل كانت حميته للدين وعموم المسلمين فهو مأجور إن شاء الله، مع يقيننا بأنه لا تسلم جماعة من خطأ أو تقصير، مثلما لا يسلم الدعاة والمربون والعلماء العاملون وعامة المسلمين، فإنه لا أحد معصوم بعد النبي الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فهؤلاء الذين يرفعون في وجوه من خالفوهم بأنهم إخوان أو كذا أو كذا ما ينبغي أن يُعوَّدوا على أنهم كلما أطلقوا هذه التهم سارع المتَّهَم بالتبرؤ والنفي، بل نقول لهم: إن الإخوان وغيرهم قد يكونون خيراً عند الله منكم؛ ورحم الله من عرف قدر نفسه، وطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس.

    عاشراً: واجب على من بسط الله يده وولاه أمر المسلمين أن يكفَّ أذى أولئك الطاعنين في العلماء والأئمة والدعاة، وأن يأخذ على أيديهم ويمنع شرهم عن الناس، وذلك بإنزال العقوبة الرادعة لهم والزاجرة لغيرهم عن تعاطي مثل فعلهم؛ لأن غاية أقوالهم وأفعالهم تكدير السلم وإثارة الضغائن وزرع الكراهية بين طوائف المسلمين، وهم يخدمون أعداء الإسلام حين يُفقدون الشباب الثقة في العلماء والدعاة؛ فيصير الشاب بعدها عرضة للجماعات الغالية التي تعيث في الأرض فسادا باسم الجهاد، أو التيارات الإلحادية العاتية التي لا ترجو لله وقارا، وفي كلا الحالين يكون الخاسرون هم المسلمين.

            نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يهدي ضال المسلمين، وأن يكف عنهم بأس الذين كفروا والله أشد بأساً وأشد تنكيلا.

    وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،،،،

  • بناء مسجد بمال تجارة التمباك

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

    فقد صدرت فتوى مجمع الفقه الإسلامي بالسودان مقررة حرمة تناول التمباك وحرمة الاتجار فيه والإعلان عنه والترويج له؛ لما ثبت يقيناً من ضرره البالغ على صحة الإنسان.

    وعليه فإن من اكتسب مالاً من الاتجار في هذه المادة الخبيثة – وهو يعلم حرمة ذلك – فواجب عليه أن يتخلص من ذلك المال بإنفاقه في وجوه الخير، والتي منها بناء المساجد لأن المال الحرام يجب على صاحبه التخلص منه، ومن الأوجه التي ينفق فيها: بناء المساجد والمدارس والمستشفيات وغيرها من المرافق التي يعود نفعها على جمهور المسلمين… قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في المجموع: فرع: قال الغزالي: إذا كان معه مال حرام وأراد التوبة والبراءة منه فإن كان له مالك معين وجب صرفه إليه أو إلى وكيله، فإن كان ميتاً وجب دفعه إلى وارثه وإن كان لمالك لا يعرفه ويئس من معرفته فينبغي أن يصرفه في مصالح المسلمين العامة كالقنطار والربط والمساجد ومصالح طريق مكة ونحو ذلك مما يشترك المسلمون فيه وإلا فيتصدق به على فقير أو فقراء .ا.هــــــــــــــــــــــ
زر الذهاب إلى الأعلى